د. إياد قنيبي
هذه الرواية هي للباحثين عن الفائدة مع المتعة.. واقعية فيها دروس عميقة وعصارات تجارب ومشاهدات كثيرة.. الإخوة الذين أطلعتهم عليها اتفقوا على أن التشويق فيها يزيد مع التقدم في القصة، بحيث "تعلق" في نهاياتها ويصعب عليك تركها قبل إتمامها.. ليست محصورة في سن معين، بل نقدر أنها مناسبة من سن الثانية عشرة أو الثالثة عشرة فصاعدا...
أردتها أن تكون رواية يقرأها القارئ وحده، أو يقرأها الأب أو الأم مع أبنائهما على شكل جرعات يومية، فتجتمع العائلة على شيء نافع مسل، ثم يمكن أن يناقشوا مواقفها وفوائدها، ويبسط الوالد المفاهيم للأبناء الأصغر سنا..
قسمتها إلى 26 فصلا، يحتاج كل منها ما معدله 15 دقيقة في القراءة..
ملاحظة: الأسماء المذكورة في الرواية هي على سبيل التمثيل فقط، ولا يقصد بها أشخاص معينون إذا وقع تشابه في الأسماء، كما لا يقصد به ذم تجارة معينة. فكل ما تم وصفه من ممارسات وسلوكيات يقع فيه أناس كثيرون.
يسرنا سماع ملاحطات القراء على: [email protected]
د. إياد قنيبي
إيناس (1)
"صادق، أنا في الطريق حتى آخذك لاستقبال أخيك أشرف... فرحتنا اليوم فرحتان: نجحت في اختباراتك، وانتهت محنة أشرف التي استمرت ثلاث سنوات"...
"آآآآه! ثلاث سنوات، ما أكثر أحداثها وتقلباتها...عن عمري الماضي كله! ها أنا أرى الشيب في رأسي ومع ذلك لم أولد إلا من شهور!
كيف سأستقبل أشرف؟ يجب أن أكون حذرا جدا لئلا أنفره!
لن ألومه على ما تسبب لي به من خزي، بل سأعوضه عما بخلت به عليه من حنان واهتمام طوال السنوات الماضية...
كيف أؤثر عليه ليختار الخيار الصحيح بين جناح فاره في قصر جده وغرفة مشتركة في شقة متواضعة؟
كيف أساعده لضبط بوصلته ورفع اهتماماته، ولئلا يقع فيما وقع فيه سابقا؟
شاب في الحادية والعشرين...في مثل عمري يوم دخلت مضمار السباق الخطأ!..كيف أقنعه ألا يدخل المضمار نفسه ولا يكرر خطأ أبيه؟
كيف أنصح معه أخاه صادقا ذا الثمانية عشر عاما حتى لا يؤخذ بنجاحه في الثانوية العامة فيدخل مضمار السباق الخطأ هو الآخر؟!
النصح المباشر لا ينفع مع هؤلاء الشباب...فلأحدثهم بالقصص... القصص؟! هواية أختهما إيناس المفضلة...قراءة القصص على الكنبة بجانب مكتبة غرفة المعيشة في البيت الذي عشنا فيه سنين أنا وثالثتهم مع أمهم حنان...
حنان؟!....هل أشفق عليك أم أغضب؟! لك علي ديون بعملة المشاعر...أحببتني وأعطيتني الفرصة....وتلوح لي مؤخرا كثيرا نظراتك وأنت ترتجيني...هل أكتفي بإنقاذ نفسي أم أمد يدي إليك؟
بأي قصة أحدث ولدي؟...بأي قصة...بأي قصة... لماذا لا أحدثهما....بقصتي أنا؟! بقصتي أنا مع أنهما ولداي؟!
نعم، فقد عاشا معي ولم يعيشا! ورأيا نهايات قصتي ولم يريا مبتدأها... هل سأقص عليهما أحداث خمسة وأربعين سنة عشتها؟!
نعم، سألخصها في ساعات بأحداثها المتسارعة، وفوائدها العظيمة، مع آلامها وآمالها... لكن هل أكون صريحا معهما كما كنت صريحا يوم حدثت إيناسا بورطتي؟!
نعم، سأصارحهما...سأقدم لولدي عصارة تجاربي لتكون بمثابة "مطعوم" يمنحهما المناعة فلا يتخبطا لعقود من عمريهما في التيه.. سأحدثهما كيف يحقق المرء كل ما تمناه ولا يحققه في الوقت ذاته!
سأحدثهما عن ضريبة الحفر طويلا للبحث عن الكنز في المكان الخطأ!
سأحدثهما عن الغرق في الرمال المتحركة والعذاب بالنعيم والشرب من ماء البحر!
سأحدثهما عن أبي الذي بذر في قلبي بذرة لم تنم ولم ير لها ثمر لسنوات طويلة، لكنها لم تمت!
سأحدثهما عن أمي التي جرحتني بعمق لسنين طويلة إلى أن جاءتني البشارة...
سأحدثهما عن عمهما أمجد الذي لم يفصل بيني وبينه إلا غرفة أمي، ومع ذلك كان بيني وبينه في عالم الروح سنوات ضوئية!
سأحدثهما عن القصاصة التي بحثت عنها حثيثا في غرفة أمي، في دواليبها...تحت مخدتها...تحت سريرها وفي كل زاوية من زوايا الغرفة...
وعن رحلة البحث المشابهة بعد 23 عاما!
سأحدثهما عن ضحيتي الأولى وكلماته الثلاث التي أفزعتني، ثم رسالته بعد سنين طويلة...
سأحدثهما عن المكالمة التي فصلتها مرارا من أخي سعيد، ثم تمنيت أني لم أفعل!
سأحدثهما عن المكر الذي يلبس ثوب الحكمة، ومخادعة النفس، والتعامل مع يقظة الروح كأنها أمر قابل للتأجيل بنية استجلابه بزر استحضار يوما ما!
سأحدثهما عن معنى ألا تستطيع ترك ما اعتدت عليه مع أنك لم تعد تستمتع به بل يؤذيك وأنت تعلم!
سأحدثهما عن الحياد الكاذب...كيف يخدر المرء نفسه أنه لم يشارك في الأذية مع أن بإمكانه منعها...لكنه لا يفعل لأنه راض عن نتائجها!
سأحدثهما عن جرأة فتاة قررت أن تخالف والديها العاقين ولا تقبل لنفسها أن تكون جزءا من "ديكور" شخصيتهما!
سأحدثهما عن يوم تمنيت ألا تغرب شمسه مع أنه لم يكن باليوم الجميل!
سأحدثهما عن رهبة إلقاء أغلال تضعها أنت بنفسك حول عنقك!
سأحدثهما بهذا كله.... لكن...هل سأتحمل كم الألم في هذا كله؟! وهل يتحمله معي أشرف وصادق؟
علي أن أتحمل، فنهاية قصتي ليست حزينة...وتقلباتها مخاض ميلاد جديد... من أين أبدأ القصة مع ولدي؟
ربما من لقطة من يوم عادي قبل خمسة وثلاثين عاما تمثل شخصيتي وشخصيات أبي وأمي وإخوتي....يوم كنت في العاشرة من عمري... يوم استيقظت على صوت أبي "أبي السعيد":
أبي...الرجل الطيب العصبي صاحب بقالة "الأسرة" التي كدح فيها طويلا لينفق علينا ويعف نفسه وأسرتة عن إراقة ماء وجوههم في طلب المساعدة من الناس في الظروف الاقتصادية الصعبة التي مرت بها البلاد...
يوم سمعت حوار أمي "أم السعيد" لأبي:
أمي الحنون التي تزوجت أبي وهي في مقتبل شبابها، وتحملت ضيق وضعه المادي في سنواتهما الأولى وكانت وفية له حنونة علينا.
يوم استيقظت على رائحة البيض المقلي بالسمنة البلدية والشاي بالنعناع من بقايا الفطور...فقمت متثاقلا بعد سهر لمنتصف الليل على التابلت الذي أخفيته عن والدي...
لأرى أخي الأكبر سعيدا، ذا الستة عشر عاما متأنقا في لباسه، يسقي نباتات المنزل...
ولأرى تالة، الفتاة الرقيقة ذات الخمسة عشر عاما، تمسك بكتابها المفضل "افهم نفسك" وتنظر لأبي وهو "يبهدلني"...تحرك حاجبيها وتزم شفتيها وتهز رأسها كأنها تقول له:
ثم لأجلس على الطاولة حتى آكل مما تبقى، ببيجامة النوم وبشعر منفوش، فيبهدلني أبي:
ألرى عاصما، ذا الاثني عشر عاما، يغسل الصحون مع أمي، وهي تقول له -وتتعمد أن تسمعني-:
أتقدم للمغسلة، وكأن لا أحد عليها، فينظر إلي عاصم باستياء، وأنظر إليه وهو يلبس السماعات الطبية لمشكلة السمع التي يعاني منها...فيشير إلي بعينيه أن: "صبح على أمك على الأقل"!
أنهي طعامي...أتوجه لغرفتي المشتركة مع أمجد، "آخر العنقود" في بيتنا، ذي الثماني سنوات، يبحث عن كتبه ودفاتره المبعثرة ويرتجى تالة أن تساعده في البحث عنها لئلا تؤنبه المعلمة، خاصة وأنه ينوي أن يعمل مشكلة اليوم و"يخربش" على كتاب زميله أحمد كما خربش أحمد على كتابه أمس، فيريد أن يكسب المعلمة إلى صفه سلفا بترتيب أوراقه وكتبه...
يذهب سعيد وتالة وعاصم بسيارة عمي الأصغر "صهيب" إلى مدرستهم.
ويأتي باص مدرستنا أنا وأمجد...فيخرج له أمجد وأتأخر أنا .. يملأ الباص الحارة ضجيجا بصوت الزامور كما يتكرر كثيرا، ثم أخرج وأنا أضع قميصي في البنطلون وحقيبتي مفتوحة ورباط حذائي مفلوت وشعري منفوش...
هههه! ذكريات بيتنا في حي السرايا....الذي حلت محل بيوته البسيطة عمارات طويلة ومكاتب ومحلات تجارية...
سأبدأ لولدي بهذه الذكريات، ثم أطوي لهما المراحل وأختصر المسافات الزمنية لأقف معهما على مفاصل حياتي وعبرها"...
صعد صادق السيارة فقاطع صمت أبيه...
سنتركهما ينطلقان لاستقبال أشرف، ونعود إلى حيث تركنا سمير في قصته، لنعد منها خمسة أعوام، حين أصبح سمير في الخامسة عشرة...
كبر أبو السعيد وأصيب بضعف العضلة القلبية، فلم يعد قادرا على القيام بالبقالة وحده...جرب توظيف من يساعده في البقالة، لكنه لم يجد من يلائمه، خاصة مع عصبية أبي السعيد وعدم تحمله لأخطاء الموظفين.
كان سعيد مقبلا على السنة الرابعة من دراسة الهندسة المدنية... بينما عاصم في السابعة عشرة من عمره، طموح يحلم أن يدرس تصميم الأجهزة المساعدة على السمع ويبرز في هذا الفن ليساعد من يعانون مثله...عاد من المدرسة يوما فرأى أباه يلهث، واضعا يده على رأسه بضيق ظاهر:
"ما لك يا أبي؟"
"لا شيء..ارفع الكرتونة يا بني على هذا الرف"
كان أبو السعيد قد حاول رفعها لكنها ثقلت على قلبه الضعيف فسقطت منه..
أثر المنظر في عاصم...وتنازعه طرفان: حلمه بالنجاح في تصميم السماعات من جهة، ورغبته في التخفيف عن أبيه من جهة أخرى. وبعد أيام أخبر أباه بقراره التوقف عن متابعة الدراسة ليسنده في البقالة. حاول أبو السعيد أن يثنيه عن ذلك ليتابع دراسته، لكن عاصما أصر، وكان أبو السعيد في الواقع سعيدا بذلك لأنه يحتاج بالفعل سندا له في البقالة.
أحدث عاصم فرقا في بقالة "الأسرة"، وجوا جديدا...ومع حاجة الزبائن أحيانا إلى رفع أصواتهم ليسمعهم عاصم إلا أن حسن تعامله وابتسامته الطيبة كانت تجعلهم يفضلون ارتيادها على غيرها.
أما تالة فقد دخلت تخصص "علم النفس" في الجامعة، لكنها لم تجد فيه ما تبحث عنه من فهم النفس الإنسانية ومعرفة عوامل طمأنينتها. ونقاشها مع زميلاتها اللواتي يكبرنها أشعرها بأن السنوات القادمة لن تكون أحسن حالا بكثير. فتركت الدراسة الجامعية واستمرت في القراءة وحضور الدورات المتخصصة في التربية والصحة النفسية بشغف واهتمام.
أمجد الآن في الثالثة عشرة من عمره، بدأت تتشكل مالمح شخصيته المتأثرة بأخته الكبرى، وصديقته في نفس الوقت، تالة...وقد وضع لنفسه هدفا أن يكون طبيبا، فجد في دراسته والمطالعات التي تساعده على هدفه، وكان في الوقت ذاته يتردد على البقالة ليساعد أباه وعاصما.
أين سمير من هذا كله؟ صرف عليه أبوه كثيرا في المدارس الخاصة دون جدوى..فقرر نقله هذا العام إلى مدرسة أقل تكلفة...اعترض سمير، خاصة وأنه كان يأنس بأصدقائه في مدرسته.
كانت لحظة صفاء ذهن لدى أبي السعيد...فقال بنبرة هادئة:
"يا بني، أنت تذهب إلى المدرسة للتسلية، وأنا أرهقت من أقساط المدارس، وكله دون جدوى".
"أعدك يا أبي أن أشد همتي...أعطني فرصة".
"أعطيتك فرصا كثيرة وهددتك من قبل بالنقل وكل مرة تعدني وتخلف".
"آخر فرصة يا أبي..صدقني هذه المرة سأتغير".
أشفق أبو السعيد على ابنه، فأبقاه في مدرسته لكن بشروط:
"طيب ممنوع بعد الخامسة مساء تمسك أي موبايل أو جهاز إلكتروني، وعليك أن تدرس أولا بأول. والأهم أن تحافظ على صلاتك".
"طيب، موافق".
تحسن سمير بعدها، والتزم بصلاته وأقبل على الدراسة بالفعل، لكنه ما لبث أن عاد إلى الالهاء عن الدراسة...
أثار ذلك غضب أبيه..فتدخلت الأم وطلبت من تالة أن تكلم سميرا...
ساحلا في كرسيه وواضعا رجلا على رجل قال سمير:
"لماذا تالحقونني في موضوع المدرسة؟ عاصم خرج من المدرسة، وأنت خرجت من الجامعة...ما شاء الله عليكما ها أنتما مبسوطان"..
"ليس موضوعنا المدرسة والجامعة يا سمير..موضوعنا أن تكون جادا فيما أنت فيه، أن يكون لك مشروعك الذي تعمل عليه..عاصم يساعد أبي...أنا أتعلم وأعلم...أنت ما مشروعك؟ لو أنك تركت المدرسة وتعلمت ما ينفعك لما لمناك".
"أنا في الخامسة عشرة وتريدين مني أن يكون لي مشروع؟!".
"طبعا! بل وينبغي أن يكون لك مشروع من قبل هذا"...
طال النقاش وحوله سمير إلى هزل وتهرب...
في نهاية العام قرر أبو السعيد أن يخرج سميرا من المدرسة، وبدأ يبحث له عن حرفة تؤهله لكسب الرزق...
لكن سميرا لم يكن جادا في أي شيء يتوجه إليه!
فقد ترك تعلم النجارة لأن صاحب المنجرة يرهقه...
ثم ترك العمل في مطعم تابع لصديق أبي السعيد لأن الموظفين يكلفونه بتنظيف الأرض أحيانا...
ثم ترك التعلم عند ابن عمه الميكانيكي لأن المحل فيه "روائح كريهة"...
ثم ترك دورة تصميم مواقع النت لأنه وجدها "معقدة"...
ثم ترك دورة تصليح الموبايلات لأن المركز الذي تقدم فيه الدورة بعيد والمواصلات متعبة....
في النهاية، قرر أبو السعيد ألا يتعب قلبه -المتعب أصلا- أكثر من ذلك، واستسلم، ورفع يده عن سمير، فلم يعد يأمره ولا ينهاه ولا يوجهه، إلا بـ"بهدلات" غاضبة بين الحين والآخر..
مرت خمسة أعوام...كان سعيد قد تخرج وعمل في شركة هندسية وتزوج ورزق بولد (عبد الرحمن) وبنت (لين)، وهو الآن في السادسة والعشرين...محبوب، متقن لعمله، وله هيبة على ما فيه من تواضع....
تالة، ابنة الخامسة والعشرين، متزوجة من ابن عمها ولديها طفلاها "عائشة" و"محمود"...أصبحت اسما معروفا في عالم دورات التربية والصحة النفسية على صغر سنها. مرت حياتها مع زوجها ببعض التعثرات كونه سريع الانفعال...ولم تستطع بما أوتيت من علوم النفس أن تغير من طباعه كثيرا...لكنها مع مرور الوقت استوعبته أكثر فأكثر...
عاصم، سند أبيه، وسع البقالة وزاد أصنافها. وهو الآن في الثانية والعشرين، وقد خطب ابنة صديق والده اللحام. والغريب أن عاصما بدأ التدخين من سنتين مع تجنبه -كأبيه- لبيع الدخان في البقالة حرصا على الرزق الحلال، ويقول:
ويتكرر أن يسقط الديون عن بعض زبائنه المحتاجين.
أما أمجد، ابن الثامنة عشرة، فقد دخل كلية الطب بمنحة دراسية لتفوقه، وجعل التفوق في الطب اهتمامه الأكبر، إن لم يكن الأوحد، ليتفوق في سوق العمل الذي يشهد شيئا من البطالة وقلة الأجور في كثير من التخصصات بما فيها الطب.
في زيارة من تالة لبيت العائلة:
"تعال اجلس معنا يا أمجد. اشتقت لك"
"دقيقتين أنهي هذه الصفحات"
"هذه ثاني مرة تؤجلني...سنرى هاتين الدقيقتين!"
بعد دقائق:
"ها؟! مرت الدقيقتان وأكثر...سأغادر بعد قليل"
"صدقيني يا تالة علي أن أقرأ الموضوع متكاملا ألفهمه...أعطني دقيقتين"
"أمجد، تحتاج أن تتوازن...لا تكن أحادي الاهتمامات...أعط كل ذي حق حقه"
قام أمجد وجلس مع العائلة مع أن ذهنه في كتاب الفسيولوجيا!
ماذا عن سمير؟ سمير الآن في العشرين من عمره، وليس لديه عمل ولا شهادة ولا حرفة يتقنها ولا علم تعلمه، ولا هو متأهل للزواج وبناء أسرة. وحتى صلاته عاد يقصر فيها فيصلي يوما ويترك أياما...يعمل في البقالة مع أبيه وأخيه بشكل متقطع ليطلب من أبيه بعدها بعض المال الذي ينفقه مع أصحابه في رحالاتهم وتجوالاتهم...يبحث عن كسب سريع من بيعه -عبر الإنترنت- لبعض الملابس القديمة أو القطع المستعملة التي يحصلها من أسرته أو أقاربه...ويبقى عاطلا عن عمل الدين والدنيا أياما...وهمه اليوم الذي يعيشه فحسب.
كان أبو الأولاد "أبو السعيد" قد بلغ الثانية والستين من عمره...اشتد مرضه وتكرر إدخاله إلى المستشفى. فطلب من عاصم أن يعجل بالزواج ليشهد عرسه ولئلا تذهب الحوادث بهجة اليوم المنتظر.
ماذا حصل مع أبي السعيد؟
وكيف أثر ذلك على سمير؟
وكيف بدأ شتات سمير يرتكز في اتجاه واحد؟
وهل كان الاتجاه الصحيح؟
فلنتابع.
إيناس (2)
تزوج عاصم بحضور أبيه...وكانت فرحة للعائلة، بما فيهم أبو السعيد الذي حفظ لابنه عاصم وقفته معه وتضحيته بطموحه ليسنده... فكان وجهه مشرقا يحبس دموع الفرح وهو يرى ابنه عاصما عريسا...
بعد ثلاثة أسابيع من عرس عاصم، توفي أبو السعيد.
توفي وترك خلفه ذكرى طيبة وألسنة تلهج بالدعاء له.
والملفت للنظر أن سميرا، على ما فيه، لم يكن أقل حزنا وتأثرا من إخوته على موت أبيهم. فقد كان سمير "عالة" على أبيه كالطفل، فأحس بعد وفاته بالشوق الشديد إلى أبيه الذي لطالما تحمل حماقاته وحاول أن يساعده في شق طريقه دون جدوى! واشتاق حتى لـ"بهدلات" أبيه وعتابه له...
مع أن وفاة أبيه كانت متوقعة، إلا أنها كانت صدمة لسمير...جعلته يخرج من دوامة غفلته قليلا...فانتظم في صلاته وأصبحت تراه يجلس أحيانا في زاوية المسجد يقرأ القرآن...
كان بينه وبين أمه بعض الجفوة، إذ لطالما رد بجفاء وهي تنصحه وتحاول إيقاظه من غفلاته..بعد وفاة أبيه بدأ سمير يلتفت إليها:
بدأ يحاول التقرب إليها، وإن كان يجد صعوبة في ذلك. لكنه أحس بحاجته إليها وحاجتها لجبر خاطرها بعد وفاة زوجها، فتحسن تعامله مع أمه، وأصبح يعانقها ويقبلها إذا دخل البيت، بتكلف وتردد، إذ لم يعتد على إظهار العاطفة لها.
لكن أمرا ما بدأ يوتر سميرا!
في الأسبوع التالي لوفاة أبي السعيد، كان أبناؤه يجتمعون بشكل شبه يومي عند أمهم لتونيسها وتخفيف وحشة فقدها لزوجها...وبدأت مواضيعهم تعود للحديث عن حياتهم اليومية، فيتكلمون أمام سمير بكلام من مثل:
"كيف البقالة يا عاصم؟"
"الحمد لله...كلمت جارنا أبا أحمد لأستأجر منه مخزنه وأضمه إلى البقالة لتوسيعها..ماذا عنك يا سعيد؟"
"بعد انقطاع، جاء لمكتبنا مشروع جديد والحمد لله: تصميم جسر على دوار الزهور"
وأمجد يكلم تالة:
"كيف تفاعل طالباتك في دورات التربية؟"
"من أجمل ما يكون سبحان الله! بعضهن يقلن لـي: محاضراتك تؤلمنا من جهة، لأننا ندرك أننا مارسنا التربية على غير أساس، لكننا في المقابل أصبحنا نفهم أنفسنا أكثر، فضلا عن أولادنا، ونستمتع بتطبيق ما نتعلم عندك، بل ونفكر في الإنجاب من جديد لنبدأ مع أبنائنا الجدد بداية صحيحة....ماذا عنك أنت يا "وحش الطب"؟ ما مللت من القراءة؟"
"إذا مللت فتحت فيديوهات الفسيولوجيا والتشريح...من الطب إلى الطب، لا أستمتع بشيء آخر!"
"الله يستر من انغماسك هذا"
كان سمير يسمع هذه الحوارات ويفكر:
أحيانا وهم يتكلمون عن آخر أخبارهم وإنجازاتهم ينظرون إلى سمير بانتظار أن يقول هو ما عنده...ثم ينتبهون أنهم نظروا إلى الشخص الخطأ! فماذا سيكون عند سمير ليذكره؟! فيصرفون النظر عنه سريعا لئلا يحرجوه!
وكان هذا الموقف يشعر سميرا بأنه لا شيء!
ثم جاءت اللحظة الفارقة...
بعد أسبوعين من وفاة أبي السعيد، تلقى سمير مكالمة من أخيه الأكبر المهندس سعيد:
"سمير، نحتاج أن نجتمع لتقسيم الإرث".
"تقسيم الإرث؟! "...فكر سمير في نفسه...لم يكن هذا الموضوع قد خطر بباله بعد.
تم الاتفاق على الاجتماع في اليوم التالي.
جلس الأبناء لتقسيم الإرث... اتفق الإخوة على ألا يباع البيت حاليا حفاظا على شعور أمهم وذكرياتها فيه، فتبقى أم السعيد في البيت مع سمير وأمجد كونهما غير متزوجين.
ستقسم الأرض التي كان يملكها أبو السعيد على كل من زوجته أم السعيد وسعيد وتالة وأمجد...ويتملك عاصم بقالة "الأسرة" مقابل أن يدفع تسعة آلاف دينار لسمير، وبذلك ينال كل نصيبه الشرعي.
في هذا النقاش كله كان سمير قليل الكلام، تقترح أمامه الحلول والتقسيمات فيوافق، واجما مضطربا يشعر بشعور غريب...إنه شعور اليتم على كبر! كان من قبل "عالة" على أبيه... واآلن عليه أن يشق طريقه لوحده، وأن يتحمل مسؤولية نفسه...ولم يعد له من "أبوية" أبيه إلا هذه التسعة آالف دينار والسكنى في البيت الذي سيباع يوما ما. لا أحد من إخوته أظهر له دور الأب من حيث الاستعداد لتحمل نفقاته وتبعات قلة جديته. أحس سمير أن وفاة والده تركته "مكشوفا" بلا كنف يرعاه...
ولأول مرة، أحس سمير بمرارة الفرق الكبير بينه وبين إخوته، وبنوع من الحسد تجاههم!
غادر الاجتماع وهو يقول في نفسه:
"ماذا أفعل؟ لا أتحمل هذا الشعور! لا أريد أن أكون أقل من إخوتي.. كلهم عندهم عمل يدر عليهم المال أو شهادة أو دراسة، إلا أنا!"..."لكن ماذا أفعل؟ عشرون سنة ضاعت من عمري..كيف أجسر الهوة بيني وبينهم؟"
اجتمع شتات أفكار سمير على المال، على اعتبار أنه الشيء الذي يمكن أن يزاحم به إخوانه. "أريد أن أحصل على المال والمكانة بأي شكل، نعم...بأي شكل من الأشكال!"
كانت هذه لحظة دخوله مضمار السباق، مشحونا بالخوف من الوصف بالفشل، وألم الشعور بالدونية، ومستعدا للتبرير لنفسه... تجسير الهوة بنفس طويل، وتحمل تبعات تقصيره طوال السنوات الماضية لم يكن خيارا بالنسبة لسمير...إذ أنه قارن بإخوته، وجعل معيار المقارنة بينه وبينهم ماديا، فأبصر فرقا مؤلما..وهو لم يتعود أن يتحمل الألم ولا يصبر عليه...فاراد أن يغطي هذا الفرق بأي شكل.. "لكن كيف؟ من أين؟"
فكر سمير طويلا ثم قرر أن يجرب التجارة بالسيارات المستعملة. دخل تطبيقا للبيع على الموبايل وبدأ يستعرض السيارات وخصائصها ويرى أقربها إلى المبلغ الذي معه. وجد سيارة أعجبته، سأل صاحبها عن ثمنها فقال له:
ساوم سمير الرجل كثيرا إلى أن قبل بتخفيض السعر إلى (9300) دينار. كانت آلاف سمير التسعة التي ورثها من أبيه قد تناقصت على حاجياته وطعامه. فطلب من أخيه سعيد أن يقرضه (400) دينار فأعطاه، واشترى سمير السيارة. ثم انطلق بها إلى صديقه "هشام" صاحب محل تصليح سيارات:
بعدما تفحصها قال هشام:
كان هذا أول اختبار من نوعه لسمير وأمانته....فكر مترددا بين خوف الحرام من جهة، وشعار "أريد أن أحصل على المال بأي شكل" من جهة أخرى.
"أنت ما رأيك يا هشام؟"
"بكم ستبيعها؟"
"بـ 9900 دينار...رقم جذاب".
"عليك بكم؟"
لم يصارحه سمير..."علي بـ 9400".
سكت هشام قليلا، أشعل سيجارة، ثم قال:
"كل الناس يصلحون أي كلام...إذا الكل سيشتغل حسب الأصول لا أحد سيربح في المستعمل المحتاج لتصليح".
"لكن الواحد يخاف الحرام".
"أنا لم أقل لك أنا إذا صلحناها بقطع أرخص فستخرب بالتأكيد.. ممكن تمشي مع المشتري...إذا أردت حلا وسطا بعها ثم إذا تعطلت قطعة من القطع التي سنضعها وراجعك المشتري صلحها له على حسابك...لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم".
بدا هذا حلا "وسطا" مغريا لسمير! حاول مساومة هشام ليصلح تصليحا "حسب الأصول" بتكلفة أقل لكن هشاما اصر أنه لا يستطيع. فاتخذ القرار بسماع "نصيحة" هشام!
أراد سمير أن يقول: "طيب على بركة الله"، لكنه أحس أن العبارة "مش راكبة"...كيف تكون على بركة الله وفي العملية غش مبطن؟! فعاد وقال:
هشام:
كان هذا ظهرا...في صلاة العصر فكر سمير في نفسه: "أتصل بهشام وأقول له يصلحها حسب الأصول لأبدأ بداية مباركة"...انشغل بعد الصلاة، نسي...تذكر، تكاسل عن الاتصال، أجل، نعس، نام..فاتته صلاة المغرب...جمعها إلى العشاء..فكر في الاتصال بعدها..أجل لليوم التالي..انشغل في صبيحة اليوم التالي...ثم اتصل ظهرا:
"هشام، خايف نكسب خطية في المشتري...خلص، صلحها بالتكلفة الأعلى"...
"تأخرت يا صاحبي، صرت شاري القطع وبدأت في التركيب..ما عليك، توكل على الله، إن شاء الله بيمشي حالها"...
في داخله، كان سمير مسرورا أن صاحبه بدأ بالتصليح الأقل تكلفة، وأقنع نفسه أنه "حاول" أن يتدارك الأمر!
أنهى هشام إصالحاته الترقيعية بعد يومين...فأخذها سمير ووعـده أن يسدد تكلفة التصليحات عندما يبيع السيارة، ثم عرضها للبيع...بدأ يستقبل المكالمات...عاينها عدة أشخاص عبر ثمانية أيام، إلى أن جاء "علاء": موظف شاب في شركة شحن...عاينها ثم التفت إلى سمير:
"على الأمانة...نظيفة؟"...
"والله...."..أراد سمير أن يحلف لكنه تدارك نفسه...
"صدقا ممتازة"..
ساوم علاء سميرا على السعر...رضي سمير في النهاية بـ 9850 وأقنع نفسه بأن هذا يخفف وطأة التصليحات الترقيعية...سلمه علاء المبلغ وقال:
تردد سمير للحظة وهو يرى ابتسامة علاء فرحا بهذه السيارة...لكنه أقنع نفسه سريعا:
استلم علاء السيارة وانطلق بها...وانطلق سمير بـ 9850
"400 دينار.... 400 دينار ربحي في سيارة واحدة... بداية ممتازة!" عاد للبيت... صلى الظهر... أثناء صلاته بدأ يجمع ويضرب ويحسب في ذهنه!:
سلم من صلاته ثم أمسك الموبايل سريعا ينظر في عروض السيارات المستعملة... يريد أن يشتري سيارة أخرى... للحظة تذكر: "علي أن أرد لأخي سعيد الـ (400) دينار التي استدنتها منه، ولهشام الـ (150) دينارا تكلفة تصليحاته. لكن، لماذا لا أؤخر السداد لأستفيد من المبلغ وأتمكن من شراء سيارة أفضل؟ سعيد هو أخي، وعليه أن يساعدني، ولديه مال أكثر مني، وهشام هو صديقي، وهو أصلا قليل الأمانة، صلح السيارة "تمشاية حال"، فليس له أن يتوقع أخذ حقه مباشرة. سأؤخر سداد المال لهما".
عبر يومين عاين سمير عددا من السيارات إلى أن وقع اختياره على إحداها... لكن المبلغ الذي معه لا يكفي... يحتاج 500 دينار... "وجدتها! أستدين من أمي".
مع انشغال سمير بالهدف الذي حدده لنفسه، أصبحت بؤرة تركيزه في المال، وما عدا ذلك خلفية باهتة لا يراها سمير وإن كانت في مجال بصره! وبدأ الأشخاص الذين لا يخدمونه في تحقيق هذا الهدف يخرجون من دائرة اهتماماته، ولا يعودون إليها إلا إذا أراد الاستفادة منهم لتحقيق هدفه... ومن هؤلاء أصحابه في الطفولة والشباب، ومنهم: أمه!
كانت أم السعيد قد شخصت في تلك الفترة بمرض الحمى الذؤابية... وفي قلبها غصة من سمير أنه قلما يسأل عنها أو يجلس معها... قلما يستيقظ إذا حاولت إيقاظه لصلاة الفجر... يفطر أو يتعشى أحيانا معها ومع أمجد وهو شارد الذهن... وإذا كلمته يجيب وهو ينظر في الموبايل يقلب النظر في السيارات... تسكت أحيانا لينتبه فيرفع نظره عن الموبايل:
الآن، هو بحاجة إلى أمه ليستدين منها!
