د. إياد قنيبي
كيف يمكنك -أنت- أن تقلب المحنة إلى منحة؟ كيف تستمتع بنعمة البلاء؟ كيف يمكنك أن تعيش بسعادة مهما كانت الظروف؟ كيف يمكنك التعامل مع الأمور -أيا كانت- بإيجابية واستبشار؟ كيف تعلق قلبك بالله -عز وجل- فلا تخاف سواه ولا ترجو سواه؟ كيف تمتلك عزيمة لا تنكسر، وروحا لا تقهر؟ كيف تطهر قلبك من العتب على القدر؛ فيصير قلبك قلبا سليما تحب أن تلقى الله عز وجل به؟ كيف تحب ربك -سبحانه وتعالى- حبا غير مشروط لا يتأثر بالظروف؟
الإجابات عن هذه الأسئلة -والكثير غيرها- ستجدها في هذا الكتاب..
الله سبحانه وتعالى.. خالقنا ورازقنا وحبيبنا، وسعت رحمته كل شيء. خلق عباده ليعبدوه -ليطيعوه ويحبوه. خلقهم وتودد إليهم بالعطايا والنعم.. فهو الودود سبحانه.. خلقهم وعمهم برحمته فهو الرحيم.. خلقهم فلطف بهم وحلم عنهم على الرغم من أخطائهم.. فهو اللطيف الحليم.. يحب أن يسمع صوت عبده المؤمن بالشكر في السراء، والتضرع في الضراء.. فإن غفل العبد عن ربه ابتلاه.. ليرده إليه فيسمع تضرعه ودعاءه وبكاءه. وهو في ابتلاءه رحيم حكيم.
مررت بظروف صعبة.. لكن الله وفقني إلى إحسان الظن به تعالى وبحكمته ورحمته. فكان الله تعالى عند ظني وحول نار البلاء بردا وسلاما. كيف لا وهو تعالى القائل في الحديث القدسي: ((أنا عند ظن عبدي بي)) (رواه البخاري)..
وإي والله، عندما تظن بربك خيرا وتعمل عمل من هذا ظنه.. ترى منه الخير كله.
إذا أيقنت أن الله تعالى قادر على أن يقذف في قلبك السعادة والرضا والطمأنينة مهما كانت الظروف فإنه تعالى سيكون عند ظنك به.. فهو وحده القادر على إسعاد الإنسان وإشقائه، إذ هو القائل سبحانه: {وأنه هو أضحك وأبكى} [النجم: 43].
نعم، أنعم الله عز وجل علي من خلال البلاء بنعم كثيرة جدا. كنت أكتب هذه المنح التي أكتشفها على ورقة على شكل نقاط.. كم كنت أستمتع وأنا أكتبها ثم أراجعها وأتأملها! وبعدما فرج الله عني اكتشفت هدايا عظيمة غيرها.
فوجدت من العرفان والامتنان لربي الرحمن أن أحدث إخواني وأخواتي عن شيء من هذه النعم الكثيرة، حتى نتعلم معا فن (إحسان الظن بالله عز وجل)..
{وأما بنعمة ربك فحدث} [الضحى: 11]. وكل ما ستجدونه في هذا الكتاب هو بسط لبضعة نقاط فقط من النقاط الكثيرة التي أحصيتها.
إخواني وأخواتي، انظروا إلى حسن ظن أهل الكهف بربهم عندما قالوا: {وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف} [الكهف: 16].. (الكهف).. مكان مظلم موحش بعيد طريقه وعرة فيه الحشرات وربما العقارب والحيات.. لا ماء ولا خضراء.. لكن قدرة الله تعالى تقلبه شيئا آخر: {فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا} [الكهف: 16].. حول الله عز وجل -بقدرته ورحمته- الكهف مكانا للأنس والرفق والرحمة واليسر.
يا إخوتي.. والله إن ربكم تعالى كريم.. كريم.. فتعالوا نتعرف على ربنا من خلال أفعاله بعباده لنرى عظمة الرب الذي نعبده.. تعالوا نتعرف على الله تعالى لنحسن الظن به مهما قدر علينا وفعل بنا.. {فعسى أن تكرهوا شيئا ويجعل الله فيه خيرا كثيرا} [النساء: 19]..
تعالوا نأنس بالله ونأوي إلى كنفه ونحيي قلوبنا ونعطر مجالسنا بذكره.
أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن ينفعني وإياكم بهذا الكتاب ويزيد به حبنا له سبحانه.
تصور معي: أنه جاءتك هدايا، وأنت تعرف أنها هدايا عظيمة وقيمة، لكن بعض هذه الهدايا جاء في غلاف جميل وبراق، والبعض الآخر جاء في غلاف قبيح، هل يهمك كثيرا شكل الأغلفة إذا علمت أن الهدايا التي في الداخل هدايا ثمينة وقيمة وعظيمة؟
كذلك إذا علمت أن كل ما سيحصل في المستقبل بمقدورك أن تجعله لمصلحتك، فلن يهمك كثيرا أن يكون في غلاف محنة أو في غلاف منحة، فأنت من يقرر ما سيكون عليه.
لماذا يخاف الناس عادة ويقلقون؟ لأن المستقبل مجهول بالنسبة لهم. هذا الخوف ينغص على أهل الدنيا سعادتهم مهما كان عندهم من نعيم الدنيا لأنهم يخشون أن يزول هذا النعيم وتتبدل الأحوال.
فصاحب المال قد يفتقر.. صاحب الصحة قد يمرض مرضا مزمنا.. الطليق قد يحبس.. الآمن قد يروع.. المحب لإنسان حبا شديدا قد يموت حبيبه.
إذن.. أتريد أن تعرف كيف تتخلص من الخوف من مجهول المستقبل؟ ببساطة: اتخذ قرارا بالرضا عن فعل الله سبحانه بك مهما كان.
لاحظ: الرضا يقع بعد الحدث، وهو نتاج أشياء تفعلها قبل الحدث فيأتيك الرضا في وقت حاجته.. لذلك كثيرا ما يطرح التساؤل: (الرضا من أفعال القلوب التي لا يملك الإنسان إيقاعها، ومع ذلك فهو مطلوب منه.. كيف؟!). والجواب أن الذي تستطيعه هو توطين نفسك على الرضا، والعمل بطاعة الله بحيث يرزقك الرضا عند حاجتك إليه.
كلما جاءك هاجس الخوف من المجهول جدد العهد والوعد بأن ترضى وتكون شاكرا صابرا.. وثق في معونة الله لك. إذا فعلت ذلك فلن تخاف من المستقبل لأنه ما عاد مجهولا، بل أصبح صفحة مكشوفة لك! كيف؟ ببساطة، أنت الآن بعد اتخاذ هذا القرار فإنك على يقين بأن كل ما يحصل هو خير لك. ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: ((عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له)) (رواه مسلم).
إذن فبعد أن تتخذ قرارا بالشكر في السراء والصبر في الضراء لا تقل: (لا أدري إن كان المستقبل يحمل لي خيرا أم شرا). فبنص كلام النبي صلى الله عليه وسلم المستقبل لا يحمل لك في هذه الحالة إلا خيرا. الجميل في الأمر هنا أن المسألة لم تعد في حسك أقدارا مجهولة تتقاذفك في وديان الضياع.. لم يعد مهما ظواهر الأمور: فقر أم غنى، صحة أم مرض، بقاء الأحباب أم وفاتهم.. أنت! أنت من سيجعل هذا كله يؤول إلى مصلحتك وخيرك بإذن الله.. ما عليك إلا اتخاذ قرار الشكر والصبر. لا تقل (حتى لو اتخذت قرارا بالرضا والصبر، قد يقدر الله علي ألا أصبر)، بل تذكر أن الله سبحانه قال: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم} [التغابن: 11].. هذه الآية تحمل معان عظيمة، منها أن الذي يسلم أمره لله سبحانه آمن به حقا فإن الله تعالى سيهدي قلبه ويثبته ويعينه. فالرضا والصبر آثار لامتلاء القلب بالإيمان بالله تعالى والتسليم له.
أيضا يعالج لك هذا الخوف رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: ((ومن يتصبر يصبره الله)) (رواه مسلم). إذن بادر أنت واتخذ القرار ولا تقل قد يقدر الله علي بعد ذلك ألا أصبر. فالله أحلم من ذلك وأرحم. وقد جعل سبحانه للصبر عدة وأسبابا من لازمها أمده ربه بالصبر والسكينة والطمأنينة، فبعملك تستمد التصبير من الله، وليس هذا خارجا عن مقدورك.
قد تقول: (أحاول أن أتخذ القرار بالرضا، لكني أحس بعدم الصدق في ذلك لأني أخاف أن يكون البلاء شديدا لا يمكنني تحمله). سنتعاون على التخلص من هذا الخوف أيضا عندما نتأمل شيئا من حكمته وإعانته في صفحات قادمة بإذن الله.
قد تقول: أنا الآن أستطيع اتخاذ القرار لأني أحب الله تعالى. لكن إذا ابتلاني ابتلاء عظيما فأخشى أن تتأثر هذه المحبة.. سنتعاون أيضا إن شاء الله على إعادة بناء محبتنا لله تعالى على أسس سليمة كي نطمئن إلى معيته ومعونته مهما كانت الظروف.
المطلوب منك الآن أن تثق وتؤمن وتوقن بحكمة الله ورحمته، فتتخذ القرار بالرضا، والمقصود بالرضا: الرضا الكامل التام الذي لا تشوبه شائبة، المنافي للتسخط على الله سبحانه والاعتراض على حكمته وأفعاله، وليس المقصود هنا عدم التأثر بما يقع عليك من مكروه أو محبة ذلك المكروه. فهذا مناف لفطرة الإنسان، فمن ابتلي بموت عزيز عليه فمن الطبيعي أن يحزن ويتألم، ولكنه لا يتسخط على القدر ويعترض على ربه سبحانه بمثل (لماذا ابتليتني أنا) و(ماذا فعلت حتى يقع لي ذلك)، على سبيل الاعتراض! بل يحمد ربه سبحانه ويصبر، فينال الأجر والثواب مع لذة الرضا والطمأنينة.. وقد كان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم: (وأسألك الرضاء بعد القضاء) (رواه النسائي وصححه الألباني).
المطلوب منك عندما تضع رأسك لتنام وتقول الدعاء الذي علمنا إياه نبينا: ((اللهم أسلمت نفسي إليك وفوضت أمري إليك)). أن تقولها بيقين مطلق وتسليم تام، لتكون مشمولا بالخطاب الذي وجهه الرحمن الرحيم إلى نبيه حيث قال: {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} [الطور: 48]. أي: لا تخف، أنت في حفظنا ورعايتنا يكتنفك حلمنا ولطفنا.
اتخذ قرارا بالرضا عن ربك في كل أمر، لتتخلص من الخوف من المجهول إلى الأبد بإذن الله.
والله يا إخواني لا أظن أن هناك شعورا أجمل من هذا تعيش به في حياتك! الشعور بأن الله يريد بك خيرا مهما قدر عليك وفعل بك.. فكله لمصلحتك.. وقد لا تستيقن من هذا الشعور إلا من خلال البلايا!
وأنت في عافية من أمرك غير مبتلى، تعيش حياة شبه كاملة.. قد ينعم الله عليك بالنعم الدنيوية كلها.. فتسأل نفسك: (هل هذا من عاجل إنعام الله علي، مع ما ادخر لي من نعم في الآخرة؟ أم أنه استدراج، يوفيني الله حسابي في الدنيا ويعاقبني في الآخرة على تقصيري؟) وقد يكون هذا الشك مقلقا بالنسبة لك.
فإذا ابتليت ورأيت علامات أن الله أراد بك في هذا البلاء خيرا، ملأتك البهجة وقلت لنفسك: (لقد قصرت في حقه لكني لكنه الحليم.. يعاملني بحلمه وكرمه لا بما أستحقه. أراد بي خيرا لأني أستحق منه ذلك كله ولكن لأنه أهل المغفرة واللطف والحلم والرحمة والكرم).
لكن السؤال الذي يطرح نفسه: كيف أعرف إن كان الله يريد بي خيرا أم لا؟ هل يا ترى بكمال الصحة وكثرة المال والأمن من المصائب الدنيوية؟
لا.. أبدا! هذا كله ليس دليلا على إكرام الله لك ولا على أنه أراد بك خيرا. قال تعالى: {فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا} [الفجر: 15-16].. يعني كثير من الناس يعتبران إعطاء الله له من نعم الدنيا دليل على محبة الله له ورضاه عنه وأن له كرامة عند الله. بينما إذا ابتلاه بالفقر يعتبر ذلك دلالة على إهانة الله له وأن الله أراد به شرا. إذن يعتبر الإعطاء والمنع من نعيم الدنيا مقياس رضا الله وسخطه على العبد، محبته وكراهيته للعبد.. إرادته الخير أو الشر بالعبد. فجاء الرد من الله تعالى على هذه النظرة بكلمة: {كلا} [الفجر: 17].. أي ليس العطاء والمنع من الدنيا هو المقياس.
وقال تعالى: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا} [الإسراء: 18].. المؤمنين والكافرين، الأبرار والفجار.. الكل ينال نصيبه من عطاء ربك في الدنيا.. {وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20].
إذن ما هو المقياس لتعرف إن كان الله يريد بك خيرا؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الدين إلا لمن أحب)) قال أحمد شاكر في عمدة التفسير: إسناده صحيح.
نعم! إذن الإيمان هو المقياس..
فإن وجدت البلاء قد قربك إلى الله، فاعلم أنه سبحانه أراد بك خيرا.. وإن وجدت البلاء أبعدك عنه سبحانه فالحذر الحذر! تدارك نفسك قبل أن تكون من المحجوبين.
إذا وجدت نفسك تبتلى بما لم يكن في حسابك، ومع ذلك ينزل الله عليك السكينة.. فقد أراد بك خيرا. إذا وفقك الله لإحسان الظن به، وعصمك من العتب على أقداره.. فقد أراد بك خيرا. إذا مرت بك لحظات في بلائك تعيش فيها مع القرآن بسعادة رغم كل شيء وتدمع عيناك من محبة الله والامتنان له.. فقد أراد بك خيرا. إذا صغرت في عينك تهديدات المخلوقين وعلمت أنهم عبيد مقهورون تحت سلطان الجبار القهار سبحانه، فلم تعد ترجو خيرا إلا منه تعالى ولا تخاف إلا منه تعالى.. فهذا كله دلالة على أن الله تعالى أراد بك خيرا. إذا وفقك الله إلى أن تستغل وقتك في بلائك فيما ينفعك في دينك ويقربك من ربك، بينما كثير من الناس يظهرون أحرارا معافين، إلا أنهم محبوسون في أهوائهم وأوهامهم وشهواتهم وشكوكهم ومرضى بها!.. فإنه تعالى ما اختارك من بينهم لخدمة دينه إلا لأنه أراد بك خيرا. إذا سبحت روحك في ملكوت الله وطافت تحت العرش مع أن جسمك وراء القضبان أو أثقله مرض.. فإنه تعالى ما تركها تحلق وتتحرر إلا لأنه أراد بك خيرا.
فالسكينة، والرضا والصبر والامتنان لله والعرفان له بالجميل وتعلق القلب به وعدم الخوف والرجاء إلا منه والأنس به وخدمة دينه.. هذه كلها من معالم الإيمان.. لا يعطيها تعالى إلا لمن أحب.. فإن أعطاك إياها فاعلم أنه أراد بك خيرا. فهل من المعقول أنه يبتليك ويرضيك لأنه يريد بك شرا؟! لا والله! بل ما صبرك ورضاك بالقدر إلا لأنه يريد بك خيرا..
أخي، أختي.. أنت من تختار لنفسك: إن كنت عندما تبتلى تنشغل بطاعة الله ولا تنطق شفتاك إلا بحمده والرضا عن قضائه فالله قد أراد بك خيرا.. وحينئذ ستحقق السلام الداخلي مع نفسك، والسلام مع الله تعالى. وإن كنت -لا قدر الله- تسخط أو تعتب على القدر أو تنشغل بالأحزان والمخاوف والتوجس من المستقبل والتشكك في حكمة الله والعياذ بالله.. فقد اخترت الطريق الخطأ. قال ابن القيم: (من أراد من العمال أن يعرف قدره عند السلطان فلينظر ماذا يوليه من العمل، وبأي شغل يشغله).
وأنت كذلك.. انظر بماذا يشغلك الله وفي أي عمل يستعملك لتعرف قدرك عنده وإن كان قد أراد بك خيرا أم لا. فإن رأيت من نفسك ما لا يسر فسارع إلى التوبة.. فإن وفقت إليها فاعلم أن الله قد أراد بك خيرا.
