د. إياد قنيبي
إلى حبيب القلوب وقرة العيون، إلى صاحب الخلق العظيم والعاطفة المتدفقة الدافئة الحية... الذي لم يرتض له أصحابه وآل بيته مكانا إلا عروش قلوبهم.. لكن ذلك لم يغير من طبيعته البسيطة شيئا.. فلم تمح عظمة النبوة من شخصه البساطة والتواضع والتلقائية.. ولم يمح كمال الرجولة منه البراءة النقية.. بل تعايشت هذه الخصائص كلها في انسجام وغذى بعضها بعضا.. فكان هذا الإنسان العظيم.. لكن البسيط.. العالي في منزلته.. لكن القريب ممن حوله..
إلى رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وسلم..
ثم إلى زوجته الوفية وأحب الناس إليه، إلى أمنا، أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها...
أهدي هذا الكتيب على استحياء من المقامات السامقة، راجيا من ربي الرحيم ألا يحرمني شرف تحبيب نبيه إلى القلوب ونشر سيرته العطرة، وأن يجعل هذا الكتيب سببا لاجتماعي بأبي عبد الحفيظ وبابنتي سارة رحمها الله، وأن يجمعنا وإياكم وأحبابنا في الجنة من غير حساب ولا عذاب.
إياد قنيبي
ندى... أتمت دراستها في المدرسة الأمريكية، ثم تخرجت من كلية الطب في جامعة محلية... وتخصصت في الطب النفسي.
تقدم لها (شادي)، والذي يكبرها بسنتين، بعد أن أنهى التخصص في الطب النفسي أيضا في مستشفى بأستراليا..
قبلت به ندى، بنت السادسة والعشرين.. تزوجا.. عاشا شهورا سعيدة إلى حد ما..
ثم بدأت المشاكل، وتفاقمت.. لم يطل ربيعهما ودخلت حياتهما في فصل خريف طويل..
جاءت من عملها مبكرة في يوم من الأيام... شادي لم يعد بعد... فدخلت ندى غرفة المكتب، استخرجت ورقة وقلما، وبدأت تكتب:
طلبت الانفصال عنه لكنه لمح أنه لن يسامحني بأي من الأشياء التي اشتراها لي ولم يكتبها باسمي.
كنت قد صارحت بعض صديقاتي، لعلي أجد عندهن حلا، لكني اكتشفت أنه، وإن اختلفت التفاصيل، إلا أنهن جميعا يعانين أيضا، وإن كانت حالاتنا تتفاوت في مدى التوتر.
لكني كنت من قديم قد سمعت بفتاة اسمها "عائشة"... وسمعت أن لها قصة زواج مع رسول الله محمد (صلى الله عليه وسلم)... مختلفة عن كل ما عهدته في بيئتي...
تذكرت عائشة الآن... فانتقلت عبر صفحات السيرة... وجئتها مستشيرة... لكني سمعت عن مستوى الأخلاق التي تمتعت هي وزوجها بها، فلم أطلعها على بعض التفاصيل التي أستحي من ذكرها.
سألتها أسئلة بعدد مشاكلي مع شادي حتى أتمكن من المقارنة...
هنا يبدأ الحوار المفترض بين ندى وعائشة، حوار بسطنا فيه بعض ما قالته أمنا عائشة في الأحاديث وأضفنا فيه ما يساعد في رسم الصورة، مع مراعاة أن تبقى ألفاظ النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله بحرفيتها دون أي تصرف.. علما بأن مصادرها الأحاديث الصحيحة التي سنذكرها لكم في التعليقات، ولم نلجأ فيها لأي حديث ضعيف. فلا ينبغي الاعتراض بعد ذلك بأننا ننسب إلى السيرة ما ليس منها.
بدأت ندى بسؤال عائشة:
قالت ندى في نفسها: شادي جاف لم يعد يعبر لي عن حبه، بل بدأت أشك أنه يحبني. فسألت:
قالت ندى في نفسها: مرضت مرة فلم يظهر لي شادي لطفا أو عناية خاصة. فسألت: 2. وهل كان يشعرك بالاهتمام إذا مرضت؟ كان يتلطف بي لطفا خاصا ويضع يده موضع الألم فيدعو لي.
قالت ندى في نفسها: عندما أكون في أيام عذري كأني أكون متوترة بعض الشيء، ومع ذلك لا يراعيني شادي، مع أنه كطبيب نفسي يفهم ما أمر به! فسألت: 3. طيب هل كان رسول الله يراعيك في فترة عذرك؟ كان معي في هذه الفترات ألطف ما يكون: أشرب وأنا حائض، ثم أناول الإناء للنبي فيتعمد أن يضع فمه على المكان الذي شربت منه، وآكل اللحم، ثم أناوله النبي فيتعمد أن يضع فمه على مكان فمي تطييبا لخاطري وإذهابا لحزني. وجاءني العذر وأنا أحج، فبكيت خشية من فساد حجي، فقال لي النبي: (هذا أمر كتبه الله على بنات آدم) ثم ذكر لي ما علي فعله.
قالت ندى في نفسها: شادي يستسخف اهتماماتي الأنثوية ويشعرني بعدم الاحترام. فسألت: 4. طيب هل كان رسول الله يراعي اهتماماتك؟ تبسمت عائشة وقالت: ذات مرة كان هناك أحباش يلعبون في المسجد بالحراب. فسألني: (أتحبين أن تنظري إليهم؟) فقلت له: (نعم)، فقام نحو الباب وقمت وراءه ووضعت ذقني على كتفه وألزقت خدي بخده وسترني بردائه.. بعد فترة سألني: (وحسبك؟) يعني بيكفي؟ فقلت له: يا رسول الله، لا تعجل. فبقي واقفا من أجلي، وبعد فترة قال: (حسبك؟). فقلت: لا تعجل يا رسول الله. وبقي قائما حتى انصرفت أنا. لذلك قلت أعلم الناس أجمعين أن يهتموا بحاجات الصغيرات: (فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو)... ليقتبسوا من هذا الخلق العظيم. لقد تزوجني رسول الله صغيرة. فكنت ألعب بلعب على شكل بنات في بيته، ويلعب معي بعض البنات من جيلي، وكن يهبن من النبي إذا رأينه، فيختفين، لكن رسول الله يدخلهن علي ليشعرهن أن (خذوا راحتكن).. ومرة رأى لعبي فقال: (ما هذا يا عائشة؟) فقلت: بناتي.. ورأى بينهن فرسا له جناحان. فقال: (ما هذا الذي أرى وسطهن؟) فقلت: فرس. قال: (وما هذا الذي عليه؟) قلت: (جناحان). قال: (فرس له جناحان؟!) قلت: (أما سمعت أن لسليمان خيلا لها أجنحة؟)، فضحك حتى رأيت نواجذه.