مر سمير بمحل فواكه واشترى لأمه جوافة... دخل البيت:
فرحت أم السعيد وتفاجأت بهذه الحركة غير المعتادة من سمير:
أكلا معا... استحى سمير من مفاتحة أمه بالموضوع مباشرة... أخرها حتى المساء... ثم بدأ "يدردش" معها:
"يما هل تعلمين أني بدأت أتاجر في السيارات؟"
"ما شاء الله! الله يفتح عليك".
"بعت سيارة وربحت فيها 400 دينار"
"ما شاء الله! الله يزيدك ويوسع عليك"
"انظري... هذه هي السيارة التي أفكر في شرائها... إيش رأيك فيها؟"
"جميلة... أحب اللون الأسود على السيارات".
كانت أم السعيد مسرورة بهذه الدردشة التي لم تعتد عليها من سمير. ولم تعلم المسكينة مغزاه منها.
سكتت أم السعيد ولم تدرك المغزى، فتابع سمير:
هنا قالت أم السعيد ببراءة وعفوية:
شبكت السنارة!...
"لا لا يا أمي... أنت تحتاجين هذا المال"..
"لا يا بني... انتظر"..
قامت أم السعيد وأحضرت إسوارة كان أبو السعيد قد أهداها لها في بدايات زواجهما...
عرف سمير الإسوارة...
"هذه من أبي يا أمي.. تعز عليك بالتأكيد"...
"ما عليك... عندي غيرها منه رحمه الله. اشتر السيارة، ولما تبيع وتربح أرجع لي ثمنها"...
"طيب الله يسلم إيديك يا حبيبتي ويحفظك لنا... أعدك بسداد الثمن في أقرب فرصة".
انطلق سمير ليشتري السيارة... فأحست أمه مع هدوء البيت بأن ما حصل لم يكن عفويا، ابتداء من الجوافة وانتهاء بالدردشة غير المعتادة! ووقع في قلبها من ذلك غصة! لكن مع ذلك رجت لابنها التوفيق في تجارته.
اشترى سمير سيارته الثانية. كانت تحتاج تصليحات بسيطة، لكنه استحى أن يصلحهما عند هشام وهو لم يسدد له تكلفة تصليحات السيارة الأولى. فأصلحها في محل آخر، ثم عرضها للبيع وباعها.
مرت خمسة وعشرون يوما وسمير يبيع ويشتري السيارات المستعملة... اتصل هشام صاحب محل تصليح السيارات بعدها:
"كيفك سمير؟"
"الحمد لله، هلا بهشام".
"سمير، عفوا، لم أرغب أن أطلب منك، لكنك تأخرت في السداد".
"آه، معك حق يا هشام. معلش سامحني، تأخرت عليك... لكن أبشرك أن تجارتي في السيارات تسير على ما يرام، أعطني أسبوعا واحدا وأعدك أن أسدد حسابك".
اغتاظ هشام:
"لا يا سمير، من هنا إلى غد، إن لم تعطني مالي فلن أصلح لك أية سيارة مستقبلا. لقد تأخرت كثيرا".
"له له... كله ولا زعلك يابو الهشم. غدا صباحا يكون المال عندك".
وبالفعل، أعطاه حسابه في اليوم التالي.
ماذا حدث في هذا اليوم مع علاء مشتري السيارة الأولى المخدوع بالتصليحات الشكلية؟
وماذا حصل لطالب الطب المنهمك في دراسته أمجد؟ فلنتابع.
مدير شركة الشحن التي كان علاء "مشتري أول سيارة من سمير" يعمل فيها مدير صارم ويطالب الموظفين ألا يتأخروا أبدا عن بدء دوامهم الساعة الثامنة. ولذلك اشترى صاحبنا السيارة على بساطة حالته المادية، لأنه كان يتأخر أحيانا في المواصلات رغما عنه فيؤنبه المدير.
لم تمر على شرائه السيارة إلا أسابيع قليلة ومع ذلك بدأت الأعطال تظهر! توقفت معه السيارة وهو ذاهب إلى العمل، تفاجأ، فاتصل بسمير، لكنه كان نائما... فذهب صاحبنا يبحث عمن يصلح سيارته... جاء بالميكانيكي ومضت ساعة وهو يصلحها ثم طلب من علاء (40) دينارا فدفعها وهو متضايق وحزين على سيارته التي اشتراها حديثا...
وصل عمله متأخرا كثيرا... استدعاه المدير:
"هذه آخر مرة.. لن أتحمل تأخرك مرة أخرى".
"صدقني يا حضرة المدير اشتريت سيارة لئلا أتأخر، ومع ذلك..."
"ليست مشكلتي... الشغل لازم يمشي. مع السلامة.. على مكتبك".
استيقظ سمير... رأى المكالمة الفائتة من علاء... تعكر مزاجه... تردد في الرد عليها أو إهمالها:
عاد فقال لنفسه: "لكن بلاش أبدأ تجارتي بهذا الشكل... إذا كانت تكلفة بسيطة فسأتحملها":
"ألو".
"سمير؟"
"نعم تفضل".
"أنا علاء الذي اشتريت منك السيارة الهونداي البيضاء من أسابيع".
"نعم، أهلا... تفضل، كيف ممكن أساعدك؟"
"أخ سمير السيارة اليوم تعطلت وأخبرني الميكانيكي أن العطل بها قديم، وقد تكلفت في تصليحها".
"ال، مستحيل! السيارة ممتازة وما كانت محتاجة لشيء وأنا تأكدت من ذلك قبل أن أبيعك إياها".
"هذا ما حصل معي".
"غريب جدا! على كل كم كلفتك؟".
"أربعين دينارا. لكن ليس هذا المهم.. الأهم أني تعطلت عن عملي وأكلت بهدلة".
"لا حول ولا قوة إلا بالله... صدقا غريب ما حصل معك... على كل لن أرضى لك المضرة، وفي النهاية هذه سيارات مستعملة وممكن تحصل حالات شاذة. سأتكفل أنا بتكلفة التصليح. ابعث لي رقم حسابك وسأحول لك المبلغ عليه".
"يبدو أنه خدعني! لو كان صادقا لما عرض التكفل بالتكلفة بهذه السرعة. لا، لا.... الرجل كان بإمكانه ألا يتكفل بالتكلفة... لعله صادق وانخدع بالسيارة لما اشتراها"....
أرسل علاء رقم حسابه لسمير، وحول له سمير مبلغ الأربعين دينارا بالفعل:
أحس سمير أنه أدى ما عليه كاملا بالأربعين دينارا التي دفعها! وقرر في نفسه أنه لن يتحمل أية تكاليف إضافية إذا اتصل به علاء لاحقا.
بعد "يوم الجوافة" المميز! أفطر سمير مع أمه وأمجد يومين، ثم عاد للتثاقل عن الاستيقاظ للفجر وللفطور معهما.
لكن أمرا آخر أزعج أم السعيد: أمجد... هناك تغير ملحوظ في مزاجه... أصبح هو الآخر يتثاقل عن الاستيقاظ للصلاة... ملامح وجهه فيها شيء من الكآبة... ما عاد "يدردش" مع أمه كالعادة...
جلست معه أمه على الفطور:
"أمجد، ما لك يا حبيبي؟"
"لا شيء يا غالية".
"مش على بعضك".
"يمكن بالي مشغول بالامتحانات.. لا تحملي هم يا حبيبتي".
أكل أمجد لقيمات ثم انطلق إلى الجامعة.
واتصلت أم السعيد بابنتها تالة...
مساء ذلك اليوم أخذت تالة السيارة من زوجها، اتصلت بأمجد:
"أمجد، أريد أن أذهب معك إلى التلة التي كان أبي رحمه الله يأخذنا إليها في طريق المطار".
"بصراحة مشغول يا تالة.. عندي اختبارات".
"أنا لا أسألك، أنا أخبرك! وها أنا في الطريق... جهزت لك كوبا من عصير الفواكه الذي تحبه. انتظرني أمام البيت بعد ربع ساعة".
كان أمجد مشغولا بالاختبارات بالفعل، لكنه كان محتاجا لتالة وارتاح لفكره الذهاب معها...
لاحظت تالة اختلاف ملامح أخيها واختفاء بريق عينيه وإشراقة وجهه.... انطلقا باتجاه التلة... كلمته في الطريق قليلا:
"كيف دراستك؟"
"الحمد لله"
"كيف علاقتك بالله؟"
"الحمد لله".
"تمام؟"
"لا تمام... الواحد لا بد أن يكون مقصرا".
"ما قراءاتك وأنشطتك مؤخرا؟".
"لا شيء... الدراسة تأخذ وقتي كله. وأحيانا أكون مع الغالية في المراجعات الطبية".
"اشرب العصير وهو بارد".
"سلم الله يديك".
"ويديك".
وصلا التلة... جلسا على صخرة ونظرا باتجاه الغروب....
"ما لك يا أمجد؟".
"تعبان".
"لماذا يا صديقي؟".
"لا أعلم... عندي اكتئاب.. ذهبت لطبيب نفسي وشخصني ووصف لي أدوية. لم أخبر أمي بذلك".
"بدأت تأخذ الأدوية؟"
"لا.. متردد.. أفكر في البدء بجلسات العلاج النفسي اللادوائي... لكن ممكن بعد الاختبارات... الآن مشغول".
"في رأيك ما السبب في الاكتئاب الذي تحس به؟"
"لا أدري... أقول لعلها فورة حزن متأخرة على وفاة والدي رحمه الله... أو لعلها الحزن على مرض أمي... أو ضغط الدراسة".
"هل أي من هذه العوامل جديد؟"
"لا".
أمسكت تالة بيده:
"أمجد... ما تعانيه الآن هو نتيجة لعدم التوازن في حياتك... أحادية الاهتمامات التي لطالما حدثتك عنها... والتي تؤدي إلى الهشاشة النفسية وسهولة الانكسار... أخي الحبيب، كلنا سعداء باهتمامك ونجاحك في دراستك. لكن الحياة ليست كلها دراسة. تذكر قول نبينا صلى الله عليه وسلم: "فأعط كل ذي حق حقه". نفسك لها حقها عليك... تحتاج بناء علاقات اجتماعية، تحتاج أن تروح عن نفسك، تلعب الرياضة... وقبل هذا: وردك اليومي من القرآن وتعلم دينك..."
"آآآآه يا تالة! هجرت هذا كله بالفعل! كنت أقول: أشد همتي في الدراسة في البدايات لأؤسس لنفسي قاعدة معلوماتية صلبة ثم أعود لحياتي... ثم مرت الأيام وأصبح وقتي قليل البركة والصفحة تأخذ مني ثلاثة أضعاف ما كانت تأخذه مني في دراستها سابقا... أعيد الفيديو مرتين وثلاثة لأفهمه وأنا الذي كنت أفهم من أول مرة، وفوق هذا كله لست سعيدا".
"التوازن شعار حياة، يجب أن يكون حاضرا دائما ولا يؤجل ولا يعلق على إنجاز".
"صدقت".
"متى تنتهي اختباراتك؟"
"بعد غد".
"طيب، لن أقول لك سنعد برنامجا من اليوم... أنه الاختبارات، ثم بعد غد زرني في بيتي لننظم سوية برنامجا متوازنا لك".
"طيب إن شاء الله. تنصحينني أن آخذ الأدوية التي وصفها الطبيب حتى ذلك الحين".
"يمكنك أن تتمهل.. حتى لو بدأت بأخذها فهذه الأدوية لا تعطي مفعولا سريعا".
"نعم.. درست ذلك".
"طيب، تعال نعود لتستأنف دراستك، وموعدنا بعد غد... سأقول لأمي أن أمجد مضغوط وسأساعده في إدارة وقته ويعود يتحسن بإذن الله".
التقى سمير بأخيه أمجد وأمه على صينية الكفتة التي طهتها أم السعيد للعشاء... لاحظ سمير كآبة أمجد... سأله بعد العشاء:
لم يعتد أمجد من سمير أن يسأله هذا السؤال أو أن يلاحظ مشاعره أصلا! فصارحه رغبة في استمرار الحديث معه:
"تعبان نفسيا... سأقول لك بصراحة لكن لا تخبر أمي"
"أبشر"
"ذهبت للطبيب وقال لي معك اكتئاب".
"اكتئاب؟!"... تنازع سميرا شعوران: هو لا يحب أن يرى أخاه على هذا الحال، لكنه في الوقت ذاته شعر أنه "أخيرا، أمجد ليس أحسن مني ولا أنجح مني... هو جاد في دراسته مقدر من الجميع ومتدين... ومع ذلك أصابه الاكتئاب ولم يصبني. لست أقل منه... الله يحبني إذ لم أصب بالاكتئاب مثل أمجد. أنا في خير كثير وأقوى من أن أكتئب".
"طيب أخذت أدوية؟"
"ال... تكلمت تالة معي واتفقنا أن نعمل معا برنامجا لي لاستعادة التوازن النفسي".
"التوازن النفسي؟"
"نعم... أنت بحاجة إلى ذلك أيضا يا سمير... ما رأيك أن تعمل معنا برنامجا لك؟"
"لا يا عم... أنا متوازن ومبسوط وأموري فل الفل والحمد لله.. على كل سلامتك، ما تشوف بأس".
لم يرد أمجد أن يجادل أخاه:
بعد جلسة أمجد مع تالة وتنظيم البرنامج، بدأ يتحسن ببطء، ويجد صعوبة في الالتزام بالبرنامج، خاصة مع تراجع صحة أمه... كانت تالة تعززه وتتابعه... ويأخذ منها ذلك وقتا ففينفعل أحيانا زوجها العصبي:
"تالة! تالة! لا يوجد أي قميص مكوي أطلعه به على الشغل وأنت على التلفونات!"
"لحظة يا أمجد... حبيبي بسوم (اسم الدلال لـ "باسم")، مع أمجد والله... تحملني... (والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه)... شاركني الأجر... ثوان وأكوي لك قميصا"... "أمجد، أعود لك بعد قليل".
الجميل في باسم أنه على صعوبة طباعه يهدئه ذكر الله... فسكت وأعد حقيبته ريثما كوت له تالة القميص.
بقيت أم السعيد تشعر بالألم لشغلها أمجد عن دراسته وبرنامجه الذي أعده مع تالة، فاتصلت بجارة صديقة لها أرملة:
"أم علي، أنا مستحية أطلب منك هذا الطلب... أمجد ابني طالب طب كما تعلمين.. ومؤخرا انشغل كثيرا عن دراسته بمرضي. هل ممكن تزوريني الفترة الصباحية ليطمئن أن عندي من يساعدني إذا احتجت؟"
"على الرأس والعين يا أم السعيد. ابني علي قادم بعد أسبوعين إن شاء الله لأسافر معه... حتى ذلك الحين سأرابط عندك إلى أن تمليني".
"له يا حبيبتي، ال أملك أبدا... البيت بيتك".
ألحت أم السعيد على أمجد أن ينتبه لدراسته وبرنامجه المتوازن:
كانا أسبوعين ذهبيين ألمجد... التفت إلى دراسته، وانضم إلى دورة شرعية على النت، وسجل في ناد رياضي، وذهب في رحلة مع أصحابه... كان أمجد يتصل بأمه كل ساعة أو ساعتين، وبين المحاضرات... أمه تحتاج أن تشغل سماعة الموبايل (السبيكر) لتسمع بشكل أفضل...
"كيف حالك يا حبيبتي؟"
"الله يرضى عنك. الحمد لله".
"ناقصك حاجة يا نور عيني؟"
"الله ينور دربك وعمرك... مش ناقصني شيء... دير بالك على حالك".
"حالي بخير ما دمتي بخير يا تاج راسي".
وأم علي تسمع هذا "الغزل"، والذي تفخر به أم السعيد... فهي تباهي بأن ابنها يعاملها بهذه الطريقة وأنها غالية عليه بهذا الشكل، وأمجد يعلم ذلك ويريد أن "ينفش رأس" أمه ويشعرها بالاعتزاز أمام صديقاتها ويبهج قلبها... على ما فيه من بقية اكتئاب يغالبه.
انقضى الأسبوعان وسافرت أم علي، لكن تالة كانت قد اتصلت بإخوتها ليقفوا بجانب أمهم وال يتركوا المهمة ألمجد، فهو بدوره بحاجة للمساعدة.
بدأت تالة تتردد على أمها في الصباح...
عاصم، صديق أمه المقرب منذ الصغر، أصبح يترك المحل للموظف الذي يساعده أحيانا ليذهب ويطمئن على أمه ويساعدها. وكان أقلهم زيارة للبيت سعيد، لبعد بيته وانشغاله الشديد بأعماله، لكنه كان يتصل بأمه ويزورها في عطلة نهاية الأسبوع، وتتطوع زوجته أحيانا بزيارة حماتها.
اقترب يوم عيد الأضحى.... ماذا حصل مع أم السعيد في العيد؟ وماذا حصل في الناحية الأخرى مع علاء، المشتري المخدوع؟ وما موقف سمير في الحالتين؟ فلنتابع.
صبيحة يوم عرفة، قبيل عيد الأضحى، اشتد مرض أم السعيد حتى اضطر أمجد وعاصم إلى نقلها إلى المستشفى. تلقت علاجا مكثفا، ومعه أدعية أبنائها ومحبيها إلى أن استقرت حالتها صباح يوم العيد.
لم يكن سمير يعلم بهذه التطورات لانشغاله بموسم بيع السيارات قبيل العيد... اتصل به أمجد وأخبره... فجاء إلى المستشفى ليجد إخوته جميعا ومعهم باسم زوج تالة في قاعة الانتظار... سمح لهم بالدخول فدخلوا واطمأنوا على أم السعيد.
لو أطل سمير من زجاج قاعة الانتظار في المستشفى لرأى مشهدا فاته دون أن يعلم عنه! إنه مشهد علاء، المشتري المسكين المخدوع، وهو يدفع سيارته إلى جانب الطريق بمساعدة بعض المارة.
لم يكن هذا العيد سعيدا بالنسبة لعلاء! صلى صلاة العيد وعاد فأفطر مع زوجته وابنه وتجهزوا ليذهبوا إلى منزل والديه، حيث كان يجتمع هو وإخوته وعوائلهم كل عيد فيعيدون أمهم (يعطونها العيدية) ويعيد كل أخ أبناء إخوانه في ساعة بهيجة.
استيقظ صاحبنا علاء سعيدا لأن هذا أول عيد معه فيه سيارة كباقي إخوته، وبالتالي سيستطيع أخذ زوجته وابنه، ولن يحتاج للخروج من صلاة العيد مباشرة إلى المواصلات، حيث يصرف وقتا طويلا إلى أن يصل منزل والديه.
خرجت العائلة مسرورة في السيارة التي اشتراها صاحبنا من سمير... لكن، في منتصف الطريق تعطلت مرة أخرى! تفاجأ صاحبنا وتورط: ماذا يفعل؟ استعان ببعض المارة ليزيح السيارة إلى جانب الشارع، ثم حاول الاتصال بسمير. كان سمير في قاعة الانتظار في المستشفى. رأى اسم علاء فتمعر وجهه وتمتم في نفسه:
وفصل الخط على علاء.
حاول علاء الاتصال مرة ثانية فحول سمير الموبايل لوضعية الصامت... اتصل علاء مرة ثالثة دون جدوى. فاتصل بميكانيكي يعرفه ليصلح السيارة فلم يرد أيضا، فاليوم يوم عيد والكل مشغول.
علم صاحبنا أنه سيكون من الصعب تحصيل أي ميكانيكي لهذا اليوم، فوقع في حيرة: "ماذا أفعل؟ هل أوقف (تكسي) ألذهب مع عائلتي إلى بيت والدي؟ ال أعرف كم سيكلف تصليح السيارة. المبلغ الذي ادخرته بالكاد للعيدية سأحتاجه الآن لتصليحها. هل يعقل أن يعطي إخوتي العيدية لأمي ولبني وأقف أنا متفرجا؟ أم أستدين منهم؟ أستدين في العيد وإخوتي أحوالهم متواضعة كحالي؟!".
وهو يفكر بهذا الشكل اتصل به أخوه الأكبر، فقد كانوا جميعا مجتمعين في بيت والدهم واستغربوا تأخره عنهم. لم يعرف علاء ماذا يقول لأخيه فلم يرد على الاتصال.
في النهاية كان القرار الصعب الذي اضطر لاتخاذه: أن يعود بزوجته وابنه إلى البيت، تاركين وراءهم السيارة المعطلة، ومضيعين الساعة البهيجة التي كانوا ينتظرونها.
أوقف صاحبنا تكسي، وعاد مع عائلته بخيبة أمل إلى البيت. كانت اتصالات كثيرة جاءته في هذه الأثناء من إخوته وهو ال يرد، إلى أن جاء اتصال من أبيه فاضطر للرد:
"السالم عليكم يا أبي".
"وعليكم السلام. أين أنتم يا علاء؟! الكل مجتمع وبعد قليل سننطلق".
"سامحوني يا أبي، ظروف صعبة، حسبي الله على الذي باعني السيارة، تعطلت مرة أخرى. وأنا الآن في البيت".
"في البيت؟! لماذا لم تأتوا إلينا بتكسي؟"
"سامحني يا أبي، ظروف"...
استحى صاحبنا أن يقول لوالده أنه ليس معه ما يكفي لتصليح السيارة وتقديم العيديات، وأنهى المكالمة، وجلس كسير البال.
طبعا، لم يكن سمير يعلم بشيء من هذه المعاناة التي تسبب فيها لهذا المسكين حين خدعه ليوفر بعض المال في التصليحات الشكلية.
انطلق إخوة سمير من غرفة أمهم لزيارات العيد، وانطلق سمير لزيارة صديق له ثم استكمال تجارته، وبقيت تالة عند أمها... وتواعدوا أن يلتقوا مجددا عند أمهم قبيل المغرب.
بعد العصر اتصل سعيد بسمير:
"أمي تحسنت كثيرا والحمد لله. سأذهب لأنزلها من المستشفى".
"سآتي معك"... هذه الكلمة التي كان سعيد ينتظرها من سمير، لكن سميرا لم يقلها!
"طيب الحمد لله... ممتاز"
"الملتقى في بيت العائلة الساعة السادسة".
"قد أكون مشغولا في ذلك الوقت... على كل إذا استطعت سآتي"..
بنبرة حازمة قال سعيد:
"المفروض تترك كل شيء وتأتي... الله أعلم كم تبقى أمي بيننا، وهذا يوم عيد!".
"طيب طيب... سآتي".
اجتمع الأبناء عند أمهم الساعة السادسة... أحضر لها سعيد خاتما ذهبيا ثمينا، وتالة معطفا ليدفئ أمها في الشتاء، أما عاصم فقد قطع تذاكر ليأخذ أمه في عمرة إلى بيت الله الحرام:
"شدي حيلك يا حبيبة الكل، معك شهر واحد لتقفزي كالغزالة إن شاء الله حتى أطلع معك عمرة يا صديقة عمري".
"إن شاء الله، يا رب يسر".
أمجد كان أقل إخوته مالا... كان قد باع جزءا من حصته في الأرض لسعيد، ليصرف على حاجياته وعلى أدوية أمه ومراجعاتها الطبية... وأمه قد باعت حصتها لباسم زوج تالة... ومالها في "الخزانة"... فكانت تفترض أن أمجد يأخذ من الخزانة ليصرف على علاجها، لكنه كان في الواقع يأخذ من ماله هو، إلا المال الذي احتاجته لإدخال أمه المستشفى أمس، حيث شح المال المتبقي لديه. ومع ذلك أحضر لأمه باقة ورد بسيطة على قدر طاقته مع كرت كتب عليه: (حفظك الله تاجا على رؤوسنا يا غالية).
ماذا عن هدية سمير؟ كان سمير يرى هذا كله من إخوته، ويسمع أمه وهي تترضى عنهم واحدا واحدا وتفرح بهدية كل منهم... ومع هذا لم يخطر بباله أصلا أن يحضر لأمه هدية في العيد! ولم يستح من نفسه حين رأى نفسه الوحيد بين إخوته الذي نسي أمه من الهدية! بل لم يلاحظ ذلك ولم يخطر بباله أن يعوض هذا الخلل!
لقد كان مشغول البال بسيارة "لقطة" (مميزة) يخاف أن تفوته! وكل ما لفت نظره في هدايا إخوته هو أن:
عندما أراد الأبناء مغادرة منزل أمهم، اقترب سعيد من سمير وهو مغتاظ من هذه الغفلة التي يراها في عيني سمير:
تفاجأ سمير وارتبك:
وحتى يبرر تأخره قال:
سكت سعيد وهز رأسه ولم يرد أن يحرج أخاه أكثر من ذلك ثم غادر.
انقضى العيد، واستمرت حالة أم السعيد في التحسن. فمرضها من النوع الذي يتأرجح ويشتد ويخف. ومر أسبوعان أنهى فيهما أمجد الاختبارات النهائية للفصل الأول، وتماثل فيهما للشفاء من الاكتئاب، وبدأت إجازته القصيرة بين الفصلين.
فعاد إخوته لحياتهم العادية، وقل تفقدهم ألمهم...
ما إن بدأ أمجد فصله الدراسي الثاني حتى عادت صحة أم السعيد تتراجع من جديد..
"تالة، أمي صحتها في تراجع... زادت الطبيبة جرعة الدواء لكن التجاوب ضعيف"..
"الله المستعان! طيب يا أمجد.. لدي دورة تربوية أنهيها خلال أسابيع.. سأحاول بعدها تفريغ وقت ألمي ويكون باسم قد عاد من سفره إن شاء الله".
"خلال أسابيع؟!"... فكر أمجد في نفسه... ظن أن تجاوب تالة سيكون أقوى من ذلك... "مرت عدة محاضرات لم أدرسها بعد مع انشغالي بأمي".
ألول مرة توجه أمجد لسمير، والذي لم يكن قد لاحظ حالة أمه، حيث كان يمضي أكثر وقته خارج البيت وما عاد يتناول معها أيا من وجبات الطعام... كانت أم السعيد قد أرقت الليلة الماضية من الألم، فتركها أمجد ولم يوقظها للفطور، وقال لسمير:
"سمير، أمي رجعت تعبت".
"الله المستعان".
"تحتاج مراجعات عديدة"
"طيب، أخبريني صبيحة أيام المراجعات ألعطيك السيارة"... قالها سمير وهو يمشط شعره أمام المرآة استعدادا للخروج..
"السيارة ليست أهم ما في الموضوع... من الصعب أن نترك أمي لوحدها في البيت".
"أحضر ممرضة وسأشاركك التكاليف".
"ممرضة؟! أمي تحتاجنا يا سمير".
"أمجد، فلنكن عمليين... ال نعلم كم سيطول مرض أمي. إذا أهملت تجارتي في هذا التوقيت ستفشل".
انطلق سمير، وترك أمجد، والذي قرر ألا يذهب ذلك اليوم للجامعة ألنه أحس أن أمه لن تستطيع أن تمضي النهار وحدها..
قطب أمجد حاجبيه:
قام ليوقظ أمه.. ثم عاد فجلس وقال في نفسه: "لكن أنا األول على الدفعة على الرغم من الظروف التي مررت بها.... هل سيفشل "األول على الدفعة" في االختبارات؟ يا شماتة الحساد في الكلية! ولماذا أنا وحدي؟ أين إخوتي األربعة؟! لو تقاسموا الحمل معي فلن أفشل في دراستي... "الحمل" مرة أخرى؟! أمي أصبحت "حملا"؟! أين الدورات الشرعية التي حضرتها؟ بل أين القرآن الذي أقرأه؟ أين "وبالوالدين إحسانا"؟ هذا أول اختبار حقيقي ألرى هل أنا ممن يتكلمون بال عمل أم ال"...
"لكن كما قال سمير: "ال نعلم كم سيطول مرض أمي"... هل سأبقى معها طوال هذه الفرتة؟ لماذا ال نكون "عمليين" ونحضر ممرضة؟؟"
قاطع تفكير أمجد صوت أمه:
"يا رب، باسم الله"... كانت تقوم بثقل عن فراشها.... فذهب ليساعدها...
"لماذا لم تخرج لجامعتك يا بني اليوم أيضا؟"
"ال عليك يا غالية... سأدرس المحاضرة من الكتاب وأسمع التسجيلات إن شاء الله"..
"أرهقتك معي يا أمجد"... نظر أمجد في عيني والدته وهي تقول هذه الكلمات بحزن... فأمسك يديها وقبلهما:
"ال تقولي ذلك يا حبيبتي... بل لي الشرف والله".
"روح يا أمجد، الله يرضى عنك وينور قلبك ويسهل لك حياتك ويدخلك الجنة بلا حساب ولا عذاب".
رقص قلب أمجد ونسي همه بهذه الكلمات:
مر أسبوعان تراجعت فيهما حالة أم السعيد... وبدأت كليتاها تتأثران من المرض، فاحتاجت إلى زيارات متكررة لقسم غسيل الدم في المستشفى. كان سمير يرى أمه منحنية الظهر تمشي بإرهاق ليأخذها أمجد إلى المواعيد.... وكان قصارى ما يفعله أن (يصبح) على أمه ويساعدها في ركوب السيارة وهو يقول: "سلامتك يما"... فقط! فباله مشغول تماما بالسيارات والزبائن والتصليحات والربح!
لم يلاحظ سمير - مع انشغال تفكيره - أن أمه لم تكن تنظر إليه ولا ترد عليه وهو يقول لها: "سلامتك"، ألن صدرها لم يكن سليما له!
تراكمت المحاضرات على أمجد... لاحظت أمه شرود ذهنه وتكدره على الرغم من محاولته إخفاء ذلك... وبينما هو بجانبها في المستشفى لجلسة غسيل دم:
"أمجد... إيش صار بدراستك يا حبيبي؟"
"ما عليك يا غالية... المهم الآن صحتك".
كان أمجد ينظر في كتاب التشريح الذي يحمله... متظاهرا بأنه يدرس حتى ال تشعر أمه بأنها عطلته عن دراسته، وإال فهو ال يستطيع التركيز في أجواء المستشفى وكثرة األصوات... استغرب أن أمه لم ترد على كالمة هذا. رفع نظره إليها... دموع تنساح على خدي هذه المرأة الطيبة بصمت وهي تعض على شفتيها تحاول ألا يصدر صوت لبكائها... ترك الكتاب جانبا وقام، أمسك بيدها ووضع يده األخرى على جبينها وقبل خدها:
"أمي، ما لك يا حبيبتي؟"
"ال أحب أن أكون حجر عثرة في طريق نجاحك. أنت متضايق من تأخرك في دراستك وأنا أعرف ذلك"... قالتها أم السعيد بصوت متهدج.
"حجر عثرة؟! أنت بركة حياتي... أنت نور عيني... أنت توفيقي ونجاحي يا أم السعيد"... وانهال على يدها يقبلها تارة ويقبل خدها تارة... إلى أن جاءت الممرضة.
تنحى أمجد بينما الممرضة تفصل خط جهاز غسيل الدم وتجهز أم السعيد للخروج...
ما القرار الذي اتخذه أمجد بعدما رأى دموع أمه؟ ومن الشخص الذي دخل على حياة سمير ليغيرها جذريا؟! وما الكلمات الثالثة التي أرسلها المشتري المخدوع عالء؟
فلنتابع.
لم تمر دموع أم السعيد بسهولة على قلب أمجد! بينما كانت الممرضة تجهز أمه للخروج قال في نفسه: «أمي حساسة وتفهم ملامح وجهي مهما أخفيت... أريد أن أتفرغ لها قلبا وقالبا... ولن أستطيع فعل ذلك ما دمت في الجامعة. لا أريدها أن تبقى تفكر في دراستي... سأسقط الفصل وأخبرها بذلك لأضعها تحت الأمر الواقع وأتفرغ لها»...
«لكن إسقاط الفصل يعني خسارة العام الدراسي كله... علي أن أعيد السنة كاملة وأخسر الفصل الأول! بل وربما أنقطع عن الجامعة لأكثر من عام إن لم يساعدني أحد في العناية بأمي»...
«وماذا تنفعني دراستي بل شهادة الطب كلها إن كانت على حساب صحة أمي ونفسيتها؟! هل أدرس لأعالج الناس على حساب علاج أمي وراحتها؟! سأحافظ على شعورها وكرامتها مهما كان الثمن، والله لن يضيعني».
عندها، أحس أمجد بطمأنينة عجيبة! وتوقف تردده تماما، ولم يعد لديه أي حزن على فوات الدراسة، واتخذ القرار: «سأسقط هذا الفصل غدا وأتفرغ لأمي». أحس أن بعض زملائه المنافسين في الكلية سيشمتون... استخرج جواله وكتب على مجموعة الكلية: «زملائي الأعزاء، سأسقط هذا الفصل وأعود لكم عندما تستقر حالة أمي بإذن الله. دعواتكم»... قبل أن ينشر كلامه هذا فكر:
«ماذا أريد بكلام الناس؟ ليبق هذا بيني وبين الله»... فحذف كل ما كتب وأعاد جواله إلى جيبه وهو يقول في نفسه: «والله لن يضيعني الله!».