ما أجمل أن تعيش بشعور أن الله يحبك! حين تتخذ القرار بالرضا، ستلمس أن الله تعالى يحبك، لأنه سبحانه كما في الحديث الذي ذكرناه: ((لا يعطي الإيمان إلا لمن أحب)). فالرضا إيمان، إن حزته فإن هذا من علامات محبة الله لك. انظر حينئذ كيف ستنظر بإيجابية إلى ما يقضيه الله تعالى لك.. فالذي يقضي هذه الأمور حلوها ومرها هو حبيبك الذي يحبك: الله سبحانه وتعالى.
فإن قضى لك بالمرض فإنما يأتيك هذا القضاء ممن يحبك، ولا تعارض.. وإن قضى لك بوفاة عزيز عليك فإنما يأتيك هذا القضاء ممن يحبك كذلك.
لكن العبد المؤمن لا بد له من الخوف مع الرجاء.. فكيف يطمئن إلى أن هذه البلايا ليست علامات مقت من الله؟ إن ردة فعلك عند البلاء هي التي تحدد: فإن أقبلت على الله سبحانه ورضيت وصبرت، فإنك تستديم هذه المحبة التي ظهرت لك أماراتها من قبل وتزداد بها وثوقا. ويكون حرصك على استدامتها والأنس بطمأنينتها معينا لك على هذا الصبر والرضا. لكن إن بادرتها بالتسخط فلا تنال إلا السخط! فاجعل خوفك من تضييع الود الذي بينك وبين الله، والوقوع من ثم في الوحشة.. اجعل خوفك هذا حاجزا لك عن السخط.
في إحدى زيارات شقيقي لي في السجن قالت لي أنها لمست في الزيارة السابقة مني فتورا وحزنا. فقالت لي أريدك أن تكون قويا كما عودتنا وألا تفتر أو تخاف. فرددت عليها بقصيدة بعنوان (من المسجون؟!) أجسد فيها بعض المعاني السابقة:
جاءتني أختي في سجني تزدان ثباتا ووقارا قالت قد جئتك ناصحة لأزيد بعزمك إصرارا إياك فلا تيأس مللا واصبر وامتلئ استبشارا لن ترقى في درجات المجد إذا لم تلعق صبارا أخية لا تخشي شيئا فشقيقك يعرف ما اختارا لا بد لمن قد حمل الدعوة أن يتحمل أضرارا ما كان الله ليتركنا حتى نتميز أبرارا ويسوق إلى دركات جهنم من قد نافق وتمارى
إن كنت لفي عيش رغد لا أخشى فيه الأكدارا ممتلئ الجيب كثير الصحب حرا أتنقل أسفارا ورزقت قبيل السجن بتوأمتين سبتا الأنظارا وإذا بي لا أبصر حولي إلا قضبانا وجدارا أساق وقيد في رجلي لألاقي حكما جبارا والتهمة أني قد ساعدت رفاق الملة إيثارا إن نمت حلمت بأطفالي وذكرت إيابي والدارا لو كان عنائي للدنيا للقيت شقيقك خوّارا
لكني أرجو من صبري في قرب الرحمن جوارا ولأشرب كأسا من كافور أو عسلا يجري أنهارا وألبي ما قد أمر الرب عباده: كونوا أنصارا مسجون لكن في صدري بستان يزخر أزهارا أقرأ وأدون أفكارا وأقوم أصلي الأسحارا أتدبر إذ أتلو القرآن لكي أكتشف الأسرارا وأؤلف في أسباب الصبر ليرضى الناس الأقدارا وتحلق روحي آخذة من حب الرحمن مدارا أتزود في سجني التقوى وعدوي يحمل أوزارا
كم من أحرار أبصرهم كسكارى، ما هم بسكارى لكن قد درجوا أن يهونوا ذلا ويعيشوا أصفارا وبجد عبدوا الدينارا قد هجروا الدين استهتارا إن غضبوا ليس لأجل الله لكن ما استغلوا أسعارا ولنار جهنم ما اهتموا لكن أن يجدوا الدولارا بدلا من كرة الأرض قفوا كرة لفريق يتبارى فمن المسجون أنا أم هم إن زدنا الأمر استبصارا
أخية لا تخشي شيئا فشقيقك لم يفعل عارا هل عار أن ندفع إن دنس عرض الأمة ونغارا لما أسررنا الإنكارا وخشينا بطشا وإسارا لم نغط النشء بأمتنا قدوات تمتلئ فخارا فاتخذوا رمز بطولتهم من جحد الله كجيفارا أيليق بنا أتباع محمد أن نتمثل جيفارا من عبد الله القهار ما كان يجاري التيارا من طلب العزة عند سوى الرحمن يبوؤه خسارا فلبيت عناكب قد لجؤوا بدمار يرجون عمارا
أرأيت لتونس إذ حارب مجرمها الرحمن جهارا فيطارد كل محجبة من أجل استرضاء نصارى يتمنى لو كان بأسفل أحذية الكفار غبارا ولربع القرن يواليهم يرجو في الحكم استقرارا إن دخلوا جحر الضب دخل يتملق ذلا وصغارا أخية لا تخشي شيئا فأخوك تولى الجبارا والله يدافع عنا إذ قد وعد الفجار تبَاراً
اصبر في بلائك، وأحسن الظن بربك وبحكمته ورحمته.. فإن نجحت في ذلك فاعلم أن الله أراد بك خيرا.
ما رأيك في الطائفة التالية: إنها طائفة من أبناء المسلمين اسمها (الطائفة الحبشرطية)..
ماذا تقول هذه الطائفة عن الله -عز وجل- في قاموسها؟ تقول: "الله -سبحانه وتعالى- هو الذي فرض علينا الوجود في هذه الحياة الدنيا، وفرض علينا واجبات، منعنا من محرمات، وبيده إسعادنا أو إشقاؤنا. ولكن نفوسنا تستثقل بعض الواجبات وتهوى بعض المحرمات، لذا فإن علينا أن نتعامل مع الله بموازنة، بحيث نفعل من الواجبات المقدار الذي يضمن استمرار نعم الله علينا مع أقل قدر من الثقل في نفوسنا، ونفعل -أيضا- من المحرمات بالمقدار الذي يحقق رغباتنا لكن دون تعريضنا لقطع نعم الله أو نزول عقابه". ترى، هل تعريف الطائفة الحبشرطية لعلاقة الإنسان بربه تعريف سليم؟ هل هكذا ينبغي أن يسلم نفسه وعاطفته لله رب العالمين؟ هل عرفتم من هي الطائفة الحبشرطية؟ إنها في الواقع كثير من جموع العالم الإسلامي، لا يقولون ذلك بألسنتهم، لكن لسان الحال أبلغ من لسان المقال! بل لعلك -وأنت تقرأ هذه الكلمات- ستجد نفسك منتسبا ضمنيا إلى هذه الطائفة! إن هناك صفات في نفوسنا تبدو خطورتها عندما نشخصها ونعبر عنها بعبارات لا مجاملة ولا مداهنة فيها.. قد نستنكرها ونستغربها لكن الحقيقة المرة أنها موجودة في نفوسنا وبدرجات متباينة. لذا، دعونا نتعمق في تحليل النفسية الحبشرطية؛ لنرى إن كانت مختبئة في ثنايانا، ولأية درجة؟
إن الحبشرطي يتذاكى ويجري التجارب في تعامله مع ربه سبحانه و تعالى!.. يحاول أن يصل إلى "نقطة الموازنة" التي يشبع فيها رغباته دون أن تقطع عنه النعم الدنيوية. إذا ضم إلى حياته وأدخل في "مكتسباته" معصية وأمرا مما حرم الله، فإنه يترقب: فإن استمرت نعم الله ولم ينزل العقاب فإنه يستنتج أنه ما زال ضمن نقطة الموازنة، ويعتبر هذا المحرم أحد المكتسبات! أشبع رغبته دون قطع النعمة. وأما إذا أدت هذه المعصية إلى قطع نعمة من النعم أو نزول عقاب، فإنه يستنتج أنه قد تجاوز نقطة الموازنة، فيعود أدراجه ليتخلص من المحرم، ويعلن حالة الاستنفار القصوى: دعاء، بكاء، تضرع، اجتهاد، طاعات.. لماذا؟ لأنه يريد عودة النعم ودفع النقم.
{وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه} [يونس: 12].. إذن: دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما.. دعاء من يريد عودة النعم.. {وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض} [فصلت].. ذو دعاء عريض.. دعاء من يريد عودة النعم.
والمصيبة أن نفسية الحبشرطي "تتبرمج" مع مرور الزمن على هذه "الموازنة" بحيث يستقر في حسه أن النعم التي هو فيها من "حقه" وأنه أهل لها: {ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي} [فصلت: 50].. يعني أنا أستحق هذه الرحمة، أستحق هذه النعم. وفقا لهذه "الموازنة" فإن الحبشرطي يحب الله تعالى طالما أنه يمكن استمرار نعمه ودفع نقمه -في نظره- بهذه "الموازنة" والمد والجزر، لذلك سميناه (الحبشرطي) أي: أنه يحب الله -عز وجل- حبا مشروطا، مشروطا باستمرار النعم، مشروطا باستمرار المصالح الدنيوية خاصة؛ فإن نفسية الحبشرطي قلما تتذكر الآخرة!
تصور معي الآن ماذا يحصل إن أذنب الحبشرطي ذنبا فابتلاه الله تعالى بما يكره، فتخلص الحبشرطي من هذا الذنب كالعادة وأعلن حالة الاستنفار القصوى: تضرع، دعاء، استغفار، طاعات.. لكن الله عز وجل شاء أن يستمر البلاء ويشتد. سوف يعتمل في نفسية الحبشرطي تساؤل: (لقد أديت ما علي أن أفعله، فلماذا لم يفعل الله تعالى المتوقع منه؟) وفقا لعادة "الموازنة" التي تكرست في نفسية الحبشرطي فإن من "حقه" عندما يتخلص من المعصية ويجتهد في الطاعات أن يرفع البلاء ويعود "المصروف" اليومي الذي يأخذه من الله -عز وجل-. فإذا حصل خلاف المتوقع فإن محبته المشروطة لله -عز وجل- سوف تنهار! ولا عجب أن تنهار لأنها أسست على شفا جرف هار، وانبنت على فهم مشوه لعلاقة الإنسان بربه سبحانه وتعالى.
إذا على أي شيء نبني حبنا لله عز وجل حتى لا ينهار هذا الحب في أية لحظة من لحظات حياتنا؟ هذا ما سوف نعرفه في المحطة القادمة بإذن الله.
انظر في نفسك إن كنت حبشرطيا تشرط محبتك لله باستمرار النعم الدنيوية.
ذكرنا في المحطة السابقة أن (الحبشرطي) يشرط محبته لله عز وجل باستمرار النعم الدنيوية. إذن؛ هو يؤسس هذا البيت -يعني (محبة الله)- يؤسسه على أسس.. هذه الأسس هي: المال، الصحة، الحرية، الاستقرار الأسري، المكانة الاجتماعية.
لكن، لاحظ معي: هذه الأسس الدنيوية جميعها.. أليست قابلة للزوال؟ أليس هذا (الحبشرطي) مهددا في أي لحظة: بالفقر = زوال المال بالمرض = زوال الصحة بالحبس = زوال الحرية بالمشاكل = زوال الاستقرار ماذا سيحصل حينئذ إذا ابتلي بفقد أحد هذه الأسس؟ سوف يميل البيت ويسقط وينهار. سوف تنهار محبة الله المشروطة في قلب هذا العبد الحبشرطي! لأنه أسسها على أسس قابلة للزوال في أية لحظة.
إذن؛ كيف أعرف إن كانت محبتي لله عز وجل مهددة بالزوال في أية لحظة؟ كيف أعرف إن كنت قد أسستها على أسس دنيوية؟ حقيقة، البلاء يساعدك في ذلك جدا، وهذه من نعم الله عليك في البلاء. عندما تبتلى وتدعو الله عز وجل وتطلب منه أن يرفع عنك البلاء ويعيد لك النعم، قد يقدر الله عليك أن يستمر بلاؤك ويشتد، وحينئذ سوف تعرف إن كان حبك لله مشروطا بهذه المصالح الدنيوية.
واجهت محنة حرمت فيها فجأة من: حريتي، أهلي، أولادي، أصدقائي، مالي، وظيفتي.. فجأة! ثم دعوت الله لكنه قدر أنه يستمر بلائي أطول مما ظننت. هذا وضعني حقيقة أمام السؤال المهم: الآن، وبعد حرماني من هذه الأشياء، هل ما زلت أحب الله عز وجل؟ هذا السؤال ساعدني في تشخيص مقدار (الحبشرطية) في نفسي؛ لأعيد بناء محبة الله على الأسس السليمة الصحيحة. أسألك بالله: هل أنت مستعد أن تشتري بيتا لتسكنه إذا علمت أن هذا البيت مرتكز على أسس واهية قابلة للانهيار والزوال في أية لحظة؟ فما ظنك بمحبة الله عز وجل التي من أجلها نعيش، بل من أجلها خلقنا؟ فربنا خلقنا لنعبده، والعبادة محبة وتعظيم وطاعة. فهل أنت مستعد أن تغامر بمحبة الله عز وجل، وتبنيها على أسس قابلة للزوال في أية لحظة؟ إذًا، لا بد لك أن تبني محبة الله في قلبك على أسس صحيحة. ترى، ما هي هذه الأسس؟ كثيرة.. منها:
إذًا، هذه أشياء ثابتة لا تزول: أسماء الله وصفاته، الآخرة المرتقبة، نعم الماضي، حقيقة أنك ستبقى مغمورا في نعم الله مهما أخذ منك.. هذه أشياء لا تتغير، ليست مهددة بالزوال.. تبني عليها محبتك لله وأنت واثق مطمئن.
أما ما يستجد لك -في الحاضر والمستقبل- من نعم جديدة ورفع بلاء؛ فهذه كلها تزيد محبتك لله عز وجل، ولكنها ليست شرطا في وجود هذه المحبة.
قد يقال: لكن الله عز وجل شرع تألف قلوب الناس بإعطائهم شيئا من نعيم الدنيا. فمعلوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي قسما كبيرا من الغنائم للمؤلفة قلوبهم، لكفار يريد رسول الله أن يستميلهم للإسلام، بل إن مصرفا من مصارف الزكاة هو (المؤلفة قلوبهم)؟ صحيح.. لكن هذا التألف لقلوب الناس بنعيم دنيوي هو مرحلي مؤقت؛ حتى ينهار الحاجز النفسي بين قلب الغافل والإسلام، حتى تزال الغشاوة عن بصره ليرى حقيقة الدين فتخالط بشاشة الإيمان قلبه، فلا يعود يأبه -من ثم- أعطي أو منع. في الحديث الذي رواه الإمام مسلم عن أنس قال: ((إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها)). ((إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا)): يعني حبشرطي صرف! وإنما يظهر الإسلام لإرادته الدنيا.. ((فما يسلم)): يعني فما يلبث بعد إسلامه إلا قليلا حتى ينشرح صدره بحقيقة الإيمان ويتمكن من قلبه فيكون حينئذ أحب إليه من الدنيا. إذن؛ تحول حبه لله إلى حب حقيقي مبني على أسس سليمة. أما أن يعيش الإنسان حياته كلها عيشة المؤلفة قلوبهم فهذا وضع خطير غير مقبول! لأن محبته لله مهددة بالزوال في أية لحظة. عندما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وارتد طوائف من الناس، ما الذي حصل؟ المؤلفة قلوبهم من أهل مكة الذين تألفهم رسول الله، لكنهم بعد ذلك بنوا محبتهم لله على أسس صحيحة، كانوا هم أسود الإسلام الذين نافحوا عنه أيام الردة، وبذلوا في ذلك أرواحهم ودماءهم وأموالهم. بينما ارتد من بقي (حبشرطيا) متعلقا بالدنيا عندما تعرض لفتنة وفاة النبي وتمرد الزعماء.
إن استقرار هذا المفهوم في نفوسنا - (محبة الله غير المشروطة) - يمنحنا فهما أعمق لكثير من حقائق ديننا. فمثلا: عندما نقرأ قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)) قد يكون من أسباب ذلك: أن الطاعة الكثيرة المتقطعة كثيرا ما تكون مدافعة لبلاء حل أو ابتهاجا مؤقتا بنعمة جديدة، خاصة إذا تبعها فتور شديد في الطاعة. أما المداومة على العمل وإن قل؛ ففيها معنى الاستمرارية في طاعة الله وعبادته ومحبته مهما كانت الظروف، فصاحبها يعبد الله لأنه أهل لأن يعبد، لا ليغير الله ما به من بلاء أو ليزيده من نعيم الدنيا.
