مقاومة البكتيريا للمضادات الحيوية: هل هي دليل على التطور؟
ثالثاً: مقاومة البكتيريا للمضادات. هناك أنواع كثيرة من البكتيريا حصل فيها تغيرات جينية جعلتها أكثر مقاومة للمضادات الحيوية، وبالتالي أكثر فتكاً بالإنسان. صحيح، لكن ما علاقة ذلك بـ "فخامته" (التطور)؟
قالوا إن معرفة كيف يؤدي التطور إلى زيادة المقاومة البكتيرية مهم في الحد من انتشار الأمراض المعدية. التطور؟ ما علاقة التطور بالموضوع؟ وما علاقته بالمقاومة البكتيرية؟ ما علاقة الطفرات العشوائية والانتخاب الأعمى بالآليات التي بهرتكم أنتم أنفسكم وجعلتكم تصفون البكتيريا بالذكاء، وتطلقون عليها أوصافاً إلهية كالعلم والإرادة، كما بينا في حلقة "عبدة الميكروبات"؟
تعقيد الآليات البكتيرية: إنزيم "بيتا لاكتاميز" نموذجاً
لو أخذنا مثلاً قدرة البكتيريا على مقاومة أول مضاد معروف وهو "البنسلين"؛ كيف استطاعت البكتيريا عمل ذلك؟ استطاعت بوسائل عديدة كل منها في غاية التعقيد والإحكام، منها مثلاً إنتاج إنزيم "بيتا لاكتاميز" (Beta-lactamase).
هذا الإنزيم مكون من مئات الأحماض الأمينية المصفوفة بترتيب دقيق لا مكان فيه للعشوائية، والتي تتعرض في المراحل الأخيرة من إنتاجها لتعديلات على أماكن محددة جداً منها لتتخذ شكلاً ثلاثي الأبعاد، ليقوم هذا الإنزيم بمهمة محددة وهي استهداف أضعف نقطة في المضاد الحيوي لإبطال مفعوله.
أين العشوائية والصدفية في هذا كله؟ هذه الورقة العلمية مثلاً تتكلم عن أحد أنواع "البيتا لاكتاميز" يتألف من 263 حمضاً أمينياً. هل رأيتم في البكتيريا محاولات عشوائية فاشلة بتصنيع سلاسل بأطوال أكثر وأقل من هذا الطول (50، 100، 200، 300) وبترتيبات عشوائية للأحماض الأمينية قبل أن تصل البكتيريا بالصدفة إلى هذا الإنزيم؟
لو تركت المسألة للعشوائية كما تقولون، فإن البر والبحر والجو ستمتلئ بهذه المحاولات الفاشلة قبل أن تصل البكتيريا إلى إنتاج هذا الإنزيم. فهل بالتطور العشوائي وصلت البكتيريا لإنتاج هذا الإنزيم تحديداً وبتكرار دون أن نرى معه ما لا يحصى من المحاولات العشوائية؟
ذكاء المواجهة بين البكتيريا والمضادات
ثم إن الباحثين ينتجون مضاداً حيوياً جديداً يقاوم هذا الإنزيم، فتقوم البكتيريا بإنتاج نوع آخر من "البيتا لاكتاميز"، ينتجون مضاداً آخر فتنتج هي الأخرى نوعاً ثالثاً ورابعاً وخامساً؛ حتى تحس أنك تتعامل مع كائن لديه مراكز دراسات وأبحاث عملاقة، لا مع كائنات مجهرية تتجمع الملايين منها على رأس دبوس! هذا كله في آلية واحدة فقط من آليات المقاومة البكتيرية الكثيرة، فما علاقة هذا بالعشوائية أو الصدفية؟
شهادات كبار العلماء ومكتشفي المضادات الحيوية
بالمناسبة، فإن عدداً من كبار العاملين في مجال المضادات الحيوية أبدى انزعاجه من زج "صاحب الفخامة" (التطور) نفسه في صورة الاكتشافات في هذا المجال:
- الدكتور إرنست تشين (Ernst Chain): وهو أحد الثلاثة الذين أنتجوا البنسلين وحاز لذلك على جائزة نوبل مع ألكسندر فليمينغ وهوارد فلوري. تجده يصف خرافة الطفرات العشوائية بأنها فرضية غير مستندة إلى أي دليل ولا يمكن التوفيق بينها وبين الحقائق، ويستغرب من ابتلاع علماء لها دون نقد.
- الدكتور سيلمان واكسمان (Selman Waksman): مكتشف "الستربتومايسين"، أول مضاد حيوي فعال على السل والحائز أيضاً على جائزة نوبل. وصف تطبيق المبادئ الداروينيه في الصراع على البقاء على عالم المضادات الحيوية بأنه "تلفيق خيالات" (Figment of imagination).
- البروفيسور فيليب سكيل (Philip Skell): الذي ساهم في إنتاج مضادات حيوية أيضاً، والذي يوصف بانه "أبو كيمياء الكاربين". كتب عام 2005 في مجلة (The Scientist) مقالاً بعنوان: "لماذا نحشر داروين؟".
مقال البروفيسور فيليب سكيل: "لماذا نحشر داروين؟"
قال سكيل في مقاله: "لا شك أن بحثي الخاص في المضادات الحيوية خلال الحرب العالمية الثانية لم يتلقَ توجيهاً من التطور الدارويني، ولا ألكسندر فليمينغ أيضاً عندما اكتشف تثبيط البنسلين للبكتيريا".
ويقول سكيل: "سألت مؤخراً أكثر من 70 عالماً بارزاً: هل كانوا سيقومون بأعمالهم بشكل مختلف لو كانوا يرون نظرية داروين خاطئة؟ وأجوبتهم كانت كلها نفس الشيء: لا". ويضيف أنه تفحص الاكتشافات المتميزه في البيولوجيا خلال القرن الماضي فوجد أنه -كما هو الحال دوماً- فإن نظرية داروين لم توفر توجيهاً محسوساً، بل تم إحضارها بعد الاكتشافات كبريق أدبي مثير للانتباه؛ يعني تماماً كما يتم إحضار "فخامة الرئيس" ليقص شريط المشروع!
ويقول سكيل: "من حواراتي مع باحثين مرموقين، أصبح من الواضح أن البيولوجيا التجريبية الحديثة تكتسب قوتها من توفر أدوات وطرق جديدة، وليس الانغماس في البيولوجيا التاريخية".
لقد كان البروفيسور سكيل جريئاً في نقد الدارونية، وعندما قامت الأكاديميات الوطنية للعلوم بإصدار الكتاب الذي نناقشه، رد عليهم سكيل -والذي كان أحد أعضاء الأكاديمية بالمناسبة- بمقال في مجلة "السياسة وعلوم الحياة"، وكان مما قاله فيها: "إن على الناس أن ينظروا باستنفار شديد في الحشر غير الضروري والمضلل لأفكار تخمينيه تاريخية وفلسفية ودينية في عوالم العلم التجريبي".
وطبعاً لم يسلم سكيل بعد هذا النقد الجريء من تهجمات "شبيحة الخرافة" الذين وصفوه بأنه "خلقوي جبان" وبأنه "كاذب أو جاهل". هذا باختصار فيما يتعلق بنسبة الإنجازات في مجال المقاومة البكتيرية لـ "فخامته".