قالت ندى في نفسها: شادي لا يهتم بمتعلقاتي. انكسرت إسوارة بألفي دينار كانت أمي أهدتني إياها. طلبت منه أن يصلحها. ولا زالت أمامه على الكومادينا من شهور.. وكلما ذكرته بها قال اليوم وغدا! فسألت: 5. هل كان النبي يهتم بمتعلقاتك؟ ابتسمت عائشة وقالت: خرجت معه مرة في سفر فانقطع عقد لي. فأقام النبي في المكان ريثما نجده، وأقام أصحابه معه وليس معهم ماء ولا حتى ليتوضأوا به. جاء أبي (أبو بكر) غاضبا لأني تسببت في تأخير الجميع.. فضغط على خاصرتي ضغطا مؤلما... ورسول الله نائم على فخذي. فلا يمنعني من التحرك إلا خوفي أن يصحو وأفسد عليه راحته. ... على فكرة، انقطع معي عقد مرة أخرى! وكان بحثي عنه وتأخري عن الجيش لأجل ذلك سببا في حادثة الإفك وافتراء المنافقين علي. ولم يعاتبني رسول الله على تكرار سقوط عقدي.
قالت ندى في نفسها: شادي أناني يفضل نفسه علي. أحيانا نعود كل منا أنا وهو من عملنا متأخرين ولا طعام في البيت، يدعوه أحد أصحابه فيخرج ولا يسأل عني. فسألت: 6. هل كان رسول الله يفضل نفسه عليك أحيانا في الطعام أو الشراب؟ بدا على عائشة علامات الاستغراب والاستنكار! أبدا! كان لنا جار فارسي طعامه طيب. فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم طعاما. ثم جاء يدعوه. فقال رسول الله: (وهذه؟) -يعني أنا- يعني معزومة معي؟ فقال: لا. فقال رسول الله: (لا)... يعني لا أستطيع تلبية الدعوة ما لم تكن عائشة معزومة معي.. فعاد يدعوه. فقال رسول الله: (وهذه؟) قال: لا. فقال رسول الله: (لا). ثم عاد يدعوه. فقال رسول الله: (وهذه؟) قال: نعم. فقمت مع رسول الله إلى منزل جارنا هذا.
هز الموقف ندى! وعنى لها الكثير...
طيب لماذا كان الطعام عندكم قليلا؟ كان المال والهدايا والطعام يأتي النبي صلى الله عليه وسلم فيعطي الفقراء وأهل الصفة.. ويصبر وأصبر أنا معه.. وكيف لا أصبر وأنا أراه يرفض أن يأكل بدوني؟!
آسفة على السؤال: شابة جميلة ذكية مثلك... هل أعطيت يوما من الأيام الفرصة لتعيشي حياة أكثر تنعيما ولو بعيدا عن رسول الله؟ يعني... إييييي.. هل فكرت في فراقه؟ فراقه؟ ضحكت عائشة ثم قالت: سأخبرك بشيء: كنت أنا وأزواج النبي نطلب منه متاعا من الدنيا، وألححنا عليه في الطلب. وكنا نغار عليه، كل منا تريد أن تستأثر به ما استطاعت.. وحصل أن نكيد بعضنا لأجل ذلك.. فغضب منا النبي وكف عن الحديث معنا شهرا. ثم أنزل الله آية يخيرنا فيها بين البقاء مع النبي على خشونة العيش، أو الطلاق مع الإحسان وإعطائنا شيئا من متاع الدنيا. فبدأ النبي بي. وقال: (يا عائشة! إني أريد أن أعرض عليك أمرا أحب أن لا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك). فقلت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا علي قول الله تعالى: (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحا جميلا * وإن كنتن تردن الله ورسوله والدار الآخرة فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرا عظيما). وانتهى النبي وهو ينتظر ألا أجيبه حتى أستشير أبوي... فقلت له: (أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟! بل أختار الله ورسوله والدار الآخرة). ففرح رسول الله بذلك.
(أفيك يا رسول الله أستشير أبوي؟!) ما أحلاها من كلمة... رنت في كيان ندى وهي ترى هذا الحب الذي لا رجعة عنه من فتاة ترى نفسها مع زوجها روحا حلت في جسدين فلا يمكن أن ينفصلا. تذكرت ندى كيف أنها طلبت الانفصال من شادي، لكنه لمح أنه لن يسامحها بأي من الأشياء التي اشتراها لها ولم يكتبها باسمها. فهي تبقى معه تعلقا بهذه "الأشياء"، لا اهتماما به! بينما عائشة أعطيت الفرصة لتفارق النبي وتستمتع بالدنيا وزينتها، لكنها اختارته بلا تردد.
قالت ندى في نفسها: الوقت الذي يمضيه شادي معي ليس وقتا نوعيا بل يكون شارد الذهن. فسألت: 7. رسول الله كانت مهماته عظيمة ومشاغله كثيرة. هل كنت تحسين مع ذلك أنه متفرغ لك عاطفيا وهو معك؟ كان يعطيني حقي كاملا وهو معي، حاضرا ببدنه وذهنه... يستغل كل فرصة للتفاعل معي والقرب مني..... يقوم بلفتات لطيفة تعني لي الكثير. لذلك ترين أحاديث كثيرة أرويها عنه... فإني لم أكن على هامش حياته بل في صميمها. كان يقرأ القرآن في حجري وأنا حائض.. سيقرأه سيقرأه على كل حال.. بدل أن يقرأه بعيدا عني يقرأه في حجري. تصورت ندى هذه الصورة الطاهرة الراقية... تصورت رسول الله يقرأ بصوت عذب.. رأسه في حجر عائشة... تمسح بيدها على شعره، وتستمع له.. في قمة المحبة والانسجام. قالت عائشة: كنا نمضي أوقاتا مرحة حتى في الاغتسال... نغتسل من إناء واحد نتسابق على الماء متمازحين أقول له: دع لي دع لي.. ويقول هو (دعي لي دعي لي).. بمودة وأنس وخفة روح وملاطفة. تبسمت عائشة ثم قالت: سافرت معه مرة وكنت صغيرة خفيفة الوزن.. فقال لأصحابه: (تقدموا)، فتقدموا.. ثم قال: (تعالي أسابقك) فسابقتُه فسبقتُه. ثم كبرت وزاد وزني ونسيت سباقنا الأول، وخرجت معه في سفر فقال لأصحابه: (تقدموا)، فتقدموا ثم قال: (تعالي أسابقك).. فقلت: كيف أسابقك يا رسول الله وأنا على هذا الحال؟ فقال: (لتفعلن).. فسابقتُه فسبقني، فجعل يضحك وقال: (هذه بتلك السبقة).
