د. إياد قنيبي
كانت هذه نماذج من القصص التي نسمعها في سياق الوعظ والحث على الورع والعبادة والتأثر بالقرآن. ونحن نحسب أن من يروي مثل هذه القصص يريد خيرا، يريد أن يضرب للمسلمين نموذجا يحتذى ليحس المسلم بالفارق الكبير بينه وبين أسلافه فيشمر عن ساعد الجد ويستجمع القوى ويلحق بالركب... لكن... هل بالفعل هذه القصص لها أثر إيجابي؟ وهل ذكرها يخلو من المضار؟ من هنا أحببت أن أتكلم عن: ظاهرة المبالغات في مرويات العبادة والورع.
لو ثبتت لبحثنا لها عن تأويلات... لكن الحق أن أكثرها لا يثبت. فإنك إما أن تراها مبدوءة بـ (قيل)... هكذا بلا إسناد! أو يذكر رجل واحد في سند القصة، مثل جملة: وقال عبد الله بن عيسى: كان في وجه عمر بن الخطاب خطان أسودان من البكاء. ويكون هذا الأثر مذكورا في كتاب بينه وبين عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمم وأقوام وقرون طويلة، ولا بد ليكون له سند متصل من خمسة عشر أو عشرين راويا، فماذا يغني قولنا: عن عبد الله بن عيسى؟ والأدهى والأمر عندما يكون الرجل المذكور مطعونا فيه متهما بالوضع، كأن تسمع من يقول: عن الواقدي (كان الإمام ابن أبي ذئب يصلي الليل أجمع)، يعني الليل كله. والواقدي تسبب في تلطيخ كثير من كتب أهل السنة بالأباطيل لا على الأئمة فحسب، بل وعلى كبار الصحابة. فكيف نرفض روايات الواقدي عما شجر بين بعض الصحابة ونقبل مروياته هنا!؟
أو يكون للأثر إسناد معلوم لكنه ضعيف. فمثلا أثر أن عمر رضي الله عنه مرض شهرا بعد سماع آية، أخرجه ابن أبي الدنيا وابن كثير بإسناد ضعيف. أو يكون الأثر في كتب معروفة بأنها مليئة بالأحاديث الموضوعة والتي لا أصل لها كـ "إحياء علوم الدين"، مثل أثر تعزية السلف من فاتته تكبيرة الإحرام أياما. وهذا الكتاب مع أنه كان ذا نفع عظيم في زمانه، وكان له دور مرحلي أداه، ونقر لصاحبه الإمام الغزالي بالفضل، إلا أنه لا مبرر في أيامنا هذه وقد تبين صحيح الآثار من سقيمها، لا مبرر للرواية عن إحياء علوم الدين دون تحقق.
قد يقول قائل: لا يلزم في رواية الآثار عن السلف أن نلتزم بشروط التحقيق التي نلتزم بها عند رواية الأحاديث النبوية. صحيح. لكن عندما تكون هذه الآثار مستغربة مخالفة للهدي النبوي فإن رفضها ينبغي أن يكون هو الأصل، والتساهل الشديد في قبولها وروايتها يكون مضرا كما سنرى.
هذا من حيث الإسناد، أما من الناحية العقلية، بالحساب بالورقة والقلم، فإن كثيرا من هذه الروايات مستحيل الوقوع. فمثلا، رواية أن عليا رضي الله عنه كان يصلي ألف ركعة في اليوم والليلة، رد عليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة (4 | 32) فكان مما قال: (فالذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي في اليوم والليلة نحو أربعين ركعة. وعلي رضي الله عنه أعلم بسنته وأتبع لهديه من أن يخالفه هذه المخالفة لو كان ذلك ممكنا. فكيف وصلاة ألف ركعة في اليوم والليلة مع القيام بسائر الواجبات غير ممكن؟! فإنه لا بد له من أكل ونوم وقضاء حق أهل وقضاء حقوق الرعية وغير ذلك من الأمور التي تستوعب من الزمان إما النصف أو أقل أو أكثر. والساعة الواحدة لا تتسع لثمانين ركعة وما يقارب ذلك إلا أن يكون نقرا كنقر الغراب، وعلي أجل من أن يصلي صلاة المنافقين كما ثبت في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: تلك صلاة المنافق، يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا) اهـ.