وهذا ما يطمح إليه العبد الرباني: أن يكون حبه لله -عز وجل- ثابتا راسخا لا تزعزعه العواصف، ولا ينهار بزوال عرض من أعراض الدنيا الزائلة.
ابنِ حبك لله على أسس سليمة لا تزول، حتى يكون حبك له -عز وجل- أقوى من كل بلاء.
اما العمل المستمر من الطاعات فعادة ما يكون نابعا من حب مستقر في القلب لا يتاثر بالحوادث السارة او الحزينة. اذا، اخي واختي: اذا وجدت في نفسك هذا الداء الخطير: (شرطية محبة الله)، فعليك ان تعترف به وتسعى لعلاجه؛ فهو اخطر من اية مصيبة دنيوية؛ لانه مصيبة في الدين، وخلل فيما نعيش من اجله.
تخلص من مرض (الحبشرطية) وابن حبك لله على اسس سليمة لا تزول بالمتغيرات.
لاحظ ابو غسان فتورا في مشاعر ولديه الشابين تجاهه.. فغسان ورامي اصبحا ياتيان كل صباح إلى غرفة ابيهما ويمدان يدهما قائلين: (المصروف يا ابي لو سمحت) بشكل روتيني رتيب.. يعطيهما المصروف فيشكرانه على عجل وينطلقان من البيت.
اراد ابو غسان ان يذكر ولديه بان علاقته بهما ليست علاقة مصروف فحسب.. فعندما جاءا هذه المرة ومدا يديهما لقبض المصروف، قال لهما ابوهما بلهجة تنبض بالحب الصادق: (احبكما يا ولدي). كان ابو غسان يتمنى ان تلتقي عيناه بعيني ولديه وهو يقول هذه الكلمات فيقرا فيهما البهجة والاعتزاز بما قال لهما.. كان يريد اي مؤشر على ان ولديه يحبانه لذاته، لا للمصروف الذي ياخذانه منه.
لكن تجاوب الولدين كان مخيبا للامال! هزا راسيهما قائلين في شرود ذهن: (ونحن كذلك)، اي نحن كذلك نحبك.. وبقيا مادين يديهما وانظارهما مثبتة على جيب والدهما، ففيه المصروف!
صدم الاب وانقلبت ابتسامته ذبولا واخرج يده من جيبه دون المحفظة.. انتبه الولدان لما حصل وادركا عدم لباقتهما في التجاوب مع كلمات ابيهما الرقيقة.. قبضا يديهما وانزلاها.. حاولا تدارك الموقف..
اما رامي فقال: (أبي انا اسف.. طبعا انا احبك.. انت ابي الذي رعيتني وانفقت علي ولا غنى لي عنك).. كان رامي يقول هذه الكلمات وذهنه في المصروف، يتوقع ان يمد والده يده في جيبه ويعطيه المصروف.. لكن الاب لم يفعل وبقي صامتا. فقال رامي: (أبي، رجاء أنا أحتاج المصروف.. اعدك ان اكون اكثر لباقة لكن لا تحرمني من المصروف). لم يتجاوب الاب فتضايق رامي وخرج مغضبا من الغرفة.
واما غسان، فقد هز الموقف كيانه! هو يحب اباه بالفعل، لكن قلبه كان قد ذهل عن هذه المحبة بتعلقه بالمصروف في الفترة الماضية. ملامح الاب الذابلة العابسة ايقظت مشاعر غسان، فادرك كم كان مقصرا في حق ابيه في الفترة الاخيرة.. ادرك انه كان انانيا لا يفكر كثيرا في شعور ابيه ولا يجتهد في ادخال البهجة إلى قلبه.. اغرورقت عينا غسان بدموع حارة وقال بصوت متهدج: (اسف يا ابي الحبيب.. لقد غفلت عنك كثيرا! سامحني ارجوك.. الدنيا كلها لا تساوي ابتسامة منك).. قال هذه الكلمات وهو يقلب عينيه الدامعتين في وجه ابيه باحثا عن اية بادرة انفراج لعبوسه.. لكن الاب بقي عابسا صامتا وخرج من غرفته وجلس على الاريكة لا يتكلم.
لحقه غسان وتحرك حول ابيه كالقط، فتارة يقبل يديه وتارة يقبل راسه وتارة يمسك بيدي والده بين يديه ودموعه منهمرة على خديه وهو يقول: (سامحني يا ابي ارجوك.. انا احبك.. تعلم اني احبك)..
تنازعت الاب مشاعر متباينة.. فهو لا يحب رؤية ولده كسيرا بهذا الشكل، لكنه ما زال مصدوما من جفاء ولديه في اول الامر، كما انه يريد مزيدا من الضمانات لصدق محبة غسان.. انسحب الاب وعاد إلى غرفته بصمت واغلق الباب وراءه.
احس غسان بالضياع فلحقه وقال من وراء الباب مناديا: (أبي أرجوك.. لا أطيق الحياة دون رضاك.. لا أستطيع العيش وأنا أراك غضبان حزينا.. لقد أخطأت يا أبي لكني أحبك.. أحبك يا أبي.. أرجوك سامحني.. أرجوك ابتسم في وجهي.. أرجوك ضمني إلى صدرك).. وتعالى صوت بكاء غسان كطفل فزع تركته امه في صحراء وتولت عنه.
حينئذ انهار سد الجفاء في قلب الاب امام دموع غسان.. فتح الباب ورفع ولده الذي كان جاثيا على ركبتيه وضمه إلى صدره وجعل يمسح دموعه ويقبل راسه.. استمر بكاء غسان، لكنه الان بكاء فرحة وحنين اشبع..
مد الاب يده في جيبه ليستخرج مصروف غسان، لكن غسان اعاد المحفظة إلى جيب ابيه وقال له وهو ملتصق بصدره (دعنا الان من المصروف.. اريدك انت يا ابي الحبيب.. ما دمت راضيا عني فالدنيا كلها تهون).
ولله المثل الاعلى.. قد يعلم الله تعالى من عباده جفافا في محبتهم له، وتعلقا بنعيم الدنيا الذي يمنحهم اياه.. هو تعالى يتودد إلى عباده ويحب منهم ان يبادلوه الود ودا.. فاذا راى منهم جفاء وغفلة قطع عنهم نعمة من النعم ليهز كيانهم ويوقظهم من غفلتهم لعلهم ينتبهون إلى حقيقة ان النعمة الهتهم عن المنعم..
اما فقير المشاعر "رامي"، فلا يفهم هذه الابعاد، بل لا يزال في غفلته قد سيطر "المصروف" على تفكيره.. فيستغفر الله ويجتهد في الطاعات ليسترجع "المصروف". ليست مصيبته في عتاب الله له، إنما مصيبته قطع "المصروف"! بلادة في التفكير وقصور في النظرة وفقر في المشاعر! لا يفكر إلا فيما ياخذه، ولا يرى من واجبه ان يشكر ويبادل الود ودا.
واما صاحب الحس المرهف والقلب الحي كـ "غسان"، فإن قطع "المصروف" يزيل عن عينيه الغشاوة ليبصر المصيبة الحقيقية، أنه قصر في حق الله تعالى وغفل عنه.. فكل ما يسيطر على كيانه هو كيف يسترضي الله تعالى ويبرهن له على أنه يبادله الود ودا.. اما عودة "المصروف" فتصبح قضية ثانوية.. لأنه قد يعيش، ولو بصعوبة، دون المصروف، لكنه لا يطيق لحظة من الضياع الذي سيعانيه إن فقد معية الله تعالى أو أحس بأن الله لا يحبه.
في النهاية، قد يعود "المصروف" للاثنين: {كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا} [الإسراء: 20].. لكن الأول، فقير الشعور، سيخرج من البلاء كما دخل فيه لم يستفد شيئا.. ما دام يرى عودة "المصروف" غاية الامال ومنتهى الطموحات. واما الثاني فإن المحنة كانت اكبر منحة له، حيث اطلقت روحه من قيد الغفلة لتدور في فلك محبة الله تعالى.. {هل يستويان مثلا} [هود: 24].
ورد عن الصالحين أن بعضهم كان يبتلى بمرض أو غيره وقد عرف عنه أنه مستجاب الدعوة، ومع ذلك لا يدعو الله تعالى بكشف البلاء.. ستقول: هذه المرويات فيها مبالغة. ربما نعم، ولكننا إذا فهمنا المعاني المذكورة هنا فلا نستبعد أن يحصل ذلك.. فلعل هذا المبتلى فهم البلاء على أنه تذكرة من الله تعالى بأنك قد غفلت عن خالقك، ويريد ربك منك أن تبادله التودد توددا.. فيسيطر هذا التفكير على كيان المؤمن المبتلى ويعيد حساباته ليكتشف مواطن الغفلة وينشط معاني المحبة في قلبه ويتفنن في البرهنة لربه على صدق محبته له سبحانه..
مثل هذا التفكير لا يبعد أن يشغل المؤمن عن الدعاء بكشف البلاء.. بل قد يرى إعطاء الأولوية للدعاء بكشف البلاء سوء أدب لأنه يدل على عدم اعتناء بالسبب الذي من أجله ابتلي (التذكرة بمبادلة التودد توددا)، ولأنه يعلم أن استمرار البلاء أدعى لرده إلى دائرة محبة الله.. فهو ينشغل بإعمار قلبه بمعاني المحبة من جديد، ويكل أمر توقيت رفع البلاء إلى الله ويوقن بحكمته تعالى في ذلك ورحمته.
ارايت بعد ذلك لماذا (الله يتودد إلينا بالبلاء)؟ ألم تر أن نبينا صلى الله عليه وسلم قال: (وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم). فانظر إلى الابتلاء بإيجابية، لا على أنه عقوبة محضة، بل هو بشكل من الأشكال تودد من الله! رأى منا غفلة عنه وجفافا في عاطفتنا تجاهه، فابتلى لنراجع أنفسنا، فنستحي، ونحب، ونتودد.. لله رب العالمين.
كم يتودد الله تعالى إلينا وهو الغني عنا! أليس من أسمائه (الودود)؟ انظر إلى قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا * وسبحوه بكرة وأصيلا * هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما * تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما} [الأحزاب: 41-44].
الله تعالى يتودد في هذه الآيات إلى المؤمنين ويستجيش مشاعرهم بتذكيرهم بأنه يهديهم ويرحمهم وسيلقاهم يوم القيامة بأجر كريم يعبر عن محبته لهم. وكأنه يقول لهم: ما دمت أفعل ذلك كله لكم، ألا أستحق منكم أن تحبوني فتذكروني كثيرا كما يذكر المحب محبوبه.
لا ينبغي أن تكون علاقتنا بالله تعالى محصورة في انتظار النعيم الدنيوي، بل ولا الأخروي فحسب.. لا بد أن يكون رضا الله مطلبا في ذاته. لا بد أن نحب الله ونحرص على أن يحبنا هو أيضا سبحانه وتعالى، وألا نطيق الحياة دون هذه المحبة.
ألا ترى أن الله تعالى ختم كثيرا من آيات الأوامر ببيان أنه يحب من يفعل كذا وكذا ولا يحب من يفعل كذا وكذا؟ ماذا نستفيد من هذه الخواتيم؟ إن كنا أوفياء لله تعالى وصادقين في محبته فإن هذه الخاتمة (والله يحب كذا) ينبغي أن تكون كافية في تشجيعنا على تنفيذ الأمر، لنحصل على هذه الجائزة العظيمة: محبة الله لنا. كم تكررت هذه الخواتيم في القرآن الكريم: {إن الله يحب المحسنين}، {والله يحب الصابرين}، {إن الله يحب المتقين}، {إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين}، {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله}، {إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا كأنهم بنيان مرصوص}، {إن الله يحب المتوكلين}.
ألم تقف عند هذه الخواتيم من قبل؟ ألم تشعر بالسعادة الغامرة إن كنت من أصناف الناس الذين يحبهم الله تعالى؟ ألا تعني لك هذه المحبة الشيء الكثير؟ ألا تستحق محبة الله أن تكون أسمى الأمنيات وأجل معنى نعيش من أجله؟
إن لم نقف عند هذه الخواتيم من قبل، إن لم نحرص على أن نكون من أهلها، إن لم تكن محبة الله كافية في أن نكون من المحسنين والصابرين والمتقين والمتطهرين والمتبعين للرسول الأمين والمتوكلين، وفي سبيل الله من المقاتلين.. إن لم تكن محبة الله كافية في أن نبذل جهدنا في التخلق بهذه الأخلاق.. ألا يدل ذلك على أن هناك جفافا في محبتنا لله ونقص اهتمام بمحبته لنا؟
وفي المقابل: ترى أن الله تعالى نهى عن أمور وأتبع النهي بأنه تعالى لا يحب من يفعل كذا: {والله لا يحب الظالمين}، {إن الله لا يحب المعتدين}، {وإنه لا يحب المسرفين}، {إن الله لا يحب الخائنين}..
أخي راجع نفسك، هل كنت كلما قرأت هذه الآيات تفكر بالطريقة التالية: (إن لم يحبني الله فسيعرضني لبلاء أو يحرمني من نعيم)؟ هل هذا هو كل ما يهمك؟ أن يستمر النعيم ويدفع البلاء؟ ألم تشعر بوخز وألم ألا يحبك الله تعالى؟ أليس هذا شيئا مرعبا وعقوبة كافية في ذاتها ألا يحبنا الله؟ ألا تكفي هذه العقوبة في أن تحرص كل الحرص على البعد عن الظلم والعدوان والإسراف والخيانة لأن الله تعالى لا يحب من اتصف بهذه الصفات؟.. أن تفتش في أقوالك وأفعالك وتحاسب نفسك حسابا دقيقا خشية أن تفقد محبة الله لك وأنت لا تشعر؟
اسأل نفسك هذه الأسئلة لتعرف إن كنت أقرب إلى شخصية رامي الجاف أم غسان الذي لم يطق أن يرى العبوس في وجه أبيه ولم يتصور العيش وهو يحس بنقص محبة أبيه له، لوفاء ونبل في نفسه.
ألا ترى كيف أن الطفل الصغير يستمد ثقته بنفسه من محبة والديه له؟ لا يشعر بالاستقرار والطمأنينة إلا إذا عبر والداه عن محبتهما له.. إذا قال له أبوه: لا أحبك، فإن هذا يهدد استقراره ويدمر ثقته بنفسه ويعطيه نظرة سوداوية للحياة. ألسنا نحن الخلق عيال الله تعالى ما لنا معيل ولا ملجأ إلا هو سبحانه وتعالى.. إذا قال الله لك: لا أحبك.. ألا يخيفك ذلك؟ ألا يجعلك ترتعد؟ ألا يسود الحياة في وجهك؟ ألا يهدد ذلك استقرارك وطمأنينتك؟ ألا ينبغي لك أن تحاسب نفسك على كل قول أو فعل يمكن أن يجعلك من هؤلاء الذين ذكر الله تعالى في كتابه أنه لا يحبهم؟
عندما يتشرب قلبك هذا المعنى فستجد وقعا عظيما وإحساسا جديدا بكثير من الآيات والأحاديث، مثل قوله تعالى: {يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم} [التوبة: 21].. تأمل هذه الآية كلمة كلمة لترى كيف تنبع منها محبة الله.. وفي المقابل الآيات والأحاديث التي تذكر أصنافا من الناس لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم.. فكفى بها عقوبة ألا يكلمك حبيبك ولا ينظر إليك إن كنت صاحب قلب حي..
تأمل معي كذلك الحديث الذي رواه البخاري أن الله يقول لأهل الجنة: ((يا أهل الجنة))، فيقولون: لبيك وسعديك، والخير في يديك، فيقول: ((هل رضيتم؟)) فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك، فيقول: ((ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟)) فيقولون: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟! فيقول: ((أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبدا)).
يصعب على جاف الشعور أن يفهم لماذا هذه أعظم النعم! فما دام أهل الجنة في ظل ممدود وفاكهة كثيرة وحور عين فماذا يضيف إليهم رضوان الله في نظره؟!
أما صادق المحبة فيعلم أن رضا المحبوب أسمى الأمنيات ومنتهى الطموحات: {وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 72].. نعم! رضوان الله أكبر من النعم الأخرى كلها.. أكبر من الجنات والأنهار والمساكن الطيبة.. إنه رضا أعظم محبوب سبحانه وتعالى.