قالت ندى في نفسها: شادي ينقل مشاكله في العمل إلى داخل البيت. فسألت: 8. لكن ألم تكن أعباء الحياة ومكائد الكفار والمنافقين ضد النبي تؤثر على حياتكم واستقراركم؟ بل كان كأنه يخلع الهموم على عتبات الباب حين يدخل علي، فلا أرى منه سوى الود والطمأنينة وهدوء النفس وحسن العشرة.
قالت ندى في نفسها: في المقابل، شادي لا يشاركني فرحاته. فسألت: 9. هل كان النبي يشاركك ما يسره؟ طبعا.. مثلا دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرة مسرورا تبرق أسارير وجهه فقال (( ألم تري أن مجززا نظر آنفا إلى زيد بن حارثة وأسامة بن زيد فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض )) (البخاري). يعني كان مستغربا مسرورا من أن رجلا ممن يقتفون الأثر عرف وجود علاقة بين زيد وابنه أسامة من قدميهما ولم ير وجهيهما لأنهما كانا مغطيين وجهيهما، مع أن رجلي أسامة كانتا سوداوين تماما لأمه، ورجلي زيد كانتا بيضاوين.
قالت ندى في نفسها: إذا أطلت الحديث مع شادي في موضوع فإنه يقاطعني ويطلب مني أن أختصر، ويتبرم من كثرة أسئلتي. فسألت: 10. طيب هل كان النبي يستمع لك باهتمام؟ لم يقاطعني يوما. جلست مرة أحدثه عما قاله أحد عشر امرأة في أزواجهن في حديث طويل. وكانت آخرهن زوجة أبي زرع الذي كان مكرما لها.. ورسول الله يستمع لا يقاطعني. حتى إذا انتهيت قال لي متحببا: (كنت لك كأبي زرع لأم زرع) (يعني في الإكرام). كنت لا أسمع منه شيئا لا أعرفه إلا راجعته فيه حتى أعرفه. مثلا قال مرة: (من حوسب عذب). فقلت له: (أوليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} ). فقال: إنما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك. وكان مسرورا بحبي للتعلم، سألته عشرات أو مئات الأسئلة الموجودة في الأحاديث المحفوظة، فكان يجيب باهتمام، لا يبدي أي انزعاج من كثرة أسئلتي ولا يقلل من شأن أي سؤال.
قالت ندى في نفسها: شادي بدأ يملني وتثور عصبيته علي سريعا! والمؤلم جدا أن هذا في مقابل اهتمامته بزميلاته في العمل! و"روحه المرحة" معهن! فسألت: 11. هل كانت عصبية النبي تثور عليك إذا أخطأت؟ بل يعلمني برفق. ذكرت زوجته صفية مرة بانتقاص فقال لي: (لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته) (يعني لعكرته) ليقوي الوازع عندي حتى أخاف الله، ولم يعنفني. وقصارى الأمر إذا أخطأت أن تتغير ملامح وجهه، فربما عندي إرهاف حس بحيث أرصد ملامحه وأعدل سلوكي على أساسها.
أرادت ندى أن تسأل عن تعامل النبي مع غيرة عائشة. استحت أن تذكر وضع شادي مع "زميلاته" والذي لا يقارن بالعلاقة الحلال بين النبي وزوجاته، فقالت: 12. كيف كان يتصرف مع غيرتك من زوجاته الأخريات؟ تبسمت عائشة وقالت: دعا رسول الله أصحابه يوما إلى بيتي، فأتت أم سلمة زوجة النبي بصحن كبير فيه طعام لتكرم به النبي وضيوفه. فغرت فكسرت الصحن بحجر في يدي. فتحت ندى فمها وبحلقت:
ماذا فعل رسول الله؟! قالت عائشة: جمع بين فلقتي الصحن وعليهما الطعام، وقال لأصحابه: (كلوا غارت أمكم، كلوا غارت أمكم).. يقصدني أنا. ثم أخذ رسول الله صحنا من عندي وبعث به إلى أم سلمة.
وانتهى الموضوع عند هذا الحد؟! نعم.
لم يضربك؟! ضحكت عائشة: يضربني؟! لم يضرب بيده امرأة ولا خادما ولا شيئا، إلا حين يجاهد في سبيل الله.
قالت ندى في نفسها: أحس أن شخصيتي طمست مع شادي... أشعر بضعف وقلة تقدير لنفسي أمام الآخرين إذا كنت معه. فسألت: 13. هل كنت تتصرفين أمام النبي بقوة شخصيتك وروحك المرحة؟ تبسمت عائشة وقالت: حضرت طعاما مرة وعندي سودة زوجة النبي جالسة في بيتي، ورسول الله بيننا.. فقلت لها: كلي، فقالت: لا أشتهي ولا آكل، فقلت: لتأكلن أو لألطخن وجهك، فلم تأكل، فلطخت وجهها، فضحك رسول الله. فأخذت سودة من الطعام فلطخت وجهي، ورسول الله يضحك.
قالت ندى في نفسها: شادي يرد على غيرتي بإظهار سوء الظن في أني أتعمد الحديث مع الزملاء وأني أميل عاطفيا تجاه أحدهم! فسألت: 14. هل كان النبي يحسن الظن بك؟ نعم، عندما افترى علي المنافقون دافع عني وقال: (والله ما علمت على أهلي إلا خيرا)، يعنيك، لكنه بقي شهرا لا يوحى إليه شيء في شأني، ومع ذلك يستحي أن يواجهني بسؤال يجرح شعوري عما يقوله البعض. ثم لما أراد أن يسألني قال: (أما بعد، ياعائشة، إنه بلغني عنك كذا وكذا. فإن كنت بريئة، فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب، فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه). ثم أظهر الله براءتي.