عاد أمجد بأمه إلى البيت. لم يحدث أمه بما عزم عليه لئلا تجادله... في اليوم التالي، اطمأن أمجد إلى أن والدته أفطرت وذهبت تنام للقيلولة وبجانبها جوالها إذا احتاجت أن تتصل به... فذهب إلى الجامعة، أسقط الفصل، ثم عاد سريعا باتجاه البيت، وبدأ يراسل بعض دكاترته ليخبرهم بالسبب لئلا يتفاجؤوا، فازداد في أعينهم رفعة، إلا دكتور فسيولوجيا الأمراض، والذي اتصل بأمجد فور وصول رسالته، وجعل يحمق أمجد ويحاول إقناعه بفكرة توفير ممرضة تلازم أمه وترافقها للمستشفى، إشفاقا على هذا الشاب النجيب أن يتأخر في دراسته... لكن أمجد تمسك بقراره بطمأنينة.
عاد أمجد إلى البيت ومعه كنافة له ولأمه:
لم تفهم أم السعيد... أمسك أمجد بيديها:
مع أن أمجد كان ينتظر الخير من بره بأمه، لكنه لم يكن يتصور كم سيكرمه ربه على موقفه هذا وعلى السعادة التي يدخلها على قلبها!
استمر سمير في تجارته... لا زال هو وصديقه هشام يغشان -أحيانا- في تصليح السيارات المستعملة، لكن غشا أقل سوءا من الذي غشه في سيارة علاء، خوفا من سوء السمعة ومن قلة التوفيق في التجارة. وزاد تأخره عن البيت، فأصبح نادرا ما يفطر أو يتعشى مع أمه وأمجد.
عاد مبكرا بعد يومين من إسقاط أمجد لفصله الدراسي... وأمجد يصلي المغرب في المسجد... مسى سمير على أمه وهو شارد الذهن ثم جلس على الكنبة الكبيرة في غرفة المعيشة، مقابل كنبة أمه، يقلب في جواله. كانت أم السعيد تنتظر من سمير أن يسألها عن صحتها أو يبدي استعدادا لأخذها للمراجعات الطبية... مرت ربع ساعة ولم يفعل ولا رفع عينيه عن جواله!
لكن سميرا كان يتفحص صور السيارات.... لم ينتبه أصلا لصوت أمه وتأوهها! ثم قطع صمته رنة جواله من متصل:
نظرت أم السعيد نظرة غضب وخيبة أمل، وسمير لا يلاحظ أيا من هذا! قالت أم السعيد في نفسها: «يا من حملته في بطني! أما أنا فلست بحالة ممتازة، وبحاجة إلى صيانة صحتي أشكالا وألوانا!».
اتفق سمير مع هذا المتصل «زهير» على موعد لمعاينة السيارة، والتقى به في اليوم التالي: رجل في الحادية والأربعين من عمره، شعره رمادي مختلط بشيب، ثخين الشاربين... يعمل سكرتيرا لرجل ثري (أبو عزام).... تعرف على سمير وأعجب بنشاطه، واتفق معه على شراء السيارة، التي كان زهير يريدها لابنه، ولاحظ أثناء معاملة «نقل الملكية» في دائرة الترخيص أن سميرا ذو علاقات واسعة... سأل زهير عن سمير أكثر فعرف أنه (صعد سريعا) في تجارة السيارات المستعملة...
«يبدو أنه الشخص المناسب... أبو عزام طلب مني أن أفتح معرضا للسيارات المستعملة وأسلمه لأحد موظفيه. لا أحد من موظفيه مؤهل لذلك وأبو عزام مع ذلك مصر»...
عرض زهير على سمير أن يفاتح (المعلم أبو عزام) بفكرة التعاون مع سمير بحيث يزوده برأس المال، فيفتح سمير معرضا لبيع السيارات المستعلمة، ويتقاسم الأرباح مع أبي عزام. لمعت عينا سمير! «رأس مال؟!... هذا الذي كنت أنتظره... أحتاج قفزات سريعة».
بعد يومين، اتصل زهير:
قال سمير في نفسه:
استحى سمير أن يصرح بالسبب لزهير، والذي كان سمير قد لاحظ من قبل أنه يلبس خاتما من ذهب، وخاف ألا يكون هناك وقت قريب مناسب للمعلم المشغول، فيؤجل اللقاء كثيرا أو يتراجع عن الفكرة.
انتهت المكالمة...
انقضى يوم الأربعاء، وجاء يوم الخميس.... صاحبنا (علاء) الذي اشترى أول سيارة من سمير، ينطلق بسيارته التي خدع بها! وها هي تتعطل للمرة الثالثة وهو في طريقه إلى العمل! وها هو يستعين بالناس مرة أخرى ليزيحها إلى جانب الطريق... ثم يركب (تكسي) وهو خائف مستعجل لأن هذا كله أخره عن العمل وسيغضب المدير الحازم.
وصل متأخرا نصف ساعة، فاستدعاه المدير لمكتبه:
خرج علاء مطرودا من وظيفته، وسار مهموما في الشارع، بلا مال، بلا وظيفة، وإنما لديه سيارة معطلة على حافة الشارع لا يملك ما يصلحها به، ولديه زوجة وطفل ينتظران منه طعاما يسد به جوعهما!
اتصل علاء بسمير، والذي كان نائما... استيقظ...
صدم سمير! فهذه أول مرة يدعو عليه أحد بهذا الشكل.. فاتصل على الفور بعلاء، لكن علاء فصل المكالمة ولم يرد. لقد قرر علاء أن يشكو أمره إلى الله ويدعو على سمير ولا يطلب من سمير شيئا أبدا! اتصل سمير مرة ثانية وثالثة ورابعة، وعلاء لا يرد.
هل كان سمير خائفا من السيئات وعاقبة الظلم في الآخرة؟ لا، لم يكن هذا كله يخطر بباله كثيرا! لكنه كان خائفا ألا يوفقه الله في مقابلة غد الجمعة مع المعلم أبي عزام. لذا، فكر في إرضاء علاء ببعض المال. لكن علاء لم يرد أبدا.
حاول سمير أن يخلص نفسه من الشعور بالذنب: «لا يريد أن يرد... ماذا يمكنني أن أفعل أكثر من ذلك؟ أنا أحسن من غيري... هناك من يغشون المشترين غشا صريحا. الكل يغش في تجارة السيارات. والذي يشتري عليه أن يتوقع ذلك ويتحمل بعض التصليحات... بغير ذلك لن يربح أحد ربحا معقولا»...
قل خوف سمير... نظر إلى الرسالة مرة أخرى... انزعج... حاول الاتصال بعلاء... لم يرد علاء. فكر سمير في نفسه: «أصلا هل يعقل أن السيارة تعطلت ثلاث مرات بسبب رداءة تصليحات هشام؟! لا أظن... أو... ربما... ليتني صلحتها بشكل جيد من البداية حتى لا يبقى هناك احتمال.. على كل، لقد حاولت الاتصال به وعملت ما علي»...
ثم قرر سمير أن يتناسى الموضوع... أمضى سمير يومه خارج البيت، عاد - كالعادة - متأخرا، ونام وهو يفكر باللقاء «العظيم» المرتقب مع أبي عزام وسكرتيره زهير في اليوم التالي.
ماذا حصل في هذا اللقاء؟ وما هو الحدث المهم الذي سيحصل في مكان آخر أثناء هذا اللقاء؟ فلنتابع.
استيقظ سمير على صوت المنبه فجر الجمعة... توضأ ثم توجه للمسجد ليصلي الفجر في جماعة لأول مرة من شهور... طمعا في أن يوفقه الله في مقابلة أبي عزام، ولتكون «تعويضا جزئيا» عن صلاة الجمعة التي ستفوته اليوم!
في الصلاة، وهو واقف بين يدي الله، كان سمير يفكر بما سيقوله في مقابلة (المعلم) وكيف يعطيه انطباعا مميزا عن قدراته! لم يفق من سرحانه إلا في الركعة الثانية والإمام يقرأ سورة الإنسان، تحديدا عندما أعاد الإمام مرتين قراءة قوله تعالى: (إِنَّ هَٰؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا)...
عندما أعادها الإمام، أحس سمير أنها رسالة موجهة إليه... فهكذا هو: يحب الدنيا ويترك وراء ظهره التفكير في يوم القيامة الثقيل! قال في نفسه: «يبدو أني تعلقت كثيرا بالدنيا... لكن أنا معذور، لن أستطيع التركيز في أي شيء قبل أن أنجح وأثبت نفسي... لا أتحمل أن يقال عني فاشل غبي وأقل من إخوتي! إذا نجحت مقابلتي مع أبي عزام وقفزت قفزة كبيرة فسوف تستريح نفسيتي وأتفرغ للتفكير في ديني أكثر».
فأمر الدنيا لا يقبل التأجيل، أما حق الله فـ (سوف) يفكر فيه لاحقا! بقي بعد الفجر يقرأ القرآن لفترة... وفي طريق العودة من المسجد مر بمطعم وأحضر بعض الفلافل والحمص ليفطر مع أمه التي لم يفطر معها من أسابيع.
عاد سمير للبيت، دق باب أمه، لم ترد... فتح الباب، ليست في غرفتها... ذهب لغرفة أمجد... أمجد أيضا ليس في غرفته. ليس في البيت أحد!: «يبدو أنهما باتا خارج البيت الليلة الماضية... أين؟ ربما في بيت خالي كما تفعل أمي كل فترة. خسارة! كنت أريد أن تفطر أمي معي وتترضى عني»...
جلس سمير يفطر وحده. لماذا أراد سمير أن تترضى عنه أمه؟ ليرضى عنه الله، وبالتالي يرضي عنه أبا عزام ويعجب به فيقتنع بمشاركته في معرض سيارات...
أنهى سمير فطوره، وبدأ يحضر ما سيقوله لأبي عزام، وكيف يقنعه بقدراته في تجارة السيارات، ثم بدأ يفكر أين يفتحون المعرض، وكم يدر عليه من الربح شهريا، ثم ارتدى أفضل بدلة عنده، وتعطر بأغلى عطر، ومكث فترة أمام المرآة يؤنق شكله. ثم خرج للمقابلة... ومر في طريقه بمحل حلويات ليشتري طبقا فاخرا لصاحب الدعوة زهير.
وصل منزل زهير... قرع جرس الباب وبدأ قلبه يخفق بقوة خوفا من صدور أي خطأ منه أثناء المقابلة... استقبله زهير مرحبا وصحبه إلى الحديقة حيث كانت الجلسة قريبة من البركة حول طاولة مستديرة كبيرة. الحضور: المعلم أبو عزام، رجل سمين في السابعة والأربعين، له صلعة في معظم رأسه إلا مؤخرة رأسه، يمسك بأرجيلة في يده، ومعه زوجته وابنته حنان، وزوجة زهير ممسكة بسيجارة في يدها، وزياد ابن زهير، شاب في السابعة عشرة... وأصوات الضحك تتعالى منهم جميعا.
لم يعتد سمير على هذه الأجواء، لكنه حرص ألا يظهر أي استغراب. فجلس معهم وعرفه زهير عليهم واحدا واحدا ثم فتحت مواضيع متنوعة وشارك فيها سمير محاولا إظهار لباقة وثقافة منوعة. كان المعلم أبو عزام ينظر إليه أكثر الوقت وقليلا ما يتكلم.
بعد ربع ساعة من وصول سمير جاءته مكالمة على جواله... إنه أخوه سعيد. على الفور فصل سمير المكالمة لئلا يخسر اللحظات «الثمينة» مع المعلم! اتصل سعيد مرة ثانية وثالثة وسمير يفصل المكالمة محرجا من الحضور، ثم أبقى جواله بوضعية الصامت... استغرب في نفسه:
بعد فترة، وضع طعام الغداء، وكان فاخرا... حرص سمير أن يأكل بالشوكة والسكين وألا يكثر من الطعام - مع أنه أحبه - ليأخذ عنه المعلم وزهير انطباعا أنه «ابن عز».
أثناء ذهاب المعلم ليغسل يديه بعد الغداء، وانشغال الآخرين بأحاديث فيما بينهم، استخرج سمير جواله ليرى لماذا اتصل به سعيد. وجد مكالمتين فائتتين من سعيد ورسالة منه أيضا. فتحها فوجد فيها: (أمي في حالة حرجة. تعال إلى مستشفى الرحمة)!
تفاجأ سمير! حالة حرجة! إذن عليه أن يذهب فورا. لكن كيف يذهب؟ اللحظات القادمة هي الحاسمة في الاتفاق مع المعلم. فهم لم يتكلموا في موضوع الدعم المادي من المعلم لسمير وفتح معرض سيارات بعد، بل كانوا يتعارفون والمعلم يفحص شخصيته.
فكر سمير في إخبار المعلم وزهير بسوء وضع أمه، لكنه خاف أن «يتشاءما» بتزامن هذا الحدث مع التحضير للاتفاقية! كما أن المعلم سيسافر إلى الصين بعد هذا اللقاء. فإذا لم يتم الاتفاق الآن فسيؤجل، وقد يغير المعلم رأيه. احتار سمير وبدأ يضطرب... هم بالاتصال بأخيه سعيد ليطمئن على أمه، لكن جاء المعلم وزهير والشاي.
جلس الحضور، وبدأ زياد (ابن زهير) يذكر بعض المواقف المضحكة لمشاهير «اليوتيوبرز» والكل يضحك. أخفى سمير قلقه وتبسم... ثم فجأة، فتح زهير موضوع التعاون على تجارة السيارات مع سمير... رد المعلم باختصار موجها كلامه إلى زهير:
صحبه زهير إلى البوابة الخارجية للحديقة:
اتصل سمير بسعيد، والذي لم يرد لأنه كان قد ذهب لصلاة الجمعة في مسجد المستشفى وأبقى جواله صامتا بعدها. اتصل بأمجد ولم يجبه كذلك. اتصل بأخته تالا:
بدأ سمير يتجاوز السيارات إلى أن وصل المستشفى... صعد سريعا إلى الطابق الذي فيه أمه... في قاعة الانتظار وجد عوائل إخوته، أزواجهم وأبناءهم، وبعضهم يبكي! ماذا حدث؟ دخل سريعا إلى غرفة العناية المركزة... سعيد، عاصم، تالا، أمجد... كلهم حول السرير...
لقد ماتت قبل قليل! كان إخوته مصدومين! لم يتوقعوا أن يكون الموت قريبا بهذا الشكل. سعيد... كان عاضا على شفته يبكي بصمت، حزنه مختلط بندم، حيث كان مشغولا بمشروع ضخم في الأسابيع الأخيرة، فيطمئن على أمه بالاتصال فقط دون أن يزورها.
تالا... رفعت رأسها ونظرت إلى سمير قليلا... عيناها حمراوان، دموعها تنهمر بشدة، تلتقط أنفاسها متقطعة بين البكاء... طأطأت رأسها من جديد... كانت على وشك الانتهاء من الدورة التي تعطيها في التربية النفسية... وقد رتبت مع زوجها أن تبيت في الأيام القادمة عند أمها ويعتني هو بالأولاد.
عاصم... كانت تذكرتا السفر للعمرة له ولأمه في جيبه، أتى بهما ليقول لأمه: (شدي حيلك! موعد السفر بعد غد)، ولم يعرف أن موعد سفر أمه للحياة الأخرى سيكون أسبق!
أمجد... لم تتحمله رجلاه، فكان جالسا على الأرض واضعا رأسه بين ركبتيه يبكي كالطفل! لقد كانت أمه هي حياته في الفترة الأخيرة، بعد أن انقطع عن دراسته وخصص وقته للعناية بها وأخذها للمستشفى والحنان عليها وقراءة القرآن على مسامعها وتسليتها بالدردشة معها عن ذكريات الماضي وذكرياتها مع أبيه. كانت أمه (له) في الأيام الأخيرة، (عاشها) عن السنوات الماضية كلها، ولم يبق شيء يمكن أن يكرم به خاطر أمه ولم يفعله... ومع ذلك لم يشبع من نظرات الرضا الذي كان يقرأه في عيونها، لم يشبع من أدعيتها له صباح مساء، ومن ضحكاتها -على الرغم من مرضها- عندما كان يمازحها ويؤلف له أبياتا فكاهية ليسليها.
الكل مصدوم... لم يتوقعوا أن يخطف الموت أمهم من بينهم بهذه السرعة. ماذا عن صاحبنا (سمير)؟ ليس في الأيام الماضية فحسب، بل في السنوات الماضية، كان أقرب إخوته في الظاهر إلى أمه! فغرفته بجانب غرفتها تماما، يفصل بين سريره وسريرها جدار، حتى أنه كان يحتاج أحيانا أن يغطي رأسه بالمخدة ليستطيع متابعة النوم عندما كانت أمه ترفع صوتها بقراءة القرآن بعد صلاة الفجر! لكنه كان في الحقيقة أبعد عن أمه من إخوته جميعا! أبعد من سعيد وتالا اللذين يسكنان على مسافة عشرات الكيلومترات من منزل أمهم!
اقترب سمير برهبة من السرير... كشف عن وجه أمه... قبلها... نزلت من عينيه دمعة... مسحها... لكنه شعر في ذلك الموقف بشعور غريب! شعر بوجود حاجز بينه وبين قلبه! وصية أمهم من قديم لسعيد: ألا يؤخروا دفنها بعد موتها. وبالفعل، تم تغسيلها وتكفينهما والصلاة عليها، ودفنت مع غروب الشمس. وانتشر الخبر بين المعارف فجاؤوا للعزاء في بيت الأم، والذي أصبح اسمه الآن: بيت الوالدين رحمهما الله.
أثناء استقبال سمير مع إخوته للمعزين، جاءته مكالمة من زهير. اضطرب سمير! هل يتنحى في زاوية البيت ليرد؟ لا! إنه عزاء أمه... ففصل سمير الخط ولم يرد. اتصل زهير مرة أخرى... انحرج سمير فتنحى جانبا ورد...
تردد سمير في أن يخبر زهيرا أنه في عزاء أمه! مرة أخرى: حتى لا «يتشاءم» بذلك هو والمعلم!:
«ليس هناك شيء أعمله في الصباح»! لم يفكر سمير في أن يتخذ وفاة أمه فرصة للتفكر ومراجعة حساباته... وبالتالي، أخفى وجهه عن المعزين ليستطيع إظهار اهتمام وفرح لزهير، ووافق على الموعد!
بعد ساعات، انصرف الجميع وبقي سمير وأمجد فقط في البيت، بعد وفاة صاحبة الغرفة التي كانت بينهما... استلقى سمير على سريره. ولو رآه أحد في تلك اللحظات لظنه مجنونا! كان يفكر في «الإنجاز العظيم» بإقناع المعلم أن يشاركه، فيبتسم... ثم يتذكر أن أمه ماتت من ساعات فقط، فيجبر عضلات وجهه على الجمود ويقطب حاجبيه قليلا... لكنه ما يلبث أن يفكر في اليوم التالي، وفي المعرض الذي سيكون هو مديره وفي السيارات التي سيشتريها، فترتخي عضلات وجهه ويبتسم لا شعوريا! ثم يقطع أحلامه صوت أمجد وهو يقرأ القرآن بصوت متهدج باك حزين، فيعود سمير لتذكير نفسه أن عليه أن يحزن ويتصنع بعض العبوس! ونام صاحبنا على هذا الحال من التقلب!
في صباح اليوم التالي، أيقظه أمجد لصلاة الفجر، فاستيقظ بالفعل وذهب مع أخيه إلى المسجد، ودعا الله في سجوده أن يوفقه في لقائه مع زهير، بينما كان أمجد بجواره يدعو لأمه أن يرحمها الله ويدخلها الجنة! انتبه سمير في السجدة الأخيرة لدعاء أخيه المختلط بالبكاء، فتذكر أمه أيضا بدعوة على عجالة! ثم عاد للبيت ونام متعبا من سهر الليلة الماضية.
يوم توفي أبو السعيد، والد سمير، بقي سمير متأثرا لفترة يتردد على المسجد ويقرأ القرآن... أما هذه المرة، فدوامة الحياة كانت قد أخذته، فلم يتوقف لإعادة حساباته... استيقظ على اتصال من زهير:
انطلق سمير متوترا:
عاد سمير للبيت منتشيا... أخيرا... القفزة الكبيرة التي كان ينتظرها تحققت. استقبل المعزين وهو يجمع ويطرح ويحسب في ذهنه كيف يبدأ معرضه... ويذكر نفسه كل فترة أنه... في عزاء أمه! بعد انصراف المعزين اختصم سعيد وعاصم وتعالت أصواتهما! على ماذا يا ترى؟ ولماذا أصر سعيد على أخيه سمير أن يأتي بعد أيام ليقرأ وصية أمهم؟ وماذا كان في الوصية؟ فلنتابع.
بعد انصراف المعزين في اليوم الثاني من عزاء أم السعيد، سمع سمير أخويه سعيدا وعاصما يتجادلان... على ماذا يا ترى؟ ظهيرة ذلك اليوم، كان أمجد قد جاء بالمال المتبقي من أمه فأعطاه لسعيد ليتم توزيعه حسب الأنصبة الشرعية... 8300 دينار، ومعه حليها:
كان عاصم يسمع الحوار... فانضم إليهما وأجرى هو وسعيد «تحقيقا» مع أمجد ليعرفا كم تكلف في علاج أمه.
بعد انصراف المعزين عاد سعيد يحقق مع أمجد بعيدا عن عاصم.... لكن عاصما لاحظ فانضم إليهما مجددا.
عند ذلك اختصم سعيد وعاصم... كل منهما يريد أن يتولى نفقات علاج أمهم بأن يدفع التكاليف لأمجد ليكون ذلك برا لأمهم بعد مماتها. عاصم، الذي كان لا يزال يحتفظ بتذاكر العمرة في جيبه وينظر إليها كل فترة! كان ينظر إلى سعيد بحزن:
كل ذلك حصل أمام سمير، والذي «أعجب بالموقف»، لكن لم يخطر بباله أن يكون جزءا منه! لأنه كان يفكر في تجهيز معرضه الجديد في اليوم التالي! مرت أربعة أيام على وفاة والدتهم، وبينما سمير في قمة الانشغال بتجهيز معرضه جاءه اتصال من أخيه سعيد:
قال سعيد بشيء من العصبية:
كانت أمهم قد أحست باقتراب أجلها، فكتبت وصيتها قبل وفاتها بيومين بخط يظهر فيه آثار تعبها. وصل سمير لبيت أخيه ليلا... في غرفة الضيوف وهما جالسان استخرج سعيد الوصية من مغلف وأعطاها لسمير بينما وجه سعيد منقبض. بدأ سمير يقرأ: (أبنائي الأحبة، سعيد، عاصم، تالة، أمجد، أحس أن هذه هي أيامي الأخيرة، وأني سألحق بأبيكم رحمه الله. يا أحبابي، أردت أن أقول لكم أني راضية عنكم، وأني لست خائفة عليكم من بعدي، فأنتم بإذن الله في طاعة الله كما رباكم أبوكم. وأنا راضية عن أزواجكم وأولادكم الذين أحببتهم جميعا وأحبوني، ولا أنسى لكم كيف عودتموهم جميعا على الحفاوة بي والمسابقة إلى إرضائي. فأسأل الله أن يرزقكم بر أبنائكم وأن يرزقكم أزواجا لأبنائكم بارين بكم كما كان أزواجكم لي.
يا أحبابي، أرجوكم لا تحزنوا علي كثيرا، ولا تطيلوا البكاء علي حين أموت... لا أتحمل أن أتخيلكم تبكون، ولا أريد أن أكون سببا في حزنكم. يكفي أني راضية عنكم، فقد أحطتموني بحنانكم ووفائكم. أكتب هذه الوصية وفي إصبعي خاتمك يا سعيد، ويدفئني معطفك يا تالة، وبجانب سريري شنطة العمرة التي جهزتها لي يا عاصم، وعلى الدولاب باقة وردك الرائعة يا أمجد، جفت أزهارها ولم يجف الحب الذي تعبر عنه. مهما ابتعدتم عني فأنفاسكم معي.
سعيد، أعلم يا حبيبي أنك شغلت بمشروعك الجديد مؤخرا وأنا أعذرك. دير بالك على إخوتك فأنت كبيرهم. تالة، زوجك رجل فاضل، تحملي عصبيته ولا تجادليه يا ابنتي ولا تقصري في حقه. عاصم، يا صديقي منذ الطفولة، لا تحزن إن لم أستطع الذهاب معك إلى العمرة. لا زلت أذكر التلهف والشوق في عينيك إلى سفرنا سوية عندما زرتني الأسبوع الماضي، وأسأل الله أن يكتب لك أجرها كاملا على كل الأحوال. وقد علمت أنك بدأت التدخين من فترة وإن كنت تخفي عني. أرجوك يا بني، اتركه من اليوم، أنت طيب فحافظ على أنفاسك طيبة، وتذكر أن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم كما أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم.
أمجد، أعلم أني غلبتك كثيرا معي يا بني الحبيب، وأنك ضحيت بدراستك لتعتني بي، لكني أقول لك من أعماق قلبي: (روح، الله يرضى عنك ويوفقك ويفتح عليك وينور دربك أينما حللت وارتحلت). وأوصيكم يا أبنائي أن تعرفوا من أمجد كم صرف على علاجي طوال الفترة الماضية ولا تدعوه يخفي عنكم، فقد لاحظت أن مالي في الخزانة لم ينقص كثيرا. فعوضوه من مالي الذي سأترك لكم ومن حصتي من بيت أبيكم رحمه الله.
وبالنسبة لأخيكم الخامس، فقد كان استدان مني خمسمائة دينار لتجارته ووعدني أن يردها في أقرب فرصة، ويبدو أن الـ«أقرب فرصة» لم تأت بعد. فطالبوه بها لأنها من حقكم بعدي، فأنا لم أتنازل له عنها. سعيد، تالة، عاصم، أمجد... أستودعكم الله الذي لا تضيع ودائعه، اجعلوا تقوى الله نصب أعينكم وديروا بالكم على بعضكم وعلى أزواجكم وأولادكم. أسأل الله تعالى أن يجمعنا جميعا مع أبيكم رحمه الله في الجنة. أمكم المحبة لكم جدا: آمنة).
قرأ سمير وصية أمه... تركها على الطاولة أمام سعيد، ثم أخرج محفظته من جيبه واستخرج منها دفتر شيكات، كتب شيكا بخمسمائة دينار ومده لسعيد... قال له سعيد:
كان سعيد يأمل أن تكون هذه الوصية بداية جديدة لسمير، كان يتوقع أن يرى في عيني أخيه دموع الندم، فيواسيه ويعينه على فتح صفحة جديدة... ولذا أصر أن يقرأ سمير الوصية أمامه... لكن أيا من هذا لم يحصل للأسف.
قارن سعيد موقف سمير بما حدث أمس، كان يقرأ الوصية بحضور إخوته وبحضـور باسم زوج تالة بصوت متهدج وعيونهم جميعا تذرف الدموع...وعندما وصل وصية أمهم لتالة بالصبر على زوجها وأن تتحمل عصبيته ولا تقصر في حقه، وضعت تالة رأسها على صدر باسم فضمهـا إليه بيده وقبل رأسها...
وعندما قرأ وصية أمهم لعاصم بترك الدخان أخرج باكيت الدخان من جيبه، عصره بيده، وألقاه في المهملات، وهو يضع يده على رأسه أن «على راسي يا أمي» وإن كان لم ينطق بها إذ ألجمه البكاء.
انطلق سمير في سيارته نحو البيت...«لماذا يا أمي؟ لماذا هذا الإحراج أمام إخوتي؟ كان يمكنك أن تعاتبيني فيما بيني وبينك...لقد قسوت علي! ماذا سيقول عني إخوتي حين يقرؤون هذا الكلام؟ لن يحترموني...ترى هل علم أزواجهم بهذا الكلام؟ هل علم ابن عمي زوج تالة؟ لعله سيخبر والده! كيف ستصبح صورتي أمام أقاربي؟! من أجل 500 دينار يا أمي؟ أنا ابنك، أما كنت تستطيعين المسامحة بها بدل أن تفضحيني؟! لقد كنت نسيت الـ 500 دينار تماما، ولو طلبتها لأعطيتك إياها على الفور»...
وصل البيت متأخرا...مر بغرفة أمه...سريرها فارغ...وأمجد نائم...«وجدوا الوصية في الدولاب»...فكر سمير...أغلق باب غرفة أمه على نفسه، فتح جوارير الدولاب، فتح خزانة الملابس، وضع ركبتيه على الأرض، نظر تحت السرير...عن ماذا كان يبحث سمير؟
كان يبحث عن أي قصاصة ورق لأمه لعلها تكون كتبت له شيئا... كان يتمنى أن يرى ورقة مكتوبا عليها: «عاتبة عليك يا سمير لكن أحبك»...أي ورقة تذكره فيها باسمه...لكن سميرا لم يجد ورقة كهذه.
خرج إلى غرفته...كان ينوي أن يقضي صلوات العصر والمغرب ثم يصلي العشاء حتى «يوفقه الله» في معرضه الجديد...لكنه كان متعبا، فألقى نفسه على السرير...للحظة، تذكر قراءة أمه للقرآن في صلاة الفجر وبعدها على الطرف الآخر من الحائط الذي يفصله عن سرير أمه، حن إلى صوتها مع أنه كان يغطي رأسه حتى لا يسمعه ليستطيع متابعة النوم... كانت ثورة غضبه من «قسوة أمه» وعتبه على «فضيحتها إياه» قد خفت، فبدأ يفكر: «أمي ماتت غير راضية عني إذن؟! كم مرة ذكرت أسماء إخوتي؟ أربع مرات...وأنا؟ ولا مرة! سمتني (أخوكم الخامس)! هل كرهتيني يا أمي؟ لماذا؟ أنا أحبك...هل؟...»... ونام سمير!
بالمناسبة، سمير كان يحب أمه بالفعل، لكن ليس أكثر من تجارته! لم يكن يسيء إليها، لكنه لم يكن يحسن إليها كذلك! ما كان ليرضى أن تغضب منه أمه (لو أنه فكر في الأمر أصلا!)، لكنه كان يهمه أكثر ألا يوصف بالفاشل!
فكرة مساعدة أمه والاهتمام بصحتها كانت تراوده...لكن كالخيالات البعيدة التي لا تجد منفذا إلى دماغه المحاط بالسيارات! حصل أن يحدث نفسه: «ربما علي أن أسأل أمي إذا كانت بحاجة لمساعدتي»...لكن تسويف «سأفعل في أقرب فرصة» كان لا يلبث أن يهجم عليه...فالعمر مديد والأيام قادمة وهو الآن مشغول بما لا يمكن تأجيله، وأما أمه فسيهتم بها «يوما ما»...ولم يتصور أن الموت سيسبق هذا اليوم!
لم يستيقظ سمير في اليوم التالي إلا على مكالمة من زهير:
انطلق سريعا نحو المعرض، انشغل بالتجهيزات طوال النهار، فلم تكن لديه فرصة للتفكير في (الحرمان) الذي عبرت عنه وصية أمه!
الـ (150) ألف دينار التي وافق عليها أبو عزام، قسمها سمير: (10) آلاف لاستئجار المعرض لمدة سنة. (4) آلاف لتجهيزه: كهرباء، ماء، ديكورات، دهان، باب سيكوريت، أثاث. (3) آلاف معاملات رسمية وتراخيص. (700) دينار أجرة موظف يساعده في المعرض لأول شهرين. والمبلغ المتبقي، حوالي (132) ألف دينار، سيشتري ويصلح بها سيارات مستعملة ليبيعها...
شعر سمير بالنشوة وهو يحسب! بدأ تجارته من فترة قصيرة بأقل من عشر هذا المبلغ، والآن سيستطيع أن يشتري عشر سيارات. ماذا فعل زهير (سكرتير أبي عزام) عندما علم بخبر وفاة أم سمير؟ وماذا سيحصل ببيت العائلة بعد وفاة أم السعيد؟ ومن «حنان» التي سيفكر سمير في خطبتها؟
فلنتابع.
بدأ سمير في معرضه الجديد بقوة...عازما على أن يكرس له كل وقته ويرسم من خلاله قصة «نجاحه»... في هذه الأثناء، كان زهير يقلب صفحات الجرائد بحثا عن الأخبار المهمة لرجل الأعمال المعلم أبي عزام، وإذا به يقرأ أسماء إخوة سمير، ومعهم اسم سمير الذي لم يكن يدري بالإعلان، يشكرون من شاركهم مصابهم بأمهم الغالية ويدعون لها بالرحمة... قرأ زهير تاريخ وفاتها...إنه الجمعة الماضية! يوم كان سمير في بيته (بيت زهير)..