تأمل معي كذلك قوله تعالى: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152].. يتودد إلينا ربنا ويطلب منا أن نذكره ويعدنا حينئذ بجائزة.. ما هي هذه الجائزة؟ أن يذكرنا تعالى. ضعيف المشاعر لا يفهم ما الميزة في أن يذكر الله العبد. أما صادق المحبة فيكفيه أن يذكره أعظم محبوب: الله سبحانه وتعالى.
تأمل معي كذلك الحديث الذي يصور فرحة الله تعالى بتوبة عبده: ((لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة)) (رواه مسلم). فالإنسان النبيل المؤمن يكفيه دافعا إلى التوبة علمه بأنها ستفرح من؟ ستفرح أعظم محبوب.. الله سبحانه وتعالى! بل هناك بعد آخر جميل أيضا: إذا أهداك من تحب هدية، فبأيهما أنت أفرح؟ بالهدية ذاتها أم بدلالتها على محبة من أهداها لك؟ بل تفرح أكثر بأن من أهداها إليك يعبر بذلك عن حبه. لذا ففرحة أهل الجنة مضاعفة، فهم ليسوا فرحين بما آتاهم الله من فضله فحسب، بل وبدلالة هذا الإنعام على حب الله لهم ورضاه عنهم كذلك..
فلا تنس استشعار هذا المعنى كلما قرأت آيات وأحاديث الإنعام الإلهي.. {يبشرهم ربهم}، {أعد الله لهم}، {وعد الله الذين آمنوا}، {وآتاهم الله}.. رضا الله الذي يدل عليه هذا النعيم أهم من النعيم نفسه.
طبعا لا يعني ما تقدم أن المؤمن يطيع الله تعالى ويعبده محبة فحسب دون انتظار ثواب أو خوف عقاب، فهذا شطط ترده نصوص القرآن والسنة كقوله تعالى: {يدعون ربهم خوفا وطمعا} [السجدة: 16].. وقوله تعالى: {ويرجون رحمته ويخافون عذابه} [الإسراء: 57].. إنما المقصود التنبيه على معنى كثيرا ما يغيب عن الأذهان ينبغي أن يحتف بالخوف والرجاء، ألا وهو طاعة الله حبا له تعالى والحرص على حبه تعالى لنا ورضاه عنا.
هل اقتنعت الآن أن الله تعالى يتودد إلينا؟ هل استوقفتك هذه الآيات من قبل؟ هل كنت حريصا على أن تبادل الله الود ودا؟ أم أنك التهيت بالنعيم عن المنعم؟ إذا كنت التهيت فلا تعجب عندما يبتليك الله تعالى ليذكرك أن تبادله الود ودا. حتى لو كان الابتلاء شديدا، فلن يكون أشد من جفاف الروح وقحط القلب بخلوه من تذوق تودد الله لنا ومبادلة هذا الود ودا. فإذا دفعك البلاء إلى هذا التذوق فقد ربحت كل شيء، ولم تخسر شيئا، مهما كانت خسارتك كبيرة في الظاهر.
ذكرنا أن البلاء يعينك على أن تبني حبك لله على أسس سليمة، وقلنا أن من هذه الأسس تأمل أسماء الله وصفاته. البلاء يعينك على فهم هذه الأسماء والصفات.
من جميل ما قيل: "متى فتح -أي الله تعالى- لك باب الفهم في المنع، عاد المنع عين العطاء. متى أعطاك أشهدك بره، ومتى منعك أشهدك قهره، فهو في كل ذلك متعرف إليك ومقبل بوجود لطفه عليك. إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه". إذن، قد تحرم من نعمة.. فإن وفقك الله للتفكر في حكمته عندما حرمك، فإن هذا التفكر سيعود عليك بعطايا هي أعظم بكثير مما حرمت منه، وسترى أن الله تعالى يعرفك بأسمائه وصفاته من خلال هذا البلاء. أما الذي لا يرى البلاء إلا شرا محضا فمصيبته في قلة التفكر وقلة فهم حكم الله.
قال ابن القيم: (ولو أنصف العبد ربه، وأنى له بذلك، لعلم أن فضله عليه فيما منعه من الدنيا ولذاتها ونعيمها أعظم من فضله عليه فيما آتاه من ذلك، فما منعه إلا ليعطيه) (الفوائد).
المفتاح للتفكر والفهم هو أن توقن أن لله في كل شيء حكمة. تجاوز الشك في وجود الحكمة. أيقن بحكمة الله ثم تفكر: ما هي هذه الحكم؟ وستفتح لك حينئذ كنوز عظيمة. والمفتاح الآخر أن توقن بجهلك في مقابل حكمة الله: {وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون} [البقرة: 216].
مررت ببلاء تقييد حريتي.. في كل مرحلة منه كنت أتمنى أن يتوقف البلاء عند هذا الحد وأعود إلى حياتي كالمعتاد. وفي كل مرحلة كنت أظن أن توقف البلاء عند هذا الحد هو الأنفع لي. لكني في كل مرحلة كنت أكتشف أن استمرار البلاء كان أنفع لي من توقفه! والآن لو سئلت: هل تتمنى لو أن كل هذا الذي حدث لك لم يحدث؟ فجوابي: لا والله! بل أنا سعيد جدا بأن الله تعالى لم يحقق لي ما تمنيته ودعوت به من العودة لحياتي الطبيعية، بل اختار لي ما هو أفضل من اختياري لنفسي. أحمد الله على أن استمرت نعمة البلاء هذه المدة كلها لأقطف منها الهدايا الربانية العظيمة.
قال ابن القيم: (ومن الآفات الخفية العامة أن يكون العبد في نعمة أنعم الله بها عليه واختارها له فيملها العبد ويطلب الانتقال منها إلى ما يزعم -لجهله- أنه خير له منها. وربه برحمته لا يخرجه من تلك النعمة ويعذره بجهله وسوء اختياره لنفسه...). ثم قال: (فإذا أراد الله بعبده خيرا ورشدا أشهده أن ما هو فيه نعمة من نعمه عليه ورضاه به وأوزعه شكره عليه) (الفوائد).
والحمد لله وصلت إلى هذه المرحلة في أواخر بلائي: لم تعد المسألة صبرا فحسب، بل أصبحت أشكر ربي على ما أنا فيه من نعمة البلاء.
قبل تجربتي تلك كنت أتساءل أحيانا عن الحكمة في تقدير البلاء على علماء ودعاة يفيدون الناس بدعوتهم وهم أحرار، كالإمام أحمد بن حنبل وابن تيمية وابن القيم وسيد قطب وغيرهم. كنت أفهم بعض الحكم من ذلك، لكني كنت أتمنى أن يطمئن قلبي أكثر. كنت أفهم جانبا من الحكمة نظريا لكني بتجربة البلاء فهمتها عمليا. إذا ابتليت ووفقك الله للفهم فسترى كيف أن من يعمل للإسلام تبقى في شخصيته حلقة مفقودة لا تكتمل إلا بالتضحية، عندما يقدم ثمن دعوته. سترى كيف أن الله يفتح على الأسير في سبيله فتوحات ما كانت تخطر بباله خارج السجن. ستفهم كل كلمة من الكلمات التالية العظيمة لسيد قطب رحمه الله:
(فلا بد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف والشدائد وبالجوع ونقص الأموال والأنفس الثمرات. قال تعالى: {ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين} [البقرة: 155].. لا بد من هذا البلاء ليؤدي المؤمنون تكاليف العقيدة كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى. فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين، وكلما تألموا في سبيلها وكلما بذلوا من أجلها كانت أعز عليهم وكانوا أضن بها. كذلك لن يدرك الآخرون قيمتها إلا حين يرون ابتلاء أهلها وصبرهم على بلائها. ولا بد من البلاء كذلك ليصلب عود أصحاب العقيدة ويقوى. فالشدائد تستجيش مكنون القوى، ومدخور الطاقة، وتفتح في القلوب منافذ ومسارب ما كان ليعلمها المؤمن إلا تحت مطارق الشدائد. والقيم والموازين والتصورات ما كانت لتصح وتدق وتستقيم إلا في جو المحنة التي تزيل الغبش عن العيون والران عن القلوب. وأهم من هذا كله، أو القاعدة لهذا كله: الالتجاء إلى الله وحده حين تهتز الأسناد كلها، وتتوارى الأوهام -وهي شتى- ويخلو القلب إلى الله وحده لا يجد سندا إلا سنده. وفي هذه اللحظة قد تنجلي الغشاوات، وتنفتح البصيرة، وينجلي الأفق على مد البصر: لا شيء إلا الله، لا قوة إلا قوته، لا حول إلا حوله، لا إرادة إلا إرادته، لا ملجأ إلا إليه.. لذلك إن الله قد وضع الابتلاء لينكشف المجاهدون ويتميزوا، وتصبح أخبارهم معروفة، ولا يقع الالتباس في الصفوف، ولا يبقى مجال لخفاء أمر المنافقين، ولا أمر الضعاف الجزعين) انتهى كلامه رحمه الله من كتابه (في ظلال القرآن - تفسيره سورة البقرة).
إذن هذه من حكم الله تعالى في ابتلاء الدعاة. صحيح أنهم لو بقوا بكامل حريتهم لربما تمكنوا من مخالطة الناس وقراءة المراجع وبث المؤلفات أكثر. لكن الله تعالى يريد أن يخلص نياتهم ويبث الحياة في كلماتهم.. فكما قيل: فعل رجل في ألف رجل أبلغ من قول ألف رجل في رجل.
ثق بحكمة الله في ابتلائك، وسيكشف لك كنوزا عظيمة.
لا زلنا نتكلم عن حكمة الله عز وجل في الابتلاء، وهنا نضيف عنصرا جديدا ألا وهو الحديث عن: حكمة الله عز وجل في اختيار مدة البلاء. كان يأتيني أحيانا خاطر في بلائي فأقول في نفسي: (حتى هذا الحد استفدت كثيرا من هذه التجربة لديني، لكني أخشى إن طال البلاء أن يصبح المفعول عكسيا)!
ثم قلت لنفسي: وما شأنك أنت؟ أنت عبد؛ دع أمرك لله عز وجل الحكيم الخبير العليم، هو أعلم بمدة البلاء، وشدته، وتوقيته، ونوعه، يختار ما يشاء سبحانه وتعالى، وهو الحكيم في اختياره.
حتى نفهم هذا المعنى؛ تعال نتأمل قصة غزوة الأحزاب (الخندق): وقع البلاء في وقته، وارتفع في وقته.. كانت الأزمة قد استمرت حتى وقع التمايز التام بين المنافقين والذين في قلوبهم مرض والمؤمنين، وانكشفت حقائق الرجال.. فمن حكمة الله ورحمته أن البلاء استمر إلى أن تحققت هذه الأمور، فيأخذ المؤمنون حذرهم من المنافقين، ولا يتأثرون بعدها بأقوالهم وسمومهم التي ينفثونها بمكر.
ومن حكمة الله ورحمته أيضا أن البلاء لم يستمر ويشتد أكثر من ذلك فتزل قدم بعد ثبوتها وينخلع بعض المؤمنين عن إيمانهم ويقينهم. {ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما} [الأحزاب: 22].. فالمؤمنون لما رأوا الأحزاب ثبتوا وصبروا، و(إنما الصبر عند الصدمة الأولى).. فنجاهم الله عز وجل بإيمانهم وأنطقهم بكلام حفظ عليهم دينهم.. وقولهم: {هذا ما وعدنا الله ورسوله}.. قال المفسرون أنهم يعنون به قول الله تعالى في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} (قال ابن عاشور إن هذه الآية نزلت قبل وقعة الأحزاب بعام).
لكن البلاء استمر واشتد.. ودام الحصار شهرا، وفي هذا الشهر: جوع، برد، خوف.. حاول المشركون الإغارة على المسلمين من نقاط ضعف في الخندق. وبلغت الأمور ذروتها عندما علم المسلمون أن يهود بني قريظة نقضوا العهد وتحالفوا مع المشركين.. والآن، في أية لحظة، يمكن ليهود بني قريظة أن يفتحوا بواباتهم، فينساح المشركون في المدينة ويعيثوا فيها قتلا وتعذيبا وانتهاكا للأعراض.
قال الله تعالى: {إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} [الأحزاب: 10-11].. في هذه اللحظة نجى الله المؤمنين، وأرسل الله الريح فاقتلعت خيام المشركين، وكفأت قدورهم، وشردت جموعهم، وانسحبوا مهزومين. انظر -سبحان الله العظيم!- إلى هذا التوقيت المناسب.
تعال الآن نتأمل:
طيب، السؤال الآخر:
لله في ذلك حكم، منها -والله تعالى أعلم بحكمته- أن الله عز وجل أراد أن يصلب عود المؤمنين، فكلما اشتد البلاء صلب عودهم وترقوا في المنازل. ومنها أن هذه الزلزلة التي حصلت لهم كسرتهم أمام الله وأشعرتهم بافتقارهم إلى رحمته سبحانه وضعفهم في المقابل، فلا يصيبهم العجب بأنفسهم ولا يغتروا بها، ولا يسندون الفضل إلى أنفسهم في الصبر والثبات، بل يسندون الفضل كله إلى الله عز وجل الذي نجاهم في اللحظة الحرجة.
إذن:
فانظر إلى حكمة الله -سبحانه وتعالى- في مدة البلاء. فسبحان الحكيم الخبير الذي لا يضيع عمل عباده المؤمنين، وفي الوقت ذاته يربيهم ويؤدبهم.
أيقن بحكمة الله في اختيار مدة البلاء.
فإذا رأيت أناسا صالحين يبتلون بلايا شديدة، وثارت في صدرك تساؤلات عن حكمة الله في ابتلائهم، فقل: (علي نفسي. هم لم يشكوا ربهم سبحانه لأحد. فإن كانوا راضين بقضاء الله فما شأني أنا؟ فالله أرحم بهم مني).. مع سعيك طبعا في عونهم ورفع البلاء عنهم إن استطعت.
من حكمة الله تعالى أن يمنح أصحاب البلايا الشديدة مذاقات لا توصف.
ابنك.. تنصحه ألا يكثر من الحلويات وأن ينظف فمه منها كلما أكلها. لا يستجيب لنصحك.. يأكلها بكثرة، يصيب أسنانه التسوس، فيأتيك شاكيا: (بابا أسناني توجعني). إذن هيا إلى الطبيب.. (لا يا بابا أرجوك! سأتألم). (لا بد من ذلك يا بني، وإلا استفحل التسوس وعانيت ألما أشد). تذهبان، يجلس على كرسي الطبيب، يبدأ بإزالة التسوس.. يصيح ابنك من الخوف والألم: (بابا أرجوك خلصني).. تنهره أنت: (اسكت يا بابا! دع الطبيب يعالجك). يعود الطبيب للعلاج، يسكت ابنك ثم يصيح: (بابا خلص بيكفي).. تنهره بحزم: (الطبيب أدرى، دعه يكمل عمله).. خلال ذلك، هل ينظر إليك طفلك بحقد؟! أبدا طبعا، فهو يعلم أنك تريد مصلحته. هو لا يريد أن يتألم، لكن يعلم أن معالجة الطبيب توفر عليه آلاما أشد فيما بعد. أنت كأب، تتألم وأنت ترى ابنك يتألم، حتى أنك قد تخرج من الغرفة لأنك لا تطيق سماع أنينه. ينتهي العلاج في الوقت المناسب. يقوم ابنك عن الكرسي، وتنصرفان.. في طريق العودة، ينظر ابنك لك بمحبة وإجلال: (أبي يريد مصلحتي في كل ما يفعله. ها قد ذهب الألم وأتمتع أنا الآن بأسنان صحية)..
ولله المثل الأعلى.. ينهانا الله تعالى عن "حلويات" المعاصي ويأمرنا أن نتطهر منها كلما تناولناها.. نتغافل، فتصيبنا الذنوب وأمراض القلوب. يعلم ربنا الرحيم أن هذه الذنوب والأمراض سوف تستفحل إن تركت وتؤذينا. فيضعنا على كرسي البلاء ليطهر قلوبنا منها. نتألم، نخاف، نرجوه تعالى أن يقيمنا عن كرسي البلاء.. وربنا، برحمته، يعلم أن العلاج لم ينته بعد، وأنه لا زال في قلوبنا تسوس.