إذن فكثير من هذه الروايات مرفوض سندا وعقلا. ولو كان لها سند معلوم لقلنا هذه كرامة من الله عز وجل، أن يبارك في وقت الصحابي حتى يتسع لكذا وكذا من الأعمال، لكن لا سند لها يقبل، مع ما فيها من مخالفة للهدي النبوي يبعد أن يقع فيها سلفنا الصالح. والغريب أن بعض دعاة أهل السنة يتصرف عند هذه الروايات كالصوفية، فيروي قريبا مما يرويه الصوفية من قصص كرامات لا تصح، مع إمكان وقوع الكرامات، لكنهم يبالغون فيها بشكل مرفوض.
إن ما دفعني للحديث عن هذا الموضوع هو الأضرار المترتبة على تناقل مثل هذه الروايات، وهي كثيرة:
ضعف مصداقية الدعاة المتكلمين بها أمام جمهورهم، وهذا أمر خطير. فالدعاة هم حملة القرآن والسنة إلى الناس، فينبغي أن يحرصوا على عدم فقدان المصداقية، وإلا كانوا سببا في افتتان الناس عن الدين الذين يحملونه إليهم.
تشكيك الناس في عموم الروايات التي فيها همة غير مألوفة لهم في العبادات، مع أن بعض هذه الروايات ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم نفسه. ففي الحديث الذي رواه الإمام مسلم أن رسول الله قرأ في ركعة واحدة من قيام ليلة سور البقرة والنساء وآل عمران، ثم ركع فكان ركوعه نحوا من قيامه، يعني في المدة، ثم قال (سمع الله لمن حمده)، ثم قام طويلا قريبا مما ركع، ثم سجد فكان سجوده قريبا من قيامه. هذا الحديث ثابت سندا نعتقد بصحته، وفيه همة عالية جدا من رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان وقتها قريبا من الستين، ونحن معاشر الشباب تتقاصر هممنا عن عبادة عظيمة كهذه. لكن للأسف، لو ذكرنا هذا الحديث أمام من تعود على سماع الروايات غير الثابتة كالتي ذكرنا، فإنه قد ينشغل ذهنه في التشكك والتساؤل عن صحة الحديث وإمكانية وقوعه بدلا من أن تتحفز همته، لأن ما سمعه قبل هذا الحديث كان مثيرا للشك فعلا. فيفقد الحديث وقعه القوي على النفوس حينئذ.
الضرر الثالث: الشعور باستحالة اللحوق بركب سلفنا الصالح، وبالتالي يستسلم السامع لهذه الروايات ويحس باستحالة السير على هديهم. بل وقد يصيبه القنوط من رحمة الله لعلمه بأن هؤلاء الصالحين كانوا يخافون ألا يدخلوا الجنة. فقد يقول في نفسه: إن كانوا على هذا القدر من العبادة غير المستطاعة وخافوا ألا يدخلوا الجنة فكيف بمن دونهم؟! طبعا لا يخفى أن الخوف من عدم دخول الجنة هو من علامات الإيمان، لكن نماذج السلف الحقيقية فيها التوازن المطلوب بين الخوف والرجاء، فلنعرضها كما هي بدلا من المبالغة في جانب على حساب جانب. لاحظ أن الضررين الأول والثاني يحصلان مع من يتشكك في صحة الروايات. أما هذا الضرر الثالث المذكور فقد يصيب من يصدقها. والروايات بذلك على الحالين لها سلبياتها.