تفاجأ زهير..«يبدو أن أم سمير توفيت بحادث ذلك اليوم...طيب لماذا لم يخبرني؟!» اتصل على الفور بسمير:
أحس زهير بالإحراج الذي أصاب سميرا، فترحم على أمه مرة أخرى وأنهى المكالمة ثم قال في نفسه: «إذن سمير كان جالسا معنا يأكل المشاوي ويستمع لنكات زياد ويتبسم لها وأمه تحتضر! هذا الرجل يعبد المال إذن! لذلك (سال لعابه) على لقاء المعلم»!... قل احترام سمير في نفس زهير كثيرا من هذا الموقف وإن كان لم يبد ذلك له.
بيت الوالدين يجب أن يباع الآن ويقسم ثمنه على الورثة...اقترحت تالة أن يخصص ربع الثمن للمساهمة في بناء مسجد رجاء أن يصل الأجر لوالديهم...عرض أمجد الفكرة على سمير....فكر قليلا...بقية الخير فيه والمحبة لوالديه غلبت حبه للمال فوافق.
أمجد يريد السكن في شقة صغيرة قريبة من الجامعة، وسمير يريد شقة قريبة من معرضه البعيد عن الجامعة. حاول أمجد أن يجد حلا وسطا لكن سميرا لم يكن متعاونا، فانتهى الأمر بأن يستأجر كل منهما شقة... قبل تسليم بيت العائلة للمشتري، اجتمع الإخوة فيه، تذكروا ذكريات الطفولة مع أبي السعيد وأم السعيد رحمهما الله. التقط عاصم وأمجد بعض الصور في زوايا البيت...جلست تالة على المرجوحة، أخذ سعيد بعض النباتات ليحتفظ بها في بيته...حتى سمير، أحس ببعض الرهبة وهو يلقي النظرة الأخيرة على بيت العائلة...ثم غادروا البيت... وافترق سمير وأمجد، وفقد سمير بذلك اللحظات القليلة التي كان يلتقي فيها مع أمجد. فقد كان سمير -على غفلته- يتأثر بأمجد وإن كان بضعف.
مر عام، عاد خلاله أمجد إلى كلية الطب، وانطلق في دراسته بحماسة عالية وتفوق من جديد. وكرس فيه سمير حياته للمعرض...أسعار البيع مميزة لكن مع بعض «التهاون» في تصليح السيارات قبل بيعها أحيانا. وحتى لا تفشل تجارته وتسوء سمعته، كان سمير يتكفل بتصليح السيارة المباعة إذا رأى أن مشتريها لن يسكت عن حقه.
حاول أمجد أن يبقى على تواصل مع سمير...دعاه ليخرجا سوية إلى مطعم...استجاب سمير في المرة الأولى، تلكأ ثم استجاب في الثانية...ثم أصبح يؤجل ويتعذر بالانشغال كل مرة. وانشغل أمجد هو الآخر.
سرعة نمو سمير كتاجر سيارات أثارت إعجاب المعلم أبي عزام به، خاصة وأنه كان يعاني في تلك الفترة من تراجعات وخسائر في بعض استثماراته الأخرى، فقويت علاقته المباشرة مع سمير، ولم يعودا يلجآن إلى زهير كوسيط بينهما، وكثر تردد سمير على قصر أبي عزام.
حنان، ابنة أبي عزام، فتاة في العشرين من عمرها، مترفة مدللة من أبيها وأمها...لا يرفض لها طلب...رسبت في الثانوية العامة فأعادتها، وها هي في السنة الأولى من دبلوم جرافيك ديزاين..«خام» سطحية التفكير...لفت هذا الشاب الطموح «سمير» نظرها...وتكرر أن تفتح الباب له إذا جاء إلى القصر وترحب به...وبدأ سمير بدوره يحس بالاهتمام بها.
فكر سمير: «أما حان الوقت لأتزوج وأنشىء أسرة؟ إخوتي كلهم متزوجون -إلا أمجد- وبدأ أولادهم يكبرون...ماذا ينقصني لأتزوج؟».. فكر سمير في التقدم من حنان ابنة المعلم، لكن عاد فقال في نفسه: «مستحيل! المعلم مليونير وأنا شخص عادي، مجرد شريك في أحد استثماراته الصغيرة. كما أني لست جامعيا...لن يوافق المعلم، وربما لن توافق ابنته، فمثلها يتزوجها الأثرياء»... «لكن أظن أنها مهتمة بي هي الأخرى...لماذا لا أجرب؟».
وبعد تردد طويل، قرر سمير أن يجرب ويفاتح المعلم بالموضوع تدريجيا ويجس نبضه، لكن بعد شهر مميز عالي الأرباح، حيث كان سمير يجتمع بأبي عزام نهاية كل شهر لإطلاعه على السيارات المشتراة والمباعة وصافي الأرباح ومقدار النمو في تجارتهم.
زاد سمير من جده واجتهاده في العمل...وجاء شهر عالي الأرباح، تم بيع (45) سيارة، صافي الأرباح (11700) دينار، بزيادة 14% عن الشهر الذي قبله. فقرر أخيرا خطبة حنان.
ذهب سمير إلى اجتماعه الشهري مع أبي عزام متأنقا وقد رتب خلاصة إنجازات الشهور الماضية في جداول رقمية، وجاء بمقترح لتوسعة المعرض وشرائه بدلا من دفع إيجاره السنوي. انبهر أبو عزام بسرعة نمو تجارة السيارات ولاحظ الحماس الكبير لدى سمير، وكان يفكر أثناء حديث سمير كيف يمكنه أن يوظف طاقات هذا الشاب الذي لم يتجاوز الثالثة والعشرين ليستفيد منه أكبر فائدة.
بعدما أبدى المعلم لسمير إعجابه بهذه الإنجازات وموافقته على دفع مبلغ (140) ألف دينار لشراء مبنى المعرض من مالكه، قال سمير:
كان عند أبي عزام ولدان، الكبير منهما لا يعتمد عليه في شيء، يمضي وقته مع أصحابه ويتهرب من أية مهمة يوكلها والده إليه، والآخر صغير...فكان أبو عزام يرغب في أن يقرب منه شابا يساعده.
جلس أبو عزام مع حنان وأمها...
في اليوم التالي ذهب أبو عزام إلى مكتبه الفخم، وأثناء جلسته مع سكرتيره زهير أخبره بالنجاح المميز للمعرض الذي أطلعه عليه سمير أمس، وكذلك بعزمه على تزويج حنان من سمير. هنا، بدأ زهير يحس بالحسد الشديد لسمير! فهو الذي عرف المعلم عليه، ومع ذلك أصبحا يتجاوزانه ولا يدعوانه لحضور العديد من الاجتماعات، والمعلم يتكلم عنه بإعجاب بل ويريد تزويجه من ابنته!
فبدافع الحسد قال زهير:
تأخر المعلم أسبوعا -عمدا- قبل أن يتصل بسمير، ثم دعاه إلى قصره، وكان في الانتظار معه حنان وأمها. كان ذلك أسعد يوم في حياة سمير! أخبار متتابعة: سيتزوج ابنة المعلم، وسيسكنهما المعلم في فيلا كهدية زواج! وسيقام العرس في فندق فخم ويدعى إليه الأثرياء ورجال الأعمال.
لم يستطع سمير أن يخفي فرحته وذهوله! وبلع ريقه مرارا...لكن عند الحديث عن العرس لمح إلى التساؤل عن التكاليف المحتملة. قال المعلم:
لقد كانت حفلة عرس سمير وحنان قفزة كبيرة أبعدت سميرا عن إخوته وبيئة عائلته وتربيته وقربته من بيئة أبي عزام. سمير نفسه كان متفاجئا ومتحرجا من بعض المظاهر والترتيبات، لكنه أحس أنه من «غير المعقول» أن يبدي أي استياء أو اعتراض على إرادة «عمه» أبي عزام الذي «أحاطه بجمايله»: تمويل المعرض، تزويجه من ابنته، الفيلا، تغطية تكاليف العرس، وها هو يعرفه بسعادة على أصدقائه «المرموقين» الذين ما كان سمير يحلم أن يكونوا ضيوف عرسه يصافحهم ويستقبلهم ويعرف أمامهم على أنه: «رجل الأعمال الشاب الصاعد، شريكي في بعض الاستثمارات» كما كان يقول أبو عزام.
لقد أصبح أبو عزام هو الهواء الذي يتنفسه سمير! ما عاد يمكنه أن يستغني عنه أو يقول له في شيء: (لا)، وبالتالي سكت في عرسه عن أشياء كثيرة مبررا لنفسه كالعادة.
انقضى العرس، وسافر العروسان ليمضيا أسبوعين في قبرص، ثم عادا إلى الفيلا التي تقاسم سمير وحماه أبو عزام تكلفة تأثيثها، وبدآ حياتهما بانسجام ومودة... كل منهما فرح بالآخر..... أراد سمير أن يعبر لله عن شكره وامتنانه فانتظم في صلاته في الأسابيع الأولى، وعلم حنانا كيف تصلي! فقد كانت آخر صلاة رأتها حنان في بيئتها هي صلاة جدها والد أمها قبل وفاته من سنوات. تجاوبت حنان وكانت تصلي مع سمير جماعة أحيانا. حين اشتريا ملابس للصلاة وارتدتها حنان زاد جمالها ومودتها في قلب سمير، لكن أمر الحجاب لم يكن مطروحا بالمرة في هذه البيئة ولا جرؤ سمير على أن يفاتح حنانا به.
مر شهر كامل على العرس، لم يخطر ببال سمير خلاله أن يتصل بإخوته، وكانوا هم لا يتصلون به استياء منه. ترى، من الذي اتصل به أخيرا، وماذا قال له؟ وماذا فعل زهير بدافع الحسد؟ ومن مولود سمير الأول؟
فلنتابع.
بعد شهر من عرس سمير، اتصل به أمجد طالبا مقابله...رحب به سمير ودعاه إلى الفيلا. جاء أمجد ومعه علبة حلويات كهدية زواج. بدأ بالاطمئنان على سمير وارتياحه مع زوجته حنان ونجاحه في العمل، ثم سأله سمير عن دراسته في كلية الطب وكيف يمضي وقته وهو يعيش وحده.
بعد هذه المقدمات قال أمجد بصوت هادىء حزين حريص:
هنا، زادت عصبية سمير:
هنا احمر وجه سمير من الغضب، فقد كان يوم وفاة أمه العصب الملتهب الذي لا يطيق أن يمسه أحد، إذ لا يتحمل أن يقارن بإخوته فيه، فقاطع أمجد قائلا:
خرج أمجد متأسفا على حال أخيه، وأدرك أن نظرته انحصرت تماما في الدنيا، فهو يقيس علاقته بالله من خلال نجاحه الدنيوي! ركب أمجد سيارته، وقبل أن ينطلق أرسل لأخيه رسالة بالجوال نصها آيتان: (فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ . وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ . كَلَّا).
فتح سمير الرسالة، فهم ما يريد أمجد أن يفهمه إياه: (ليست الكرامة على الله والهوان على الله بحسب الرزق الدنيوي). تذكر سمير وصية أمه ودعواتها لإخوته مع حرمانه هو...لكن ما لبث أن نادته عروسه (حنان) فقال في نفسه: «ربما علي أن أفكر في هذا الأمر، لكن ليس الآن، يكفي أنه تعكر دمي وأنا عريس، سأفكر فيه لاحقا...في أقرب فرصة»...وذهب إلى حنان.
مر عام... حصل خلاله أمران رئيسان: أولا: بدأ أبو عزام يشرك سميرا في إدارة استثماراته الأخرى غير معرض السيارات من خلال إطلاعه على طبيعة هذه الاستثمارات ومشاكلها وتكليف سمير بمحاولة إيجاد حلول لها. كانت ملفات هذه الاستثمارات عند السكرتير زهير، فبعد كل اجتماع كان المعلم يقول لسمير:
كان زهير ممتلئا غيظا على الفتى المدلل (سمير) الذي يعول عليه المعلم أن يحل مشاكل عجز زهير نفسه عن حلها: «أنا الذي جئت بك لأبي عزام...فإذا بكما تتجاوزانني في الاجتماعات، ثم لم يلبث أن يزوجك ابنته وأنت لا شيء! ويظن أنك ستكون أقدر مني على حل المشاكل؟!» لذا، كان زهير يتعامل بطريقة جافة مع سمير، ويتعمد التأخر في إعطائه بعض التفاصيل ويتعذر له بالانشغال، بل ويخفي عنه بعض التفاصيل المهمة أو يعطيه معلومات مضللة عمدا! كل هذا ليفشل سميرا.
أدرك سمير ما يريده زهير، فتعمد بطريقة «ذكية» أن يسجل على زهير بعض مكالماته معه ويحتفظ بالمراسلات بينهما، ويتظاهر لزهير بإحسان الظن فيه حتى يستمر زهير في مكره... بينما يقول سمير في نفسه: «أنا لا أحب أن أؤذي أحدا، لكن الذي يقف في طريقي...سأسحقه!» الكبر...مولود ولد في قلب سمير يوم عرسه، وظهرت آثاره يوم نصيحة أخيه أمجد له...وها هو يستمر في النمو...بدأ سمير يحس أن النعمة التي هو فيها إنما هي ثمرة ذكائه ونشاطه، وكان يردد في نفسه: «النصر حليفك»، «النجاح يرافق خطواتك»، وأحيانا ينسى نفسه وهو وحده فيثني شفتيه بكبر ويمد إبهامه بإشارة الإعجاب قائلا: (You deserve) (أنت تستحق)! فكان مزهوا بنفسه أنه «سيسحق» زهيرا بالأدلة التي جمعها ضده، والتي سيقدمها للمعلم أبي عزام.
لكن الذي أخره عن ذلك هو الحدث الثاني، وهو ولادة زوجته حنان لمولودهما الأول... جاء أبو عزام إلى المستشفى...أمسك بحفيده الأول بسعادة...
أضفى المولود الجديد بهجة على بيت سمير وحنان، وزاره إخوانه بعد أسبوع من ولادة أشرف ليهنئوه، وكانت فرصة لتعارف حنان مع تالة وزوجة سعيد وزوجة عاصم. ومع تنافر الطباع إلا أن الزيارة كان فيها قدر من الانسجام والفرحة بالمولود الجديد.
مر شهران، فوجد سمير الوقت مناسبا لـ «سحق» زهير! فطلب من المعلم (عمه) أن يجتمعوا ثلاثتهم. اجتمعوا في مكتب المعلم، وفاجأهما سمير بملف متكامل من الأدلة التي تدين زهيرا بوضوح وتبين أنه يتعمد عرقلة عمل سمير وإفشاله، بما في ذلك التفريغ النصي لبعض المكالمات المسجلة، بل وأدلة تبين تقصير زهير وإهماله في إدارة بعض الاستثمارات... كان أبو عزام يقلب الأوراق بعبوس....بينما زهير ينظر باتجاه الشباك بشيء من اللامبالاة... قال سمير:
رفع أبو عزام عينيه من الملف ونظر في عيني زهير بغضب مكبوح الجماح، فقال سمير بشيء من الشماتة:
لم يفهم سمير ما قصده السكرتير زهير بـ«أسرار ملف التسهيلات»، لكنه تفاجأ بأن ردة فعل عمه أبي عزام لم تكن كالمتوقع! فقد نظر باتجاه الشباك ممسكا بسيجارته وقال:
ثم قام أبو عزام بتقسيم العمل بينهما ليرسم لكل واحد منهما حدوده، وأخبر زهيرا بأن نسبته من أرباح معرض السيارات ستنزل إلى (5%) مقابل تخفيض مسؤولياته عن المعرض لصالح سمير، وترتفع نسبة أبي عزام إلى 55%. فسكت زهير على مضض.
انتهى الاجتماع وخرج زهير...هاب سمير أن يسأل حماه عن سبب هذا الرد الفاتر فهم بالانصراف، لكن أبا عزام استوقفه وطلب منه أن يسلمه الأدلة التي تدين زهيرا ليحتفظ بها. خرج سمير عازما على أن يفهم ما هي «أسرار ملف التسهيلات» هذه، فأصبح «ينبش» وراء المعلم وزهير، ويحاول أن يبني علاقات خارج العمل مع الذين لهم صلة باستثمارات المعلم، بل وكان يقتنص الفرص للاطلاع على جهاز الكمبيوتر التابع للسكرتير زهير ويقلب في أوراق مكتبه في غيابه، ويقترب من باب مكتب المعلم عندما يلاحظ أنه أغلق الباب لإجراء مكالمة لا يريد أن يسمعها أحد. كان سمير يمارس هذا التجسس وهو محبط من فشله في «سحق» زهير الذي لطالما عامله معاملة سيئة وسعى في إفشاله.
عبر أكثر من شهرين، بدأ سمير يكتشف بعض الأمور، لكن المعلم أيضا اكتشف أن صهره سميرا ينبش وراءه، فقد أخبره بذلك أصدقاء المعلم الذين حاول سمير اقتناص معلومات منهم بطريقة غير مباشرة. فاستدعى المعلم سميرا إلى مكتبه... ترى، ماذا جرى في هذا الاجتماع بين أبي عزام وصهره سمير؟ ولماذا لم يطرد سكرتيره زهيرا؟ وما هي هذه التسهيلات التي كان زهير يتكلم عنها؟ وما الذي اكتشفه سمير عن «عالم» أبي عزام وزهير؟
فلنتابع.
استدعى المعلم سميرا إلى مكتبه، أغلق الباب عليهما، أدار كرسيه المتحرك باتجاه الواجهة الزجاجية بعيدا عن سمير، استخرج سيجارة، أشعلها، سحب منها نفسا عميقا وأخرج ضبابة من فمه...ثم قال لسمير:
أدار المعلم كرسيه باتجاه سمير وأمسك ببعض القطع المكتبية أمامه قائلا:
سكت سمير وبلع ريقه....وبدا له أن عمه أبا عزام لديه «شيء من المنطق» فيما يقول! كانت هذه المقدمة الطويلة من «حكم» المعلم تمهيدا لما قرر أن يطلع عليه صهره سميرا عبر أكثر من ساعة عن طبيعة «التسهيلات» و«التمشيات» و«التسليكات» و«التزبيطات» التي يتعامل بها المعلم في استثماراته.
لقد اكتشف سمير أن عالم عمه أبي عزام مليء بالغش والتزوير والرشاوى! أعقد بكثير من الغش الساذج الذي غش به سمير مشتري السيارة الأولى (علاء)، وأعقد من الغش المحدود الذي تعود عليه في تصليح بعض السيارات بعدها. وتبين لسمير أن السكرتير زهيرا لم يكن مجرد سكرتير، بل كان المتولي لما يسميه المعلم «التسهيلات والتسليكات»، حتى لا يظهر المعلم في الصورة، وليبقى محافظا على «هيبته»!
لذلك لم يتصرف المعلم مع زهير بحزم حين اكتشف أنه يتعمد إفشال سمير، لأنه لا يريد أن يوصل زهيرا إلى مرحلة (علي وعلى أعدائي) فيفضح الأسرار و(ينخرب بيت الجميع)!
عاد سمير من مكتب أبي عزام إلى المعرض مذهولا...كان يبرر لنفسه غشا بقيمة مئة دينار أو مئتين، لكن الآن عليه أن يؤقلم نفسه على مستوى «أعلى» بكثير! للحظة، فكر سمير أن ينسحب من هذا العالم الموبوء...لكن كيف ينسحب؟ أبو عزام هو هواؤه الذي ما عاد يستغني عنه! هو طريقه لتحقيق طموحه ورسم قصة نجاحه... بالمناسبة، كان سمير في الظاهر قد حقق طموحه، فقد أصبح وضعه المادي كوضع إخوته تقريبا، وها قد تزوج وأنجب مثلهم، وأصبح ذا جاه مهيب بين موظفي المعرض وزبائنه وموظفي استثمارات أبي عزام، ومعارفه من «الطبقة المرموقة»، لكن انشغاله الشديد بالعمل، وحقده على زهير، ثم كيده لزهير، ثم تجسسه على زهير والمعلم، كل هذا جعل لحظة تحقيق «الطموح» تمر دون أن يلاحظها سمير أو «يستطعم بها».
ومع ذلك، كان من الصعب عليه التخلي عن هذه الحياة...ولم يجد سمير بديلا عن «التأقلم» مع معلوماته الجديدة عن عالم أبي عزام...لم تكن مهمة سهلة، لكن «ثلاثيا» تعاونوا على «أقلمته»: عمه أبو عزام، وشيطان الجن، ونفسه الأمارة بالسوء! تعاون هؤلاء الثلاثة على إبقاء (النفس اللوامة) لدى سمير تحت التخدير! كلما كانت تصحو «ضربوها» إبرة من الإبر الجاهزة متنوعة الأشكال: «أنت أحسن من غيرك»، «الحياة هيك بدها»، «كل الناس يفعلون كما تفعل»، «تعوضها بالأعمال الخيرية»، «المثل شيء والواقع شيء»، «لا يمكن أن أهدم ما بنيته من تجارتي ووضعي الاجتماعي»، «رحمة الله الواسعة ستسعك»، «عندما أحقق طموحي ستستقر نفسيتي وأعطي ديني الوقت المناسب»، «يوما ما سأذهب للحج وأبكي عند الكعبة وأفتح صفحة جديدة»... طبعا هذا كله بالإضافة إلى الإبرة الأصلية القديمة: «لا أريد أن أكون أقل من غيري، لا أريد أن أوصف بالفاشل».
كما أن أبا عزام أشرك سميرا في أعمال خيرية يعملها بالفعل! فوكل إلى سمير إقامة إفطارات رمضانية وتوزيع طرود خيرية...لكن أبا عزام لم يكن ينسى أن تلتقط له صور في هذه الفعاليات...وعندما تنشر أخبارها على موقع استثمارات أبي عزام، كانت الأرقام مضاعفة عما هي عليه في الحقيقة! إفطار رمضاني أقيم لمئة يتيم على أرض الواقع...في الإعلان: ثلاثمائة، مع تفنن في التصوير لإظهار العدد كبيرا! ووزع مئة طرد خيري على المحتاجين على أرض الواقع...في الإعلان: مئتا طرد...!
تذكر سمير كيف كان أبوه ينادي أخاه عاصما ويعطيه كيسا مملوءا بالرز والسكر والحليب والشكلاطات ويقول له:
كان سمير يحفظ هذا المشهد وهذه الكلمات، لكنه لم يستخرجها من محيط ذاكرته إلا عندما رأى أعمال أبي عزام «الخيرية» مضروبة باثنين أو ثلاثة لغايات تجارية! عرف أبو عزام كيف «يروض» سميرا رويدا رويدا...في البداية أطلعه...
على شيء من حقيقة «التسهيلات»، وأخفى عنه أمورا أكثر سوءا... ثم انتقل من مرحلة تعويد سمير على السكوت عن هذه «التسهيلات» إلى إشراكه في بعضها بالتدريج... وكلما رآه قد تعود على التخلي عن شيء من دينه وقيمه بدأ يعوده على استلال قيمة أخرى مما غرسه فيه والداه وهو صغير، بحيث تبدو محاولة الاعتراض على هذا «تعقيدا» و «دقارة» و «تشديدا» لا داعي له، فلا يجرؤ سمير على الاعتراض!
مع تكشف أوراق (اللف والدوران) لسمير ثم إشراكه فيها، قلت هيبته لدى عمه أبي عزام. كان سمير يطاوعه في أمور كثيرة ويسكت عن العوج بشكل متزايد ليحصل رضاه واستمرار دعمه، لكن ذلك كان في الحقيقة يجعله في عيني أبي عزام (أداة صالحة للاستخدام) بدلا من أن يكون كيانا مستقلا له احترامه!
كثيرا ما كان أبو عزام يشعر سميرا أن إنجازاته دون المطلوب، وأنه كان يتوقع نتائج أفضل... كل هذا حتى «يعصر» من سمير قدراته كلها...
أحس سمير بأن تنازله عن مبادئه ضيع احترام أبي عزام له، حاول العودة إليها وإظهار أنه «صاحب مبدأ» ليكسب الاحترام من جديد، وأظهر نوعا من المعارضة لأشياء «عوده عليها» أبو عزام مؤخرا... لكن لم يخف على أبي عزام أسباب هذا التمنع... فكان إذا عارضه سمير نظر إليه بابتسامة صفراء فيها شيء من الاستخفاف ثم مرر ما يريد وكأن سميرا لم يقل شيئا.
على الرغم من غفلة سمير الشديدة وغرقه في أوحال أبي عزام، كان هناك مبدأ واحد يتمسك به ولم يتخل عنه طوال هذه السنوات. كان هذا المبدأ يحد من سرعة تدهوره، ولم يكن المعلم يضغط عليه كثيرا لئلا تصحو نفسه اللوامة فجأة!
ما هو هذا المبدأ يا ترى؟ وكيف سارت حياة سمير مع حنان بعد التطورات التي حدثت في علاقته مع أبيها؟ وهل كان لدى سمير ضمانات لحفظ حقوق عمله مع أبي عزام؟
فلنتابع.
على الرغم من غفلة سمير الشديدة وغرقه في أوحال أبي عزام، كان هناك مبدأ واحد يتمسك به ولم يتخل عنه طوال هذه السنوات. كان لدى سمير تعظيم لله تعالى... صحيح أنه كان تعظيما ضعيفا لا يمنعه من مشاركة أبي عزام في كثير من المحرمات ولا يدفعه للمحافظة على صلاته، لكنه مع ذلك كان يهاب من فكرة أن يقوم بشيء ينزع عنه وصف الإسلام.
كان أبو عزام وزهير مستخفين بالدين، فحصل مرة أن أظهرا هذا الاستخفاف في معرض المزاح... لم يجاملهما سمير في ذلك، بل أبدى انزعاجا وقطب حاجبيه وغير الموضوع. فأصبحا يتجنبان مثل هذا المزاح أمامه.
بذرة الخير الفطرية هذه كان لوالد سمير دور في المحافظة عليها. لا زال سمير يذكر يوم ذهب مع أبيه لوليمة عند ابن عم أبيه (أبو حلمي)، وكان سمير يومها في العاشرة... وعلى مائدة الطعام أراد أبو حلمي أن يضحك الحضور، فقال:
هنا يذكر سمير كيف تغيرت ملامح أبيه على الفور وقاطع أبا حلمي:
وهنا تدخل أحد الحضور قائلا:
فسكت أبو حلمي وقال:
لا زال الموقف محفورا في ذاكرة سمير، بملامح أبيه الغاضبة ونبرته العالية وحرارة إيمانه وغيرته على دينه. لم يكن أبو السعيد صاحب علم، بل من بسطاء المسلمين، لكنه كان محبا لله ومعظما له.
لا زال سمير يذكر موقفا تكرر أمامه كثيرا، حين كان أبوه يمسك بالفواتير التي فيها البسملة أو اسم الله تعالى فيشققها قبل رميها. لا زال يذكر حديثا كرره أبوه على مسامعه ومسامع إخوته مرارا... أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر رجلا من الأقوام السابقة أعطاه الله مالا وولدا، فلما حضرته الوفاة قال لبنيه: «أي أب كنت لكم؟» قالوا: «خير أب»، قال: «فإني لم أبتئر عند الله خيرا»، يعني لم أدخر عملا صالحا أريد به وجه الله لينجيني يوم القيامة. فأوصى أبناءه بوصية غريبة فقال: «فانظروا إذا مت فأحرقوني حتى إذا صرت فحما فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف فأذرووني فيها» يعني ارموا رماد جسمي ليتطاير مع الريح... ولماذا هذا كله؟ قال: «فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا من العالمين!».
قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: (فأخذ مواثيقهم على ذلك وربي، ففعلوا، ثم أذروه في يوم عاصف، فقال الله عز وجل: كن، فإذا هو رجل قائم، قال الله: أي عبدي ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: «مخافتك»، فما تلافاه أن رحمه الله عندها)... أي أن الله تعالى تداركه برحمته عندما قال هذه الكلمة!
لا زال سمير يتذكر كيف كان أبوه، على صلابته، يتهدج صوته وترق ملامحه في كل مرة يقرأ فيها: «فما تلافاه أن رحمه الله عندها» على تكراره للحديث في أكثر من مناسبة... وكيف كان يقول لهم: «ما الذي أنجى هذا الرجل يا أبنائي؟ إنه تعظيمه لله. احرصوا مهما أخطأتم ألا تفقدوا حبل النجاة هذا ولا تسمحوا لأحد أن يخطف منكم هذه الجوهرة في قلوبكم بنكتة سخيفة أو كلمة تافهة تضحكون عليها أو تجاملونه فيها فتهلك آخرتكم».
هذا التعظيم عند سمير، على ضعفه، كان شعرة تبقيه على صلة بدينه، وجذوة نار خافتة، لكنها قابلة للتنامي. وكان أبو عزام يحذر من الاقتراب من هذا الخط الأحمر.
بعد شهور من انخراط سمير في استثمارات أبي عزام الأخرى، غير معرض السيارات، بدأت حياته مع حنان تتأثر وسعادتهما تتعكر... ففي هذه السنوات اكتشف سمير الحقيقة المرة: أن أبا عزام لم يزوجه ابنته ويسكنه الفيلا لسواد عينيه ولا لأنه أحبه واعتبره كابنه كما توهم سمير يوما! بل ليكون خاتما في إصبعه يستخدمه في استثماراته ويستفيد منه قدر الإمكان. وقل احترام سمير لعمه أبي عزام لما اكتشفه من عوج في «التسهيلات» و «التسليكات»، ولسبب آخر كان يستفز سميرا جدا: أدرك سمير مع مرور الوقت أن أبا عزام لم يكن حريصا على انتهاء المشاكل التي كان سمير يعانيها مع زهير، بل كان سعيدا باستمرارها ليستغلها! كان يتعمد إجراء مقارنات بينهما ليلهب حماسة كل منهما على تقديم أفضل ما عنده، ولو كان ذلك على حساب نفسيتهما وازدياد الحسد بينهما، وإنما يضع حدا للتباغض بينهما إذا شعر أنه يؤثر على (مصلحة العمل)!
فكان سمير يتصور نفسه وزهيرا كحصانين (أو حمارين!) يجران عربة عليها أبو عزام وهو يضربهما بسوط ليسيرا به أسرع فأسرع! أيضا، الأمور المالية لم تكن واضحة بين سمير وعمه أبي عزام. سمير له نسبة 40% من أرباح معرض السيارات. طيب وماذا عن جهوده في متابعة مزرعة الدواجن؟ وسلسلة مطاعم الوجبات السريعة؟ وشركة المقاولات؟ وأسهم شركة التأمين؟ لقد استدرج أبو عزام صهره للمساعدة في إدارة هذه المصالح دون الاتفاق على أجرة سمير مقابل جهوده فيها، هل هو شريك؟ هل هو موظف؟ لا شيء على الورق، ولا هناك مقابل مادي أتاه منها حتى الآن.
طبعا كان من الصعب على سمير أن يفاتح عمه أبا عزام بالموضوع وهو يسكن في الفيلا الفاخرة بلا مقابل، وقد اشترى له عمه سيارة (جيب) فاخرة، وإن كانت الفرصة لم تتسن بعد لتسجيلها باسم سمير! ولم يكن أبو عزام ينسى كل فترة أن يفاجئ سميرا بتذاكر حجزها له ولزوجته وابنه ليسافروا إلى مناطق سياحية، أو بـ (تنكات الزيت) وصناديق الخضار والفواكة وأكياس اللحوم التي يرسلها لبيت سمير. ويوم أنجبت حنان ابنهما أشرف فإن أبا عزام قد بادر إلى دفع فواتير المستشفى، وكان يعطي ابنته مبلغا من المال كل فترة.
أمام ذلك كله كان سؤال سمير لعمه «ماذا لي على جهودي» سيبدو سؤالا وقحا في نظره! فماذا يريد أحسن مما هو فيه؟! لكنه مع ذلك لم يكن مستريحا لعدم وضوح أجرته على تكريس حياته لاستثمارات عمه. عدا عن هذا كله، أصبح سمير يتأخر في العمل، وحتى في الوقت الذي يمضيه في البيت كان كثيرا ما يتلقى ويجري مكالمات متعلقة بالعمل، بما فيها من مشاكل تستثير غضبه وتعكر أوقاته مع حنان. كان سمير حريصا في ذلك كله على «إثبات نفسه» في المنافسة مع زهير أمام المعلم، وكان زهير يعرقل أعمال سمير (من تحت لتحت) دون أن يترك أي متمسك عليه، فقد تعلم من الدرس السابق حين جمع سمير الأدلة عليه!
حنان كانت تحب زوجها وتطلب منه العطف والاهتمام...