قالت ندى في نفسها: عندما تكون الشغالة في إجازة فإن شادي لا يساعد في البيت، مع أنه يكتب بوستات عن حقوق المرأة و"مظلوميتها"! فسألت: 15. طبعا، ما أظن النبي كان يساعد في أمور البيت، فهو رسول الله.. بل كان يساعدني، فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة.
تفاجأت ندى وتصورت منظر النبي وهو يساعد زوجته في شؤون البيت بتواضع ومودة.. قالت ندى في نفسها: أصبح شادي يدخن مؤخرا وأتأذى من رائحة دخانه. أشياء بسيطة أصبحت تستفزني.. لماذا لا يتأنق لي كما يتأنق للناس؟ فسألت: 16. هل كان النبي يتأنق لك ويعتني برائحته كما يفعل مع الناس؟ كان إذا دخل بيته بدأ بالسواك لأشم من فمه رائحته الطيبة. تفاجأت ندى من هذا المشهد: رجل يدخل بيته، فيستعد كما يستعد الرجال اليوم لمقابلة عمل أو للقاء شخص مهم!
قالت ندى في نفسها: أصبحت أفضل غياب شادي عني! فسألت: 17. واضح أنك كنت متعلقة بالنبي جدا. هل وصلت لمرحلة أنك لا تطيقين بعده عنك؟ لما كان ليلة من الليالي قال: (عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي).. فقلت له: (والله إني أحب قربك، وأحب ما يسرك). فقام فتطهر ثم قام يصلي.
قالت ندى في نفسها: شادي يظهر أمام الناس بمظهر الخيرية والحنان، لكن هذه الخيرية تتلاشى معي، ويبرر لي بأنه "مضغوط" ومشاكل الحياة كثيرة. فسألت: 18. يعني كان النبي يعاملك كما يعامل الناس؟ بل أفضل.. فإنه هو عليه الصلاة والسلام القائل: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي) (صحيح ابن حبان). فجعل معيار الخيرية التعامل مع الأزواج.
قالت ندى في نفسها: هناك جوانب من حياة شادي الخاصة أستحي أن أتكلم عنها، لأنها تسيء له جدا. فسألت: 19. سامحيني على السؤال: هل كان هناك جانب من حياة النبي لا تحبين أن يطلع عليه أحد؟ بل كانت حياته كلها صفحة مكشوفة... وها أنا أعرضها للناس بكل تفاصيلها.. حتى ما يلزم من تعليم الناس في العشرة الزوجية أتكلم عنه.
ماذا اخفي من حياته وقد كان خلقه القرآن؟ كل ما في القرآن من اخلاق وآداب رايتها في محمد صلى الله عليه وسلم.
ظاهره كباطنه. كان لبقا معي كما كان مع الناس. حتى اني ما رايته يضحك بشكل مفرط، انما كان يتبسم.
قالت ندى في نفسها: لاهتزاز صورة شادي لدي، اصبحت انفر من علاقتنا الغريزية كزوجين، واشعر اني افعل شيئا معيبا! فسالت:
لا طبعا! العلاقة الغريزية بين الزوجين قربى الى الله في الاسلام، ياخذ الزوجان عليها اجرا. وهذا شيء علمني اياه رسول الله.
تابعت عائشة: وفي الوقت ذاته، اتدرين بماذا وصفني الله انا والمؤمنات مثلي في سورة النور عندما افترى علي المنافقون الافك؟ وصفنا الله باننا (غافلات)، اتدرين ماذا تعني غافلات؟ لا يخطر ببالنا السوء والعلاقات المحرمة لبراءتنا وطهارة معدننا.
بل كنت ادخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله وابي ابو بكر اضع ثوبي فاقول: انما هو زوجي وابي. فلما دفن عمر معهم فوالله ما دخلته الا وانا مشدودة علي ثيابي حياء من عمر.
ادركت ندى انها امام شخصية متوازنة ربيت تربية عجيبة، وادركت مع ذلك ان مفهوم (الجنس) في الاسلام مختلف تماما عن مفهومه في ظل المادية المعاصرة.
تابعت عائشة: رسول الله الذي كان يتكلم عن العلاقة بين الازواج بادب لتعليم الناس ولا يستحي من الحلال هو نفسه الذي كان يستحي من النساء ان يدخل في تفاصيل. سالته امراة يوما عن غسلها من المحيض، فاخبرها كيف تغتسل، ثم قال: (خذي فرصة من مسك (يعني قطعة من صوف او قطن)، فتطهري بها). فقالت: كيف اتطهر؟ قال: تطهري بها قالت: كيف؟ فقال: (سبحان الله! تطهري).. فاستحي رسول الله ان يقول لها ضعيها على مخرج الدم.. فاجتبذت المراة الي، فقلت لها: تتبعي بها اثر الدم.
قالت ندى في نفسها: شادي يستكبر ان يظهر امامي ضعفه.. بل بدلا من ذلك "يتفشش" في اذا تعرض لما يظهره ضعيفا. فسالت:
بل عندما مرض مرض موته عليه الصلاة والسلام استاذن نساءه ان يمرض في بيتي.
هنا تهدج صوت عائشة... جمعت انفاسها بصعوبة ثم تابعت:
توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيتي، على صدري بين سحري ونحري. كان اخي عبد الرحمن بن ابي بكر قد دخل علينا قبلها، ومعه سواك، فنظر اليه رسول الله، فاحسست انه يود استخدامه، فاخذت السواك، فمضغته واعددته له، ثم اعطيته للنبي فاستن به كاحسن ما رايته مستنا قط، ثم حاول ان يرفع السواك الى فيه فسقطت يده، فاخذت ادعو له بدعاء كان يدعو به له جبريل، وكان هو يدعو به اذا مرض، فلم يدع به في مرضه ذاك، فرفع بصره الى السماء. وقال: (الرفيق الاعلى). وفاضت نفسه. فالحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في اخر يوم من الدنيا.
هل اوصيت ان تدفني بجانبه؟
تمنيت ذلك. لكني آثرت عمر. لما طعن عمر جاؤوني وانا ابكي وقيل لي: (يستاذن عمر بن الخطاب ان يدفن مع صاحبيه)، يعني زوجي رسول الله وابي، فقلت: (والله كنت اردته لنفسي ولاوثرنه اليوم على نفسي).