التنفير من الدين. كرواية أن فلانا بكى من خشية الله حتى ذهب بصره ونصحوه بالتداوي فرفض. ما هذا التنفير! أيحب الله تعالى لنا أن نعمى ونصاب بالإعاقات لنبرهن على صدق إيماننا؟!
هذه الروايات تجعلنا أضحوكة للمستهزئين بالدين وللطوائف الضالة. فمثلا، رأيت في موقع للروافض تعليقا على قصة تورع أبي حنيفة عن أكل لحم الشياه سنة كاملة لعلمه أن شاة سرقت. يقول أحدهم على سبيل السخرية: (لا أدري لأي خرافة أضحك؟ لكذا أم لكذا... إلى أن قال: أم لورع الرجل الموصول بفقهه الناجع في قصة الشاة المسروقة الذي لا يوافقه عليه فيه أي فقيه متورع، وقد أباح الإسلام أكل لحم الشياه في جميع الأحيان، وفي كلها أفراد منها مسروقة في الحواضر الإسلامية وأوساطها، لكن هذا الفقيه لا يعرف) انتهى كلامه. وللأسف، كلامه الأخير صحيح، لقد أباح الإسلام أكل الشياه في كل وقت مع أن سرقة المواشي ممكنة في كل زمان. لكن السفيه بدلا من أن ينفي القصة اتخذها ذريعة للسخرية من الإمام أبي حنيفة. والسبب هم المسلمون الذين يتناقلون هذه الروايات أصلا فيجعلون أنفسهم أضحوكة للمستهزئين.
هذه الروايات ذريعة للتنطع والتشديد في الدين، لأنها تشير بشكل غير مباشر إلى أن بعض الصالحين تورع عن أشياء لم يتورع عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه مسلم: (هلك المتنطعون. هلك المتنطعون. هلك المتنطعون). والمتنطعون هم الذين يشددون على أنفسهم بغير برهان من الله ورسوله. سمعت عالما يجيب عن سؤال سائلة تقول إنه جاءت إلى حيهم امرأة تجمعهم على دروس الدين، لكن هذه المرأة ترفض أن تخلع نقابها أمام النساء وتقول: أخاف أن تصفني إحداكن لزوجها. وهذا يا إخوة ليس ورعا محمودا، بل هو تنطع مذموم. وتصور فرحة المنافقين بمثل هذه القصة وكيف سيتخذونها ذريعة لمهاجمة النقاب والحجاب والحشمة والحياء.
أخشى أن هذه الروايات قد تكون من دواعي مرض الوسواس القهري، وهو مرض من أشكاله المبالغة الشديدة في الطهور أو تشكك طويل في صحة النية للوضوء أو الصلاة، أو اتهام مرضي للنفس... فمدار هذا المرض على المبالغة، والبعض إذا درس عند شيخ يبالغ في أحكام الطهارة والصلاة فإنه يبدأ عنده الوسواس. وأخشى أن سماع الروايات التي فيها مبالغة في وصف التورع، وأن فلانا الصالح رؤي في المنام محبوسا عن الجنة من أجل غبار علق بمكيال كان يكيل به التراب... أخشى أن يكون سماعها بابا إلى الوسواس.