في البيت:
كان سمير في البداية يشفق على حنان وهو يرى في عينيها الاستعطاف والحب الصادق، فيتجاوب، ويهدئ من نفسه... ويترك الجوال بعيدا عنه أحيانا ليتفرغ لها ولأشرف. لكن، مع مرور الوقت تغيرت طريقة رده:
في البيت:
في المقابل، لاحظت حنان تراجع احترام أبيها لزوجها... ولم تملك أن تفعل شيئا أمام تعكر العلاقة بين الطرفين. وبدأت هي الأخرى تتوتر وتتململ في علاقتها مع سمير... لكن أمرا ما حافظ على شيء من المودة في هذا البيت: حنان حامل بابن سمير الثاني... وتعمدت في شهور الحمل الأخيرة أن تتظاهر بالتعب والحاجة للرعاية لتستجلب بعض العطف والاهتمام من سمير... والذي عاد بالفعل ينزع نفسه بصعوبة من دوامة العمل ليكرس شيئا من الوقت لبيته.
وبعد ثلاث سنوات من ولادة أشرف، انجبت حنان مولودها الثاني... ابتهج سمير بمولوده الجديد... لكن ما لبث أبو عزام أن جاء ليعكر هذه البهجة! فقد حضر إلى المستشفى وأخبر سميرا وحنانا وأمها أنه «قرر» أن يسمي المولود الجديد باسم (صادق).
الغريب أنه لم يخطر ببال أبي عزام أن «يستشير» سميرا على الأقل في تسمية ولده أو يسأله إن كان قد أعد لابنه اسما! لأن أبا عزام أصبح -لا شعوريا- ينظر إلى أبناء سمير كأنهم جزء من ممتلكاته!
على حسابه على الفيس بوك نشر المعلم صورة له وهو يحمل المولود الجديد مبتسما وكتب تحتها: «حفيدي الجديد، سميته (صادقا) ليكون صادقا في هذا الزمن الذي فشا فيه الكذب، بعدما سميت حفيدي الأول (أشرف) ليحافظ على الشرف في زمن الغش والخداع»!! ثم بدأ المعلم يستقبل إعجابات المعجبين وتهنئات زبائنه وشركائه وموظفيه.
أدرك سمير أن أبناءه أصبح المعلم يستخدم أسماءهم لغايات تجارية، ليخفي وجهه الحقيقي ويجمل صورته أمام معارفه. وكان هذا شعورا قاسيا مهينا لسمير. فكر أن يعترض ويقول: «لكني أعددت لابني اسما» إلا أنه كان كالمخدر عن معارضة أبي عزام!
اتصل «الدكتور أمجد» بسمير... كان قد أتم دراسة الطب وبدأ يتخصص في طب الأعصاب... ظن سمير أن أمجد علم بقدوم المولود الجديد... فاستغرب، خاصة وأن علاقته ضعفت بإخوته مع مرور الأيام وكثرة مشاغله ومشاكله، فما عاد يلتقي بهم إلا في الأعياد. وربما التقى بأحدهم عرضا أثناء التسوق بعد انقطاع أشهر! كان أكثرهم تواصلا الدكتور أمجد، الذي يتفقد سميرا برسائل الوتسأب ويصبر على تجاهل سمير لكثير من رسائله واتصالاته ويعاود التواصل إلى أن يرد سمير... كان أمجد حريصا على إبقاء ولو خيط رفيع بينهما، بالإضافة إلى تحينه الفرصة المناسبة ليخبر سميرا بكلمات قالتها أمه «أم السعيد» قبيل وفاتها، يحسب أنها قد تحدث في حياة سمير فرقا، لكنه كان يحتفظ بهذه الكلمات للفرصة المناسبة، ولا يريد أن «يحرق كرتها» بإلقائها على مسامع سمير وهو في غفلته، فتندثر وسط ركام مشاغله والتهاءاته. لم تحن هذه الفرصة بعد... لماذا اتصل أمجد إذن؟
سكت سمير وقال في نفسه: «ماذا سميته؟ للأسف ليس أنا الذي سماه... إخوتي يسمون أبناءهم بينما أنا...»
من هذه الفتاة التي خطبها الدكتور أمجد؟ كان في زيارة لبيت تالة قبل أسبوعين:
ذهب أمجد برفقة تالة إلى بيت طالبتها «جمان»... والتقى بها وبأهلها، وكان النصيب... بعد شهرين حضر سمير عرس أخيه أمجد، كانت أجواء بهيجة... جعلته يفكر في تدارك وضعه.... كيف؟ وكيف حقق ما يريد ولم يحققه في نفس الوقت؟! وما الحدث الكبير الذي سيؤثر في حياة سمير؟
فلنتابع.
في عرس أمجد التقى سمير بإخوته وأبنائهم... كان الجميع سعداء... تسائل في نفسه: «لماذا هم أسعد مني؟ لماذا أرى لديهم راحة وطمأنينة لا أجدها في نفسي؟ أخرج يوميا من الصباح حتى الليل لأبذل عمري في مصالح أبي عزام الذي يحرث علي حراثة ولا أعلم ماذا ستكون مكافأتي على ذلك في النهاية... طيب إذا مات هذا الرجل ماذا سيكون نصيبي من هذه الاستثمارات كلها؟ المال سيذهب لأولاده وأبوء أنا بضياع العمر! رصيدي البنكي لم يزد منذ أكثر من سنة لأني منشغل عن المعرض... أريد أن أبني شيئا لمستقبلي...»
معرض السيارات هو الشيء الوحيد الذي لسمير نسبة واضحة من أرباحه، لذا فقد عاد إلى التركيز عليه بعدما شغله عنه أبو عزام باستثماراته الأخرى الفترة الماضية. فأصبح إذا سأله المعلم عن التأخر في إدارة استثماراته الأخرى يجيب:
ثم أصر سمير على استيراد السيارات المستعملة بدلا من التعامل بالمستعملة محليا، ولم يكن هذا برغبة من المعلم لأنه سيضطر سميرا للسفر والانشغال عن الاستثمارات الأخرى... حاول المعلم إلهاب حماسة سمير بالضرب على وتر المنافسة مع زهير:
تفاجأ المعلم من جواب سمير، وأدرك أن سميرا بدأ يشعر بالغبن، وأنه يحتاج إلى الشعور بشيء من الاستقلالية، فقرر أن يمنح صهره هذه «الاستقلالية» الموهومة ما دام كله في النهاية يصب في صالحه، وليبقى سمير تحت السيطرة!
إنجاح المعرض، والسفر لاستيراد السيارات، مع الانشغال باستثمارات أبي عزام الأخرى، وإن كان محجما، شغل سميرا عن بيته من جديد، ولم يحظ صادق بما حظي به أشرف في صغره من شيء من اهتمام أبيه... كانت حنان تجعل أشرف يتصل بأبيه عندما يسأل عنه لعل سميرا يحن إليه، فيرد سمير:
«طيب بابا حبيبي، سآتي وآخذك للحديقة»... يأتي متأخرا، يأخذ العائلة في عجالة وهو مشغول البال... ثم أصبح يأتي وأشرف وصادق نائمان.... ثم ما عاد يرد على أكثر مكالمات حنان وأشرف... عطلة نهاية الأسبوع قلما كانت عطلة بالنسبة لسمير...
«بابا تعال العب معنا»...
«الآن مشغول يا حبيبي، آتي بعد قليل»..... يعود أشرف بعد دقائق....
«بابا انتظرناك ولم تأت»....
«دقائق يا بابا، اتركني الآن، أعمل حسابات، أنت تخربطني كلما تأتي»....
يأتي المسكين بعد قليل:
مع مرور الوقت أصبح سمير ضعيف العاطفة تجاه ولديه، وإذا نادى (أشرف) أو (صادقا) قفزت إلى لا شعوره صورة المعلم وهو يستغل تسميتهما ليجمل قبحه! فكان يحس بشعور غامض أن ولديه ليسا له! عتاب حنان المتودد لسمير وترجيها له لمزيد من الاهتمام بدأ ينقلب تبرما وجدالا معه أمام ابنيهما:
رفع سمير عينيه عن اللابتوب ونظر بغيظ:
تركته حنان فترة ثم عادت إليه:
تمر نصف ساعة وحنان تنتظر... ثم يأتي سمير وقد نام الأولاد... حنان على الموبايل... يكلمها سمير قليلا وفي نفسها غصة، ثم ينامان... مع مرور الوقت بدأ أشرف وصادق يخرجان من بؤرة تركيز أمهما كما خرجا من بؤرة تركيز أبيهما... سمير «يحقق ذاته» من خلال تكريس وقته للمعرض... فأصبحت حنان تحاول «تحقيق ذاتها» هي الأخرى من خلال استجلاب متابعين أكثر على مواقع التواصل الاجتماعي، وتحقيق المزيد من التفاعل على المنشورات، وإمضاء الأوقات مع صديقاتها، ولم يعد الولدان «مشروع نجاح» بالنسبة لأي من والديهما. وللتخلص من إزعاجهم، أصبح والداهما يتركاهما يمضيان أوقاتا طويلة على الأجهزة الإلكترونية، فلدى كل منهما تابلت وموبايل، ولديهما بلاي ستيشن.
أخو حنان الأصغر كان يصطحب أشرف معه إلى جمعات الأصحاب وإلى الجامعة -في عطل أشرف المدرسية- مزهوا بوسامة ابن أخته ومنتظرا أن يستجلب نظر زميلاته في الجامعة ويسمع عبارات الإطراء منهن على أشرف، وكان أشرف يكتسب صفات سلبية من صحبة خاله، وسمير لا يعجبه ذلك، لكنه يسكت لأن ذلك يعوض بعض الفراغ الذي يعانيه أشرف من والديه.
في السادسة من عمره، كثرت ملاحظات المدرسة على أداء صادق... ذهب به والداه إلى مركز مختص للتقييم يملكه ويديره رجل ثري خير... لاحظ أن سميرا منشغل أثناء جلسة التقييم بجواله بدلا من متابعة أداء ابنه في جلسة التقييم.. فقال في نفسه: «الأب بحاجة إلى علاج قبل ابنه!».. أخذ سميرا جانبا وأخبره بأن صادقا يعاني من صعوبات تعلم وكثرة تشتت سببه الرئيس فقدان التواصل الاجتماعي الفعال مع والديه وكثرة التعرض للأجهزة الإلكترونية. يحتاج لجلسات علاج وظيفي ثلاث مرات في الأسبوع... سكت المدير، حد النظر إلى سمير مع ابتسامة، وقال بلهجة شفوقة:
صدم سمير
في طريق العودة إلى الفيلا حدث بين سمير وحنان تلاوم وإلقاء كل للمسؤولية على الآخر في هذه المشكلة... أمسك سمير بيد صادق وهما يصعدان درج الفيلا، نظر إليه نظرة شفقة، وقرر أن يعتني بابنه أكثر... لكن كالعادة، كان هذا «القرار» فورة حماسية مؤقتة... مع خروج ولديه من بؤرة تركيزه لفترة طويلة كان سمير فاقدا لمهارات التواصل معهما... لا يجد متعة في الحديث إليهما وملاعبتهما، ولا في رؤيتهما ينموان، يحاولان، يتعثران، ينجحان، يخطئان في الكلمات أخطاء مضحكة.... كل هذا كان يمر وسمير مشغول البال... حتى جلساته معهما ومحاولات اللعب متكلفة، لأنهما ببساطة ليسا جزءا من مشروع نجاحه الذي يسيطر على ذهنه...
الإجازات كانت متنفسًا يجتمع فيه سمير بعائلته ليمضوا وقتًا ممتعًا «بعض الشيء»... فلم يكن يخلو من معكرات التوتر والتلاوم والاتصالات المتعلقة بالشغل، وسرعان ما كان يزول أثرها الجميل عندما يعود سمير لدوامة الشغل. مع تركيز سمير على معرض السيارات، انتعش المعرض بالفعل وتنامى رصيد سمير البنكي. لكن العجيب أن رصيده النفسي لم يزدد إلا تناقصًا بعد ذلك، في علاقة عكسية مع رصيده البنكي!
لم يستطع سمير فهم السبب، فقد كان كل شيء (مادي) في حياة سمير جميلا: فيلا جميلة، سيارة جميلة، مكتب جميل ومعرض جميل، زوجة جميلة، طفلان جميلان، سفرات إلى أماكن سياحية جميلة، ومؤخرًا: أرصدة بنكية جميلة... لكن حياته مع ذلك لم تكن جميلة! مع إهماله للدراسة في صغره إلا أنه كان لا بأس به في أساسيات الرياضيات، خاصة وأنه احتاجاها في عمله. فلم يفهم هذه المعادلة: كيف يكون مجموع هذه الأشياء الجميلة حياة غير جميلة؟!
في خضم الحياة المادية التي غمر فيها نفسه، لم تكن كلمة (بركة) تخطر ببال سمير ولا يتذكر أن يشملها في معادلاته! ويوم انتبه لقراءة الإمام -صباح يوم وفاة أمه- حين قرأ: «إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يومًا ثقيلًا»، وأدرك أنه غفل عن الله، ثم خدر نفسه بأنه لا بد له من النجاح الدنيوي ثم يقبل على الله، لم يراع سمير يومها أن لحظات اليقظة ليست شيئًا نستجلبه بزر استحضار وقتما نشاء! بل منح من الله، إن لم نستغلها نسيناها، ونسينا أنفسنا معها!
تزايد شعور سمير بالإحباط وضعف الدافع... فحماسته وسعيه الدؤوب كان لها دافع: «لا أريد أن أكون أقل من إخوتي، لا أريد ان أوصف بالفاشل، أريد تحصيل المال والجاه، أريد أن أعيش حياة منعمة»... وقد حقق سمير ما أراد، ولم يحققه في الوقت نفسه! فقد حقق طموحاته هذه، والتي ظن أنها ستضمن له السعادة، لكن المفاجأة أنها لم توفر له السعادة! أحس نفسه كعطشان يسير منهكًا في صحراء، فيرى واحة، يصل إليها، ليست سرابًا... ها هو الماء بالفعل... لكن العجيب أنه يشرب ويشرب ولا يرتوي!
الحقد على زهير، ومحاولة إثبات النفس في منافسته لم تكن دوافع كافية للاستمرار في بذل جهود مضاعفة أكثر من ذلك. ففترت همته، وعادت أعراض قلة الصبر للظهور من جديد. حلوله للمشاكل، والتي عول عليه أبو عزام فيها كثيرًا، أصبحت أحيانًا حلولًا ترقيعية، قريبة من (التصليحات الشكلية) التي روج بها السيارة الأولى في تجارته على المسكين علاء! لم تكن حلولًا جذرية على أساس تفكير هادئ وتأمل صبور....
بدأت «أعطال» هذه الحلول الترقيعية تظهر لأبي عزام، مما استفزه وزاد توتر علاقته بسمير، وانعكس ذلك على بيت سمير... باختصار، أصبحت حياة سمير كعقد انقطع وتناثرت خرزاته، وكان أمره فرطًا. بعد أحد عشر عامًا من زواج سمير، وبعد هذا الجفاف والتيه في حياته التي دخلت فصل خريف طويل، وفي ظل أسرة مفككة وعلاقة زوجية تتحسن وتسوء، نبتت نبتة في صحراء حياته... حين ولدت له زوجته طفلة.
لم ينتظر سمير تدخل المعلم في تسمية أبنائه هذه المرة، بل كان قد حضر لها اسمًا من يوم علم، أثناء حمل أمها بها، أنها أنثى... سماها: «إيناس». كانت هذه التسمية تعبر عما يفتقده في حياته، وعن حالة الوحشة التي يعيشها. إيناس هذه ستكون علامة فارقة في حياة سمير. لماذا يا ترى؟ وكيف سلبت قلب أبيها وأنعشت حياته من جديد؟
فلنتابع...
إيناس... تعلق بها قلب سمير، وانقذف فيه حب لها لم يشعر بمثله تجاه ولديه السابقين، بل ولا تجاه أي إنسان... أعادت ولادة إيناس شيئًا من الرحمة والحنان بين الزوجين، وأصبح سمير يبكر في عودته من العمل ليرى إيناس.
لم يكن وحده كذلك، بل الكل أحب إيناس: أبو عزام وزوجته سوزان، وأشرف و صادق والخادمة في الفيلا... حتى إن سميرا - من فرحته بها – دعا إخوته إلى بيته لأول مرة من سنوات ليشاركوه الفرحة! ولبوا دعوته وأحسوا تجاهها لأول مرة أن أحدا من طرف سمير جزء منهم!
بدأت الصغيرة تكبر ومحبة سمير لها تكبر يوما بعد يوم... كانت إيناس كالعرق الأخضر الذي ينبت من شجرة جافة متخشبة ظن الناظر من قبل أنها ماتت... هكذا كانت من سمير، وهكذا كانت في حياة سمير. بيضاء، بنية الشعر و العينين، كأن براءة الأطفال كلهم تجمعت في وجهها و ابتسامتها... إذا سئلت : (ما اسمك؟) تثني رأسها بخجل متوارية وراء أبيها وتجيب بصوت خافت: (إيناس).
في الرابعة من عمرها بدأ أبوها يصطحبها معه إلى العمل كلما أحس أنه لا يستطيع أن يفارقها! لا يراها أحد إلا أحبها! تخترق القلوب بلا استئذان... حتى زهير، عدو سمير اللدود، كان يبتسم لها لا شعوريًا، فتبتسم له، وفي لحظات انشغال أبيها عنها يكلمها، أو يعطيها قطعة حلوى.
كان عمها الدكتور أمجد قد رزق بمولودة (فاطمة) هي الآن في عمر إيناس (أربع سنوات) واشترى لكل منهما دمية بحجمها، بيضاء بنية العينين أيضًا. ملكت إيناس قلب سمير... وأعادت الحياة إلى بيته الجاف... تأتي في الصباح وقد استيقظت من نومها، معانقة لدميتها، وتفاجئ أباها المنشغل بجهاز اللاب توب، فتقف أمامه تنتظر منه الترحيب والحفاوة المعتادة، بابتسامتها الخلابة ووجهها المنير بأشعة الشمس المتسللة من النافذة. إمساكها لدميتها بهذا الشكل كان يشعره بالإشفاق على ابنته وحاجتها إليه وإلى عاطفته، فيترك جهازه جانبا ويعانقها:
يقوم سمير من فطوره متوجها إلى غرفة المكتب في الفيلا لينجز بعض الأعمال قبل الخروج إلى معرض السيارات، فتقف إيناس على باب المكتب فاتحة يديها ورجليها لتسد الباب:
أشرف، ابن الرابعة عشرة، كان خارجًا عن السيطرة، ولم يعد يطلب من والديه الاهتمام، بل وقلما يستجيب لهما إذا طلبا منه أن يجلس أو يخرج معهما. ويمضي معظم وقته على الأجهزة الإلكترونية أو مع أصدقائه.
أما صادق، ابن الحادية عشرة، فقد تعافى من صعوبات التعلم، ولا زال يخرج مع والديه وإيناس في بعض النزهات والرحلات.... وعندما يلاحظ سمير أن صادقًا ينظر إليه وهو يلاعب إيناسًا، «يتكلف» له سمير بعض الاهتمام والملاعبة.
مر عام آخر من عمر هذه الوردة وجمال حركاتها يزداد... تنثر قطع الـPuzzle على أرض غرفة المعيشة ثم تذهب لتحضر صادقًا من غرفته، وحنانًا من غرفتها، وسميرًا من مكتبه، تسحب كل واحد من يده سحبًا... ليجلسوا جميعًا على الأرض ويركبوا قطع الـPuzzle... كانت كأنها هي التي تربي والديها وتنزعهما من الانهماك في دوامة الحياة ليمارسا «إنسانيتهما» معها!
تأتي إلى أبيها مساء وهو منهمك في حساباته، تمشي على رؤوس أصابع قدميها لئلا يحس بها... حتى تقف أمامه... يرفع عينيه من اللابتوب، فإذا بها تحمل له صحنًا فيه شرائح التفاح والبرتقال والإجاص.. والألذ من هذا كله ابتسامتها المعبرة عن التحبب والشعور بالإنجاز...
دخلت إيناس الروضة... تحصيل جيد وانسجام مع زملائها ومدرساتها، ومحبوبة من الجميع... لكن في نهايات الفصل الثاني أخبرت المديرة والدة إيناس بأنها أصبح يلاحظ عليها شرود الذهن أحيانًا لبضع ثوان مع رمشة سريعة لعينيها وكأنها ليست في وعيها. خاف سمير وفكر في طبيب أعصاب مناسب: «أخي أمجد، طبيب أعصاب معروف، وسيهتم بإيناس»...
كان أمجد قد تخصص في طب الأعصاب، وأنجبت له زوجته جمان كلًا من «زينب» ذات الأحد عشر عامًا، و «فاطمة» ذات الستة أعوام- من سن إيناس، و «عمر»، ذي العامين. أسرة هنيئة متحابة... لم يكن أمجد موفقًا في تخصصه فحسب، بل كان طيب النفس، عميق الإيمان، رقيق القلب شفوقًا، يستفيد مرضاه من ابتسامته وكلماته الحانية لأبدانهم وأرواحهم كما يستفيدون من تشخيصه الدقيق والدواء الذي يصفه، وكان يعقد إلى جانب عمله في عيادته دورات في التربية العلمية الإيمانية للشباب، والتحصين ضد الأفكار الهدامة والشبهات... يراه طلابه قدوة ويتمنون أن يكونوا مثله في الدين والدنيا. وفي ذلك كله يحس وكأنه يقتات طوال هذه السنوات على بركات دعوات أمه له.
من فترة لم ير أمجد إيناسًا.... من يوم زارها وأهدى لها الدمية... حتى في الأعياد السابقة كان سمير مسافرًا أحيانًا و يتشاغل عن اللقاء بإخوته أحيانًا... دخل سمير وإيناس من قاعة الانتظار إلى غرفة أمجد....
رفعها أمجد وقبلها وأجلسها على سرير التشخيص... نظر فيها بضع ثوان...
ابتسمت إيناس ابتسامتها الخلابة....
التفت إلى سمير:
أخبره سمير بالأعراض التي وردتهم من المدرسة.... فأرسلها أمجد لعمل تخطيط دماغ، وبعد تأمل في النتيجة قال لسمير:
قلق سمير وبدأ يسأل عن مرض ابنته أسئلة كثيرة. فوجد أمجد الفرصة مناسبة وقال له:
كان أمجد يريد أن يحيط هذه النوارة ببيئة صالحة قدر الإمكان، فحرص على علاقة وطيدة بينها وبين فاطمة.
لم يتردد سمير ما دام في ذلك مصلحة لإيناس... جاء موعد التسجيل وتدخلت سوزان أم حنان رافضة تسجيل حفيدتها في هذه المدرسة:
ماذا سيحصل مع أشرف؟ وكيف سيؤثر ذلك على حياة عائلته؟ فلنتابع....
أشرف، أخو إيناس الأكبر، في السادسة عشرة الآن... خرج عن سيطرة والديه تماما... وبدأ يتسبب لهما بالكثير من الإحراج بسلوكياته السيئة... كان الأبوان يحصدان ثمار سنوات من الإهمال لأشرف. لم يجد عندهما رعاية وعطفا، فوجد الولد الاهتمام عند رفقاء السوء وعند معارف خاله الأصغر.
أراد الزوجان تدارك الأمر مع صادق، ذي الثلاثة عشر عاما... لكنهما لم يتحليا بالصبر ولا بالاهتمام الحقيقي بالتواصل الفعال مع صادق:
ويبدأ الجدال على كلمة "أبيك"!
في العطلة:
أدركا أنه "يجب" إعطاء صادق مزيدا من الاهتمام، لكنهما اختلفا فيمن "يجب" أن يتولى هذه المهمة. المصيبة أن هذا الجدال كان يتم أمام صادق أو على مسمع منه، فتصله الرسالة المؤلمة:
لم ينفع هذا "الاهتمام" المتكلف حتى وإن كان أحد الزوجين في النهاية يتولى هذا "الواجب الثقيل"، وازداد صادق بعدا عنهما مع الأيام.
الطيوبة إيناس كانت تلاحظ تفريق والديها في المعاملة بينها وبين صادق، فلا ترضى ذلك لأخيها الذي تحبه... على مائدة الطعام يضع أبوها في فمها لقمة: "إيناس حبيبة قلبي"...
فتقول:
يقول لها أبوها يوما:
فتقول متبسمة:
فتقول إيناس:
تذكر سمير أن أخته تالة تعقد دورات في التربية، اتصل بها طالبا المساعدة بنصائح حول تربية صادق و"استعادة" أشرف... زارته تالة، وجلست معه ومع حنان ساعتين تشرح لهما وتنصححهما، وبينت لهما أن إحداث التغيير سيتطلب وقتا...
بدأ يطبقان بعض هذه النصائح... كان تجاوب صادق معهما ضعيفا... وما هي إلا أيام حتى ملا وعادا إلى طرقهما الخاطئة في التعامل معه وتنفيره عنهما.
بدأ كل منهما يلقي تبعات الفشل في تربية الولدين على الآخر.... يحدث الجدال أحيانا وإيناس بين والديها جالسة، يبدأ قلبها الصغير يخفق بسرعة، تختفي ابتسامتها ويظهر عليها القلق... ينتهي الجدال وكل منهما ساكت بغضب.. تنظر إيناس إلى أبيها تارة وإلى أمها تارة، ثم تسحب يد كل منهما بإحدى يديها الصغيرتين وتشبك يديهما ببعضهما.. عيناها تقولان لهما أكثر مما يعبر عنه باللسان: "أرجوكما، اصطلحا... لا تجعلاني أفقد الأمان.. أحبكما وأريدكما أن تحبا بعضكما.. مودة بينكما هي السرير الذي عليه أنام"...
كانا يلاحظان ذلك فيخففان حدة الموقف ويختمان بكلمات مختصرة مع ملامح جامدة...
على الرغم من تكرر مثل هذه المواقف، لم يكن شيء ليكسر روح إيناس المرحة ونفسها الطيبة... لكن بيئة الفيلا أصبحت مزعجة وجافة... تعلمت إيناس القراءة، ومع ذلك كانت تطلب من أبيها أن يرافقها لمكتبة البيت ليقرأ لها قصة.... وإذا نسي، مع انشغال ذهنه، أن يطوقها بيده ويضمها إلى صدره، أمسكت هي بيده ولفتها حول نفسها...
أمجد أصبح أحيانا يتصل بسمير:
كان سمير لا يمانع لأن إيناس متعلقة بفاطمة ولأنه يعلم أن هذا متنفس لها يكسر جمود أيامها في جو الفيلا الجاف.... وحنان تعترض أحيانا وتسكت أحيانا لتستمتع ببعض الوقت، خاصة وأن زينب، ابنة أمجد الكبرى، كانت تتطوع بتدريس إيناس أحيانا فتأخذ هذه المهمة عن حنان.
الذي يرى كثرة المراجعين في عيادة أمجد سيظنه يسكن في قصر فخم، ولم يكن كذلك.. فقد كان أمجد طبيبا رحيما، متعته في أن يرسم البسمة على وجوه مرضاه بتخفيف معاناتهم.. وحين يسمع أدعية الفقراء منهم وهو يعطيهم دواء من خزانته ويرفض أخذ مقابل منهم ككشفية، يشعر بالسعادة والطمأنينة أكثر مما لو أعطوه.. كان بيته واسعا بعض الشيء، قليل الزخارف، مريح الأثاث دون ترف، مع حديقة متوسطة المساحة. ومع ذلك فقد كان هذا البيت أرحب بكثير في حس إيناس من الفيلا التي تسكنها مع عائلتها المفككة.
يسمع الأذان في بيت أمجد فيقومون تباعا ليتوضؤوا ثم يصلون جماعة.... وقد تعودت إيناس على هذا فكانت تقوم تصلي معهم بعد أن تعطيها فاطمة طقم صلاة من عندها.
تعود إيناس إلى الفيلا برفقة أبيها... تسمع الأذان... "بابا، ماما، هيا نصلي معا"... كان سمير وحنان قد أهملا الصلاة بشكل شبه كامل في السنوات الماضية، إلا صلاة الجمعة التي كان سمير لا يزال يصليها. كان سمير وحنان مسرورين بأن ابنتهما تصلي، ويريدان لها أن تكون أحسن منهما في دينها.
لم يكن في الفيلا، بكل ما فيها من ترفيات مادية، أجمل من منظر إيناس عندما تضع كرسيها الطفولي عند المغسلة ثم تشمر عن ساعديها وتتوضأ، ثم تلبس ملابس الصلاة البيضاء التي أعطتها إياها فاطمة.
تأثر أبواها بمنظرها الجميل، تجاوبا معها بضعة مرات وصلوا جميعا... ثم عادا يتراخيان ويؤجلان ويتهربان...
تكرر أن تستيقظ إيناس للفجر على المنبه الذي أهدتها إياه فاطمة، تذهب لغرفة والديها:
أخوها صادق... قلدها بضع مرات، ثم تكاسل... كانت إيناس تكاد أن تتكاسل هي الأخرى، لكن تكرار زيارتها لبيت عمها أمجد كان عميق الأثر فيها يجدد همتها كلما فترت.
سوق السيارات المستعملة بدأ يتراجع، فتضاءلت أرباح المعرض... تدخل أبو عزام، ودبر "خبيرا" في التلاعب بعدادات السيارات لتباع على أنها قليلة الاستعمال وبأسعار منخفضة! لم يتدخل سمير، فقد كان تعود على الغش، بالإضافة إلى ضعفه أمام أبي عزام وإخفاقه في حل مشاكل العديد من استثماراته، وكذلك لأن الكفة بدأت ترجح لصالح زهير في المنافسة بينهما، فلا يريد مزيدا من "الهزائم"... كل هذا أسكته عن الغش الفاحش.
إيناس الآن في الثامنة من عمرها، مر عامان على بدء علاجها، وكانت النوبات قد توقفت تماما من بدايات العلاج.... جرب الدكتور أمجد أن يقطع علاج إيناس بالتدريج، فوجد أن حالتها مستقرة دون علاج.
فرح سمير كثيرا بهذا الخبر: "شفاء إيناس". لكن ما هي إلا أيام وتأتيه مكالمة صادمة!:
ابنه الكبير أشرف ذو الثمانية عشر عاما ألقي القبض عليه متهما بترويج المخدرات!....
أسرع سمير إلى السجن... كان أشرف منهارا:
"والله يا أبي ما روجت... تعاطيت نعم، لكن ما روجت... أصحابي هم الذين "لبسوني" التهمة واعترفوا علي بالكذب لينجوا عمادا المروج الحقيقي"...
"يا خايب! ترويج ولا تعاطي... كله أخزى من بعض... ما الذي دفعك لهذا؟! ما الفضيحة التي جررتا علينا؟!"
خرج سمير من زيارة ابنه واتصل بمحام، والذي أخبره أن هذه التهمة تعني السجن لثلاث سنوات... كان خبرا صادما للجميع، وإن لم يكن مستغربا من شاب يعاني فراغا روحيا كبيرا...
بكت إيناس طويلا عندما فهمت ما حدث لأخيها وأنه قد يغيب عن البيت سنوات.
قال المحامي لسمير أنه سيحاول تحصيل الحكم لأشرف بالبراءة من القضية، وطلب من سمير عشرة آلاف دينار، فوافق سمير...
تعكر جو البيت.... كل من سمير وحنان يلقي باللوم على الآخر في ضياع أشرف. ومع ذلك، كان على العائلة أن تخفي هذا الخبر الأليم ويتصرف الزوجان بشكل اعتيادي أمام الناس... فأبو عزام قد دعا معارفه إلى "عيد ميلاده" الثامن والستين بعد أسبوع، ولا يريد أن يعكر هذا الخبر على حفلته!
ذهب سمير وحنان وصادق وإيناس إلى حفلة "عيد ميلاد" أبي عزام، والتي جمعت شركاء العمل وكبار الزبائن وموظفي مصالح أبي عزام وغيره مع عائلاتهم.
زياد (ابن السكرتير زهير) كان يعرف ما جرى لأشرف، فأراد إحراج خصم أبيه بالضرب على هذا الجرح الملتهب في بداية الحفلة... فقال لشباب حاضرين من جيل أشرف يعرفونه من قبل:
جاء اثنان منهم إلى الطاولة التي عليها عائلة سمير:
كانت لحظة شديدة الإحراج، كأن كلمة "أشرف" سكين يطعن في سمير كلما سمعها!
بدأت فقرات الحفل: تعارف، طعام، غناء، مسابقات، فقرات ضاحكة... وسمير وحنان يتصنعان الابتسامات بصعوبة!
بعد انتهاء الحفل وفي طريق العودة إلى الفيلا، بدأ سمير يلقي على صادق النصائح والمواعظ: "يا صادق انظر كيف تسبب لنا أشرف بالخزي!... لا تصاحب الشباب الهمل... لا ترافق خالك... لا تفعل كذا ولا تفعل كذا"...
وصادق في هذا كله ساكت... عرف صادق أن دافع أبيه لذلك صورته هو، يعني "صورة سمير" أمام الناس: "أبي يخاف أن أخزيه كما أخزاه أشرف، لا أنه حريص علي لأجلي... لا يهتم أبي بحاجاتي النفسية كشاب يافع في الخامسة عشرة من عمري... كما أن نفسيتي من الداخل لا تهمه فصورته هو لا تهمني!".