قالت ندى في نفسها: لم اعد اهتم باهتمامات شادي. اصبحت اتعمد مخالفته في كل شيء ولا اريد ان اشبهه في شيء. فسالت:
هو حي في كياني. وابقي ذكراه حية لدي بالحديث عنه.. عن كلماته، حركاته، سكناته، قسمات وجهه.. تشربت علمه وحكمته، واحس بانفاسه الطاهرة بين ضلوعي حين ابث علمه وتفاصيل حياته. واصبحت بفضل الزواج به اما للمؤمنين اجمعين وان لم انجب من رحمي. فمليارات المسلمين الى يوم القيامة يحبونني ويترضون عني ويسيرون بالنور الذي ورثته لهم.. فانا الان همي الاكبر ان التقي بحبيبي من جديد في الجنة.
افعل مثلما كان يفعل. كان اكرم الناس وانا على خطاه وعلى خطى ابي اسير. بعد ان كنت اطالب النبي يوما بمزيد من النفقة اصبحت الان انفق واكاد لا ابقي لنفسي شيئا. قال رسول الله: (احب الاعمال الى الله تعالى ادومها وان قل)، فانا الان اذا عملت عملا لزمته وداومت عليه.
نفسيتي مع شادي تعبانة! مع اني طبيبة نفسية! استحت ندى ان تسال عائشة عن نفسيتها لتقارن بحالها، فكان سيبدو سؤالا مضحكا وهي ترى هذه الشخصية الفذة التي قال فيها ابن اخيها عروة بن الزبير:
(لقد صحبت عائشة، فما رايت احدا قط كان اعلم بآية انزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا اروى له، ولا بيوم من ايام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب منها. فقلت لها: يا خالة، الطب من اين علمته؟! فقالت: كنت امرض، فينعت لي الشيء (يعني يوصف على سبيل العلاج)، ويمرض المريض، فينعت له، واسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فاحفظه)
انتهت المقابلة... كانت الساعة الواحدة ليلا حين انتبهت ندى انها صرفت ساعات متتالية تقلب صفحات السيرة دون ان تشعر! اغلقت الكتاب وهي مصدومة مذهولة!!:
ما هذا النبي الذي جعل حجرة صغيرة عامرة بآلاف المواقف والذكريات الجميلة بهذا الشكل؟!
ما هذا النبي الذي صنع من فتاة هذه الشخصية القوية المحببة المتوازنة الواثقة المنسجمة؟!
اغلقت ندى الكتاب، وقامت من غرفة المكتب مرورا بردهات بيتها الواسع.. شعرت بالبرد مع انها كانت ملتحفة بمعطفها الفاخر.. فالتدفئة معطلة بالبيت من فترة لان شادي لم يحضر السولار بعد نفاده طمعا في ان تدفع ندى من مالها، وهي بدورها كانت تتجاهل رغبته لانها تحس ان هذا طمع منه..
مرت بالمطبخ.. القت نظرة على الطاولة.. آثار وجبة اكلها شادي ولم يحضر لها وجبة...
وصلت غرفة نومها.. الاسوارة لا زالت على الكومادينا تنتظر شادي ليصلحها...
كان نائما يشخر، وبيده موبايله..
تمددت ندى على السرير.. وتمنت لو ان المقابلة لم تنته، وانها عاشت كما عاشت عائشة!
هذه قصة ندى، قصة تمثل كثيرا من نساء اليوم. القيتها امام مجموعة من الاخوة والاخوات فقالت احداهن: انا اعمل من فترة طويلة في الارشاد الاسري واستطيع ان اقول لك ان المشاكل الثلاثة والعشرين التي ذكرتها تلخص ما اراه من مشاكل الازواج اليوم.
العجيب ان الجاهلية المادية المعاصرة، والتي سلبت المراة راحتها وسعادتها واهدرت كرامتها... تجعل من زواج النبي بعائشة "شبهة" لصغر سنها عند الزواج! وان المرء ليعجب من تطاول النجاسة على الطهر، وذم الفشل للنجاح!
العجيب ان نقبل نحن المسلمين بتسمية انجح واجمل زيجة: "شبهة".. نضعها في خانة الشبهات ثم ندافع! وكان ينبغي لنا ان نسال من البداية: اين الاشكال تحديدا حتى نرد عليه؟ وباي حق تفترضون اننا نسلم لكم بمعاييركم؟!
العجيب ان نسمح للعدو الذي يهزمنا عسكريا بكل اسلوب قذر.. ان نسمح له بان يهزمنا نفسيا ويحتل عقولنا وارواحنا، فاذا بنا نحاكم ديننا وتاريخنا وسيرة نبينا بمعايير اعدائنا!
عندما تقبل بتصنيف شيء ما من دينك على انه شبهة فقد خسرت نصف المعركة، وعندما تحاول ان تدافع عنه بمعايير عدوك فقد خسرت النصف الآخر!
عائشة.. تزوجها النبي صغيرة، وعمل على صقل ما لديها من مقومات، فصاغ منها اجمل نفسية انثوية.. اكثر نفسية توازنا وطمانينة وقوة ووثوقا... اكثر نفسية ايمانا ورضا وهدى.. شحنها بالعلم وسوية النفس على صغر ثم مد الله في عمرها بعده فبقيت منارا يبث العلم للعالمين الى يوم الدين.
لم يكن من هدفنا في هذه القصة مناقشة تزويج الصغيرات في ايامنا وظروفنا. ولا ان نحيط بموضوع زواج النبي بعائشة صغيرة ونطرح كل ما رد به على من يستشكلون هذا الزواج... وانما اردنا تسليط الضوء على جانب الصياغة النفسية التي صيغتها عائشة في بيت النبوة، والمعاملة التي تلقتها... لنرى حقيقة الجاهلية الحديثة وابواقها الذين اغتالوا المراة ونفسيتها ثم راحوا يتطاولون على انقى واجمل نموذج في قصة محمد وعائشة.
زواج النبي من عائشة مصدر فخر واعتزاز، نباهي به الامم التائهة.. نعلم به البشرية من جهل ونهديها من ضلال، ونمحو به آثار الجاهلية المعاصرة في الاسر والمجتمعات.
نسال الله ان يجعل حياتنا في اسرنا كحياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع عائشة...
والسلام عليكم ورحمة الله.