هذه الروايات، من حيث ظن الناقل لها أنها ترفع قدر أئمتنا من سلفنا الصالح، فإنها على العكس لو ثبتت فيها مآخذ على سلفنا. فأبو بكر حسب هذه الروايات يدع أكثر الحلال فيقول: (كنا ندع سبعين بابا من الحلال مخافة أن نقع في باب من الحرام)، فيكون بذلك قد تورع عما لم يتورع عنه رسول الله بحسب هذه الروايات. وأبو حنيفة حسبها متنطع يتورع عما لم يتورع عنه النبي صلى الله عليه وسلم من أكل لحوم الشياه. ومالك حسبها خالف السنة فلم ينم في الليل خمسين سنة، مع أن صاحب السنة هو القائل: (أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني) (البخاري). والشافعي حسبها بقراءته القرآن مرتين في اليوم يخالف نهي النبي صلى الله عليه وسلم القائل: (ولا تقرأوه في أقل من ثلاث) (أخرجه سعيد بن منصور بإسناد صحيح)، والقائل: (لا يفقهه من يقرأه في أقل من ثلاث) (أخرجه الإمام أحمد وصححه الألباني وصحح إسناده أحمد شاكر). وعمر بن عبد العزيز حسبها لم يغتسل من جنابة قط منذ تولى الخلافة فقصر في حق امرأته وخالف قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإن لزوجك عليك حقا). وحسان بن أبي سنان حرم على نفسه ما أحل الله له، فكان حسب القشيري في الرسالة القشيرية لا ينام مضطجعا، ولا يأكل سمينا، ولا يشرب ماء باردا ستين سنة... وما شرع لنا رسول الله التعبد بالامتناع عن الاضطجاع وأكل اللحم وشرب الماء البارد. وسلفنا الصالح حسبها ليس لهم شغل إلا أن يعزوا أنفسهم سبعة أيام إذا فاتت أحدهم ركعة من صلاة الجماعة، فليس عندهم جهاد يأخذ أوقاتهم ولا طلب عيش ولا طلب علم. ليس لهم عمل إلا أن يصطفوا ليسلموا على من فاتته الركعة ويقولوا له: (أعظم الله أجرك وأحسن عزاءك) سبعة أيام! فأي مديح هذا؟ ولا حول ولا قوة إلا بالله. ونحن ننزه سلفنا الصالح عن هذه المخالفات لسنة المصطفى صلى الله عليه وسلم. وإن ثبت أي شيء من روايات مثيلة فإنه لا ينبغي أن يطرح على أنه النموذج المثالي المطلوب. فالسنة النبوية المتكاملة المتزنة أبهى وأجمل وأكمل.
الإمام الذهبي في حديثه عن الحافظ وكيع بن الجراح في كتابه (سير أعلام النبلاء) قال: (وقد روي عنه أنه كان يصوم الدهر، ويختم القرآن كل ليلة. قال الذهبي: قلت: هذه عبادة يخضع لها، ولكنها من مثل إمام من الأئمة الأثرية مفضولة (أي: ليست الأفضل)، فقد صح نهيه -عليه السلام- عن صوم الدهر، وصح أنه نهى أن يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، والدين يسر، ومتابعة السنة أولى). ولاستكمال الموضوع نذكر أنه قد صح عن عثمان رضي الله عنه أنه ختم القرآن في ركعة. وقد تأول العلماء لهذا الأثر تأويلات، منها أنه لربما لم يكن قد وصله نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث، أو أنه كان يفقه القرآن فزال سبب النهي. وعلى كل فالآثار الواردة في ذلك لم تقل أن ذلك كان دأب عثمان رضي الله عنه في كل ليلة، إذ أن فعله كل ليلة يتضمن قيام الليالي كلها كاملة، ولا بد وأن يتعارض مع باقي الواجبات، فقد يكون حصل منه ذلك في مواسم الخيرات كالعشر الأواخر والله تعالى أعلم.
في بعض روايات المبالغات انتقاص غير مباشر من قدر النبي صلى الله عليه وسلم، كالقول المنسوب زورا إلى سعيد بن المسيب أنه قال: (لا خير في عين لا تعمى من كثرة البكاء). عين النبي صلى الله عليه وسلم لم تعم من كثرة البكاء، وهي مع ذلك خير عين وأبر عين وأرق عين وأخشى عين لله تعالى.
هذه الروايات تشعر سامعها بأن المطلوب هو الكثرة لا النوع، وهو اتجاه ظاهر عند المسلمين الذين يحرصون على الإكثار من الختمات في رمضان بسرعة دون تفكر ولا تأمل ولا تدبر ولا تأثر بالآيات التي يقرأونها. ولاحظ قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يفقهه من يقرأه في أقل من ثلاث). فالمطلوب أن نفهم ما نقرأ.