وبقي تعامل صادق مع أبيه جافا بعدها، يتهرب من الجلوس معه وسماع نصائحه المتكلفة، ويمضي أكثر وقته مع الأصحاب...
وبقي سمير على أعصابه، يخاف أن يسمع يوما عن صادق ما "يخزيه"، بالإضافة إلى إحساسه بالوحشة من نفور ابنه عنه.
كان سمير وحنان يزوران أشرف في السجن... وكان أشرف حريصا على رؤية أبيه وأمه، يريد أن يسمع كلمة طمأنة أو أمل. أمضى الوالدان الزيارات الأولى بعتاب أشرف ولومه على هذا الانحراف... ثم أصبحا ينقلان إليه آخر ما يقوله المحامي بخصوص قضيته، ويؤملانه بالخروج خلال الأسابيع أو الأشهر القادمة...
هل سيحصل المحامي حكما لأشرف بالبراءة؟ وما الأمر الذي سيجعل حنانا تمانع من ذهاب إيناس لبيت عمها أمجد؟ وما الخطأ الفادح الذي ارتكبه سمير في لحظة من انعدام الإرادة أمام أبي عزام؟ وما الكلمة التي سيقولها أبو عزام لسمير لينبش بها ذكريات مر عليها أكثر من عشرين عاما؟
فلنتابع...
بعد ستة شهور من مشكلة أشرف، وبعدما أوصل أمجد فاطمة وإيناسا إلى بيته وانطلق إلى عيادته ريثما يأتي سمير ليأخذ إيناسا في المساء، قالت إيناس لزينب أخت فاطمة الكبرى:
كان هذا النقاش على مسمع من جمان زوجة أمجد، وكانت قرأت عن هذه الأغاني وتوظيفها العاطفي والعقدي.. فقالت لإيناس:
لم تفهم إيناس تماما معنى الكلام لكنها قالت:
عادت إيناس ذلك اليوم... فاتجهت لأمها:
"حرام" كلمة ما كانت تقال في الفيلا أصلا.... فاستفزت حنان! سكتت ولم تعلق... ثم ذهبت لغرفة سمير:
بعد جدال، أصرت حنان على منع إيناس من الذهاب إلى بيت عمها... وأصبحت تتعمد أن تذهب لتأخذها من المدرسة لئلا يأخذها عمها...
لجأت إيناس إلى أبيها ليتدخل، لكنه كان على أعصابه:
ذهب سمير لجلسة المحكمة في اليوم التالي، كانت قضية أشرف واحدة من عشر قضايا سيصدر القرار فيها، وكان سمير يشعر بالخزي الشديد وهو جالس في القاعة يرى نوعية القضايا التي يحكم فيها، لكنه كان يؤمل أن يخرج أشرف براءة ويطوى هذا الملف... خاصة وأن المحامي أكد له أنه سعى في كل اتجاه...
وأخيرا جاء دور أشرف، حبس سمير أنفاسه وهو يسمع الحكم...
حكم على أشرف بالسجن ثلاثة أعوام! صدم سمير!
تعذر المحامي بأنه حاول بكل استطاعته لكن "المحكمة شادة مؤخرا".
خرج سمير من المحكمة وحنان ترن عليه المرة تلو المرة وهو يفصل الخط. وصل البيت والحكم على أشرف يقرأ من وجهه! خافت حنان..
شهقت حنان... "لماذا"؟!
نظر إليها نظرة فيها غضب وإلقاء لوم عليها... فعادا يتلاومان ويلقي كل بالمسؤولية على الآخر... ولم يهدئ من هذا التوتر إلا عودة صادق وإيناس من المدرسة...
أشرف كان بحاجة إلى دعم نفسي وإيقاظ إيماني... وكان ينتظر زيارة والديه.... لكنه لم يجد ما يحتاجه عند أي منهما، ففاقد الشيء لا يعطيه! لا يتوقع من سمير أن يعلم ابنه الصبر وسمير نفسه فاقد للصبر، ولا يتوقع من سمير أن يعلم ابنه ضرورة مراجعة حساباته وتصويب علاقته بالله وسمير أحوج الناس أصلا إلى هذه المعاني!
وإنما كانت زيارات والديه له تمضي بأسئلة روتينية مكررة عما إذا كان أشرف يحتاج شيئا، كالمال والملابس، وعن طبيعة الطعام الذي يأكله ووضعه الصحي... حتى أحس أشرف أنه في "مزرعة دواجن" كالتي يشارك أبوه في إدارتها!... مل أشرف، وأصبح يتلكأ عن الخروج لمقابلتهما، إلا إذا أخبر أن معهما فتاة صغيرة في التاسعة من عمرها... إنها إيناس! كان أشرف يحب رؤيتها لأنها أصدق شيء في حياته... يتجهز سريعا إذا سمع بقدومها... ينظر إليها وتنظر إليه بصمت يستمر فترة، وفي عيني كل منهما دمعة محبوسة، ثم تكسر إيناس هذا الصمت بعبارات مثل: "أدعو لك في صلاتي". كانت عبارات تعني لأشرف الكثير وتشعره بشيء من الطمأنينة.
افتقد أمجد وعائلته إيناسا، لكنه شغل بعدها بالسفر، حيث يعمل بشكل تطوعي لدى منظمة طبية دولية، فيسافر لبلدان مسلمة تتعرض لجوائح ليعالج المرضى ويترك وراءه في عيادته طبيبا مساعدا... مستحضرا مبدأ الأمة الواحدة ومحاولا أن يقدم لها ما يستطيع من عون.
بدأ سمير يحصد ثمار السيارات المستعملة الملعوب بعداداتها... الزبائن يشتكون... غير معقول أن تظهر هذه الأعطال في سيارة استعملت لهذه المسافات المحدودة! اشتد الخلاف بين أحدهم وسمير، وكان رجلا "شرانيا"، فهاجم مع شقيقه معرض السيارات ليلا، أضرما فيه النيران وأوقعا أضرارا جسيمة بعدد كبير من السيارات! ولم يكن لدى سمير دليل على الفاعل... خسارة كبيرة، طلب سمير من المعلم أبي عزام على إثرها أن يضخ بعض المال في المعرض ليعوض السيارات التالفة بأخرى يستوردونها... رفض المعلم بحجة مصلحة استثماراته الأخرى. فاضطر سمير إلى سحب ربع مليون دينار، معظم رصيده البنكي، ليشتري سيارات بديلة.
"لكن لحظة... هذه السيارات ستنقل إلى ملكية من؟ طوال الأعوام الماضية كنت أعمل برأس مال من أبي عزام، وأكتب السيارات باسم المعرض، وأتقاسم الأرباح مع أبي عزام. الآن سأساهم في المعرض بمالي، هذه السيارات من مالي أنا وحدي. هذه فرصة لأطالب أبا عزام بتسجيل المعرض كشركة بيني وبينه، بل ولأطالبه بمقابل واضح على جهدي في الاستثمارات الأخرى. حتى وإن شغلت عنها جزئيا في السنوات الماضية ولم أطورها بالسرعة التي تمناها المعلم، فتبقى الحقيقة أني كرست حياتي للمعرض ولمصالح أبي عزام وحللت له مشاكل عالقة وجلبت له أرباحا كبيرة".
ذهب سمير لمكتب المعلم ولمح لموضوع الشراكة في المعرض. نظر إليه المعلم نظرة حازمة فيها شيء من الاحتقار وقال:
"باسم المعرض" تعني "باسم أبي عزام"! "حقك محفوظ"... لا يفهم سمير كيف هو محفوظ؟! متى سيسترد ثمن هذه السيارات؟ لا شيء على الورق... فقط إسكات له بزيادة نسبته في هذه السيارات! أحس سمير بالضعف أمام المعلم وهو مغمور في "أفضاله"، فسد عليه الطريق ولم يتكلم! ومرت لحظة تسجيل السيارات باسم المعرض على سمير وهو كالمخدر المستسلم، وهي لحظة سيفكر فيها ويذهل من موقفه فيها لاحقا!
استأجر سمير حارسا ليليا للمعرض خوف تكرار الهجوم عليه، ومع ذلك بقي في خوف وقلق، حتى أصبح يستيقظ فزعا بعض الليالي على أحلام مزعجة متعلقة بالمعرض! بل وتكرر أن ينتفض من سريره في منتصف الليل ويركب سيارته وينطلق للاطمئنان على المعرض!
زار طبيبا نفسيا، فكتب له علاجات لتقليل القلق وتحسين النوم... أحس سمير أنه يجمع المال ليضيع! أنفق من قبل على علاج صادق من آثار إهمال والديه، ثم على محامي أشرف، والآن على علاجه هو نفسه، وعلى السيارات التي اشتراها لتكتب باسم "المعرض"....
لقد وصل سمير مرحلة يتعذب فيها بالنعيم! أصبح ماله وولداه مصدر عذاب له! تعب في تحصيل المال، وخوف على ضياعه، خزي من أشرف، قلق من مستقبل صادق، وجفاء من تعاملهما معه.
المودة بينه وبين زوجته حنان تلاشت في الشهور الأخيرة مع كثرة المشاكل ومع أعصاب سمير المشدودة ليل نهار.... لم تعد حنان تطيق هذا الوضع... فلجأت إلى أبيها ليضغط على سمير حتى ينفصلا... استدعاه أبو عزام إلى قصره، واحتدم الجدال بين سمير من جهة وحنان ووالديها من جهة.
دافع المعلم عن ابنته وألقى بالمسؤولية كلها على سمير. وفي لحظة لا ينساها سمير قال لعمه:
فابتسم المعلم ابتسامة كبر غاضبة، وأخرج من محيط ذاكرته موقفا قبل أكثر من عشرين عاما لم يلق له بالا وقتها وقال:
صدم سمير كأنه صفع على وجهه، وخرج غاضبا بصمت من قصر المعلم وهو يحس بالإهانة الشديدة...
ومع ذلك، قرر سمير وحنان بعدها أن يبقيا تحت سقف بيت واحد من أجل إيناس، إذ لا يطيق أي منهما البعد عنها لأيام متتالية، وأيضا للمحافظة على "البرستيج" أمام المعارف.
كان عذابا لسمير أن يرى زوجته التي انعدمت من قلبه أية مودة لها، وأن يضطر لاصطحابها إلى حفلات ومناسبات المعارف وتصنع علاقة عادية بها أمامهم... حتى أنهما كانا أحيانا ينطلق كل منهما بسيارته إلى مكان مناسبة ما، ويتواعدان - برسائل الواتسأب- للقاء على الباب، نفورا من المرافقة في الطريق! وكان على المسكينة إيناس في كل مرة أن تختار مرافقة أحدهما!
حاولت إيناس مرارا أن تحنن قلب كل منهما على الآخر، لكن الجفوة كانت أعمق... لم يعد سمير يجد أي حنان من حنان، ولا يتشرف بابنه أشرف، ولا محبة صادقة من صادق! لم يكن في حياته إيناس إلا إيناس! كانت إيناس هي الإنسان الوحيد الذي يحبه سمير بصدق وبعمق، وكان يجد شيئا من الطمأنينة في أن يحتضنها أو يخرج معها في نزهة. وبخلاف الأولاد الذين يبحثون عن آبائهم ليجدوا عندهم السكينة في لحظات الخوف، كان سمير هو الذي يمشي في الفيلا الكبيرة المصحرة يبحث عن ابنته بقلق كالطفل، ليحضنها ويستمد منها الشعور بشيء من الطمأنينة!
خلال هذه الشهور، لم تذهب إيناس لبيت عمها أمجد... اتصل أمجد بسمير مرارا طالبا أن يسمح بالمجيء لأخذها لبيته، فالكل مشتاق إليها، لكن سميرا كان مثقلا بالهموم ولا يريد أن يدخل في أي نقاش مع حنان... كان ما يصبر فاطمة وإيناسا أنهما تلتقيان في المدرسة.
بعد انقطاع طويل، التقى سمير بإخوته وأبنائهم في طلبة (ابن سعيد عبد الرحمن)، واصطحب سمير معه إيناس. كانت أجواء مباركة بهيجة... عبد الرحمن شاب في السادسة والعشرين من عمره، مشرق الوجه، عليه سمت صالح، قام عندما تمت "الطلبة" فقبل يد أبيه وتعانقا وفي عيني والده دموع الفرحة بابنه البار الذي رباه ونماه بالمال الحلال.
لم يكن عبد الرحمن وحده كذلك، بل هكذا كانت بيئة إخوة سمير وأولادهم. كان سمير ينظر لعبد الرحمن ويقارنه بابنه أشرف... هنا، أحس سمير بالغيرة من إخوته... هذه المرة ليس لوضعهم المادي والرفاهية الحسية التي يعيشونها، فقد كان سمير وصل رفاهية مثلهم بل وأفضل من بعضهم...
هذه المرة، ولأول مرة، يغار سمير منهم لطيب أجوائهم وطمأنينة نفوسهم وصفاء فرحتهم وصلاح أبنائهم ومودة ما بينهم... وهي الأمور التي كان سمير يفتقدها تماما.
خرجت إيناس من عند النساء لتعود مع أبيها إلى البيت... المسكينة، كانت منشرحة تبرق ثنايا وجهها، فهذه هي البيئة التي تتعطش لها روحها الطيبة وفطرتها النقية. مشاكل أسرتها كانت قد استلت بسمتها البريئة التي ما كانت تفارق وجهها قبل ذلك. الآن، عاد سمير فرأى هذه البسمة على وجه ابنته...
قالت إيناس في طريق العودة:
تابعت إيناس:
"بابا، دعني أذهب إلى بيوت أعمامي أرجوك... أحببتهم وأحببت زوجاتهم وبناتهم، وعمتي تالة كذلك. فاطمة وزينب وخالتو جمان قالوا لي: أين أنت؟ لماذا لم تزورينا من فترة؟"... وفاطمة ترجتني أن أنام عندهم يوما، وخالتو جمان رحبت بذلك كثيرا".
"لا أطيق بعدك عني يا حبيبتي".
"مرة كل فترة، أرجوك يا بابا". أشفق سمير على ابنته وعلم أنها وجدت لدى بيئة أعمامها ما تفتقده في الفيلا وفي أسرتها المفككة... وقرر أن يهمل اعتراض حنان... فقال لإيناس:
"طيب بابا، إن شاء الله".
"الحمد لله"... طارت فتاتنا من الفرح وبدأت ترسم الأحلام ليوم مبيتها عند فاطمة. عادا إلى الفيلا وبقي سمير يفكر في الساعة التي قضاها في الطلبة... الجفاف الذي كان يعيشه أعطاه فرصة للتأمل.
قبل أكثر من عشرين عاما، زاره أمجد، ونصحه أن يصحو من غفلته فغضب سمير... أرسل له أمجد رسالة، بدأ سمير يتأملها... فنادته عروسه حنان ونسي الموضوع... الآن: لا حنان!
لأول مرة، يفكر سمير بجدية في تدارك وضعه الإيماني... ماذا فعل سمير؟ وكيف كانت ردة فعل أبي عزام؟ فلنتابع...
بعدما عادا من طلبة عبد الرحمن، جلس سمير على الكنبة في مواجهة غروب الشمس في ساعة مباركة من تلك (الجمعة)، والتي لم يكن سمير قد شهد صلاتها بالمناسبة مع شدة غفلته مؤخرا!
جلس يضم تحت ذراعه أنسه الوحيد في الدنيا (إيناس)، والتي كانت تمسك بهدية عمها القديمة، الدمية الشقراء، وتلبسها على رأسها (لباس) الصلاة ثم تتأملها، ثم تعود تنزع اليانس ثم تلبس الدمية من جديد وتتأملها. ابتسم سمير لحركات ابنته هذه ولم يتفطن لدلالتها، بل أرسل عينيه مع ألوان السحب عند الغروب وبدأ يفكر...
"حياتي أصحرت... أسرتي مفككة... ابني في السجن... أعمل كالعبد عند أبي عزام... جاوزت الأربعين... إلى أين أسير؟ أين المصير؟" مع اختفاء آخر شعاع للشمس اتخذ القرار: "سأطلب النصيحة من أمجد"... أحس سمير براحة عندما عزم على ذلك وتابع في نفسه: "كفاية، تعبت!".
قاطعت إيناس هدوءه ومدت دميتها أمام عينيه باليانس وقالت:
كان سمير شارد الذهن، فلم يلاحظ ملامح ابنته في تلك اللحظة... كانت إيناس تبكي وتلتقط أنفاسها من بكائها المتتابع! أخيرا، أبوها سيصلي معها... أخيرا، أبوها يشمر عن ساعديه ليتوضأ... أخيرا، تحس أن الأجواء الإيمانية التي عاشتها في بيت عمها، والتي عاشتها اليوم بين عوائل أعمامها، ستراها أخيرا في أعز الناس عليها: أبيها الذي تحب، وفي هذه الفيلا التي عاشت فيها إيناس لأكثر من عشرة أعوام خالية إلا من مظاهر الترف المادي.
كفكفت إيناس دموعها لئلا يراها والدها، نزعت اليانس عن لعبتها (هدى) ولبسته، لبست معه (تنورة) الصلاة، وفرشت سريعا سجادتي صلاة لها ولأبيها وجلست تعدل حوافهما... جاء سمير، أقام الصلاة وصليا.
لم ينتظر سمير حتى اليوم التالي، بل اتصل تلك الليلة بأمجد:
وبالفعل، ذهب سمير ومعه إيناس إلى بيت أمجد في اليوم التالي. شرح سمير لأخيه كل شيء، ابتداء بالسيارة الأولى المغشوشة ورسالة مشتريها، ومرورا بعلوقه في رمال أبي عزام المتحركة، ومشاركته لأبي عزام في "التسهيلات" و"التسليكات"، وانتهاء بوضعه الأسري المفكك.
بقي أمجد ساكتا لا يقاطعه بالمرة.... ثم بقي ساكتا مذهولا بعد انتهاء سمير من الحديث. قال له سمير:
"ما لك؟"
«متعجب من حلم الله عليك!».
«طيب اريد حلا».. احس امجد نفسه امام تلة من المشاكل تراكمت على مدى اكثر من عشرين عاما، فقرر ان يرتب الاولويات ويتابع اخاه ليحلوها واحدة واحدة:
«سمير، ليس هذا مجال تنميق العبارات.. بصراحة.. انت واقع في نوع من العبودية للمادة والعبودية للبشر... عبودية باطلة لا يحررك منها الا العبودية لله رب العالمين الذي خلقك... صلاتك هي عنوان تحررك من العبوديات الباطلة وانت تقف بين يدي الله تعالى وتقول: «إياك نعبد وإياك نستعين»... «إياك نعبد».. لا اعبد احدا غيرك يا رب، ولا اطيع احدا طاعة مطلقة غيرك يا رب، ولا اذل لاحد غيرك يا رب، فمن ذل لك عز في العالمين... هذا التحرر سيكون له تبعات ثقيلة على النفس التي اعتادت على التعلق بالماديات، لذلك انت تستعين بالله بقولك: «وإياك نستعين». فاول شيء تفعله هو ان تحافظ على صلاتك وتستحضر هذا المعنى وانت تقرا الفاتحة»... اعجب سمير بكالم اخيه ولم يبد سمير تلكؤا فتابع امجد:
«وفي الوقت ذاته عليك ان تترك ابا عزام وبيئته والعمل معه». هنا رد سمير على الفور:
«ال استطيع يا امجد! شرحت لك. اموري المادية عالقة معه، اعمل في معرضه، اسكن في الفيلا التي له، كثير من زبائني هم من خلاله... راس مالي الذي سحبته لاشتري سيارات بدل التي احرقت مسجلة باسم معرضه»... لم يذكر سمير لاخيه انه ايضا حريص على علاقاته بـ «الطبقة المرموقة» التي ادخله ابو عزام الى عالمها، وعلى التفخيم الذي يلقاه من ادارة استثمارات ابي عزام، وعلى اسفاره التي يرسله المعلم فيها لصالح استثماراته.
كانت هذه الامور كلها لا توفر السعادة ولا الطمانينة لسمير، لكنه كان يشعر في الوقت ذاته انه لا يستطيع الاستغناء عنها! قال امجد:
في النهاية قال له امجد:
جاءت إيناس:
قبل ان يغادر قال له امجد:
كيف امضت إيناس ذات العشرة اعوام وقتها في بيت عمها امجد بعد انقطاع لقرابة السنة؟ لقد كان اسعد يوم يمر بها على الاطلاق! كان الكل مبتهجا محتفلا بها: عمها الذي بقي معها قليلا ثم خرج لعيادته، وزوجة عمها جمان، وابنة عمها الكبرى زينب، وهي الان في الخامسة عشرة، وفاطمة، وعمر، وهو الان في السادسة من عمره. احسوا جميعا اكثر من اي وقت مضى وكان إيناس واحدة منهم، فرد من افراد اسرتهم... وكانت شخصيتها قد نضجت اكثر خلال سنة الانقطاع هذه... لبقة في التصرف والحديث، مع كونها اجتماعية «حبابة» ال تتكلف.
بدات زينب بتدريس «اختيها» إيناس وفاطمة، ثم تناولوا الغداء معا... إيناس تنقل الاطباق وترتبها وتنظف الطاولة وكانها واحدة منهم تماما... بعد الغداء صلوا الظهر جميعا، ثم استخرجوا بعض الالعاب التي احسوا وكانها جديدة حين شاركوا بها إيناس. صنعت (ام عمر) زوجة عمها كعكة ودعتهم إليها فاكلوا فرحين وهم يتمازحون. تعمدت ام عمر رفع اجهزة الايباد والتابلت حتى يختاروا العابا تزيد الفتهم وتعاونهم بدلا من انشغالهم في ذلك اليوم بالاجهزة الالكترونية وشاشاتها.
وجدت إيناس نفسها تتصرف بتلقائية وعفوية تامة، اكثر من كل الزيارات السابقة، وتقوم بحركات طفولية مكبوتة فيها لم تجد فرصة للتعبير عنها في بيئة الفيلا الجافة: يتجهز البنات للصلاة، تخطف إيناس (يانس) الصلاة من يد فاطمة وتلبسه بدل اليانس المعطى لها وتضحك البنتان. زينب تقرا في كتاب، فتاتي إيناس من خلف الكنبة وتغمض عيني زينب بيديها... تتحزر زينب: (من؟ فاطمة)... تضحك إيناس ضحكة طفولية بريئة... (آها... انوس)... يتحداها عمر: من يستطيع ان يحافظ على وجهه عابسا دون ضحك لاطول فترة؟ ثوان ويضحك الاثنان معا.
كانت إيناس كعصفور انطلق من قفص الى حديقة واصبح يتنقل مع العصافير بين الاغصان. ضحكت ذلك اليوم كما لم تضحك من قبل، ولا بين زميلاتها في المدرسة، وزادتها حمرة وجنتيها من كثرة اللعب جمالا الى جمالها. عاد الدكتور امجد بعدما صلى المغرب في الطريق. استقبله الجميع على الباب بفرح، وانطلقت فاطمة تشرح له ما فعلوه ذلك اليوم. رات إيناس مودة وشوقا بين امجد وزوجته عند الاستقبال، وفهم عمها نظرتها.. إنه المشهد الذي لم تره بين ابويها لسنوات. فقاطع صمتها بقوله:
نظر امجد الى ابنة اخيه وهي مندمجة في الحديث مع اولاد عمها وشرد ذهنه: «هذه البنت البريئة... كيف نشات في الاجواء التي حدثني عنها سمير؟ ترى هل فعلت ما اتفقنا عليه يا سمير؟ هل ستعيد بناء حياتك على اساس صحيح وتتقي الله في عائلتك وفي هذه المسكينة؟». جاء وقت النوم... وكان مهمة صعبة على إيناس وفاطمة! تحاولان ان تناما، فتتذكر احداهما شيئا، فتكلم به الاخرى، تقعدان وتتحدثان قليلا ثم تقولان: (كفاية، يجب ان ننام)، فتتمددان ثم تعودان لفتح موضوع جديد! آخر ما قالته إيناس:
مرت تلك الليلة.... قبيل اذان الفجر، استيقظت إيناس على صوت قراءة جميلة.... عمها امجد يصلي قيام الليل... سمعته يقرا: «إن في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم»... دخلت فتاتنا في مرحلة ما بين النوم واليقظة، وكل فترة تسمع الآية نفسها... الى ان اذن للفجر وقام الجميع للصلاة.
اجواء الصباح بهيجة... امجد جالس على جهاز اللابتوب يكتب مقالا لينشره... اقتربت إيناس من عمها، وقفت بجانبه وهو جالس، وضعت يدها على كتفه بعفوية ونظرت الى المقال... بعنوان: «بروتين الكينيسين Kinesin من عجائب الخلية العصبية!» وقد ارفق معه امجد بعض الصور... وفي خاتمته: «إن في ذلك لآية وما كان اكثرهم مؤمنين * وإن ربك لهو العزيز الرحيم»...
دخلت زينب...
بعدما انطلق سمير من بيت امجد، وصل الى مكتب المعلم، والذي استغرب من هذه الزيارة دون موعد. بعد التحية الجافة بينهما قال سمير:
قال سمير:
امسك المعلم بورقة وقلم، ونظر في عيني سمير قائلا: «طبعا حقك محفوظ»، ثم قسم الورقة طوليا وكتب في اعلى القسم الايمن: (لسمير)، ثم قال:
على راس القسم الايسر من الورقة كتب المعلم: (على سمير) ثم قال:
سكت المعلم قليلا، حك راسه، ثم قال:
كان سمير يستمع لهذا كله مذهولا! قام من مكانه وخرج من مكتب المعلم بصمت، دون ان ياخذ الشيك. لم يستطع من هول الصدمة ان يذهب للمعرض، فاتجه الى الفيلا... وهو في الطريق نفس عن قهره بكيل الشتائم للمعلم: «الغادر! المحتال! يريد ان يدفع 4 آلاف دينار مقابل حياتي التي كرستها لخدمته! يحاسبني على الفيلا التي اسكنها انا وابنته واحفاده! يحاسبني على تكاليف ولادة احفاده الذين تاجر باسمائهم: «اشرف ليتمسك بالشرف»! «صادق ليكون صادقا في زمن الكذب»... يا كذاب!!! حتى اني ال اطيق ان يدعوني احد بـ «ابي اشرف»... طبعا لو قلت له «إنهم احفادك» سيقول لي «بل اولادك الذين اسات تربيتهم حتى شوه اشرف سمعتنا كما قال من قبل»! واذا قلت له: «بل ابنتك اهملتهما وانا مشغول عنها بمصالحك»، سيدافع عن ابنته ويعيرني بيوم وفاة امي! كما فعل ذلك اليوم»...
من سرحانه كاد سمير يرتطم بسيارة، فزمر له سائقها بغضب، فانتبه، ثم اوقف سيارته على حافة الطريق، ووضع يده على جبهته وقال بندم شديد: «مجنون انا؟! كيف رضيت بتسجيل السيارات باسم المعرض وقد اشتريتها بمالي؟! كيف، وانا اعلم ان هذا الرجل لا رادع له من دين وال خلق؟! ربما لاني لم اتصور ان اكون احد ضحاياه في يوم من الايام! فانا «شريكه» في الغش والتلاعب. كان علي ان اتوقع هذا، وان احفظ حقوقي على الورق. لكن كاني كنت مخدرا!». تابع سمير سيره، وصل الفيلا، ودخل غرفته لينام. جاءته حنان وقالت باسلوب جاف:
«اين إيناس؟»
«ستنام في بيت عمها امجد»..
«هذا ليس من حقك، انا اعلم ابنتي الإتيكيت وال اريدها ان تكتسب عادات من بيئة ال اعرفها. يكفي انك نقلتها لمدرسة لم نوافق انا وامي عليها. اذهب واحضراها». سكت سمير.
«اقول لك اذهب واحضرها، هيا».
«اريد ان انام، لن احضر احدا». خرجت حنان بغضب، وبدات امها (سوزان) تتصل تباعا بعد دقائق وسمير يفصل الخط، ثم اطفا جهازه الخلوي ونام. سمير الذي كان قد نام طويلا بعد صدمته عند ابي عزام... استيقظ في الليل... بقي متمددا وهو يفكر فيما يمكن ان يفعله بعد «غدر» ابي عزام. تقلب، قام، ذهب يشرب الماء، وهو يفكر...
«هل استسلم لابي عزام واعود الى ما كنت عليه؟ ال! ليس معقولا... ان انسى نصيحة امجد بهذه السرعة!»
«طيب واموالي التي نهبها النصاب ابو عزام؟! الربع مليون التي دفعتها؟! اتركها له واسلمه المفاتيح؟ مستحيل!»
«علي ان اعمل على استرداد مالي ولو خلسة من اموال المعرض ومصالح ابي عزام الاخرى».
«لكن هذا يعني البقاء معه، والعودة لكل المحرمات التي كنت اعملها».
«انا مضطر!»
«لكن «مضطر» هذه بررت بها لنفسي طويلا حتى وصلت الى ما انا عليه الان». كان سمير يستخرج موبايله كل قليل ويستعرض رسائل الواتس اب ليتهرب قليلا من دوامة التفكير، ويرد على رسائل بعض الزبائن وموظفي مصالح ابي عزام. اراد ان يطمئن على إيناس، فهم بمكالمة امجد... لكن الوقت كان متاخرا، كما انه خشي ان يساله امجد عما حصل معه. خرج الى حديقة الفيلا ومشى قرابة الساعة وهو يفكر... قرر اخيرا:
«ال يموت الذيب وال تفنى الغنم! ساعود للعمل مع ابي عزام، واتجنب المحرمات قدر الاستطاعة، وابدا استعيد مالي خفيـة عن ابي عزام، وفي هذه الاثناء اؤسس لعمل خاص لاستقل عنه».
دخل فقضى الصلوات التي فاتتـه، لئلا يترك الصالة مباشرة بعدما شحنه امجد بالحماسة، ثم تناول طعام العشاء ونام. خلال نهار ذلك اليوم، وبعدما غادر سمير مكتب ابي عزام مصدوما، كان ابو عزام هو الآخر يفكر ويخطط... استدعى زهيرا:
«زهير، سمير جاءته هبة روحانيات! يقول لي: (هناك «محرمات» في عملنا)... قال إيش! قال محرمات! هه».
«صح النوم! ولماذا جاءته صحوة الضمير الآن يا معلم؟»
«ال اعلم. ربما بعدما حصل مع ابنه اشرف». قال زهير بمكر:
«طيب استغني عنه يا معلم... نخدمك ونخدم «المحرمات» لعينيك.... إمممم... او ربما صعب لانه زوج ابنتك».
«ما عاد يهمني انه زوج ابنتي... لكن ال تنس ان سـميرا مطلع على التفاصيل. ال اريده ان يصل الى مرحلة: علي وعلى اعدائي».
«طيب ما العمل يا معلم؟»
«خطة احتواء: ساجنبه المعاملات التي فيها تسليك او «محرمات» على رايه! واوكلك انت بهذه المهمات ريثما تمر هبته الروحانية هذه»..
«من عيني يا معلم».
«ايضا: ساكثف «العمل الخيري» واعطي مسؤوليته لسمير. تول انت مهمة توظيف هذه الاعمال لصالحنا».
«على راسي يا معلم».
«اهم شيء يا زهير: فتح عينك على سمير جيدا! ال شك انه سيحاول في المرحلة القادمة ان يختلس من اموالي لانه يظن اني ظلمته. هذا الصعلوك الذي صنعته من ال شيء، يظن اني ظلمته! راقبه جيدا وامسك عليه ممسك». هنا لمعت عينا زهير:
«طيب هذا يحتاج مساعدتك يا معلم».
«ماذا تريد؟»
«اعطني نسخة من المفاتيح لاستطيع ان ازرع الليلة برنامج مراقبة على كمبيوتـره في المعرض وفي مكتب إدارة المطاعم».
«هذه سهلة».
«وعندي شاب اريدك يا معلم ان تعينه موظفا في المعرض عند سمير... اريده في المعرض لبضعة اشهر فقط». فهم المعلم مقصد زهير... فوافق. وبالفعل بدا زهير من فوره بتنفيذ الخطة وانطلق في الليلة نفسها فوضع برنامج تجسس على الكمبيوترات، بينما سمير يمشي في حديقة الفيلا يفكر فيما يفعله مع ابي عزام. ما الرسالة الصادمة التي تلقاها سمير من ابي عزام صباح اليوم التالي، والتي احيت لديه االمل؟ فلنتابع...