(1) (كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل ويباشر وهو صائم، وكان املككم لاربه..) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (1927)، ومسلم (1106)
(2) (ان النبي صلى الله عليه وسلم، بعثه على جيش ذات السلاسل، فاتيته فقلت: اي الناس احب اليك؟ قال: عائشة، فقلت: من الرجال؟ فقال: ابوها، قلت: ثم من؟ قال: ثم عمر بن الخطاب فعد رجالا..) الراوي: عمرو بن العاص المصدر: صحيح البخاري (3662)
(3) (ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ بعض اهله، يمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس اذهب الباس، اشفه وانت الشافي، لا شفاء الا شفاؤك، شفاء لا يغادر سقما) الراوي: عائشة ام المؤمنين المصدر: صحيح البخاري (5743)
(4) (كنت اشرب وانا حائض، ثم اناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في، فيشرب، واتعرق العرق وانا حائض، ثم اناوله النبي صلى الله عليه وسلم فيضع فاه على موضع في) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه مسلم (300)
(5) (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لا نذكر الا الحج، حتى جئنا سرف فطمثت، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وانا ابكي، فقال: ما يبكيك؟ فقلت: والله، لوددت اني لم اكن خرجت العام، قال: ما لك؟ لعلك نفست؟ قلت: نعم، قال: هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، افعلي ما يفعل الحاج غير ان لا تطوفي بالبيت حتى تطهري[...]) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (294) مختصرا، ومسلم (1211)
(6) (دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: يا حميراء، اتحبين ان تنظري اليهم؟ فقلت: نعم، فقام بالباب، وجئت فوضعت ذقني على عاتقه، واسندت وجهي الى خده، ومن قولهم يومئذ: ابا القاسم طيبا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حسبك، فقلت يا رسول الله، لا تعجل. فقام، ثم قال: حسبك، فقلت: لا تعجل يا رسول الله، فقالت: وما بي حب النظر اليهم، ولكن احببت ان يبلغ النساء مقامه لي، او مكاني منه..) الراوي: عائشة ام المؤمنين المحدث: شعيب الارناؤوط، تخريج مشكل الآثار (292) إسناده صحيح على شرط الشيخين.
(7) (رايت النبي صلى الله عليه وسلم يسترني بردائه، وانا انظر الى الحبشة يلعبون في المسجد، حتى اكون انا التي اسام، فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن، الحريصة على اللهو..) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (5236)، ومسلم (892)
(8) (كنت العب بالبنات عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان لي صواحب يلعبن معي، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم اذا دخل يتقمعن منه، فيسربهن الي فيلعبن معي..) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (6130)، ومسلم (2440)
(9) (قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم، من غزوة تبوك -او خيبر- وفي سهوتها ستر، فهبت ريح فكشفت ناحية الستر، عن بنات لعائشة -لعب- فقال: ما هذا يا عائشة؟ قالت: بناتي! وراى بينهن فرسا له جناحان من رقاع، فقال: ما هذا الذي ارى وسطهن؟ قالت: فرس، قال: وما هذا الذي عليه؟ قالت: جناحان، قال: فرس له جناحان؟ قالت: اما سمعت ان لسليمان خيلا لها اجنحة؟ قالت: فضحك حتى رايت نواجذه) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه ابو داود (4932) واللفظ له، والبيهقي (21510)
(10) (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض اسفاره، حتى اذا كنا بالبيداء، او بذات الجيش، انقطع عقد لي، فاقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على التماسه، واقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فاتى الناس الى ابي بكر الصديق، فقالوا: الا ترى ما صنعت عائشة، اقامت برسول الله صلى الله عليه وسلم وبالناس، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء؟ فجاء ابو بكر ورسول الله صلى الله عليه وسلم واضع راسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قالت عائشة: فعاتبني ابو بكر، وقال: ما شاء الله ان يقول وجعل يطعنني بيده في خاصرتي، ولا يمنعني من التحرك الا مكان رسول الله صلى الله عليه وسلم على فخذي، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى اصبح على غير ماء فانزل الله آية التيمم فتيمموا فقال اسيد بن حضير: ما هي باول بركتكم يا آل ابي بكر، قالت: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فاذا العقد تحته..) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (334)، ومسلم (367)
(11) (ان جارا لرسول الله صلى الله عليه وسلم كان طيب المرق، فصنع لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم جاء يدعوه، فقال: وهذه؟ لعائشة، فقال: لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا، فعاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: لا، ثم عاد يدعوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وهذه؟ قال: نعم في الثالثة، فقاما يتدافعان حتى اتيا منزله..) الراوي: انس بن مالك المصدر: صحيح مسلم (2037)
(12) (دخل ابو بكر يستاذن على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لاحد منهم، قال: فاذن لابي بكر، فدخل، ثم اقبل عمر، فاستاذن فاذن له، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم جالسا حوله نساؤه، واجما ساكتا، قال: فقال: لاقولن شيئا اضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، لو رايت بنت خارجة، سالتني النفقة، فقمت اليها، فوجات عنقها، فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: هن حولي كما ترى، يسالنني النفقة، فقام ابو بكر الى عائشة يجأُ عنقها، فقام عمر الى حفصة يجا عنقها، كلاهما يقول: تسالن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما ليس عنده، فقلن: والله لا نسال رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ابدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا، او تسعا وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية: {يا ايها النبي قل لازواجك} حتى بلغ {للمحسنات منكن اجرا عظيما}[الاحزاب: 28-29]، قال: فبدا بعائشة، فقال: يا عائشة، اني اريد ان اعرض عليك امرا احب ان لا تعجلي فيه حتى تستشيري ابويك، قالت: وما هو يا رسول الله؟ فتلا عليها الآية، قالت: افيك يا رسول الله، استشير ابوي؟ بل اختار الله ورسوله، والدار الآخرة، واسالك ان لا تخبر امراة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسالني امراة منهن الا اخبرتها، ان الله لم يبعثني معنتا، ولا متعنتا، ولكن بعثني معلما ميسرا..) الراوي: جابر بن عبد الله المصدر: صحيح مسلم (1478)
(13) (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتكئ في حجري وانا حائض، فيقرا القرآن..) الراوي: عائشة ام المؤمنين شعيب الارناؤوط، تخريج المسند (26221) التخريج: اخرجه البخاري (297)، ومسلم (301)، والنسائي (381)، واحمد (26221) واللفظ له
(14) (كنت اغتسل انا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من اناء واحد، ابادره ويبادرني، حتى يقول: دعي لي. واقول انا: دع لي) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه البخاري (263)، وابو داود (238)، والترمذي (62) اوله في اثناء حديث، ومسلم (321)، واحمد (24866) باختلاف يسير، والنسائي (414) واللفظ له، وابن ماجه (376) مختصرا.