نعم، لك أن تدعو الله مع ذلك أن يخرجك من البلاء وتلح عليه، لكنك مهما طال العلاج تبقى تنظر إليه سبحانه نظرة ذلك الطفل الذي يعلم أن أباه يريد مصلحته، فتحسن الظن بربك عز وجل وتوقن أن اختياره لك خير من اختيارك لنفسك، ولا يمكن للحظة أن تسيء الظن به، بل تبقى ترجوه وتحبه. مهم جدا أن تعلم: الله تعالى لا يحب أن يراك تتألم، لكن يحب أن يراك تتطهر، لأنه تعالى يعلم خطر الذنوب وأمراض القلوب عليك.
إذا تعرضت لبلاء، فاعلم أن الله أراد أن يطهرك.. ارجه أن يفرج عنك، لكن طوال بقائك في بلائك، أحسن الظن بربك وازدد له حبا، فهو سبحانه أرحم بك منك بنفسك.
تصور أنك رأيت إنسانا لا تعرفه، فتبسمت في وجهه، ثم نسيت الموقف. فإذا بهذا الشخص يهديك سيارة ويقول لك: لن أنسى بسمتك. لقد أحسست فيها بمحبتك الصادقة لي. ثم بقي يتصل بك ويشكرك على ابتسامتك. وقعت في مأزق فساعدك وسعى معك بوقته وجهده وماله. مرضت فزارك وأطعمك بيده. استحيت منه وقلت له أنك لا تستحق منه هذا كله.. فقال لك: لا.. لن أنسى لك تبسمك في وجهي. وبقي يظهر لك المحبة الصادقة التي لا تشوبها المصالح الدنيوية.
ماذا تسمي إنسانا كهذا؟ (ودود).. أليس كذلك؟ ألا تحس بالحياء الشديد من تودد مثل هذا الإنسان؟ خاصة إن لم تستطع سداد معروفه وجميله؟
ولله المثل الأعلى! الله سبحانه وتعالى، الودود، يرضى عن عبده ويحبه ويكرمه على أفعال بسيطة جدا لا يلقي لها العبد بالا.. بشرط واحد: أن يكون هذا الفعل أو القول أو الشعور خالصا لوجه الله. انظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن أحدكم ليتكلم بالكلمة من رضوان الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت فيكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه)) (صحيح رواه الترمذي). كلمة لعل العبد نسيها وما تصور أن تبلغ هذا المبلغ عند الله، لكنه تعالى يرضى بها عن العبد إلى الأبد لأنه: الودود.
في الحديث الذي رواه الإمام مسلم: ((لقد رأيت رجلا يتقلب في الجنة، في شجرة قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي الناس)).. عمل بسيط جدا، لكننا نتعامل مع: الودود سبحانه وتعالى.
الله تعالى يضاعف الحسنة إلى عشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة لأنه تعالى: الودود.
دموع تنزل منك في لحظة تأملت فيها لطف الله وكرم الله وعظمة الله وحلم الله.. دموع.. يظلك الله بها في ظله ويحرم عينك بها على النار لأنه تعالى: الودود.. (ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه) (متفق عليه).. (عينان لا تمسهما النار عين بكت من خشية الله، وعين باتت تحرس في سبيل الله) (رواه البخاري).
في الحديث الذي رواه البخاري عن الرجل الذي أشفق على كلب فسقاه.. ((فشكر الله له فغفر له)).
أعمال بسيطة لكن الله يشكرها لأنه الشكور، ويتودد إلينا إذا فعلناها لأنه تعالى: الودود.. "واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود" [هود: 90].
قد يمحو لك جبالا من الخطايا ولا يبالي، لكنه لا يمحو حسنة واحدة بلا سبب: "إن الله لا يضيع أجر المحسنين" [التوبة: 120].. لأنه: الودود.
في الحديث الذي رواه مسلم يقول الله تعالى: ((من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها وأزيد. ومن جاء بالسيئة، فجزاؤه سيئة مثلها، أو أغفر. ومن تقرب مني شبرا تقربت منه ذراعا. ومن تقرب مني ذراعا تقربت منه باعا. ومن أتاني يمشي، أتيته هرولة. ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا، لقيته بمثلها مغفرة)).. نعم. لأنه تعالى: الودود.
الذي يجعلك تستحي من الله تعالى مع كرمه وتودده أنك لا تستطيع نفعه تعالى بشيء، لا تستطيع أن ترد جميله.. وفوق ذلك.. هو تعالى الذي وفقك للعمل. العبد يختار، صحيح، لكن اختيارك الخير ما هو إلا بتوفيق الله لك. فيوفقك لعمل الخير، ثم يثيبك على الخير الذي وفقك هو له!
ثم الله إذا ابتلاك فصبرك أثابك على الصبر الذي وفقك هو له! يثيبك ثوابا عاجلا في الدنيا ولا بد، ولو بنعيم القلب وأنسه، ثم يثيبك في الآخرة.. ما هذا الكرم والود؟.. لا عجب فهو تعالى: الودود.
في ثنايا البلايا رأيت من ربي عز وجل حلما ولطفا ورحمة ورأفة وكرما وسترا وإعانة أكثر مما تصورت! بحثت في ماضي وحاضري لأرى لماذا ينعم الله علي بهذا الشكل! فلم أجد.. فبكيت حياء من ربي تعالى وقلت له: (والله يا رب ما بستاهل، والله يا رب ما بستاهل). إي والله إني لا أستحق.. ولكنه تعالى: الودود.
ألا يكفي هذا كله في أن نحب ربنا تعالى بلا شروط؟ ألا يكفي هذا كله في أن نحبه في رحم المعاناة والبلاء وأن نأنس به ونكتفي بقربه مهما كانت الظروف؟
إخواني وأخواتي.. فلنحب الله لأنه تعالى: الودود.
لا زلنا نبني حبنا لله على أسس سليمة، أولها تأمل أسماء الله وصفاته. قلنا أنك إن أتقنت التعامل مع البلاء فإنك ستفهم أسماء الله تعالى وصفاته أكثر وأكثر من خلال البلاء، وهذا سيفضي في المحصلة إلى تحويل البلاء إلى سبب لزيادة محبة الله تعالى.
في المحطات الماضية تأملنا حكمة الله في البلاء ثم تودده لعباده بالبلاء. اليوم نتأمل صفة أخرى من صفات الله تعالى.. ما هي هذه الصفة؟
أحيانا نعاني من مشكلة، لا نعلم كم تستمر وإلى أي مدى ستتفاقم.. يشرق في نفوسنا الأمل بزوالها.. تلهج ألسنتنا بالدعاء.. لكن ما نلبث أن يعترينا الخوف ويتراءى لنا شبح اليأس عندما نفكر في أن بلاءنا سيطول ويشتد..
نخاف حينئذ، لأننا ننظر في جوانب أنفسنا وحناياها فلا نجد فيها ما يعول عليه أن يصبرنا إذا وصل البلاء إلى الدرجة المخوفة. نتعامل مع المسألة بطريقة رياضية: فإن كانت المصيبة مرضا يخشى أن يؤدي إلى العمى مثلا، فإنا نعقد المعادلة التالية لتخيل المستقبل: أنا - بصر = إنسان تعيس.
وإن كان ابنك في غرفة العناية المركزة بين الحياة والموت فالمعادلة: الحياة - ابني = حزن مستمر.. وهكذا.
إننا ننسى في معادلتنا هذه عنصرا مهما جدا وهو أن الصبر لن ينبع من جوانب نفسك الضعيفة عند حلول المصيبة أو اشتدادها.. إنما هو ينزل من عند الله تعالى! المعين لمن استعان به. اختلف العلماء في اعتبار المعين من أسماء الله، لكنه بلا شك من صفاته تعالى.
إذن فالصبر ينزل من عند ربنا المعين تماما كما ينزل النصر.. ينزل الصبر من عند الله لينصرك في معركتك ضد اليأس والحزن.. "وإن ينصركم الله فلا غالب لكم" [آل عمران: 160].
لاحظ: كما أن الله تعالى قال: "وما النصر إلا من عند الله" [آل عمران: 126].. فقد قال: "واصبر وما صبرك إلا بالله" [النحل: 127].. فتركيب الآيتين متشابه.
إنها حقيقة مهمة جدا! الصبر ينزل من عند الله وكذلك الأمان والسكينة.. والشواهد لذلك كثيرة كقوله تعالى: "ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة" [آل عمران: 154]، وقوله تعالى: "فأنزل السكينة عليهم" [الفتح: 18]، وقوله تعالى حكاية عن السحرة الذين آمنوا بموسى عليه السلام وهم على وشك أن تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبوا: "ربنا أفرغ علينا صبرا وتوفنا مسلمين" [الأعراف: 126].
تصوروا دلوا يفرغ بصب ما فيه.. هم يطلبون من ربهم أن يصب عليهم الصبر صبا..
ينزل الصبر كالمطر على القلوب المرتجفة الحرى فيسكنها ويبردها.. إنها ليست نفسك البشرية الضعيفة التي يعول عليها أن تختلق الصبر وتخوض المعركة!.. إنه الله المعين الذي يثبت: "يثبت الله الذين آمنوا" [إبراهيم: 27].. وبما أنه الله الذي يثبت فليس هناك بلاء أكبر من تثبيت الله المعين..
إنه الله تعالى الذي يربط على القلوب المرتجفة التي كادت تنخلع من الصدر حزنا أو خوفا من المجهول.. "وربطنا على قلوبهم" [الكهف: 14].. وحينئذ فلا شيء يخيف إن كان الله هو المعين.
أم موسى عليه السلام.. ألقت ابنها في اليم، فترك وراءه قلبا فارغا؛ قلب أم فقدت فلذة كبدها.. فنزل التثبيت من الله: "وأصبح فؤاد أم موسى فارغا إن كادت لتبدي به لولا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين" [القصص: 10].
إذن فالصبر ينزل نزولا من عند الله المعين. وبالتالي، فالمعادلة لم تعد بالجمود الذي كنا نظنه، بل أصبحت: أنا - بصر + صبر من الله = إنسان راض. الحياة - ابني + سكينة من الله = رضا واحتساب وانطلاقة جديدة.
أخي! لسنا من الملاحدة الذين لا يؤمنون إلا بالظواهر المادية، بل نحن نؤمن أن الله معنا. ألسنا نقرأ في صلاتنا يوميا 17 مرة على الأقل: "إياك نعبد وإياك نستعين" [الفاتحة: 5]..؟ هل خطر ببالك وأنت مبتلى أن تتأمل هذه الآية عند قراءتها وتتصور قوتك وأنت تستمد العون من الله تعالى أمام البلاء؟
لا تقل (لن أصبر)! بل إن استعنت بالله أعانك. انظر إلى قوله تعالى: "قل رب أحكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون" [الأنبياء: 112]، وإلى ما حكاه عن يعقوب عليه السلام أنه قال: "والله المستعان على ما تصفون" [يوسف: 18].. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((وإذا استعنت فاستعن بالله)).
لا تقل (لن أصبر)! لا بلاء أكبر من إعانة المعين إن استعنت به بصدق. تذكر أهل الأخدود وسحرة فرعون وماشطة ابنته.. كيف نزل عليهم صبر عظيم مقابل بلائهم الشديد بمجرد أن خالط الإيمان قلوبهم فطابت نفوسهم بالتضحية في سبيل الله مع أنهم عاشوا حياتهم قبل ذلك مشركين. فالذي صبرهم قادر على أن يصبرك إذا لجأت إليه..
لا تقل (لن أصبر)! فكل ما عليك فعله هو أن تستعين بربك الرحمن المستعان.. قال نبينا عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم: ((ومن يتصبر يصبره الله)).
لا تقل (لن أصبر)! بل إن استعنت بالله فسينزل عليك الصبر بالمقدار المناسب ليطمئن قلبك، مهما كان حجم البلاء، قال الله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم" [التغابن: 11].. أي: يهد قلبه للخير والصبر والرضا عند المصيبة.
لا تقل (لن أصبر)! بل انظر إلى هذا الحديث العظيم الذي يلخص محطتنا هذه: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي صححه الألباني: ((إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة، وإن الصبر يأتي من الله على قدر المصيبة)). لاحظ ألفاظ الحديث: ((إن المعونة تأتي من الله على قدر المؤونة)).. على قدر التكليف، ((وإن الصبر يأتي من الله على قدر المصيبة)).. الصبر يأتي من الله تعالى المعين
يذكره الناس بخير ويستره الله.
بل انظر إلى تواصل ستر الله على عباده المؤمنين يوم القيامة.. في الحديث الذي رواه البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن الله يدني المؤمن -أي: يوم القيامة- فيضع عليه كنفه ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا، أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب. حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال: سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته...)).
تصور!.. معاص سترها الله في الدنيا فلم يعلم بها إلا الله ثم صاحبها والحفظة من الملائكة، ثم سترها الله بعد وفاة صاحبها ثم سترها يوم القيامة فدفنت وكأنها ما كانت، ولا يظهر الله إلا محاسن صاحبها فيعطى كتاب حسناته فينطلق ويقول: {هاؤم اقرؤوا كتابيه} [الحاقة: 19].. كيف أيها العبد لو لم يسترها الله؟ أكنت تقول للعالمين هاؤم اقرؤوا كتابيه؟
بل قد تعمل عملا لله تعالى تسر به لئلا يدخل قلبك الرياء.. فيقبله ربك عز وجل، ثم يظهر هذا العمل على يد أعدائك فيزيد محبتك في قلوب الناس ويرفع قدرك عندهم أنك أسررت به، ويعود عدوك خاسئا مدحورا.
وإذا أراد الله نشر فضيلة ... طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ... ما كان يعرف طيب عرف العود
فاشكر الله الذي فعل هذا بحسناتك ولم يفعله بمعاصيك وسيئاتك! وإن أثنى عليك المثنون.. وأثنوا على صبرك على بلائك.. فتذكر على الفور أن تشكر الله الذي سترك، وتصور لو أن للمعاصي صغيرها وكبيرها رائحة تفوح أو علامة تظهر على جبهتك كيف سيكون الحال؟!
وتذكر قول أبي محمد الأندلسي القحطاني مخاطبا رب العزة عز وجل:
أنت الذي صورتني وخلقتني ... وهديتني لشرائع الإيمان أنت الذي آويتني وحبوتني ... وهديتني من حيرة الخذلان وزرعت لي بين القلوب مودة ... والعطف منك برحمة وحنان ونشرت لي في العالمين محاسنا ... وسترت عن أبصارهم عصياني والله لو علموا قبيح سريرتي ... لأبى السلام علي من يلقاني ولأعرضوا عني وملوا صحبتي ... ولبؤت بعد كرامة بهوان لكن سترت معايبي ومثالي ... وحلمت عن سقطي وعن طغياني فلك المحامد والمدائح كلها ... بخواطري وجوارحي ولساني
ختاما، عرفانا لله تعالى بالجميل أن سترك، وحتى يستمر ستره عليك.. استر على عباد الله.. فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة)) (رواه مسلم)، وقال: ((من غسل ميتا فكتم عليه غفر الله له أربعين مرة)) (صححه الألباني وقال ابن حجر: حسن غريب). يعني قد ترى من الميت شيئا يسوؤه لو كان حيا أن يطلع عليه الناس.. علامات سوء خاتمة، مرض، آثار وشم قبل الالتزام، حتى على مستوى قلة عناية بنظافة ملابسه أو جسده.. سترك الله فاستر على عباد الله. وكلما دعتك نفسك إلى الحديث عن عيوب الناس فتذكر ستر الله عليك.
تأمل ستر الله عليك في بلائك.. وكيف أنه لو أظهر ما ستر لشمت فيك من شمت.. وانفض عنك بعض من يتعاطف معك. وإن أثنى الناس عليك أو على صبرك، فتوجه بالحمد إلى ربك الستير.
أحبتي الكرام.. تصوروا معي حوارا يدور بين صديقين: زياد ورائد..
زياد: سمعت يا رائد أنك مقرب من شخص مهم. رائد: صحيح، إنه ثري وذو نفوذ، لا تستعصي عليه مشكلة. زياد: وما علاقتك به؟ رائد: إنه صديقي! على استعداد أن يقف معي في أية مشكلة. يؤكد علي دائما ألا أطلب المساعدة من غيره.
ثم بعد أيام من هذا الحوار:
رائد: آآآآآه يا زياد.. أنا قلق!
أخي.. أختي.. أليس زياد على حق؟ أليس رائد متناقضا في دعواه؟ قبل أن تتحامل على رائد.. انتبه.. أخشى أن نكون مثله!