استيقظ سمير صباح اليوم التالي لصدمته من كشف حساب ابي عزام.... بقي في فراشه فترة وهو يفكر، ثم قام يفطر لوحده... قرر اال يتكلم مع المعلم، وانطلق الى عمله كالعادة وفي نيته ان يتجنب المحرمات ما استطاع وان يبدا بمحاولة استرداد ولو جزء من امواله شيئا فشيئا. بعد دقائق من دخوله مكتب المعرض، جاءته رسالة غريبة صاعقة من ابي عزام!:
شجع سمير نفسه ليتصل بابي عزام:
عاد فقال: «لماذا استبعد الهداية عليه؟ الله يهدي من يشاء.. لكن هل معقول يتغير بهذه السهولة؟!». وهو في دوامة التفكير، وصل سمير، ودخل مكتب ابي عزام، والذي حاول ان يظهر وجها «سمحا» عليه عالمات التأثر، مع إبقاء الهيبة لحفظ المسافة بينه وبين سمير.
تابع ابو عزام:
جاء حامد، الموظف الجديد الذي على سمير تعيينه في المعرض... شاب ذكي في الخامسة والعشرين، بمالمح بريئة «baby face»، يحسن التمثيل والمراوغة حتى ان سميرا اطمان له واصبح يعتمد عليه. ومرت ثالثة شهور... كان سمير فيها يبيع السيارات المغشوش معظمها! باسعار مخفضة قليال ويسجل سعر البيع باقل مما باعه. «فابو عزام سيقتنع انها بيعت بهذا السعر النها متالعب بعداداتها» وياخذ الفرق لنفسه. «إذا استغرب ابو عزام من سعر البيع فساقول له: انت قلت بعها بسعر مخفض.. قد يقول: ليس لهذه الدرجة! قلت لك بسعر ال يجلب ريبة... ساقول له: قدرت ان هذا سعر مناسب، وكنت اخبر الزبائن ان سياستنا هي الربح الصغير جدا لكن بحجم عمل كبير فلم يستغرب احد»... وكان سمير يكتب فواتير باسعار غير التي باع بها السيارات لغايات مراجعة ابي عزام. كان حامد يرصد هذا كله دون علم سمير، ويحتفظ بمعلومات من يستطيع من الزبائن المشترين، ليتصل به بعد مغادرة المعرض بساعات: «سيد فلان، من سياستنا ان نحتفظ بنسخ إلكترونية مشتركة بيننا وبين الزبون. إذا سمحت صور الفاتورة التي اخذتها من المعرض وضع نسخة من الصورة على حساب الواتس للرقم الذي اتصل عليك منه». وكان هذا كله يتم دون علم سمير.
وخالل هذه الفترة، وثق زهير اشكاال اخرى من تالعب سمير من خالل البرنامج الذي زرعه على جهازه في مكتب المعرض، وارسل من طرفه اثنين من المشترين لمزيد من توثيق التزوير على سمير. كان سمير خالل ذلك يقوم باالعمال الخيرية على حساب ابي عزام وعلى حسابه الشخصي ايضا، ويقنع نفسه ان ذلك يخفف وطاة المحرمات التي ال زال عالقا بها في اعمال ابي عزام. تحسنت نفسية سمير خالل هذه الشهور الثالثة، وكان محافظا على صالته الى حد ما، ويتعهده امجد في ذلك.... مرضت حنان، فكانت فرصة مناسبة ليعيد سمير شيئا من العالقة معها، وكانت إيناس سعيدة بذلك. وتكررت زيارتها لبيت عمها امجد بعد تلك الزيارة الرائعة... دعا ابو عزام سميرا وزهيرا الى اجتماع في نهاية هذه الشهور الثالثة. تعمد فيه ابو عزام اال يدقق في ملفات سمير، وان يبذل معظم الوقت في مراجعة إنجازات زهير. كانت إنجازات زهير مضخمة بشكل متعمد، وبسابق علم من ابي عزام. فاحس سمير بالغيرة والحسد تجاه منافسه اللدود زهير! وخرج من االجتماع مصرا على اال يفشل في المنافسة. ماذا عنى هذا بالنسبة لسمير؟ شيئا من التراخي في موضوع المحرمات! بحيث يحقق ارباحا اعلى وال يفشل في المنافسة مع زهير!
وبدا سمير يتراخى بالفعل، وابو عزام في هذا كله ال يتدخل، وال يحاول فرض شيء على سمير. مر شهران آخران على هذا الحال، وزهير وحامد يدبران المزيد من الحيل ويرصدان المزيد من التزوير الذي يقوم به سمير ليسترد ماله. وجاءت اللحظة المرتقبة! دعا المعلم ثالثتهم لقصره: سمير، وزهير... وحامد! ترى، ماذا حصل في هذا االجتماع؟ فلنتابع.
استغرب سمير من حضور حامد، الموظف البسيط، لالجتماع... ورابته ابتسامة زهير المنتشية.. وكان اربعتهم يجلسون حول طاولة ضيافة بيضاوية... وابو عزام يمسك بملف كبير، فوضعه امام سمير وقال:
«سمير، كنت قلت لك ان تنبهني اذا وجدت في عملنا محرمات حتى نحاول تجنبها. الق نظرة على الملف واخبرني إن كان فيه «محرمات»». فتح سمير الملف: توثيق للفارق بين السعر الحقيقي لبيع السيارات والسعر المسجل في حسابات المعرض... رواتب مسجلة لشهور لموظف تم االستغناء عنه، حيث كان سمير ياخذ لنفسه هذا الراتب... ملفات مخفية على كمبيوتر المعرض يقوم فيها سمير بضرب تكاليف مواد غذائية مشتراة لحساب سلسلة المطاعم ومزرعة الدواجن بمعامل 1.2 لتقدم ألبي عزام على انها اشتريت بهذا السعر وياخذ سمير الفرق.. وامور اخرى! كان وجه سمير يشحب وهو يقرا هذا كله، وزهير ينظر إليه مبتسما، وحامد تتنقل عيناه بين سمير وأبي عزام، وأبو عزام قد أرجع كرسيه عن الطاولة قليال... يضع رجلا على رجل، ويدخن سيجارته وهو ينظر في السقف. أغلق سمير الملف وبقي ينظر في الطاولة مقطبا حاجبيه فاتحا فمه كالذي يفكر... قال أبو عزام:
«هاه... هل هناك محرمات؟... وماذا تنصح بالعمل معها؟». قال سمير بصوت منخفض:
«أنت اضطررتني لهذا».
«اضطررتك لماذا بالضبط؟» أحس سمير أن أبا عزام ربما يسجل ما يدور في اللقاء ليمسك عليه مستمسكات. وقد كان زهير بالفعل يسجل ما يدور على مسجل يخفيه، فأجاب سمير:
«اضطررتني للذي رأيته».
«هل رأيت يا سمير ما يحدث عندما نحمل األخشاب ما ال تحتمل؟ كيف ينهار البناء وتنهار أنت معه؟». تذكر سمير هنا الحوار الذي دار قبل أكثر من عشرين عامًا.. حوار «الحكم العزامية»! التي علمها أبو عزام لسمير قبل أن يكشف له عالمه الموبوء: «الواحد يا سمير يتعلم من الحياة ما ال يمكن أن تتعلمه في الجامعة أو في دورات أو مؤتمرات... ومما تعلمه أن المثاليات والقيم أمر مهم بال شك، مهم لتحيا حياة نفسية سليمة وتشعر بالرضا عن نفسك. لكن إذا جعلتها تتدخل كثيرا في حياتك فستقيدك، ويسبقك الجميع في المضمار. والذي يتأخر في مضمار السباق ال يربح ربحا أقل فحسب، بل يجرفه الطوفان، فنحن في عالم ال يرحم... تصور هذه القطع يا سمير كأخشاب، وتصور المكتب بحرا تثير الرياح أمواجه، والقطع تروح وتجيء، تقترب وتبتعد... هل أستطيع أن أؤسس عليها بناء عاليًا؟... كذلك المثل والقيم...
في عالمنا: المجتمع هو البحر، الظروف والمتغيرات والمشاكل هي الرياح، قطع الخشب هي فرصنا في هذه الحياة... موطىء القدم الذي يمكن أن يتاح لنا. إذا سكنت الريح يوما وتقاربت قطع الخشب وحاولنا أن نبني المثل العالية والقيم النبيلة على أساس هذه القطع، ماذا سيحصل في أول هبة للريح وتموج للبحر؟... ستنهار، وتنهار أنت معها! وكلما كانت المثل أعلى كان انهيارها أسرع. لذا، فقد تعلمت من وجودي لأكثر من ربع قرن في سوق العمل أن القيم الدينية والمثل الأخلاقية شيء جميل، لكنني أنا الذي أسمح لها بالتدخل في حياتي بالقدر المناسب للواقع، أي أنني أحمل كل قطعة من الخشب ما يمكن أن تتحمله، وما يمكن أن تحافظ عليه مهما هبت الريح وتعالت الأمواج. وبذلك أنسجم مع حاجاتي الروحية ومع الواقع في الوقت نفسه. غيري قد يصر على البناء العالي، لكنه عندما ينهار سيكون مستعدا للتخلي عن قيمه وأخالقياته كلها ويتشبث بالألواح حتى لا يغرق! لا يا عزيزي، قليل مستمر خير من كثير منقطع، لا يفنى الذيب ولا تموت الغنم.
أحس سمير أنه هو الذي "عندما ينهار سيكون مستعدا للتخلي عن قيمه وأخالقياته كلها ويتشبث بالألواح حتى لا يغرق!"، وأن عليه تقديم المزيد من التنازل تحت شعار "لا يفنى الذيب ولا تموت الغنم"!
كان سمير في هذا كله لا يرفع نظره عن الطاولة، كالطالب المعاقب... استأذن في الانصراف، فأذن له أبو عزام... وخرج.
وصل البيت، لم يصل هذه المرة، بل أحس بالـ "خذلان" وبشيء من العتب على القدر!
كان سمير يتوقع أن يعينه الله ما دام "تحسن" عن ذي قبل، وأن يفتح عليه من الدنيا مزيدا، حتى وإن كان لا يزال متلبسا بالكثير من المحرمات في عمله مع أبي عزام...
لم يتعود سمير تحمل مسؤولية أفعاله بنفسه، فكان يجد لها المبررات ما دام "أحسن من غيره"، وما دام "يعمل أعمالا من الخير"، ولأن "غيـره لو كان في مكانه لعمل ما هو أسوأ"! فوضع الملامة فيما حصل على القدر الذي لم يعطه في نظره ما يستحق!
لكن ما في قلبه من تعظيم لله تعالى وضع له حدا... صحيح أن نظرته لحق الله عليه هزيلة، وأنه عتب على القدر، لكنه مع ذلك كان يقول لنفسه:
كانت إيناس تنتظر أباها لتتعشى معه... فسمير كان يحرص على تناول العشاء معها، وإذا تأخر يوما ووجدها نائمة فلا بد أن يتناول الفطور معها قبل خروجهـا إلى المدرسة. لم يكن يطيق أن يمر يوم وليلة دون إيناس، الإنسانة الوحيدة التي يحبها بعمق وبصدق.
استقبلت إيناس أباها بحفاوة، لكنه رد بجفاف:
صدمت إيناس فذهبت تصلي وتنام دون أن تتعشى هي الأخرى، وبقيت فترة في فراشها تفكر: "ما الذي حصل مع أبي؟ لماذا انقلب مزاجه فجأة هكذا بعدما تحسن لشهور؟"
استيقظا صباح اليوم التالي.... جلسا يفطران سوية...
أحست إيناس أن الأمر أعمق من ذلك، فأصرت على أبيها بتودد لتعرف سر حزنه وتوتره..
فكر سمير بأن يبوح لابنته بشيء من الأسرار من قبيل "الفضفضة"، فهو يحتاج لأن يسمعه أحد، وبالتأكيد لن يعود لأمجـد بعد هذا الذي حصل! فجواب أمجد سيكون واضحا وحاسما: (قلت لك: اترك أبا عزام وعالمه وكفى غرقا في رماله المتحركة!)...
وبالفعل، عزم سمير على إخبار ابنته بـ "شيء" مما يحصل معه، بما يناسب إدراكها، ودون أن يسقط احترامـه كليا من نفسها!
خرجا للحديقة، وبدأ سمير يحدث ابنته بحذر عما يعانيه مع جدها أبي عزام... ويرصد ملامحها ليرى مقدار الصدمة فلا يزيد جرعة الحقائق المرة!
وإيناس في المقابل كانت تحس أن أباها يخفي أشياء وأنه متحرج مما يقوله، فتعمدت أن تجمد ملامحها وتحافظ على ابتسامة خفيفة مع أنها كانت تتلقى الصدمات!
بعد عشر دقائق من الشرح وإيناس صامتة، سألها سمير:
ردت إيناس على الفور بعد صمت طويل:
تفاجأ سمير من الرد وسرعته ووثوقيته! وفكر: "أيهما أصدق؟ (لا يموت الذيب ولا تفنى الغنم)؟ أم فطرة إيناس النقية، والتي جاءت متوافقة تماما مع نصيحة أمجد؟"
ذهل سمير من السؤال! كأنه صوت عميق بداخله خرج ليتجسد في إيناس! فهو بالفعل ليس سعيدا بهذا كله، ومع ذلك يحس بأنه لا يستطيع التخلي عنه.
سكت سمير، لكن بعدما أحس أنه ورط نفسه باهتزاز صورته أمام ابنته دون استعداد حقيقي للاستجابة لنصيحتها.... فقال:
خرجت إيناس للمدرسة، وذهب سمير للمعرض وهو متخوف مما سيفعله أبو عزام: "هل سيقدم الملف للقضاء؟ ستكون مصيبة! لا.. لن يفعل... يعلم أين أستطيع أذيته حينها... ربما سيكتفي بأن يطلب مني إرجاع الأموال التي أخذتها خلسة".
الغريب أن الأيام مرت وأبو عزام لا يطلب شيئا من سمير، ولا حتى إرجاع الأموال التي أخذها! فبالنسبة لأبي عزام، كان "الدرس" الذي لقنه لسمير، وقناعة سمير بـ "حكم" البحر والأخشاب! وبالتالي استعداد سمير بعد ذلك لتنفيذ الأوامر دون فتح موضوع "المحرمات" مرة أخرى... كان هذا كله كافيا!
وللأسف، عاد سمير بالفعل شيئا فشيئا لما كان عليه قبل نصيحة أمجد. وعاد مع ذلك للتراخي في صلاته ولتوتر العلاقة مع حنان "ابنة المعلم الذي أهانني أمام زهير والموظف المندس الغدار"!
خلال ذلك، كان هناك جرح يتعمق داخل نفس إيناس! إنه جرح ما اكتشفته عن عالم أبيها وجدها يوم صارحها أبوها بـ "جزء" من الحقيقة! صار يتردد في داخلها الصوت: "كل ما نحن فيه من رفاهية مختلط بالغش والظلم والحرام؟!"... وبدأت تحس بأنها تريد أن تنأى بنفسها عن هذا الوضع الملوث، وأن تتمايز عن هذه البيئة، لكن لا تعرف كيف.
ازدادت علاقة إيناس بأخيها صادق، والذي وصل الثانوية العامة فأصبح يلزم البيت لوقت أطول بضغط من والديه، وأحضر له سمير أساتذة خصوصيين. ومع أن صادقا كان يشعر بغيرة من إيناس إلا أنها كانت بطيبتها لا تترك مجالا لأحد أن يكرهها! أصبحت تحضر له فنجان القهوة، تضعه على مكتبه وتسأله بابتسامتها الرقيقة:
وازدادت المودة بينهما مع الأيام. كان في صادق شيء من طيبة إيناس، لكنه كان يفتقد التوجيه... ومع فارق السنوات السبعة بينه وبين إيناس إلا أنه أصبح يأنس بالحديث إليها، إذ يجد لديها من الاهتمام الصادق به ما لم يجده لدى والديه البعيدين عنه روحيا.
وكذلك أشرف، الذي كان يتشوق لزيارة إيناس. فقد كانت فاطمة، بتوجيه من أبيها، تزود إيناس كل مرة بآية أو حديث عن الصبر ورحمة الله، مع بعض العبارات المختصرة المؤثرة. فتسمع إيناس أخاها ما يخفف عنه في ظرفه الصعب.
خلال الفترة الماضية، كانت حنان أيضا تحرص على نصيبها من إيناس، فتصطحبها معها لزيارات صديقاتها وصديقات أمها (سوزان). إلا أنهما بدأتا تلاحظان شيئا من الانقباض على إيناس... وقد كانت إيناس تحس بالفعل بشيء من الغربة والنفور عن هذه البيئة وطبيعة المواضيع المطروحة المليئة بالترهات والخالية من أية فائدة.
كانت حنان في الساعات التي تمضيها بالبيت تكثر من متابعة القنوات وتأنس بوجود إيناس بجوارها، إلا أن إيناسا أصبحت كثيرا ما تنسحب عندما ترى ما يخدش حياءها. لاحظت أمها ذلك، لكنها لم ترد أن تغير! مع أنه كان يزعجها كثرة ابتعاد إيناس عنها... كانت تحس أن ابنتها "تبالغ" في نفورها من أشياء "عادية" أحيانا في نظر حنان!
عادت حنان إلى الممانعة من زيارة إيناس لبيت عمها أمجد... ترجتها المسكينة كثيرا دون جدوى، ولم يتدخل سمير المنشغل بمشاكله. وإذا تدخل، فرد حنان الجاهز: "إيناس تكتسب من بيت عمها صفات تبعدها عنا"!
حاولت حنان أن تشغل ابنتها بالإكثار من أخذها في عطل نهاية الأسبوع لتبيت في قصر جدها أبي عزام المزود بصالة رياضية وحديقة فيها ألعاب مختلفة وأقفاص طيور من مختلف الأشكال وحوض أسماك ضخم وغير ذلك من وسائل الرفاهية، لكن ذلك كله لم يكن يساوي لدى إيناس اللحظات الجميلة في بيت عمها أمجد ومع عائلته الودودة.
فتاتنا الطيبة هي الآن في الحادية عشرة من عمرها... دخلت إلى مكتب أبيها في يوم جمعة، بعد أن تناولا طعام الفطور، بينما تناوله صادق وحده وحنان نائمة... جاءت إيناس لأبيها في غرفته بفنجان قهوة حضرته بنفسها، ثم وقفت أمامه ووجهها منير كالقمر بأشعة شمس الصباح المتسللة من النافذة وقالت بابتسامة:
ترى، كيف كان رد سمير؟ وما الاختبار الجديد الذي عرضت فتاتنا أباها له بهذه الكلمات؟ فلنتابع.
رفع سمير عينيه من جهاز اللابتوب الذي يحضنه، نظر في إيناس متفاجئا ومستغربا وقال:
تلبك سمير واضطرب ولاحظ تناقضه مع نفسه. لقد كان كلام ابنته مفاجئا له، لم يتوقعه ولم يحسب حسابه ليجهز له جوابا.
طوال السنوات الماضية، كان سمير غافلا في نفسه، لكنه لم يتدخل ليمنع أحدا من شيء يتقرب به إلى الله. كان سمير مقصرا في تربية أبنائه، وتركهم ينساقون مع البيئة حولهم، لكنه لم يقف في طريق أحدهم إذا أراد أن يعدل مساره أو يقبل على ربه... لذا فقد كان كلام إيناس اختبارا جديدا من نوعه بالنسبة لسمير!
تهرب سمير من التفكير فيما سيتخذه من موقف عندما تصبح إيناس مكلفة بالحجاب، فقال:
أحس سمير بالإحراج والاستفزاز معا، ولم يكن في حياته كلها مع إيناس قد قسا عليها أو انتهرها.
وإيناس أيضا لم تكن تكلم أباها يوما بهذا الأسلوب. ففي هذا الجدال اختفت بسمتها وبدأت تتكلم بشيء من الانفعال وترد على كلام أبيها بسرعة.
في الواقع، كانت إيناس بذلك تعبر عن تساؤلات تراكمت في نفسها وأصبحت تقلقها: "لماذا يا بابا؟ لماذا لست كعمي أمجد؟ لماذا لا أرى مودة بينك وبين أمي كالتي بين عمي وزوجته؟ لماذا لا تتعظ بما حصل لأشرف؟ لماذا لا تستمر على الصلاة أياما حتى تعود فتراخى وتكسل عنها؟ كيف قبلت لنفسك أن تبقى طوال هذه السنوات تطيع جدي أبا عزام في هذه المحرمات التي تمارسها هنا؟ هل ستكون معي في الجنة يا بابا؟ هل الله تعالى راض عنك وأنت على هذا الحال؟ كيف سأطيق البعد عنك إذا لم تكن معي في الجنة؟ أنا أحبك يا بابا، وأعرف أنك تحبني، لكن هل أنت تحب الله؟ إذا كنت تحبه فلماذا لا تطيعه؟!".
هذه الأسئلة كلها قفزت إلى حس إيناس عندمـا جادلها أبوهـا رافضا ارتداءها للحجاب، جداله أثار بركانها المتراكم عبر السنين، فبدأ قلبها الطاهر يخفق بسرعة ولهجتها تزداد عصبية.
قالت في نفسها: "إن كنت أنت لا تريد أن تعدل من حياتك يا بابا فدعني أنا"...
كان الحجاب بالنسبة لإيناس حجابا عن العالم الملوث الذي اكتشفته عن أبيها وجدها، وشكلا من التمايز عنهم...
كان حجابا عن البيئة التي تقحمها فيها أمها وجدتها سوزان، والذي لا يعنى إلا بالماديات ولا يتذكر أصلا أن هناك روحا ودارا آخرة....
تمالك سمير نفسه بصعوبة لئلا يقسو على الزهرة الوحيدة في صحراء حياته، فأعاد نظره إلى اللابتوب وقال:
هدأت إيناس من نفسها، اقتربت من أبيها، قبلت خده، وخرجت بصمت.
بقي سمير واجما بضعة دقائق... لا يريد أن يفكر في الموضوع، ثم عاد إلى حساباته المتعلقة بالمعرض على اللابتوب.
كانت إيناس تدرك أنها لا زالت صغيرة ولا تؤاخذ إن لم ترتد الحجاب، لكنه كان بالنسبة لها يمثل الكثير: يمثل حياء أنثويا فطريا لا تريد أن تسلبه، يمثل تذكر الله وإدراك أنها موجودة في هذه الحياة لتعبده سبحانه حبا وتعظيما، يمثل صدقا وعفوية وطمأنينة وجدتها لدى عائلة عمها أمجد... يمثل حجابا عن محيطها لئلا يجرها معه إلى دوامة الغفلة، فهي لم تنبهر بهذه الحياة التي رأتها في جفاف الفيلا المترفة وضياع والديها وأخويها... لم تكن إيناس تكره سعة العيش والنجاح في الدراسة والعمل، فقد كان هذا كله موجودا لدى أعمامها، لكنهم سخروه لمرضاة الله. إنما كانت إيناس تكره انغماس أبويها وبيئتها في الدنيا واستعبادها لهم ونسيانهم لربهم ولآخرتهم... كان الحجاب يمثل لإيناس حجابا عن قص أجنحتها التي بها تحلق في سماء الإيمان وسعادة الدنيا والآخرة.
كانت إيناس قد أخبرت أمها أمس بقرارها ارتداء الحجاب، متوقعة أن تجد منها معارضة... لكن ما وجدته لم يكن معارضة فحسب، بل أشبه بالهستيريا! نظرت إلى إيناس بشكل عدواني:
صدمت إيناس بأمها وردها الشرس... فقالت لأمها:
فلجأت إيناس إلى أبيها لتأخذ الدعم منه... لكن رده الأول صبيحة الجمعة كان مخيبا للآمال...
تركت إيناس ذلك اليوم يمر... ونام سمير ونامت إيناس تلك الليلة...
في اليوم التالي، أول ما قفز إلى ذهن سمير حين استيقظ: "ماذا سأقول لإيناس إذا فتحت الموضوع؟"...
ثم أجاب نفسه: "لا أظنها ستفتحه... لعلها مجرد فكرة عابرة لتقليد فاطمة... أطفال يقلدون بعضهم... لن يهون عليها مضايقتي مرة أخرى".
أفطرا بصمت هذه المرة... ما ان انتهيا من الفطور حتى تصنعت إيناس ابتسامة تخفي وراءها قلقا وقالـت:
ابتسم سمير متفاجئا من هذا الأسلوب، ثم عاد يتناول بعض الطعام تهربا من النظر في عيني إيناس. فكر قليلا ثم قال:
لم يذكر سمير لابنته حقيقة أنه سيحرج إن ذهبت بهذا المنظر إلى حفلة معارفه ومعارف أبي عزام وعوائلهم. فاجأت إيناس أباها بالجواب:
اضطرب سمير ثم قال:
العجيب أن سميرا، مع أنه كان في تلك المرحلة يكره أبا عزام أشد الكراهية، إلا أنه قد تشرب كثيرا من طباعه وأصبح يتكلم بمثل "منطقه"، منطق (البحر والأخشاب)!... وكما اتخذ المعلم أسماء أشرف وصادق جزءا من بريستيجه، أصبح سمير لا شعوريا يتخذ إيناس جزءا من بريستيجه و"ديكور" شخصيته!
طبعا، لم يكن في كالم سمير أي اقناع لإيناس وفطرتها النقية، ولم تتحمل فكرة الازدواجية التي يريد لها أبوها أن تعيشها، ونقص رصيده في قلبها كثيرا بهذه الكلمات... فانسحبت بصمت وذهبت تبكي في غرفتها من خيبة أملها في أبيها.
هذه المرة، انسحبت دون قبلة على خد أبيها، فتركته مصدوما من هذا الانسحاب السريع، دون جدال وأخذ وعطاء! فأحس سمير بالإهانة، لأن هذه الصغيرة جعلته يواجه نفسه، بل ويزدري نفسه! كأنها صفعته على وجهه..
لقد كانت "مهمة" الغفلة سهلة على سمير، أما مقاومة الخير في الفطر النقية وخنق داعي الهدى في نفس طفلته فكان مهمة أصعب!
هل دفعه الإحساس بالإهانة وكراهية النفس إلى التنازل لابنته والاستغناء عن الحفلة؟ ال! لماذا؟ هل لأن الحفلة تسعده؟ ال، لكنه يخاف التخلي عنها! كان سمير قد وصل لمرحلة تشبه ما يحصل لمدمني المخدرات! لم يعد يستمتع بالترفيهات التي هو فيها، لكنه يخاف من "أعراض الانسحاب" التي سيعانيها إذا تركها!
في المقابل، كانت إيناس تشكل الكثير لسمير، ومع ذلك بدأ "يتعود" على نعمة وجودها في حياته.... فلم يقدم مصلحتها وسعادتها على حرصه ألا يحرج أمام معارفه.
ذهبت إيناس كسيرة البال إلى المدرسة في اليوم التالي... فاطمة ترتدي الحجاب الذي أعطاها رونقا خاصا وزميلاتها يهنئنها به... نظرت إليها إيناس نظرة غبطة وتمنت لو كانت مكانها.... أخبرت فاطمة بما حصل معها، فواستها فاطمة وقالت لها: على كل العطلة على الأبواب... نحاول معه مرة أخرى الفصل الثاني بإذن الله.
لم تكن البنتان تعلمان ما ينتظرهما الفصل الثاني! كلمت حنان أمها سوزان عن الموقف الذي حصل بينها وبين إيناس والمتعلق بالحجاب.... وسوزان نفسها كانت قد لاحظت أن إيناس منقبضة في الآونة الأخيرة وغير متقبلة للبيئة التي يحيطانها بها... فاتخذتا قرارا قاسيا...
ما هو؟ وما موقف سمير منه؟ وكيف سيؤثر على حياة إيناس؟ فلنتابع.
اتصلت سوزان والدة حنان بسمير:
وبالفعل، تدبر أبو عزام الأمر من خلال معارفه فتم نقل إيناس أثناء العطلة بين الفصلين دون حاجة إلى توقيع والدها كولي أمر لها.
لم تعلم إيناس وفاطمة بالأمر بعد.. وأصبحت حنان وأمها تصطحبان إيناس معهما لوقت أطول، وأحضرتا لها الكثير من الهدايا: علب مكياج، حليا ذهبية، فساتين، جهاز آيباد... في محل الإلكترونيات قالت سوزان لحفيدتها:
نزلتا من السيارة:
صدمت إيناس... ترجت أمها دون جدوى... رفضت أن تقيس الزي وأن تحمل الكتب..
فور عودتهما إلي البيت أسرعت إيناس إلى أبيها، والذي كان يتجهز للخروج إلي المعرض:
كانت إيناس تنظر بتوتر وخوف إلي أبيها وهو لا يتحمل رؤيتها علي هذا الحال.
في الواقع، كان سمير يستطيع إرجاع إيناس لو أراد، وكان سيرجعها لو تعلقت المسألة بصحتها كما أصر أول مرة. لكنه الآن يتنازعه طرفان: فهو من جهة لا يريد أن يكسر خاطر إيناس، بل وهو سعيد بتأثرها بفاطمة - بمقدار معين - ويحب أن تكون ابنته أحسن منه.
لكنه من جهة أخرى أصبح يشعر أن إيناس تبتعد عنه نتيجة تأثرها بفاطمة وعائلة عمها! لم ينس حين وضعته أمام حقيقة نفسه... كانت من قبل تناديه كل قليل وتسأله سؤالا أو تفتح معه موضوعا بحماسة وانطلاق... الآن أصبحت أقل انشراحا في حديثها معه، وأقل مبادرة إلي فتح المواضيع، تتصنع ابتسامتها، وفي نفسها منه شيء! لا يطيق سمير ذلك، لا يطيق أن يحس أن ابنته تختلف عنه وتبتعد عنه... لا بد لأحدهما أن يتغير إذن حتى يعود الانسجام.
أما هو، فلا يريد أن يتغير! في انتباهه لقراءة الإمام فجر الجمعة التي التقى فيها بأبي عزام أول مرة، كان سمير قد حدد أجلا لانغماسه في الدنيا: أن يحقق نجاحا، ويجمع المال، ويعيش في رفاهية... والمبرر: حتى تستقر نفسيته فيقبل على الله بصفاء ذهن.
ها قد تحقق هذا كله ولم تستقر نفسيته، بل لم يزدد من بحر الدنيا إلا عطشا!
وفقد مع ذلك الدافعية لتغيير نفسه. إذا، لا بد لإيناس أن تتغير. هي تريد أن تحلق في سماء الحياة السوية، وهو يريد أن يبقى ملتصقا بطين الأرض. فالحل هو في أن تقص أجنحتها!
أدرك سمير كم هو بشع أن تقص أجنحة فتاة بريئة ذات فطرة نقية وأن يقف في وجهها وهي تسعى إلي التحليق. لذا ، فقد برر لنفسه أنه ليس هو الذي يقوم بهذا الدور، بل حنان وأمها! فأقنع نفسه أن التزامه "الحياد" في ذلك يعفيه. لم يرد أن يتحمل مسؤولية هذا العمل، لكنه كان راضيا عن نتائجه!
نطق سمير أخيرا وقد تعلقت به عينا إيناس، وتشبثت بقميصه في ترج:
أحست إيناس بخيبة الأمل، لم تستطع أن تقول شيئا... فأفلتت قبضتها عن قميص أبيها، وذهبت إلي غرفتها تبكي خذلان أبيها لها مرة أخرى..
بدأ الفصل الثاني... افتقدت فاطمة إيناس... أخبرت أباها فاتصل بسمير:
فهم أمجد ما يجري فبدأ يغلي و قال بعصبية:
رفع أمجد صوته:
لم يدرك سمير أنه ليست إيناس فقط، بل كل النعم التي كان يتقلب فيها حينئذ، لم يكن يستحقها! إذ لا يؤدي شكرها. لم يدرك أن الله تعالى ينعم على عباده صالحهم وطالحهم بنعم كثيرة في هذه الدنيا التي ليست دار جزاء، ثم يحاسبهم عليها في دار الجزاء. هذا عدا عن أنهم قد يجردون من هذه النعم أو من بركتها في الدنيا إذا لم يشكروها. كان سمير في هذه المرحلة قد جرد من لذة التمتع الهنيء بالنعـم وإن بقيت هياكلها: مسكن، زوجة، عمل مربح، أموال، أولاد... بل إنه أصبح يعذب بها! لكن وجود إيناس في حياته كان مصدر طمأنينة يشعره بأن "الله يحبني. لدي أخطاء، لكن في خير كثير، وأعمل أعمالا كثيرة من الخير. لو كان غيري في مثل ظروفي وبيئتي لتراخى أكثر. لولا أني أستحق إيناس لما وهبني الله إياها".
لذا، تناسى سمير كلمة أخيه هذه واعتبرها فلتة غضب... مع أن هذه الكلمة ستقفز إلي ذهنه يوما ما!
لم تنسجم إيناس في مدرستها الجديدة... بيئة لا تذكر بالله بل بازدواجية أبيها. لم تجد في المعلمات قدوات كالسابقات، ولا في الزميلات كفاطمة...