فهذه بعض مضار هذه الروايات التي فيها مبالغات شديدة، ويكفي أن معظمها يظهر منه عدم الصحة نقلا ولا عقلا، فلا ينبغي للمسلم أن يتناقله وهو يعلم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع) (رواه مسلم). وليس شحذ الهمم حينئذ مبررا لتناقلها. بهذا نكون قد تكلمنا عن عنصرين: الأول: عدم ثبوت هذه الروايات، والثاني مضار تناقلها.
(لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا) (الأحزاب: 21)
بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب، إذا هو برجل قائم فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) (البخاري).
ورأى رسول الله شيخا يهادى بين ابنيه، أي: يمشي بصعوبة متكئا عليهما، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي إلى بيت الله - الكعبة - قال: (إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني) وأمره أن يركب (متفق عليه).
ودخل النبي المسجد ذات مرة، فإذا حبل ممدود بين الساريتين، فقال: (ما هذا الحبل؟) قالوا: هذا لزينب، فإذا فترت تعلقت به. فقال: (لا، حلوه. ليصل أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليقعد) (البخاري).
وعن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كانت عندي امرأة من بني أسد، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (من هذه)؟ قلت: فلانة، لا تنام بالليل، تذكر من صلاتها. فقال: (مه، عليكم ما تطيقون من الأعمال، فإن الله لا يمل حتى تملوا) (البخاري).
وكان في سفر، فرأى زحاما ورجلا قد ظلل عليه، فقال: (ما هذا؟) قالوا صائم. فقال: (ليس من البر الصوم في السفر) (البخاري).
وخرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم - واد بين مكة والمدينة - فصام الناس، فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينظرون إليك فيما فعلت. فدعا بقدح من ماء، بعد العصر، فرفعه حتى نظر الناس إليه، ثم شرب. فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، (يعني على الرغم من إفطارك) فقال: (أولئك العصاة، أولئك العصاة) (مسلم).
هذه الأحاديث كلها فيها التيسير والتوازن وكراهية المشقة على النفس في العبادة ومنع تحريم ما أحل الله واستحداث عبادات لم يشرعها الله ورسوله.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل)؟ فقلت: بلى يا رسول الله. قال: (فلا تفعل. صم وأفطر، وقم ونم، فإن لجسدك عليك حقا، وإن لعينك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا، وإن لزورك (يعني زوارك وضيوفك) عليك حقا) (البخاري).
فما أجمل التناسق النبوي، وما أجمل التوازن النبوي. ولو صحت روايات المبالغات عن سلفنا الصالح فهل كانوا سيستطيعون أن يعطوا كل ذي حق حقه كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم؟! وما نحسب إلا أنهم كانوا أهل توازن وتكامل في الشخصية.
أما أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا عمر رضي الله عنه، المنسوبة إليه بعض روايات المبالغات، في الأثر الذي قال عنه ابن تيمية في مجموع الفتاوى (ثابت أن) عمر بن الخطاب مر هو وصاحب له بمكان، فسقط على صاحبه ماء من ميزاب، فنادى صاحبه: يا صاحب الميزاب أماؤك طاهر أم نجس؟ فقال عمر: يا صاحب الميزاب لا تخبره فإن هذا ليس عليه. وأخرج ابن سعد في الطبقات الكبرى 290/3 عن الشفاء بنت عبد الله أنها رأت فتيانا يقتصدون في المشي رويدا، (أي: يمشون ببطء متكلف لإظهار التواضع والورع) فقالت: (ما هؤلاء؟) فقيل لها: نساك (أي: عباد زاهدون) فقالت: كان والله عمر إذا تكلم أسمع، وإذا مشى أسرع، وإذا ضرب أوجع، وهو الناسك حقا. وإن كنا سنقبل الروايات التي ليس لها إسناد متصل معلوم فأولى بنا أن نقبل روايات توافق ما ثبت عن أصحاب النبي من التوازن وعدم التكلف كالذي ذكره ابن عابدين في رد المحتار على الدر المختار أن رجلا وجد تمرة ملقاة فأخذها وعرفها مرارا (أي: جعل يسأل عن صاحبها)، ومراده إظهار ورعه وديانته، فقال له عمر رضي الله تعالى عنه: (كلها يا بارد الورع، فإنه ورع يبغضه الله تعالى) وضربه بالدرة. هكذا كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، لا يحبون التكلف والتنطع ولا يشددون على أنفسهم، مع ما هم فيه من علو الهمة والورع الحقيقي الصادق.