ألسنا نعلن أننا نؤمن بالله وأننا نعبده، فنقرأ في صلاتنا في اليوم الواحد {إياك نعبد} سبع عشرة مرة على الأقل ونستعين به فنقرأ {وإياك نستعين} سبع عشرة مرة، ونعتقد أن الله تعالى معنا ونتوكل عليه فنقول: (باسم الله توكلت على الله)، ونردد كثيرا: (حسبي الله ونعم الوكيل) ونعلن أننا مسلمون قد أسلمنا أمرنا لله تعالى فنردد إذا أوينا إلى فراشنا -كما علمنا رسول الله-: (اللهم أسلمت نفسي إليك ووجهت وجهي إليك وفوضت أمري إليك وألجأت ظهري إليك) (رواه البخاري)، ونردد صباح مساء: (رضيت بالله ربا)، أي خالقا رازقا مدبرا لأمورنا؟
هل نعني ما نقول؟ هل نحن بالفعل مؤمنون بالله تعالى مسلمون أنفسنا وأمورنا إليه عابدون له مستعينون به متوكلون عليه راضون به مفوضون أمرنا إليه ملجئون ظهورنا إليه؟
إذن.. فالله تعالى يقول: {والله ولي المؤمنين} [آل عمران: 68].. ويقول سبحانه: {فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} [الأنفال: 40].. ويقول: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين} [آل عمران: 139].. ويقول: {أليس الله بكاف عبده} [الزمر: 36].. (قراءة عشرية صحيحة) ويقول: {ومن يتوكل على الله فهو حسبه} [الطلاق: 3].. ويقول: {والله معكم ولن يتركم أعمالكم} [محمد: 35].. ويقول: {إن الله مع الصابرين} [البقرة: 153]..
فكيف يسمح أحدنا لنفسه بعد هذا كله أن يحس بالخوف الشديد عند تعرضه لمشكلة؟! كيف يسمح لنفسه أن يحس بالضياع والقلق والوحشة وبأنه وحده أمام المشكلة؟! بل كيف يسمح لنفسه أن يبوح بهذه الأحاسيس أمام الناس؟ أين إيماننا بالله وإسلام أمرنا له واستعانتنا به وتوكلنا عليه واستشعار معيته؟ ألا نستحي من الله بعد ذلك أن نشكو الوحدة والضياع والضعف والقلق من المستقبل؟! ألسنا حينئذ متناقضين مع أنفسنا؟
إنه ليس لتناقضنا هذا تفسير إلا واحد من ثلاثة:
فأي تفسير تختار أيها "المتوكل" الشاكي؟ أحبتي في الله، دعونا نعرف عظمة الرب الذي نعبده ونستعين به:
فما فائدة إيماننا بأسماء الله وصفاته إن كان هذا الإيمان لا يسكن روعنا ويربط على قلوبنا في البلايا والمحن؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا) (رواه مسلم). فمن رضي بالله ربا يدبر أمره ويرعى شأنه فسيذوق طعم الإيمان وسكينته واطمئنانه. ومن وجد بدلا من ذلك الجزع والفزع فلم يذق طعم الإيمان، ولينظر حينئذ في صدق رضاه بالله ربا!
إنه الله لا يخذل من توكل عليه.. إنما نحن الذين قد لا نحسن التوكل.
أخي المبتلى.. لا تشك الله إلى الخلق أرجوك! فليسوا ارحم بك من الله.. لا تشك الله إلى الخلق أرجوك! لئلا تشمت بنا الأعداء الذين سيقولون حينها: أين معونة ربكم التي زعمتم. كما قال أسلافهم فيما حكاه الله عنهم: {غر هؤلاء دينهم} [الأنفال: 49]، فرد الله عليهم {ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم} [الأنفال: 49].. كلما أردت أن تشكو الضياع والتوجس من المستقبل واليأس والقنوط ونفاد الصبر، تصور أنه يجلس بجانبك ملحد يسمع ما تقول! ماذا سيقول لك إذا سمع شكواك؟: (ألم تكن تنصحني أيها المسلم أن أؤمن بوجود رب خلقنا ويرزقنا وأن أعبده وأستمد العون منه لأشعر بالطمأنينة وخيري الدنيا والآخرة؟ لا أرى من ذلك شيئا! بل أراك كأنك تقول: أمري بيد الله، فأنا الآن قلق)!
ضمن هذه المعاني صيغت في خضم بلاء مررت به قصيدة بعنوان: (بحب الله أتصبر) كان لها أثر بإذن الله في تثبيتي وانشراح صدري إلى أن أذن الله بانجلاء البلاء.. تجدها أخي / أختي في الصفحات القادمة.. فتأملها وتشرب معانيها.. نفعنا الله بها.
طال البلاء فوجهه متجهر ... وخبـا الرجاء فيأسه مستحكم ويقول إني ضائع مستوحش ... قلق شديد الغم صدري مظلم غرقان وحدي في الهموم فليس لي ... جار يجير ولا صديق يرحم صحراء عسري لست أبصر حدها ... فأسير تلفحني الرمال وتلطم إما سعيت لدوحة أبصرتها ... فإذا سراب والظنون توهم وأخاف أن تبيد الرزايا منيتي ... فأعيش عمري والفؤاد محطم
فسألته: أوأنت تنكر ربنا؟ ... فأجاب: بل إني حنيف مسلم عجبا لأمرك هل تبيت على الظما ... إن كان عندك نبع ماء زمزم إن كان بيتك بالجواهر زاخرا ... أتقول إني ذو افتقار معدم كالعيـر وسط البيد يقتلها الظما ... وظهورها من حمل ماء تقصم ماذا تقول لملحد متسمع ... منك الشكاة وبث ما لا تكظم فيقول: (هل يا مسلمون نسيتم ... ما قد زعمتم أن ربا معكم وبأنكم إذ ما ذكرتم وعده ... سكنى الجنان رضيتم وصبرتم وبأن حب الله عصمة أمركم ... وإذا توكلتم عليه كفاكم حتى السكينة قد زعمتم أنها ... حكر عليكم والشقـا لسواكم مالي أراكم بعد ذلك قنطا ... متذمرين بكم أسى وتشاؤم قد غركم أتباع أحمد دينكم ... وظننتموه لدى البلاء سيعصم أين المحبـة قد زعمتم نفعها ... والخوف يعصف والوساوس تهجم أما أنا فوداد ليلى بهجتي ... ووصالها من كل جرح بلسم عمران قلبي من محبتها فلا ... شيء يخيف ولا الهموم تزاحم إني إذن من بهجتي في حبها ... عند القياس بكم أعز وأنعم لا تسألوني أن أدين بدينكم ... إني حظيت براحة وحرمتم)
وكأنني بك قد سكت من الحيا ... فمضى الرقيع مفاخراً يتهكم يا حسرتاه على العباد إذا اشتكوا ... قدر الرحيم لدى الذي لا يرحم! يبلو لتقبل راجيا متضرعا ... فيراك بعد موليا تتبرم؟! يبلو ليسمع منك أنة مذنب ... فيراك تبكي للعباد وتألم الله ربك كيف تشكو ضيعة ... شكواك عن سوء الظنون تترجم أتظن ربك يبتليك إذن سدى؟! ... كلا فرب العرش من ذا أحكم أو إن رفعت يدا لترجو فضله ... منع العطايا؟ إن ربي أكرم أو إن بصدق قلت ربي كن معي ... خليت وحدك؟ بل إلهي أحلم أو قلت حسبي من عليه توكلي ... لم تكف من شر؟ فربي أعظم فالله أعلم كيف يجزي منحة ... في محنة والمبتلى لا يعلم لكن في الإنسان فرط تعجل ... ولرب أمر أن يؤخر أقوم لا يخلف الله الوعود وإنما ... إن نحن لم نقبل عليه سنحرم ربي قريب للعباد فمنهم ... ساع إليه وجلهم من يحجم كم دمعة في محنتي واريتها ... أغضي على جرحي وناري تضرم حتى أعلم من يراني راضيا ... أن المحبة عروة لا تفصم ما الحب قولك باللسان تكلفا ... إني لصب مغرم ومتيم بل حبه تسليم نفسك بالقضا ... وإذا دعاك لنصر دينك فالدم كم بسمة وسط العدى أظهرتها ... والخطب ينهش والرزايا تؤلم وأرى بصبري من يريد شماتة ... أني -وربي حافظ- لا أهزم فاصبر فليسوا يرتجون وترتجى ... أجرا إذا هم يألمون وتألم إما يعزك لن تذوق مهانة ... أو -إن يهنها- ما لنفسك مكرم واذكر نبيا مبتلى بثلاثة ... وكذا بعينيه فقال يفهم: لله بثي قد شكوت وغمتي ... إني علمت من الذي لم تعلموا فارتد بعد شديد عسر مبصرا ... والشمل مجتمع ويوسف حاكم سبحان ربي كيف يبرم أمره! ... فهو اللطيف لما يشاء ويحكم رباه إني قد نثرت كنانتي ... وحملت أقلامي أصوغ وأنظم لأذود عن حوض الشريعة من عدا ... ويصد عما قد أراد اللئام وأقيم في قلب يلامس أحرفي ... لله صرح محبة لا يهدم فاكتب لعبد قد أحبك صادقا ... رؤياك إذ أنت الأعز الأكرم
ألا تحب أن تستأثر بصديق، بحيث تحس أنه لك، وأنك أعز الناس عليه فلن ينشغل بغيرك عنك؟ ألا تحس بقيمة هذا الصديق في المآزق؟ أظنك لاحظت أن مجرد بث همومك لهذا الصديق المتفهم لك والحريص عليك يشعرك بالراحة وتنفيس الهم.
قلت لأخي الأكبر مرة: هل معك ربع ساعة لأكلمك في مشكلة؟ فأجاب: (أنا كلي لك)! غمرتني هذه الكلمات وأنست بها.
هكذا نحن.. نحب أن تستأثر بمن يتفهمنا ويعيش معنا آلامنا وآمالنا.. مجرد وجوده مصدر طمأنينة لنا.. فكيف إذا كان قادرا على حل مشكلاتنا؟! كم ستستقر نفوسنا حينئذ..
في المقابل، قد تحس بالضياع عندما يزاحمك على هذا الصديق آخرون.. تخشى أن يشغلوه عنك. قد يعرف هذا الشعور من له إخوة كثيرون يزاحمونه على أب واحد، من لها ضرة تزاحمها على زوج واحد، من له زملاء يزاحمون على معلم واحد.. لم يعد الأب أو الزوج أو المعلم لك أو لك أنت وحدك.. فقد تنسى أو تنسين في زحمة الآخرين.
فتش نفسك! هل تسرب إليك شعور كهذا تجاه: ربك سبحانه وتعالى؟!
لا أسألك عن قناعاتك العقلية، فهي تأبى ذلك ولا شك.. لكن الإنسان قد يختزن في باطن شعوره هواجس تسبب له قلقا فلا يدري مصدره، ومنها هذا الهاجس.. أنك ضعت أمام الله وسط الزحام!
إليك حقيقة مؤنسة مطمئنة: الله سبحانه وتعالى مطلع عليك، قريب منك، يعلم بهمك، ويسمع دعاءك، ويفرح بتوبتك، ويدبر أمرك.. كل هذا كما لو كنت وحدك في هذا الكون لا يشركك فيه إنس ولا جان! ألم تر إلى قوله تعالى: {ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة إن الله سميع بصير} [لقمان: 28].. قال ابن كثير: (سميع لأقوالهم بصير بأفعالهم كسمعه وبصره بالنسبة إلى نفس واحدة).
كذلك في الحديث القدسي: (يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته لم ينقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر).
فسبحان من لا يشغله سائل عن سائل، ولا مستغيث عن مستغيث.. {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10].. فلا يضيع عنده أحد وسط الزحام.
لن تضيع في الزحام.. بل لك أن تتصور كما لو أنك تدعو الله وحدك وأنه يسمعك وحدك.. وأن معاني أسماء الله الحسنى تتجلى في ربوبيته لك أنت كما لو كنت وحدك.. فتظهر فيك آثار رحمة الله وقربه وعفوه ولطفه وكرمه وحلمه ومغفرته وإجابته ووده وهدايته وبره ورأفته ورزقه وكفايته وستره ورفقه وعطائه.. يظهر وسيظهر فيك هذا كما لو كنت وحدك في هذا الكون.. لذا، فلن تضيع في الزحام.
لاحظ كيف أن الله تعالى أفرد كلمة (الداع) في قوله: {وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان} [البقرة: 186].. ففي هذا الإفراد من الإشعار بالعناية بدعائك أنت ما قد لا يكون في الجمع (الداعين إذا دعوني).. ليست استجابة مجملة عامة لمجموع الداعين بحيث تجزئ استجابته لأكثرهم عن الاستجابة لأفرادهم فردا فردا.. بل يجيب دعوتك أنت كما لو كنت وحدك، ولو دعاه تعالى معك في اللحظة نفسها مليارات بل ما لا يحصى من الإنس والجن والملائكة.
كذلك قوله تعالى: {أمن يجيب المضطر إذا دعاه} [النمل: 62].. كل مضطر على حده كما لو كان وحده.. {وما كان ربك نسيا} [مريم: 64].. سبحانه فهذا شأنه: {وما يعزب عن ربك من مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين} [يونس: 61]..
فادع الله وارجه وأنس به وتأمل في نفسك آثار أسمائه وصفاته واستحضر معيته كما لو كنت وحدك..
وتذكر دوما: لن تضيع وسط الزحام.
أم هيثم.. كانت تنسج البلوزة (الكنزة) الصوفية بيديها لابنها الذي قال لها في اتصاله الأخير: (أمي الحبيبة، لي عندك طلب: انسجي لي بلوزة صوف بيديك واطلبي من أبي أن يرسلها مع صديقي عماد، فطيارته يوم الخميس بعد القادم. أعرف أنك ستتعبين في نسجها، لكني أريد أن أتذكرك وأنا ألبسها.. سأحس أنك نسجت فيها حنانك بعطفك بحبك يا غالية.. سأحس وأنا ألبسها أنك تضميني إلى صدرك.. باختصار يا حبيبتي: انسجيها.. علشاني).
أبو هيثم كان يعلق -شبه ممازح- وهو يرى زوجته منهمكة في النسج: (يعني يا سيد هيثم من قلة البلايز! تستطيع أن تشتري من عندك أحسن بلوزة بعشرين دينارا بدل أن تتعب أمك وترهق عينيها في الليل بطلبك هذا!).
أما أم هيثم فلم تتأثر أبدا بما يقوله زوجها.. كانت كلمة هيثم: (علشاني) ترن في مسامعها.. كانت من حين إلى حين تقطع انهماكها في النسج للحظة ريثما تكف دمعتها، دمعة الفرحة بتلبية طلب هيثم، أو دمعة الشوق إليه.
لقد كانت أم هيثم تنسج البلوزة باستمتاع مع أن بصرها وشيئا من اليبس في أصابعها لم يساعداها.. لكنها كانت تستجمع قواها كلما تذكرت كلمة هيثم (علشاني)، وتقول لزوجها: (لا شيء كثير على هيثم.. ما دام هيثم طلب سأصبر).
تنقلب الأعمال الشاقة متعة عندما يكون الذي طلبها منا عزيزا إلى قلوبنا.. وبقدر حبنا له، تزداد لذة المعاناة من أجله. فكيف إذا كان الذي طلبها منا هو: الله سبحانه وتعالى! إن الله يطلب منك أن تصبر ابتغاء وجهه الكريم: {والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم} [الرعد: 22]..
وقال تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {ولربك فاصبر} [المدثر: 7].. قال مفسرون في معناها: أي اجعل صبرك لله ومن أجله. فهل هناك صبر كثير على الله؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لو أن رجلا يجر على وجهه من يوم ولد إلى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة)) (حسنه الألباني).
تصور! لو أنك منذ ولادتك إلى يوم وفاتك في سن كبير هرما أمضيت هذه الثمانين أو التسعين عاما تجر على وجهك في سبيل الله تعالى لاحتقرت عملك هذا يوم القيامة ووجدته لا شيء عندما تعلم عظمة الرب الذي من أجله ابتليت وترى إكرامه لك على صبرك من أجله!
كلما أحسست بطول البلاء ونفاد الصبر قل: (بما أن الله تعالى طلب أن أصبر، سأصبر.. ابتغاء وجه الله. فالله تعالى أعظم محبوب، وليس شيء كثيرا على الله).