هناك شيء يؤلمها، فإيناس كانت تحب زميلاتها الجديدات بقلبها الحي الطري، وتشفق عليهن لأنها تحس أن "ريشهن ينتف" كما ينتف ريش أجنحتها! وكانـت تتمنى أن ترفعهن معها إلي جنة الدنيا التي رأتها في بيت عمها أمجد. لكن إيناسا كانت بحاجة في ذلك السن المبكر إلي أن تحلق هي أولا قبل أن ترفع معها آخرين. فكان يعز على إيناس الطيوبة أن تكون منقبضة عن زميلاتها لا تلقاهن بوجهها الطلق وضحكاتها البريئة و حديثها المرح الذي اعتادته في مدرسة فاطمة... تتمنى، لكن لا تستطيع، فقد بدأت – لأول مرة – تنكسر من الداخل!
جاءت حنان لابنتها بهدية: طقم صلاة وسجادة صلاة، كلاهما من حرير باهظي الثمن، وتخلصت في المقابل من الحجاب الذي أهدته فاطمة مؤخرا لإيناس، مع إبقائها على طقم صلاة قديم من فاطمة أيضا، ما دام سيستخدم في البيت فقط.
لم تستعمل إيناس شيئا من هذا الحرير وبقيت على طقم فاطمة!
أصبحت إيناس تمضي وقتا طويلا في غرفتها... تفكر، وتقرأ أحيانا في كتاب قصص أهدتها إياه زينب، أخت فاطمة الكبيرة.
افتقدها صادق وافتقد تعهدها له بفنجان القهوة والكلمات الطيبة المشجعة.
أتى إليها فرآها ممسكة بدميتها (هدى) التي أهداها إياها عمها أمجد... كانت إيناس قد كبرت على لعبة كـ (هدى) تناسب من هن أصغر منها سنا، لكن (هدى) كانت تذكرها بعالم عمها أمجد، وبفاطمة، والأيام الرائعة التي أمضتها في بيت عمها....
رآها صادق وقد ألبست (هدى) يانس الصلاة، تنظر إليها وهي سرحانة...
قاطع صمتها:
حاول صادق أن يواسيها، لكنه لم يتعود على هذا الدور، فقد كانت هي التي ترفع همته.
ذهبت إيناس بعد هذه التطورات مع أبيها لزيارة أشرف. لاحظ أشرف تغيرا في ملامحها. قالت له كلمة سمعها سمير:
لاحظت حنان وأمها حزن إيناس، ولم تتصورا أن نقلها من مدرسة فاطمة سبب كاف، خاصة وأن المدرسة الجديدة "أجمل" و "أفخم" و "أرقى". فخمنتا أنها تغيرات نفسية مقدمة لليفاعة في هذه البنت ذات الأحد عشر عاما. فذهبتا بها إلي طبيب نفسي...
استفزت الفكرة إيناس فاعتذرت للطبيب عن إجابة أسئلته.
وأخيرا، جاء موعد الـ party (الحفلة)... ارتفعت في الساعة الأخيرة قبل الخروج للحفلة صيحات حنان: "ستلبسين هذا الفستان".
"لا يا ماما"
"بل ستلبسينه"
"لا أستطيع"
"تيتا جاءت به خصيصا لك من فرنسا. ستكونين به أجمل البنات"
"غير مناسب، ليس ساترا"
"طيب هذا"
"ولا هذا. لا أريد الذهاب للحفلة أصلا".
"يا مجنونة! ستذهبين. إنها الـ party التي انتظرناها طويلا".
لم تكن حنان تدرك أن ما تقاومه في إيناس ليس "سلوكيات غريبة اكتسبتها من فاطمة"! بل حياء أنثوي مركوز في فطرتها التي لم تفسد.
بعد طول جدال، خرجت إيناس - على مضض - بفستان طويل كفساتين الأميرات الصغيرات، وذهبت في سيارة أمها، فالتقيتا بسمير على باب القاعة كالعادة. دخل الزوجان (مجمدا الزوجية!) مزهوين بإيناس بينهما .
كانت رائعة الجمال بالفعل! مع براءة طفولية.... لكن شيء واحد كان ينقصها: إنها الابتسامة التي تلاشت مؤخرا ولم تستطع أن تتصنعها ذلك اليوم.
حرص سمير على اصطحاب إيناس إلي إحدى الطاولات، فجاء ليأخذها من حنان، والتي مانعت لأنها كانت تدور بها على صديقاتها لتسمع منهن عبارات الإطراء على جمال إيناس.
كاد الزوجان يحتدان في الكلام أمام الناس، لكنهما تداركا الموقف محافظة على منظرهما. فدارت بها حنان قليلا ثم سلمتها لسمير.
ذهب سمير إلي طاولة عليها رجل أعمال كبير، كان سمير يحرض على إنشاء علاقة تجارية معه على أمل أن يبدأ بعمل خاص بعيدا عن منظومة أبي عزام. قدم سمير ابنته لرجل الأعمال بفخر:
انتشى سمير! فهذه هي العبارة التي يريد أن يسمعها والانطباع الذي يريد أن يصل عن شخصيته: أنه رجل فخم راق ورث المجد كابرا عن كابر، والدليل: إيناس!
حرص سمير على إبقاء إيناس بجانبه طوال الحديث مع رجل الأعمال، مع أنها مواضيع تجارية لا تهمها ولا علاقة لها بها، لكن سميرا كان يريدها كديكور في خلفية صورته لتوقع الإحساس بالفخامة في نظر "المعلم الجديد"!
كانت إيناس تحس طوال ذلك بالإهانة، وبسخافة والديها! لم تكن
ايناس تستمتع ولا تنتشي بعبارات الثناء على جمالها التي تسمعها من حضور الحفل، لان رأيهم فيها ما عاد يهمها، ولانها تذكرت كلمة سمعتها من جمان زوجة عمها امجد وهي تناقش ابنتها زينب نقاش الاصدقاء حين قالت لها: «انت جميلة، وكل البنات الصالحات جميلات بعفتهن ودينهن واخلاقهن. نحن لا نجعل جمال القشرة الخارجية معيارا نحاكم إليه الناس...البنات اللواتي يفكرن بهذه الطريقة قد ينتهي بهن الامر ان يكرهن اشكالهن ويفقدن تقدير ذواتهن لامر لا يد لهن فيه». كانت ايناس تسمع هذا الكلام وهي تلعب مع فاطمة، لكنه استقر في نفسها وضبط لديها «المعيار» الذي تنظر به للناس...زينب كانت «عادية» بمقاييس جمال «القشرة الخارجية»، وكذلك كانت فاطمة...لكن ايناسا رأت منهما جمال روح وقلب لم تره في حضور الحفل كلهم! فكانت تشفق على من يطري على جمالها الشكلي فحسب، وتحس انهم محجوبون عن عالم الجمال الذي عرفته!
انتهت الحفلة، وعاد الثلاثة إلى الفيلا. دخل سمير غرفته لينام، ودخلت حنان غرفتها الاخرى، وذهبت ايناس إلى غرفتها. صلت العشاء، ثم لم تستطع ان تنام من التفكير. واتخذت ايناس قرارها.
ترى، ما القرار الذي اتخذته؟ وما الذي سيجري به القدر، والذي لم تتوقعه ايناس ولا والداها؟ فلنتابع...
استيقظ سمير صباح اليوم التالي...تجهز للخروج إلى المعرض... لم يتعش امس مع ايناس فلا بد ان يفطر اليوم معها...وقف عند باب غرفتها، كانت تمسك بـ(هدى) وتنظر إليها وبجانبها حقيبتها المدرسية بدأت تجهزها لتنطلق ليومها العشرين في المدرسة الجديدة...
ناداها سمير بابتسامة:
جاء باص المدرسة فذهبت فيه ايناس ثم خرج سمير إلى المعرض. يوم عادي في المعرض، ويوم عادي لحنان التي استيقظت متأخرة وافطرت وحدها ايضا، إلى ان جاءها اتصال من المدرسة اثار غيظها على ايناس! فخرجت مبكرة إلى الحديقة وجلست في مواجهة البوابة تنتظر باص المدرسة، واشعلت سيجارة - فقد بدأت تدخن مؤخرا - وجعلت تطقطق بقدمها على الارض بعصبية.
مرت نصف ساعة على مكالمة المدرسة لحنان، فجاءت لسمير مكالمة من رقم لا يعرفه...كان مشغولا مع احد الزبائن ففصل الخط، تكرر الاتصال مرة اخرى ثم الثالثة...فرد سمير بعصبية:
بعض الاهالي في قاعة الانتظار، جراح ابنائهم وبناتهم بين خفيفة ومتوسطة...سأل عن ايناس:
اندفع سمير نحو الغرفة...دخل...طبيب يكتب تقرير الوفاة بحزن وممرضتان تبكيان...وايناس على السرير، كانها نائمة بهدوء، نزيف دماغي مع جروح سطحية في جانب رأسها، وعلى كرسي مجاور حقيبتها المدرسية و«يانس» صلاتها مضرجا بالدماء... لم يستوعب سمير الموقف...احس وكانه يتابع شيئا يحدث لغيره، لا معه هو! اقترب من ايناس وقال:
هزها بيده برفق، قبل جبينها الذي عليه بقايا دماء جفت:
مرت بضع دقائق إلى ان بدأ سمير يستوعب ما يحدث، لكن دون ان يصدق! فقد كانت ايناس حية في كيانه. بدأ يتصل بمن لهم علاقة ويقول:
ما المكالمة التي تلقتها حنان قبل ساعة وجعلتها تخرج غاضبة بانتظار ايناس؟ انها مكالمة من مشرفة صف ايناس تقول لها فيها:
لقد كانت ايناس سعيدة وايجابية ذلك اليوم لانها قررت ان تصبح «فاطمة جديدة» لـ «ايناسات» مدرستها! قررت ان ليس لاحد ان يمنعها من الارتقاء نحو الكمال، وليس لاحد ان ينتزع منها فطرتها. المعاني التي يمثلها الحجاب لم تكن قابلة للتأجيل بالنسبة لايناس، ولا تريد ان تتعود على نسيانها ولا ان تعيش بدونها. كانت امها قد اخذت منها الحجاب (هدية فاطمة) فلم تجد ايناس لتعيش هذه المعاني الا يانس صلاتها، فخرجت به وإن كانت صغيرة. ضحك زميلاتها في البداية حين رأينها باللباس وظننهن تمازحهن، لكنهن بعد ذلك سمعن منها كلاما يخاطب شيئا عميقا كامنا في نفوسهن.
لم تدرك حنان شيئا من هذه المعاني! كل ما اهمها هو ان مظهر ابنتها كان odd ذلك اليوم، فياللعار مما سيقوله صديقاتها حين يعلمن بذلك! لذا فقد كانت تنتظر رؤية ابنتها بهذا المظهر «الفاضح» بالنسبة لها حين تنزل من الباص! لتوبخها وتحذرها من «تقليد فاطمة» مرة اخرى! استريحي يا حنان! فقد ماتت ايناس ولن تكون هناك «مرة اخرى» اصلا!
جاءت حنان إلى المستشفى، فاصيبت بنوبة هلع عندما علمت بوفاة ابنتها، ثم جاء ابو عزام وزوجته واخوة سمير: امجد وسعيد وعاصم وتالة، وابناؤهم...صدموا جميعا! فقد كانت ايناس محبوبة للجميع على الرغم من قلة خلطتها باهل ابيها والمفروضة من امها وجدتها.
كان سمير متجمدا، لا يبكي، لا يتكلم، يمسك بحقيبة ايناس ويانسها الملطخ بالدماء. فتولى اخوته اجراءات تجهيز ايناس للدفن... عند نظرة الوداع، كان المشهد الاكثر ايلاما هو مشهد فاطمة: لم يسيطر عليها الخوف كسائر الاطفال، بل جلست عند رأس ايناس تقبلها ثم ترفع رأسها والدمع ينهمر من عينيها الحمراوين، ثم تنكب عليها تقبلها ثم ترفع رأسها وتتمتم بكلام وتبكي. كانت ايناس بجمالها، كانها نائمة بهدوء، بيضاء بياض الكفن الذي يلفها...بجمالها، لكن...بلا حياة! صلى عليها ابوها واعمامها وصادق، بل وحتى خالاها، الا ابا عزام وزهيرا اللذين بقيا خارج المسجد.
دفنت ايناس..انزلها عمها امجد واخوها صادق إلى قبر بجانب قبر جدتها...ثم بقي صادق عند قبرها يبكي بصمت إلى ان قواه امجد على الوقوف على رجليه ليمضي مع سمير. لم يظهر من سمير خلال هذا كله ما يثير الشفقة عليه! فقد كان متجمدا واجما، يرد على من يعزيه باختصار وجمود! الا انه كان يشعر بشعور غريب! كان يتمنى لشمس ذلك اليوم الا تغرب...غروبها يعني ان ملف ذلك اليوم قد طوي، وكتبت ايناس في موتاه، فستذهب بلا رجعة! كان لدى سمير بقية امل ان يسمع صوتا يقول: «حصل خطأ! التي ماتت ليست ايناس...ها قد وجدنا ايناس»
كانت الشمس تغرب على المقبرة، والظلام يخيم شيئا فشيئا، ومعه ظلام يخيم على قلب سمير ويقتل امله في ان يسمع هذا الصوت! فيزداد توترا واضطرابا... قتل هذا الامل تماما عندما اعلن المعلم امام الحضور عن فتح بيت عزاء في قصره...ومع ذلك، بقي سمير واجما مجمد المشاعر... فاستقل سيارته هو وصادق وذهبا لبيت العزاء.. استقبل المعزون. بقيت حنان في قصر ابيها، وعاد سمير وصادق إلى الفيلا. دخل صادق لينام من شدة التعب وبقي سمير الذي مرت عليه احداث ذلك اليوم سريعة جدا، والذي لم يعد من ايناس الا بحقيبتها ولباسها المدمى.
كيف كانت تلك الليلة الفارقة في حياة سمير؟ فلنتابع...
وقف سمير على باب غرفة ايناس (رحمها الله!)...نظر إلى المكان الذي كانت فيه في الصباح حين التقت عيناها بعينيه ولم يكن يدري ان تلك ستكون اخر نظرة...دخل غرفتها بشيء من الخوف! وضع الحقيبة حيث كانت في الصباح، ثم بدأ يبحث في دواليب ايناس، في علب المكياج، في زوايا السرير، تحت مخدتها، بل وتحت السرير ايضا! عن ماذا كان يبحث؟! لقد تذكر سمير يوم تركت امه وصية في الدولاب بجانب سريرها قبل وفاتها. لم يطق سمير ان تكون نظرة ايناس له ذلك الصباح هي اخر عهده بها، فكان يبحث عن اية ورقة او قصاصة مكتوب عليها (زعلانة منك يا بابا لكن احبك)! وتذكر القلوب التي كانت ترسمها في صغرها وتكتب داخلها: (بابا)...
بحث سمير طويلا فلم يجد، كما لم يجد قصاصة مشابهة بحث عنها من قبل في غرفة امه! فاضطر ان يقرأ الرسالة في يانس ايناس المضرج بالدماء، وقد تصوره حول وجهها بعينيها الحازمتين حين قالت له: «لست جائعة»... قرأ رسالة تقول:
قرأ سمير الرسالة موقعة بدم ايناس ومختومة بختم القدر مكتوبا تحته: «لذلك...انت لا تستحقها»! رنت عبارة امجد هذه في كيانه بشكل مفزع...هز سمير رأسه بانكار: «لا، لا»...لم يطق تصديق الرسالة، لم يطق ان يتصور ان ايناس اخذت منه لانه لا يستحقها...لم يطق ان يتصور ان ابنته ماتت مجروحة منه كما ماتت امه من قبل، وانه لم يتعلم من وفاة امه عبر اثنين وعشرين عاما من الغفلة، بل طعن ابنته ايضا! لم يطق، لكنه لم يترك اليانس المدمى من يده ايضا...
ذهب وتناول حبة مهدىء لينام، فقد كان متعبا جدا نفسيا وجسديا... ذهب إلى سريره، تمدد عليه، ووضع اليانس بجانبه، اطفأ الضوء...ما إن غفت عيناه قليلا حتى سمع صوت ايناس: «بابا، ماما، قوما نصلي الفجر سوية»...قام كالمصروع: «ايناس؟! اين انت يا بابا؟» انار الضوء: «انها ايناس، لقد سمعتها!»...تجول في البيت يبحث عن ايناس....«لعل كل ما اعيشه الآن مجرد كابوس»...«سأصحو من نومي الآن لاجد ايناس»... لم يجد ايناسا...فعاد إلى غرفته، حاول ان ينام، لم يستطع...أخذ اليانس، دخل غرفة ايناس...تمنى لو انه حين نظرت إليه تلك النظرة في الصباح، لو انه جلس بجانبها على الارض واسترضاها ووعدها بان يفعل ما تريده منه لتموت على الاقل راضية عنه، لا كما ماتت امه. تذكر حين قالت لاشرف «لست وحدك من يعاني»، وفهم الآن للمرة الاولى انها كانت تعني نفسها ومعاناتها مع هذا الاب العاق!
تذكر رسالة علاء (المشتري المغشوش) قبل اثنين وعشرين عاما: (الله ينتقم منك). فهم لماذا كانت ايناس تضع اليانس على دميتها (هدى) حين رجعا من طلبة ابن اخيه (عبد الرحمن)...انحنى سمير وأخذ (هدى) والبسها اليانس كما كانت تفعل ايناس، وتذكر اجمل اللحظات، حين كانت تأتيه في الصباح محتضنة (هدى) وتفاجئه بالوقوف امامه وهو مشغول، فيرفع عينيه ليرى وجها كالقمر بابتسامة طفولية خلابة. بسمة (هدى) كانت تشبه بسمة ايناس، لكن بلا حياة! حين رأى اليانس المدمى على الدمية الجامدة، واجه اخيرا الحقيقة المرة: ان الزهرة الوحيدة في صحراء حياته قد اختفت فجأة من المشهد، وان حياته اصبحت - ببساطة - : بلا ايناس!
هنا، انفجر بركان سمير، وبكى بحرقة شديدة، وعاد بذاكرته إلى ايام الطفولة يستعرضها وهو ينظر إلى (هدى) ويانسها المدمى...تذكر يوم كانوا مجتمعين هو واخوته مع والديهم حول (الصوبة) في يوم شتاء بارد يشوون الكستناء، حين أخذ دمية تالة وقربها من الصوبة فصاحت وقال له ابوه: «سمير، كفى سماجة»، تذكر والده التاجر التقي الذي كان يحرص على الرزق الحلال، وكثرة تعبه مع سمير وهو يذكره بالصلاة... تذكر يوم ارتدت تالة شالا وجلبابا لاول مرة ودخلت على ابيهم مبتسمة فضمها ابو السعيد وقبل رأسها...تذكر بيتهم البسيط النظيف العامر بالايمان وبتلاوة امه الجميلة للقرآن... كيف نسي هذه البيئة الطيبة النظيفة التي خرج منها وانتقل إلى الاوحال؟!
احس سمير للمرة الاولى انه، ومنذ اكثر من عشرين عاما، كان قد دخل مضمار السباق الخطأ ولا زال يركض فيه منذ ذلك الوقت، إلى ان اعترض طريقه شيء اسمه (ايناس)، لكنه لم يقف، بل استمر يركض إلى ان هشمها وتهشم هو معها. اكثر من عشرين عاما، بدأت بوفاة امه وهو منغمس في الدنيا يطمع في دعم ابي عزام، وانتهت بوفاة ابنته وهو ايضا منغمس في الدنيا يبيع في معرضه...وفي الحالين يقفل الخط لانه...مشغول! حدثان متشابهان، بل وفي المستشفى ذاته! حدثان كأنهما شاهدان على طرفي قبر...المدفون فيه هو سمير نفسه! فقد مرت تلك الحقبة وكأنه ما عاشها، بل احس ان اليوم الذي اسرع فيه للمستشفى ولم يدرك امه ايضا كان بالامس القريب!
كانت ايناس بمثابة منسأة سليمان التي يتكىء عليها سمير ويظل يقنع نفسه بسببها ان فيه خيرا وان الله يكرمه وانه «افضل من غيره». فلما ماتت ايناس، انهار كل شيء. لم يستطع النوم...سمع اذان الفجر، دخل واغتسل وتوضأ ثم انطلق بسيارته إلى المسجد الذي يعلم ان امجد يصلي فيه. وقف يصلي وهو يتمالك نفسه من البكاء بصعوبة...ثم انتظر اخاه عند باب المسجد..خرج امجد، رأى سميرا، مكسور الخاطر ذابل العينين، كالطير المنتوف، فعلم انه بكى طويلا تلك الليلة...فزال حنق امجد عليه وأحس ان سميرا يمر بلحظة رحمانية مختلفة.
مد سمير يده مصافحا اخاه وقال:
اهتز سمير من الداخل، فهو ما كان يعرف احدا يحبه بعمق ويهتم به بصدق اكثر من ايناس، فلم يتوقع ان يسمع عبارة ودودة كهذه بعد وفاتها. ذهب الاثنان إلى بيت امجد...ام عمر والاولاد يصلون...انتظر سمير في غرفة الضيوف ريثما حضر امجد فنجاني قهوة...وقف سمير ينظر إلى المكان الذي جلس فيه من قبل ليستنصح امجد، بعد طلبة ابن اخيه، يوم جاءته ايناس وفاطمة ترتجيانه لتبيت ايناس ببيت عمها...تذكر ملامح ايناس وهي تقول له باستعطاف الاطفال: «يا بابا يا بابا خليني»...تذكر نبرتها الحلوة...لقد كان هذا كله قبل حوالي عام...
دخل امجد بالقهوة...جلسا...التقت عيناهما...طأطأ سمير رأسه وهزه كمن يقول (لا)... قال له امجد:
كان سمير يقول ذلك وهو يتذكر كيف نصحه اخوه المرة السابقة ثم عاد إلى ما كان فيه مع ابي عزام خلال شهور قليلة. رد امجد:
ابتسم سمير ابتسامة السخرية والغيظ من نفسه وتابع قائلا:
ما هو الامر الذي خبأه امجد عن سمير منذ وفاة والدتهما والذي سيخبره به اليوم؟ فلنتابع.
تعلق نظر سمير باخيه امجد:
كان سمير في سنواته يجمع المتناقضات! يحس ان الله يحبه بـ«دليل» النعم التي انعم بها عليه، وانه «يستحق» توفيق الله له لانه «افضل من غيره»، وفي زاوية اخرى من كيانه جرح امه والاحساس لاجله بانه من اهل الحرمان! الآن، حين سمع «يبقى ابني في النهاية...الله يهديه ويرضى عنه»، امتزجت لديه مشاعر المحبة لامه، والامتنان لها، والحنين إليها...وبدأ كابوس الحرمان يتبدد.
ما الذي كان قد حدث بالفعل؟ بعدما اتم امجد قراءة القرآن على امه قالت له:
فرح امجد فرحا شديدا:
التفت إليه سمير:
ألقت هذه الكلمات دفقة أمل كبيرة في قلب سمير...«ألتقي بوالدي، وبإيناس؟! في الجنة؟! بلا فراق؟!»...لم تكن كلمات «الآخرة» و «الجنة» تعني الكثير لسمير من قبل، والآن يحس للمرة الأولى أن أبوابها فتحت له وأنه يشتاق إليها! قرأ امجد ذلك في عيني سمير، فأراد أن يرتقي به فقال:
لم يكن سمير يتقبل هذا الخطاب من امجد برحابة صدر سابقا، بل كان يستثقله ويعتبره (إلقاء دروس) كما قال لامجد حين زاره بعد العرس...أما بعد موت إيناس، فسمير إنسان فقد احترامه الزائف لنفسه، وفقد الدافعية لحياة ما عاد يراها تستحق أن تعاش لمجرد أن تعاش... فلم يكن ليتقبل سماع آراء شخصية أو مقترحات...كان يريد شيئا يربطه بالحقائق الكبرى فيعطي لحياته مغزى ومعنى، ويوجه بوصلته وجهة لا شك فيها ليشعر بالأمان. فما كان ينفع معه إلا الوحي. وبالفعل، أحس سمير نفسه محاطا برحمة الله من كل جهة، فاستسلم بطمأنينة...التفت إلى امجد وقال:
هز سمير رأسه وقال:
تقدم امجد لطرف الكنبة متأهبا للقيام ليحضر شيئا:
عاد إلى الفيلا...نام بعمق...استيقظ قبيل العصر فصلى الظهر ثم ذهب إلى غرفة صادق:
بالانصراف مع صادق فقال المعلم:
في اليوم التالي، انطلق سمير الى مكتب المعلم...طرق الباب..
تعمد سمير ان يمشي في الشارع قبل ان يوقف سيارة اجرة، ليحس بانطلاقة العبد المحرر! قال في نفسه: "انا فرحان، مبسوط...اريد ان اخبر احدا بفرحتي...من؟ ايناس"... نسي سمير للحظة ان ايناس ماتت...ثم تذكر... توقف عن المشي، مسح دمعة من عينيه...ثم قال: "هذا الذي فعلته الان تدارك لخطئي في حقك يا انوس"، ثم اتصل بامجد، والذي فرح كثيرا وعزز سميرا على هذه الخطوة الفاصلة في حياته. ادرك سمير ان عليه الخروج من فيلا ابي عزام، فذهب واستاجر شقة مفروشة لينقل اغراضه اليها. جلس يرتاح فيها قليلا... فجاة، احس انه عاد لما كان عليه قبل اثنين وعشرين عاما، يوم باعوا بيت الوالدين بعد وفاة امه فاستاجر شقة وكان فيها وحده اعزبا. اصابته غصة حين احس ان حياته الماضية ذهبت هباء وانه سيبدا من الصفر. تردد في الاتصال بامجد لئلا يثقل عليه، بقي يقلب الموبايل في يده، ثم اتصل:
عاد سمير يحس بقتامة الحياة. رفع يده عن مقبض باب الشقة، رجع والقى نفسه على الكنبة، يحاول ان ينام تارة ليهرب من كل شيء، يغالب نفسه ليذهب للفيلا تارة، ويستعرض ذكريات الماضي تارة. في هذه الاثناء كان امجد يتجهز للخروج الى عيادته بعد ايام من تعطيلها لانشغاله بوفاة ايناس...فكر امجد: "ترى هل تسير امور سمير على ما يرام؟ اخبرني انه سلم مفتاح الفيلا...اين سيسكن؟ ماذا فعل مع زوجته وصادق؟"... بادر امجد بالاتصال:
لام امجد نفسه: "كيف تركت اخي في هذا الظرف؟! انه بحاجتي". اتصل امجد بمراجعيه لذلك اليوم واعتذر لهم عن المواعيد بخلق راق، وطلب من سكرتيره ان ينسق معهم لمواعيد بديلة، وانطلق لاخيه. في هذه الاثناء كان ابو عزام في غاية الارتباك! اتصل بزوجته:
لم يضجر امجد من كثرة تقلبات اخيه ذلك اليوم، علم انه امام انسان يعاني من انسحابه من الحياة التي ادمن عليها بالاضافة الى فقدان ايناس، كما يعاني بعض مرضى امجد من اعراض مزعجة حين يتركون دواء تعودوا عليه طويلا. كان امجد يخوض حربا ضد الشيطان ساحتها قلب سمير! الشيطان مستفز مصاب بالهلع وهو يرى نفسه يخسر سميرا بعد طول السيطرة عليه، فيدخل الى قلبه من منافذ شتى، وامجد يتعقبه فيطرده ويسد المنافذ واحدا تلو الاخر بما اجري على لسانه من نور القرآن. قال لسمير:
توجه سمير الى باب الفيلا، لكن هذه المرة ليس معه مفتاحها. رن الجرس، فتحت له الخادمة باستغراب...توجه نحو غرفة صادق وفي نفسه خوف من ردة فعل ابنه...طرق عليه الباب، دخل... كان صادق يغالب نفسه وحزنها محاولا ان يدرس استعدادا للاختبارات، في اجواء لا تشجع: لا احد يرفع همته، ولا ايناس لتاتي له بفنجان القهوة وتبتسم له وتسمعه كلمات طيبة... ناداه سمير:
قبيل الغروب، بدا اخوة سمير واولادهم يتوافدون...سعيد، عاصم، تالة وزوجها وابناء اخوته...كلهم يرحبون بسمير...ما الذي يجري؟! انها اجواء احتفال بهيج! لم يمض سوى يومين على الحادث الذي فجع الجميع، وفاة ايناس، ولا زال جرحها في نفوسهم جميعا، لكنهم كانوا في الوقت ذاته سعداء بـ"ميلاد سمير"! كان سميرا كان مدفونا طوال السنوات الماضية ثم دبت فيه الروح وخرج لهم من جديد! لقد تعمد امجد ان يصنع هذه الاجواء وافهم اخوته ذلك ليعينوا سميرا على حياته الجديدة، مع ما في الجميع من الم على فقدان ايناس. وبالفعل، احس سمير بالعوض والايناس وانشرح صدره وبدات روحه تحلق بعد ان كانت تقوم وتتعثر في اليومين الماضيين. في غمرة هذا الاحتفال، نظر سمير الى امجد، والذي كان مشغولا بانعاش الاجواء بكلامه والتفنن في ضيافة اهله...نظر اليه نظرة امتنان وعرفان على كل ما قدمه له، خاصة على انتزاع كلمة "يبقى ابني...الله يهديه ويرضى عنه" من امهما قبل وفاتها... انتهى هذا الاجتماع البهيج الذي لم يكن له عنوان محدد او سبب معلن، وهم اخوة سمير بالانطلاق الى بيوتهم... وقفوا معه كل يقول له:
تابعت ريم:
ضجت المدرسة بالتصفيق الشديد... لم تكن ريم قد أطلعت أحدا على تفاصيل ما تنوي فعله، ولم يكن ما فعلته منسجما مع توجه المدرسة... لكن عظم الموقف، وصدق الكلمات، والعاطفة الجياشة دفعت الطلاب وعددا من المعلمات للإعجاب والتصفيق... بعينين دامعتين، اختلس سمير نظرة إلى حنان... رآها تبكي، لكنها هذه المرة تبكي فخرا بإيناس واشتياقا إليها... التقت عيناه بعينيها... أحس بشيء من المودة والرحمة تجاه حنان... وعظم لديه الأمل أنها قد تعود إليه يوما لتسير معه في الطريق إلى الله... أصبح سمير حي القلب، يلتفت فيرى وجه إيناس في وجوه من حوله، في وجوه زملائها وفي وجوه إخوته وأولادهم وصادق... أدرك أنه حين قال لنفسه الليلة الماضية: "هل ستقول المدرسة لي: أخطأنا... إيناس لم تمت، لقد وجدنا إيناس"... أن ذلك لم يكن حلما خياليا غير واقعي، بل كما قالت ريم بالفعل: "إيناس لم تمت فينا"، وقد وجدت "إيناسات" جديدة في زملائها بالفعل! اكتشافاته المزعجة لحيل أبي عزام ومكائد سكرتيره حل محلها اكتشاف الخيرية والقابلية للصلاح في نفوس من حوله. قبل وفاة ابنته، كان سمير مستوحشا من حياته كلها إلا من إيناس، لكنه حين أحسن الاتعاظ بموتها أصبح يرى في حياته كلها الألفة والإيناس! هناك شخص غائب عن غمرة الأحداث كلها... من هو؟ إنه أشرف! خرج سمير من المدرسة وقال لصادق:
كان سمير قلقا وهو يقدم على هذه المهمة الصعبة... كيف سيخبر أشرفا بوفاة إيناس؟! ظل يدعو طوال الطريق. وصلا.. لاحظ أشرف تغير ملامح أبيه وأخيه: شيء من الحزن يتفلت من الثنايا وهما يخبئانه، لكن مع نضارة وإشراقة جديدة لم يعتدا فيهما، وعلاقة ودية بينهما. قدم سمير بكلمات البشارة والأمل، ورسم صورة جميلة لمستقبل أشرف، خاصة وأنه لم يبق له سوى بضعة أشهر ليعود إليهم... تفاجأ أشرف، فليس هذا أباه الذي يعرف! مثل هذه الكلمات كان يسمعها من إيناس ببساطة طفولية... بعد المقدمة الطيبة أخبره سمير بالخبر المؤلم... كان وقعه ثقيلا على أشرف... نزلت يداه على القضبان ونزل على ركبتيه يبكي....
طيب النفس، ينظر إلى نفسه نظرة إيجابية ويطمئن إلى أن الله معه بما يستشعره من نعيم قلبه وراحة روحه... فهو ما عاد يقيس رضا الله عنه بما ينعم عليه من متاع الدنيا، بل أدرك بعمق أن (الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا لمن أحب). صحيح أن سميرا أضاع سنوات طويلة في المضمار الخطأ... وصحيح أنه خسر فيه كثيرا ودفع الثمن غاليا... لكنه طوى صفحة الماضي، وحول الألم أملا، والتراجع انطلاقا... وحلق عاليا، فرأى الدنيا بحجمها الحقيقي... ودخل المضمار الصحيح بعزم وبقوة، رافعا لشعار: "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".
انتهت بحمد الله.