وهكذا كان أتباعهم بإحسان، فقد روى الإمام البيهقي في شعب الإيمان بإسناد متصل عن محمد بن حجادة أنه سأل عن حال الحسن البصري فقيل له: رأيته فتح المصحف، فرأيت عينيه تسيلان وشفتيه لا تتحركان. وهذه الصورة الهادئة الصادقة من التأثر بالقرآن أولى بالصواب وأقرب إلى السنة من روايات الصعق والتمايل والسقوط في النهر والموت من سماع القرآن. ولنتذكر قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) البقرة: 185، وقوله تعالى: (ونيسرك لليسرى) الأعلى: 8. ولذا فإن علينا أن نلجأ قدر الإمكان إلى الكتب المحققة، حتى فيما يتعلق بالسير، ففيها أمثلة عظيمة ثابتة تغنينا عن روايات المبالغات. كما أنصح جدا بقراءة مقال بعنوان (بعض ما ينسب إلى السلف يؤدي للإحباط!) لسليمان بن سعد بن خضير، ففيه منهج علمي جميل في الحديث عن ظاهرة المبالغات.
وقد يلومني البعض ويظن أن كلامي هذا سيخذل المسلمين عن العبادة، لكني أظن أن خير دعوة هي الدعوة المتوازنة التي يحافظ فيها الداعية على مصداقيته، وأن النماذج الثابتة فيها الكفاية لمن أراد الاقتداء. وعرضها يشعر السامع بإمكان الالتحاق بالركب، فأراها لذلك أعظم شحذا للهمم.
وختاما، كلامنا هذا لا ينبغي أن ينسينا ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم من حسن العبادة ورقة القلب وتأثره بالقرآن. والأحاديث الصحيحة في ذلك كثيرة جدا، يجمعها الطابع الهادئ العميق المؤثر الصادق. وهي أجمل من كل ما ذكر. من ذلك ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما وصححه النووي والألباني وغيرهما عن عبد الله بن الشخير أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز الرحى من البكاء. والحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: (اقرأ علي القرآن). فقلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: (إني أشتهي أن أسمعه من غيري) فقرأت النساء، حتى إذا بلغت: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا) النساء: 41، رفعت رأسي، أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي. فرأيت دموعه تسيل. صلى الله عليه وسلم.
والحديث الذي صححه وحسنه جماعة من أهل العلم كابن القيم والنووي والحافظ العراقي والألباني، أن النبي صلى الله عليه وسلم قام بآية يرددها حتى الصباح، وهي: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المائدة: 118. وأخيرا، روى الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا قول الله عز وجل في إبراهيم: (رب إنهن أضللن كثيرا من الناس فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم) إبراهيم: 36، وقال عيسى عليه السلام: (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم) المائدة: 118، فرفع يديه وقال: (اللهم أمتي أمتي)، وبكى. فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد، وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟ فأتاه جبريل عليه السلام فسأله. فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بما قال، وهو أعلم. فقال الله عز وجل: يا جبريل، اذهب إلى محمد فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك.
اللهم أرض محمدا فينا واجمعنا به وبأصحابه الأطهار في الفردوس الأعلى من غير حساب ولا عذاب... آمين. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.