(15) (انها كانت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وهي جارية فقال لاصحابه تقدموا فتقدموا ثم قال تعالي اسابقك فسابقتة فسبقتة على رجلي فلما كان بعد خرجت معه في سفر فقال لاصحابه تقدموا ثم قال تعالي اسابقك ونسيت الذي كان وقد حملت اللحم فقلت وكيف اسابقك يا رسول الله وانا على هذه الحال فقال لتفعلن فسابقتة فسبقني فقال هذه بتلك السبقة) الراوي: عائشة ام المؤمنين المصدر: الالباني، ارواء الغليل (327/5)، وقال فيه: (إسناده صحيح رجاله كلهم ثقات رجال الشيخين)
(16) من حديث طويل رواه البخاري وفي آخره قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعائشة: "كنت لك كابي زرع لام زرع". البخاري (5189).
(17) (كانت لا تسمع شيئا لا تعرفه، الا راجعت فيه حتى تعرفه، وان النبي صلى الله عليه وسلم قال: من حوسب عذب قالت عائشة: فقلت اوليس يقول الله تعالى: {فسوف يحاسب حسابا يسيرا} [الانشقاق: 8] قالت: فقال: انما ذلك العرض، ولكن: من نوقش الحساب يهلك..) الراوي: عائشة ام المؤمنين صحيح البخاري (103)
(18) (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم: حسبك من صفية كذا وكذا. قال: غير مسدد، تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. قالت: وحكيت له انسانا. فقال: ما احب اني حكيت انسانا وان لي كذا وكذا) الراوي: عائشة ام المؤمنين اخرجه ابو داود (4875) وصححه ابن دقيق العيد والالباني والوادعي
(19) (اني لاعلم اذا كنت عني راضية، واذا كنت علي غضبى قالت: فقلت: من اين تعرف ذلك؟ فقال: اما اذا كنت عني راضية، فانك تقولين: لا ورب محمد، واذا كنت علي غضبى، قلت: لا ورب ابراهيم قالت: قلت: اجل والله يا رسول الله، ما اهجر الا اسمك..) الراوي: عائشة ام المؤمنين صحيح البخاري (5228)
(20) (قالت عائشة: الا احدثكم عني وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قلنا: بلى، قال: قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي صلى الله عليه وسلم فيها عندي، انقلب فوضع رداءه، وخلع نعليه، فوضعهما عند رجليه، وبسط طرف ازاره على فراشه، فاضطجع، فلم يلبث الا ريثما ظن ان قد رقدت، فاخذ رداءه رويدا، وانتعل رويدا، وفتح الباب فخرج، ثم اجافه رويدا، فجعلت درعي في راسي، واختمرت، وتقنعت ازاري، ثم انطلقت على اثره، حتى جاء البقيع فقام، فاطال القيام، ثم رفع يديه ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فاسرع فاسرعت، فهرول فهرولت، فاحضر فاحضرت، فسبقته فدخلت، فليس الا ان اضطجعت فدخل، فقال: ما لك؟ يا عائش، حشيا رابية قالت: قلت: لا شيء، قال: لتخبريني، او ليخبرني اللطيف الخبير قالت: قلت: يا رسول الله، بابي انت وامي، فاخبرته، قال: فانت السواد الذي رايت امامي؟ قلت: نعم، فلهدني في صدري لهدة اوجعتني، ثم قال: اظننت ان يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله، نعم، قال: فان جبريل اتاني حين رايت، فناداني، فاخفاه منك، فاجبته، فاخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك، وظننت ان قد رقدت، فكرهت ان اوقظك، وخشيت ان تستوحشي، فقال: ان ربك يامرك ان تاتي اهل البقيع فتستغفر لهم، قالت: كيف اقول لهم يا رسول الله؟ قال قولي: السلام على اهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وانا ان شاء الله بكم للاحقون..) صحيح مسلم (974)
(21) (عن انس رضي الله عنه: كان النبي صلى الله عليه وسلم عند بعض نسائه، فارسلت احدى امهات المؤمنين بصفحة فيها طعام، فضربت التي النبي صلى الله عليه وسلم في بيتها يد الخادم، فسقطت الصفحة فانفلقت، فجمع النبي صلى الله عليه وسلم فلق الصفحة، ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصفحة، ويقول: (غارت امكم). ثم حبس الخادم حتى اتي بصفحة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصفحة الصحيحة الى التي كسرت صفحتها، وامسك المكسورة في بيت التي كسرت) صحيح البخاري (5225)، واغلب شراح الحديث على ان التي كسرت الصفحة عائشة، وروى غير البخاري رواية صححها بعض اهل العلم فيها التصريح بعائشة.
(22) (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا قط بيده، ولا امراة، ولا خادما، الا ان يجاهد في سبيل الله، وما نيل منه شيء قط، فينتقم من صاحبه، الا ان ينتهك شيء من محارم الله، فينتقم لله عز وجل..) الراوي: عائشة ام المؤمنين التخريج: اخرجه مسلم (2328)
(23) (اتيت النبي صلى الله عليه وسلم بخزيرة قد طبختها له، فقلت لسودة- والنبي صلى الله عليه وسلم بيني وبينها- كلي، فابت، فقلت: لتاكلن او لالطخن وجهك، فابت: فوضعت يدي في الخزيرة فطليت وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم، فوضع بيده وقال لها: الطخي وجهها، فضحك النبي صلى الله عليه وسلم لها، فمر عمر فقال: يا عبد الله يا عبد الله، فظن انه سيدخل فقال: قوما فاغسلا وجوهكما، قالت عائشة: فما زلت اهاب عمر لهيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم) الراوي: عائشة ام المؤمنين رواه الهيثمي وغيره وصححه الوادعي في الصحيح المسند (1580)
(24) في حديث الافك الذي رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها انها (قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر: يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغ اذاه في اهل بيتي فوالله ما علمت على اهلي الا خيرا، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه الا خيرا، وما كان يدخل على اهلي الا معي)... وفي موضع لاحق: (قالت: فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسلم، ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل، وقد لبث شهرا لا يوحى اليه في شاني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس، ثم قال: اما بعد يا عائشة، فانه قد بلغني عنك كذا وكذا، فان كنت بريئة، فسيبرئك الله وان كنت الممت بذنب فاستغفري الله وتوبي اليه، فان العبد اذا اعترف بذنب، ثم تاب تاب الله عليه) التخريج: اخرجه البخاري (4141)، ومسلم (2770).