كنت أتساءل عن مصدر الطمأنينة في هذه الآية؟ ما الذي يجعلنا نطمئن حين نعلم أنه {لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51]..؟ تعالوا نتأمل الآية كلمة كلمة، ونتصور حالات افتراضية غير صحيحة ونقارنها بالواقع لنعرف الجواب:
فلنقف أولا مع كلمة (الله) في (كتب الله لنا): تصور أنك مأسور وتنتظر حكما من قاض من قضاة الأرض في جلسة ستعقد في موعد قريب محدد، وهذا الحكم هو أنك إما أن تبقى تحت تصرف الله تعالى أو تنتقل إلى تصرف البشر! إما أن تبقى تحت تصرف الله بصفاته من حكمة ورحمة وعدل ولطف ورأفة وحلم، وإما أن تنتقل إلى تصرف من لا يشارك الله تعالى في صفاته هذه! حينئذ من حقك أن تقلق وتخاف بالفعل. أما حين توقن أن كل ما يصيبك هو مما كتب (الله) تعالى بصفاته، وأنك تنتقل من تصرف الله إلى تصرف الله، وأن البشر الذين يظهرون وكأنهم متحكمون بك ليسوا سوى أدوات لأقداره تعالى مقهورون لحكمه سبحانه، فحق لك حينئذ أن تطمئن.
فلنقف مع كلمة (كتب): أدركت أن ما يصيبك هو من تصرف الله بك، لكن تصور أن هذا التصرف ليس بقدر سابق! تصور لو أن الملائكة ينزلون كل يوم بمجموعة من المصائب فيرشونها على أهل الأرض فتصيب من تصيب، ومجموعة من النعم كذلك! حينئذ من حقك أن تقلق وتخاف بالفعل. لكن حين توقن أن الله تعالى كتب مقادير كل شيء قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة (كما في الحديث الصحيح)، عالما بما سينتج عنها، لا أن تصرفاته بخلقه عز وجل ردود أفعال على أحداث خفيت عليه من قبل تعالى سبحانه عن ذلك، وأنه كتبها بحكمة ورحمة، فحق لك حينئذ أن تطمئن.
ثم لنقف مع كلمة (لنا): استخدام حرف اللام في (لنا) مشعر بأن هذه الأقدار هي لصالحنا، مهما بدا خلاف ذلك: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).
تعالوا نتابع مع الآية: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51]: {هو مولانا}: والمولى لا يسلم وليه لأعدائه، والمولى لا يرضى لوليه الذل والهوان، كما في قنوت النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يذل من واليت).
تتمة الآية: {وعلى الله فليتوكل المؤمنون}: إن آمنا بكل ما سبق فحق لنا أن نتوكل على الله، أي نفوض له تدبير أمورنا بطمأنينة ويقين. والله تعالى أعلم..
ماذا لو كانت المصائب والمسرات تصيب الناس بلا تقدير، بل تدور خبط عشواء، فقد تصيبك وتترك غيرك لا لحكمة ولا لسابق علم؟ ماذا لو أن الله وكل تقدير الأقدار إلى ملائكة لا نعلم عن رحمتهم ولا حكمتهم ولا عدلهم؟ ماذا لو كانت البلايا منفكة عن الجزاء، بحيث تبتلى وينعم غيرك، ثم تستويان في الجزاء والمصير إن استوى عملكما، وضاع صبرك على بلائك سدى؟
أسئلة غريبة، أليس كذلك؟ لكني وجدت فيها إجابة لسؤال قديم لطالما كنت أتساءله في نفسي، وهو: ما المعنى في أن يصبر الله أصحاب المصائب بأن مصائبهم هذه مقدرة من قديم؟ كقوله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور} [الحديد: 22-23]..
إذن فهذه المصائب ليست خبط عشواء، بل مقدرة قبل ظهورها، فلا داعي للأسى. والله لم يوكل أحدا -لا نعلم عنه شيئا- ليقدرها، بل: {ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله} [التغابن: 11].. الله الذي نعلم أنه:
إذن فعندما نسمع الآيات التي تتكلم عن القدر، والأحاديث مثل ((واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك)) فلنعلم أنها تذكرنا بحقيقة أن هذه الأقدار إنما قدرها الله الذي نعلم عن علمه وحكمته ولطفه ورحمته وعدله، فلنسلم له أنفسنا بطمأنينة.
لا زلنا نتأمل: كيف نحب الله تعالى بلا شروط؟ كيف نتفنن، فلا نمنع البلاء أن يؤثر على حبنا لله فحسب، بل نحوله إلى سبب لزيادة حبنا لله؟ كيف نبني حبنا لله على أسس سليمة لا تهتز ولا تتأثر بالمتغيرات؟
في المحطات السابقة ركزنا على أول أساس من هذه الأسس، وهو تأمل أسماء الله وصفاته. تأملنا بعضها، ونترك لك أن تتأمل سائر أسمائه سبحانه وصفاته..
الأساس الثاني الذي سنتأمله ونحاول اكتسابه، هو تأمل نعم الله التي أنعم بها علينا في ماضينا وحاضرنا، لنستشعر أننا، حتى وإن حرمنا من بعض النعم، فقد تمتعنا بنعم كثيرة لكننا نسيناها، ولا زال لدينا نعم كثيرة، لكننا لا نستشعرها.
هذا الموضوع العظيم المرقق للقلوب: نعم الله.. نستعرضه في الصفحات التالية..
هناك عبارات جميلة يقولها البشر لبعضهم: (لقد غمرتني بإحسانك. لن أنسى لك جميلك ما حييت). (حبي لك وصل مرحلة اللارجعة! مهما فعلت في المستقبل سأظل أحبك، ولن أسمح لشيء أن يزعزع محبتي لك). (أحس بالحياء تجاه محبتك الصادقة لي واهتمامك بي! لا أستحق منك ذلك كله! لا أملك إلا أن أعدك بأن أكون وفيا لك ما حييت).
هذه العبارات تتردد في صدورنا، تنساب على ألسنتنا، ترتسم على وجوهنا.. تجاه من يحسن إلينا المرة بعد المرة بغير دافع من مصالح دنيوية، وإنما لأن مودته خالصة، ونفسه كريمة، وقلبه كبير.
عندما نعيش هذه العبارات ونديرها على أذهاننا فإننا نحب أنفسنا أيضا ونحترمها! لأنه يسرنا أن نكون أوفياء، ودودين، معترفين بالجميل، رقيقي القلوب، مرهفي المشاعر.
أذكر أنني في مرة من المرات ترددت هذه العبارات في كياني تجاه أخي الأكبر، الذي أحسن لي طوال حياتي، وعندما وقعت في ظرف صعب أبعدني عن عائلتي، لم يهدأ لأخي بال ولم يذق طعم الراحة ونذر نفسه وسعى في كل اتجاه حتى يرفع الظلم عني. كان يتفنن في سد فراغي عند أولادي. كان يأتي لزيارتي مثقلا بالهموم، لكنه مع ذلك كان يتمالك نفسه ويتصنع الابتسامة ويختار العبارات ويستحضر الأخبار السارة ليحافظ على معنوياتي مرتفعة.
بعد إحدى زياراته لي وأنا بعيد عن عائلتي، ابتسم ابتسامة المغادرة وهو يقول لي: (دير بالك على حالك. إن شاء الله الفرج قريب).. نظرت إليه وهو يفارقني ويذهب، وبدأت تلك العبارات تتردد في صدري تجاه أخي: (أحبك، لقد غمرتني بإحسانك، لن أنسى لك جميلك ما حييت، حبي لك وصل مرحلة اللارجعة! مهما فعلت في المستقبل سأظل أحبك، لا أستحق منك ذلك كله! سأكون وفيا لك ما حييت).
شعرت بالسعادة والرضا عن النفس وأنا أفكر في هذه العبارات.. ثم فجأة.. ألقي في روعي سؤال: من الأولى بعبارات كهذه؟ من الأولى بعبارات كهذه؟
أليس هو.. الله سبحانه وتعالى؟ ألم يغمرنا بإحسانه؟ ألم يثبت لنا عنايته بنا وتكريمه لنا أن جعلنا مسلمين وخاطبنا بكلامه ودلنا على ذاته وعرفنا بصفاته واكتنفنا بعطاياه في كل لحظة وأخبرنا عن جنة أعدها لنا ودلنا على سبيلها وتحبب إلينا بكلامه ونعمه ومغفرته لزلاتنا وفرحه بتوبتنا؟
كم مرة سألت الله فأعطاك؟ كم مرة وقعت في كرب فنجاك؟ كم سنة ستر قبائحك عن الناس وأظهر لهم محاسنك؟ إلى قلب كم واحد من خلقه حببك.. كم مرة نجاك من شماتة أعدائك.. بل حتى البلاء.. ألا يسرك أن ارتضاك الله لجواره في دار كرامته فأراد تطهيرك لتليق بهذه المنزلة، فبدلا من التطهير بالنار ابتلاك فطيبك وطهرك؟
ألا يكفي هذا كله في أن نبقى أوفياء لله ما حيينا؟ ألا تشعرنا هذه الرعاية والتكريم بالحياء منه سبحانه؟ هل سنبقى كلما امتحن الله حبنا له ببلاء دنيوي يتزعزع صفو مودتنا؟! هل سنبقى
متى ستقول: يا رب! غمرتني بإحسانك، لن أنسى فضلك علي ما حييت! يا رب! مهما قدرت علي، ومهما ابتليتني، سأبقى أحبك، بل سيزيد حبي لك، ولن أسمح لشيء أن يعكر صفو محبتي لك.
أخي، يا من أنعم الله عليك بالكثير في ماضيك وحاضرك.. لكنك لن تتذكر الماضي وتستشعر الحاضر إلا إن كنت وفيا معترفا بالجميل.. بعد هذا الإنعام الإلهي، إن لم تصل محبتك لله مرحلة اللارجعة، فمتى تصل؟ وأي شيء يوصلها؟!
جميل أن نكون أوفياء أصحاب حياء شكورين ودودين معترفين بالإحسان والامتنان مع البشر.. لكن الأجمل والأولى والأحق أن نكون كذلك مع الله تعالى خالق البشر، الذي ما أحسن إلينا محسن إلا بتقديره تعالى ولطفه وستره على عيوبنا وتحبيبنا إلى خلقه.
فهكذا كن مع الله.. حب بلا رجعة..
من أهم الحقائق التي تطمئنك وتصبرك وتزيد حبك لله: ليس لك عند الله في هذه الدنيا "حقوق"!
في الحديث الذي رواه أبو داود وصححه الألباني عن ابن الديلمي قال: أتيت أبي بن كعب، فقلت له: (وقع في نفسي شيء من القدر، فحدثني بشيء، لعل الله أن يذهبه من قلبي). فقال: (لو أن الله عذب أهل سماواته، وأهل أرضه عذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرا لهم من أعمالهم. ولو أنفقت مثل أحد ذهبا في سبيل الله ما قبله الله منك حتى تؤمن بالقدر وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، ولو مت على غير هذا لدخلت النار). قال: ثم أتيت عبد الله بن مسعود فقال مثل ذلك، ثم أتيت حذيفة بن اليمان فقال مثل ذلك، ثم أتيت زيد بن ثابت، فحدثني عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل ذلك.
كم ستستريح يا أخي، وكم ستستريحين يا أختي، إذا استقر هذا المفهوم في نفسك واطمأن إليه قلبك: ليس لك على الله في هذه الدنيا شيء هكذا كحق تتوقعه بمجرد وجودك! ولو حرمك كل شيء فليس بظالم لك سبحانه.
فإذا كان العبد لا يستحق الجنة والنجاة من العذاب بعمله الذي يعمله إلا برحمة من الله وفضل، فكيف يستحق نعيم الدنيا لمجرد وجوده فيها؟! فلله علينا حقوق لا نؤدي شكرها مهما عملنا. وأقل نعمه تستحق منا أكثر مما نؤدي من طاعات وقربات.
وإنما أوجب الله على نفسه لعباده المؤمنين الجنة.. {قل أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا * لهم فيها ما يشاؤون خالدين كان على ربك وعدا مسؤولا} [الفرقان: 15-16]..
نعم، أوجبها الله على نفسه لعباده المؤمنين فضلا منه وكرما، وجعل لما يطلبه الإنسان في هذه الدنيا أسبابا وسننا، من أخذ بها نال.. وأمر عباده بأوامر، ووعدهم إن قاموا بها بوعود، كالرزق لمن اتقى والنصر لمن ينصر ربه، والتمكين لمن آمن وعمل الصالحات. فمن لم يحصل من هذا شيئا علم أن القصور في توفيته أمر ربه الذي وعد وعده، أو أنه في سنة البلاء التي وعد الله بها أيضا: {ولنبلونكم}.
أما أن تفترض أن لك عند الله أن يعطيك لمجرد وجودك! فما هذا إلا لعدم إدراكك مقام العبودية أمام مالك الملك سبحانه!
إذا استقر هذا في نفسك فإن نقطة الانطلاق في افتراضاتك هي اللاشيء. فإن أنعم الله عليك بالصحة وابتلاك فيما دونها من مال وأهل وغيرها فأنت تتذوق نعمة الصحة وتعترف لله بالجميل.
أما إن كانت نقطة الانطلاق هي أن من حقك على الله أن يعطيك كل شيء فإنك لن ترى إلا النصف الفارغ من الكأس، وستذهب نفسك حسرات على كل نعمة فقدتها وإن أنعم الله عليك بكل ما سواها. وهذه مصيبة كثيرين، أنهم يرون من "حقهم" على الله أن يعطيهم المال والصحة والأمن و... و... و... فإن حرموا شيئا من هذا حاك في صدرهم تجاه ربهم تعالى ما لا يليق!
عندما تستذكر أنه ليس لك على الله شيء وأن الأصل في الدنيا أنها...
... دار ابتلاءات، فإنك سترى المسرات مصبرات بدلا من أن ترى البلاءات معكرات.
فمثلا قد تكون في غمرة التجهيز للاحتفال بمناسبة سعيدة، فيحصل حادث لأحد العزيزين عليك من أهلك! إن افترضت الكمال في حياتك فسترى هذا الحبس معكرا لاحتفالك يفسد بهجته. أما إن استقر في نفسك أن هذا الحادث بلاء من البلايا المتوقعة في الدنيا -لأن الأصل في هذه الحياة الابتلاء- فسترى مسرة الاحتفال مصبرة منفسة عن شيء من الهم الذي لا بد منه..
فانطلق في حياتك وأنت متذكر جيدا لهذه الحقيقة: ليس لك عند الله في هذه الدنيا حقوق.
من طبع النفس البشرية أنها يضعف لديها الشعور بالنعم المستمرة فتصبح فاترة باهتة في الحس. وإذا فقد الإنسان القناعة فإنه لا يفكر إلا فيما ينقصه من نعم حتى يشعر أن هذا الذي ينقصه هو أهم مقومات الحياة البشرية، وأن حياته لا طعم لها بدون هذا الذي ينقصه، تعال نستعرض أمثلة من ذلك:
هذا الفقير معافى في جسده متزوج قد رزقه الله أولادا لكنه لا يرى هذه النعم لم يعد يفكر إلا فيما ينقصه.
المريض يقول ما قيمة الحياة دون صحة سليمة؟ ماذا تنفعني أموالي إن كان الطب قد عجز أن يجد لي شفاء لمرضي الذي يزداد حدة بمرور السنوات فيخيم على حياتي كابوس الارتماء مقعدا لا أستطيع خدمة نفسي يوما من الأيام.. أي طعم للحياة مع ذلك؟! ليتني أفقد مالي كله وأنعم بالصحة، فالصحة هي كل شيء.
العزباء التي لم ترزق زوجا تقول ما قيمة الحياة دون إشباع عاطفي؟ ماذا تنفعني شهادتي ومالي وصحتي إن لم أجد من آنس له ويأنس لي؟ إن لم يكن لي شريك روح أملأ عليه حياته ويملأ علي حياتي؟ ليتني أفقد كل شيء وأنعم بزوج يجعل لحياتي معنى.
السجين لفترات طويلة يقول: ما قيمة الحياة دون حرية؟! إني أدفن قبل موتي! ماذا تنفعني مالي وصحتي وتعليمي؟ الحرية هي كل شيء.
العقيم يقول: ما قيمة الحياة دون أولاد يملؤون البيت صخبا وبهجة؟ ماذا نفعني مالي صحتي إن كنت أنا وزوجتي لا نجد في بيتنا كل ليلة إلا الصمت والهدوء القاتل؟ ما قيمة الحياة إن كانت ستنتهي بموتي فلا عقب لي يحمل اسمي؟ لمن أعمل وأجمع المال ولمن أتعب؟
دميم الخلقة يقول: ما قيمة الحياة إن كانت الأنظار تزدريني؟ ما قيمتها إن كنت أكره رؤية نفسي في المرآة كل صباح؟! ماذا نفعني مالي وشهادتي وصحتي بعد ذلك؟ ليتني أفقد كل شيء وأنعم بمظهر حسن.