(25) عن الاسود قال: سالت عائشة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ قالت: (كان يكون في مهنة اهله - تعني خدمة اهله - فاذا حضرت الصلاة خرج الى الصلاة). صحيح البخاري (676).
(26) عن شريح بن هانئ قال: سالت عائشة: باي شيء كان يبدا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اذا دخل بيته؟ قالت: (بالسواك). صحيح مسلم (253).
(27) عن عائشة رضي الله عنها قالت: لما كان ليلة من الليالي، قال: (يا عائشة ذريني اتعبد الليلة لربي). قلت: والله اني لاحب قربك، واحب ما سرك، قالت: فقام فتطهر، ثم قام يصلي... الى آخر الحديث. ابن حبان (620) وقال الشيخ شعيب الارناؤوط في (تخريج صحيح ابن حبان): (إسناده صحيح على شرط مسلم)، وحسنه الوادعي.
(28) سئلت عائشة عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: (كان خلقه القرآن). صححه شعيب الارناؤوط في تخريج المسند.
(29) (ما رايت النبي صلى الله عليه وسلم مستجمعا قط ضاحكا، حتى ارى منه لهواته، انما كان يتبسم..) الراوي: عائشة ام المؤمنين صحيح البخاري (6092)
(30) في حديث ابي ذر ان النبي صلى الله عليه وسلم قال: (وفي بضع احدكم صدقة). قالوا: يا رسول الله، اياتي احدنا شهوته ويكون له فيها اجر؟ قال: (ارايتم لو وضعها في حرام اكان عليه فيها وزر؟ فكذلك اذا وضعها في الحلال كان له اجر). صحيح مسلم (1006).
(31) عن عائشة قالت: (كنت ادخل بيتي الذي دفن فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم وابي، فاضع ثوبي، واقول: انما هو زوجي وابي، فلما دفن عمر معهم، فوالله ما دخلته الا وانا مشدودة علي ثيابي؛ حياء من عمر). رواه الامام احمد في مسنده (25660) وقال الشيخ شعيب الارناؤوط: إسناده صحيح على شرط الشيخين، وقال الالباني: إسناده صحيح.
(32) (سالت امراة النبي صلى الله عليه وسلم كيف تغتسل من حيضتها؟ قال: فذكرت انه علمها كيف تغتسل. ثم تاخذ فرصة من مسك فتطهر بها. قالت: كيف اتطهر بها؟ قال: تطهري بها سبحان الله! واستتر، واشار لنا سفيان بن عيينة بيده على وجهه، قال: قالت عائشة: واجتذبتها الي وعرفت ما اراد النبي صلى الله عليه وسلم. فقلت: تتبعي بها اثر الدم. وقال ابن ابي عمر في روايته: فقلت: تتبعي بها آثار الدم) صحيح مسلم (332).
(33) (مات رسول الله صلى الله عليه وسلم في يومي بين سحري ونحري فدخل عبد الرحمن بن ابي بكر عليه ومعه سواك رطب فنظر اليه فظننت ان له اليه حاجة فاخذته فمضغته وقضمته وطيبته فاستن كاحسن ما رايته مستنا ثم ذهب يرفع فسقط فاخذت ادعو الله بدعاء كان يدعو به جبريل او يدعو به اذا مرض فجعل يقول: ( بل الرفيق الاعلى من الجنة - ثلاثا - ) وفاضت نفسه صلى الله عليه وسلم فقالت: الحمد لله الذي جمع بين ريقي وريقه في اخر يوم من الدنيا) الراوي: عائشة ام المؤمنين رواه ابن حبان في صحيحه (6617) وصححه شعيب الارناؤوط.
(34) في حديث مقتل عمر قال عمر لابنه عبد الله رضي الله عنهما: (اذهب الى ام المؤمنين عائشة فقل لها: يقرا عليك عمر بن الخطاب السلام ولا تقل: امير المؤمنين فاني لست للمؤمنين بامير فقل: يستاذن عمر بن الخطاب ان يدفن مع صاحبيه فسلم عبد الله ثم استاذن فوجدها تبكي فقال لها: يستاذن عمر بن الخطاب ان يدفن مع صاحبيه فقالت: والله كنت اردته لنفسي ولاوثرنه اليوم على نفسي). رواه ابن حبان في صحيحه (6917) وقال شعيب الارناؤوط: (إسناده صحيح على شرط الشيخين).
(35) عن عبد الله بن الزبير: (ما رايت امراتين اجود من عائشة واسماء، وجودهما مختلف، اما عائشة فكانت تجمع الشيء الى الشيء، حتى اذا كان اجتمع عندها قسمت، واما اسماء فكانت لا تمسك شيئا لغد). رواه البخاري في الادب المفرد وقال الالباني في (صحيح الادب المفرد): (إسناده صحيح).
(36) حدثنا ابن نمير حدثنا ابي حدثنا سعد بن سعيد اخبرني القاسم بن محمد عن عائشة قالت: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: احب الاعمال الى الله تعالى ادومها وان قل). قال: وكانت عائشة اذا عملت العمل لزمته. صحيح مسلم (783).
(37) عن هشام عن ابيه [عروة بن الزبير، وهو ابن اخت عائشة] قال: (لقد صحبت عائشة، فما رايت احدا قط كان اعلم بآية انزلت، ولا بفريضة، ولا بسنة، ولا بشعر، ولا اروى له، ولا بيوم من ايام العرب، ولا بنسب، ولا بكذا، ولا بكذا، ولا بقضاء، ولا طب، منها، فقلت لها: يا خالة، الطب من اين علمته؟ فقالت: (كنت امرض فينعت لي الشيء، ويمرض المريض فينعت له، واسمع الناس ينعت بعضهم لبعض، فاحفظه)). قال شعيب الارناؤوط في تخريج سير اعلام النبلاء: رجاله ثقات.