وهكذا! يزدري أكثر الناس -إلا من رحم الله- نعمة الله عليهم، ويظن كل مبتلى أن ما ينقصه هو أهم شيء أو كل شيء. فمن أصحهم شكوى؟ الفقير أم المريض أم العزباء أم السجين أم العقيم أم الدميم؟ هل المال هو كل شيء؟ أم الصحة؟ أم الزواج؟ أم الذرية؟ أم الجمال؟ أم الحرية؟ إما أن يكون أحد هذه الأشياء هو أهم شيء أو كل شيء، أو أنها جميعا دعاوى باطلة.
والحق أنها دعاوى باطلة! منشؤها نقص القناعة، والذي يضخم حجم ما ينقص الإنسان بينما يجعل النعم العظيمة التي يتمتع بها فاترة باهتة في حسه. ولذا قال الله تعالى: "ولا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض" [النساء: 32].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "انظروا إلى من هو دونكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم". فإنه لنكران جميل أن ترى نعم الله الكثيرة عليك لا شيء بينما ترى ما ابتلاك بفقده هو كل شيء! "يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها" [النحل: 83] لذا فإنك ترى آيات كثيرة في القرآن تذكر بنعمة الله وتستحث الشكر عليها.. "ولكن أكثر الناس لا يشكرون" [يوسف: 38] وإن أقبح الأوصاف في القرآن لمن لا يقدر النعمة، لفظة الكفر "فكفرت بأنعم الله" [النحل: 112].. إن هناك نعما عظيمة لا نلاحظ وجودها أصلا ولا تحظى ببيان أهميتها في الدروس والمواعظ والخطب، مع أنها لا تقل أهمية عما ذكر أعلاه من نعم. مثال ذلك نعمة "الدافعية".
أينا سمع درسا أو خطبة أو قرأ في كتاب عن نعمة الدافعية؟ إذا أردت أن تعرف أهميتها فانظر إلى مريض الاكتئاب، ذلك المرض الذي كثيرا ما يكون غير معروف السبب ويتطلب معالجات مكلفة قد يتأخر مفعولها.. وهو يختلف عن الحزن الذي يعتري أي إنسان بشكل عارض.
سل مريض الاكتئاب كيف فقد الدافعية للحياة، فلا دافعية للأكل والشرب، ولا للتعلم والعمل، ولا لعلاج نفسه ولا من هو مسؤول عنهم، ولا لمؤانسة زوجه وملاعبة أطفاله.. الحياة كلها بلا طعم ولا لون ولا رائحة! لا يشتهي ولا يتمنى شيئا إلا الموت!
فيا من ترى المال كل شيء، أتمنى أن تؤتى المال وتفقد الدافعية؟ يا من تتمنين أن تفقدي كل شيء مقابل أن تعيشي في عش الزوجية، هل ستكونين سعيدة إن رزقت خير زوج وفقدت -لا أقول كل شيء- بل فقدت الدافعية فقط؟
لذا أخي وأختي، علينا الحذر من ازدراء نعم الله علينا، علينا أن نستشعر هذه النعم ونجدد الابتهاج بها في نفوسنا ونحن نتلو مثل قوله تعالى: "ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" [لقمان: 20].
يبقى السؤال المهم: هل هناك نعمة غير ما ذكر يمكن اعتبارها كل شيء في هذه الحياة؟ نعم! إنها نعمة الإيمان.. فبالإيمان تصبر على ما ابتليت به من فقد بعض النعم، فقد يكون صبرك نعمة أكبر مما فقدت! مصداقا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء، صبر فكان خيرا له" (رواه مسلم).. بينما بانعدام الإيمان تصبح النعم بلاء واستدراجا وسببا في طول الحساب وشدة العذاب: "ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين" [آل عمران: 178].
لقد نجى الله يوسف عليه السلام من فتنة الدين، وهي محاولة النسوة إغواءه، وابتلاه تعالى بالسجن، وهو بلاء دنيوي. واعتبر الله ذلك فضلا على يوسف واستجابة لدعائه: "فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم" [يوسف: 34]، مع أنه قدر عليه سجنا طويلا.. نعم! فإذا سلم الدين فإن بلايا الدنيا تنقلب منحا للدنيا والآخرة، كما حصل مع يوسف عليه السلام.
فاللهم ارزقنا الإيمان والقناعة والصبر.
أصيب الأب بمرض يضعف قدرته بالتدريج.. أخبر الطبيب العائلة أن المرض مزمن وأن العلاجات إنما هي لإبطاء تدهور الحالة فقط. رفض الأبناء هذه الحقيقة! ذهبوا إلى طبيب ثان وثالث، أجروا تحاليل متقدمة، أوصوا ابن عمهم في كندا بإرسال دواء جديد، طرقوا باب العلاج الطبيعي، جربوا الأعشاب.. ولكن أباهم يتراجع شهرا بعد شهر.
بكوا عندما تعثر أبوهم للمرة الأولى إنذارا ببدء مرحلة فقدان التوازن، انحبست الدمعة في أعينهم عندما فشل للمرة الأولى في رفع اللقمة إلى فمه، تجهمت وجوههم حزنا عندما بدأ يحتاج من يساعده في قضاء حاجته..
في هذه المحطات كلها كانوا يقولون: (ليس هذا أبانا الذي عرفناه.. نريد أبانا الذي عرفناه! نريد أبانا القوي النشيط.. لقد كان أبونا يقيل عثراتنا.. كان هو يلاطفنا ويطعمنا بيده على المائدة.. لقد كان وكان... أبونا لم يهرم بعد.. ما زال في الخمسينات.. أعمامنا الذين يكبرونه سنا في صحة وعافية. لعلها سحابة صيف ستنقشع.. لعل الأطباء جميعا مخطئون في التشخيص.. نريد أبانا الذي كان).
كان الأب يقرأ ذلك كله في عيون أبنائه وقسمات وجوههم فيحزن لحزنهم.. ولكي يرضي نفسه عن قدره ولا يزداد هما أصبح يتجنب النظر في وجوههم أصلا! لم يعد يتحمل رؤية الإشفاق المختلط بالأمل الوهمي.. لقد مرت سنوات ولا زال الأبناء ينطحون صخرة الواقع، وتذبل زهرة قلوبهم وهم يرون أباهم يذبل.
إننا نتعب أنفسنا عندما نرفض واقعا جديدا سيستمر؛ عندما نرفض التعايش مع هذا الواقع، عندما نصر على أننا لا نريد أي "خسائر" في هذه الحياة الدنيا!
أبناء هذا الرجل المريض رفضوا حقيقة أنهم قد ابتلوا بمرض أبيهم الحبيب مرضا مزمنا. أخذوا بالأسباب المادية كلها، وهذا شيء محمود.. لكنهم بدؤوا يخطئون عندما بدا واضحا أن أباهم لن يعود كما كان بحسب السنن المعهودة، فرفضوا هذه الحقيقة لأنها مرة، لم يتعايشوا معها ولم يتقبلوها.. فتعبوا وأتعبوا أباهم معهم!
عندما نبتلى ببلاء فإنه لا بأس بأن نسعى في كل اتجاه شرعه الله، ونطرق كل باب ممكن، وفي قلوبنا الأمل بدفع هذا البلاء..
لكن هذا السعي الحثيث ينبغي أن يكون مرحليا مؤقتا.. فإذا بدا أن هذا البلاء قدر ثابت مستمر اختاره الله لنا، فإن من الحكمة أن نعيد توجيه جهودنا من مدافعة هذا البلاء إلى التعايش معه.
كثيرون هم من سيرفضون هذا الكلام باعتباره دعوة للاستسلام أمام البلاء.. فتعالوا أيها الأحبة نناقش الأمر بترو: أيهما أفضل؟! أن يقول أبناء هذا الرجل المبتلى لأبيهم: (اصبر يا أبانا.. لعل مرضك هذا يكون سببا في دخول الجنة. ماذا يضيرك إن كنت ستنسى تعب الدنيا كله بغمسة في الجنة؟! ثم نحن أولادك أجزاء منك؛ نحن يداك ورجلاك وسمعك وبصرك.. ما عليك الآن إلا أن تستريح وتأمرنا بما شئت لنخدمك بعيوننا وننال أجر برك. نسأل الله أن يكون مرضك دلالة على حب الله لك، فإن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله عز وجل إذا أحب قوما ابتلاهم).
أهذا أفضل، أم أن يدغدغوا عواطف أبيهم بكلمات الأمل في الشفاء فترتفع معنويات المسكين وتنشط نفسه مؤقتا ثم يتكشف له مع مرور الوقت أنه أمل وهمي زائف، فيضمحل التفاؤل ويعظم اليأس وتنتكس النفس؟
أيهما أفضل؟ أن يركز الأبناء جهودهم على تكييف حياة أبيهم حسب المرض بجدولة أوقاتهم لتقاسم خدمته وتوفير الأدوات اللازمة لاحتياجاته الشخصية اليومية بما يناسب مرضه، وإدماجه في نشاطات تناسب مرضه وتملأ وقته.. أم أن يبقوا كل شيء على ما هو عليه لأن أباهم "سيعود كما كان" ويذهبوا بأبيهم إلى الطبيب السادس والسابع ويعلقوا قلبه بقصص غير دقيقة سمعوها عن رجل شفي من المرض نفسه بعشبة لدى المعالج الفلاني.. وفي كل مرة يذهب معهم المسكين بأمل جديد ويرجع بانتكاسة.
سيقول قائل: (ولماذا لا يجمع بينهما: الأمل والتعايش؟).. إن الواقع يشهد بأنه لا بد لأحد هذين الخيارين أن يكون الأصل والآخر الاستثناء، وأن النفس لا تجمع بين ذروة الأمل بزوال البلاء والتعايش معه بشكل كفؤ والصبر عليه. لا بد لأحدهما أن يحتل مساحة أكبر من التفكير والجهد.
ففي مثالنا، بقاء الأمل بالشفاء في ذروته يعني ضمنيا أنه (ليس هذا هو الوضع الذي نريده لأبينا)، وهذا الهاجس يزعزع الصبر ويصعب التعايش ويفوت فرص الاستثمار المجدي للوقت والجهد.
إننا ننصح من ابتلي بما هو طويل الأمد عادة أن يعتبر الوضع الجديد هو الأصل، والعودة إلى ما كان عليه قبل البلاء استثناء. فهذا أدعى إلى أن يلتفت المبتلى إلى مباهج جديدة في حياته تشغله عن الشعور بنقص النعمة التي فقدها.. فينطلق من جديد في الحياة بما يتوفر لديه من مقومات. فإن قدر الله خلاف المألوف وكشف هذا البلاء، كان ذلك زيادة وخيرا على خير. أما إذا افترض المبتلى أن الأصل هو زوال هذا البلاء فإنه سيبقى يشعر بنقص وفجوة في قلبه، وسيشغله هذا الشعور عن ملاحظة المباهج الأخرى في حياته، وسيكون حديثه وتفكيره منصبا على البلاء فيدور في حلقة القلق المفرغة.. وقد يوصله ذلك إلى ازدراء نعمة الله عليه!
بل وإذا تعايشت فإنك سترى مباهج في نفس ما ابتليت به، فأبناء هذا الرجل الذي ذكرناه في المثال سينقلب تركيزهم من الضيق برفض حقيقة المرض المزمن إلى الانشراح بنجاحهم فيما يحققونه من تخفيف على والدهم وتذليل العقبات له واحتساب الأجر في ذلك كله.. وهو كذلك سيسر بما خفف الله به عليه وعوضه خيرا من هؤلاء الأولاد الذين يرى انشراحهم وطيب نفوسهم.
سيقول قائل: لكني أعرف أمثلة من أناس خرقت لهم العادة! فلان قنطه الأطباء من الشفاء فشفي.. فقد يحصل معي كما حصل معه.
ها قد قلتها: "قد يحصل".. وقد لا يحصل! فوطن نفسك يا أخي ويا أختي على ما يغلب على الظن حصوله عادة، وابحث عن مباهج أخرى في حياتك، وأولها وأعظمها ما لن تحرمه إذا طلبته بصدق: رحمة الله تعالى "قل بفضل الله وبرحمته، فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" [يونس: 58].. فحينئذ سيمتلئ قلبك أنسا بالله تعالى ورضا بقضائه وتوكلا عليه وحسن ظن به..
وأبق مع ذلك كله.. شمعة الأمل مضاءة..
تمر سنوات من حياتنا تجتمع لنا فيها أسباب كثيرة للسعادة، لكننا إن سألنا أنفسنا: هل نحن سعداء؟ فقد يأتي الجواب من أعماقنا: لست متأكدا!
هناك طموحات وتطلعات تشغل بالك لم تتحقق بعد. تصبح هي محط تركيزك. أما ما اجتمع لديك من أسباب السعادة فقد فتر في حسك وبهتت ألوانه وأصبح كالخلفية الجامدة غير المهمة في الصورة التي ينقصها محط تركيز العدسة، وهو هذه الطموحات التي لم تتحقق بعد.
كما يصدأ الحديد فإن أدوات تذوق النعم المركوزة في نفوسنا تصدأ.. لذا فإن الله تعالى يذكرنا في مواضع كثيرة بهذه النعم التي فترت في حسنا ولم تعد تعني لنا شيئا:
"ألم تروا أن الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة" [لقمان: 20]..
"الله الذي خلق السموات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار * وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار * وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمت الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار" [إبراهيم: 32-34]، وآيات كثيرة عن السمع والبصر والمسكن والملبس والطعام والشراب والنار والمعادن والنوم والبعث بعده والأزواج والأولاد وغيرها.
آيات كثيرة، حتى لا نزدري نعمة الله وننساها. لكننا مع هذا التذكير الإلهي قد لا نستمتع بهذه النعم. ليس الحديث هنا عن التفكير بمشاكل المسلمين والتألم لألمهم، فهذا مطلوب بالقدر الذي يدفع إلى العمل بإيجابية لمساعدتهم ونصرتهم. وليس الحديث عن تنغص العيش بظلم الظالمين الذين يفسدون علينا حياتنا ويسعون في الأرض فسادا، فهذا التنغص لا بد منه، وينبغي أن يدفعنا إلى إصلاح أوضاعنا بعمل دؤوب، والقضاء الواحد تسخط على الظالم فيه وترضى عن الله وتستعين به على مدافعة هذا الظلم..
لكن الحديث هنا عن فقدان القدرة على تذوق النعم والشعور بمنة الله علينا فيها، وهذا داء يصيب النفس بغض النظر عن الاهتمام للمسلمين والتكدر بإفساد الظالمين.
هذا الداء جزء من ظواهر نفسية يعرفها المعالجون النفسيون بالـ (Cognitive Distortion)، أي: التشوه المعرفي، ويسمون هذه الظاهرة بالذات: (Mental Filter)، أي: الفلترة الذهنية، وهي عدم قدرة الفرد على ملاحظة النواحي الإيجابية في حياته بسبب انشغال ذهنه بمعكر بسيط نسبيا، كمن لا يرى إلا خللا بسيطا في ثوب جميل نافع. هذه إخواني ظاهرة غير صحية تحتاج علاجا، لكنها في الواقع قد تكون موجودة لدى أكثرنا.
إذا لم يفلح أحدنا في تذوق نعم الله عليه وقدرها حق قدرها فقد يبتليه الله تعالى بفقدان أحد هذه النعم. والسعيد حينئذ من اتعظ ونبهه فقدان هذه النعمة إلى أن هناك أشياء كثيرة في حياته لا زال يمتلكها تستوجب شكر الله وتستحق أن نكون بها سعداء. يأتي البلاء ليزيل الصدأ عن أدوات استشعار النعم المركوزة في فطرتك وينظفها ويعيد للحياة رونقها ويضفي عليها ألوانا بهيجة من جديد، بعد أن كانت خلفية باهتة رتيبة لا لون فيها! بعد أن كانت الفلترة الذهنية تشغلك عنها وتغض من قيمتها وتعكر رونقها بالتطلع إلى ما لم يتحقق بعد من طموحات.. يأتي البلاء ليعلم الإنسان فن تذوق النعم!
كانت النعم لديك وفيرة، لكن قدرتك على تذوقها ضعيفة، فلم تحفل بها وتسعد كما يجب. قد تقل النعم بالبلاء الذي أفقدك مالا أو جاها أو صحة أو غيرها، لكن إن كنت من أهل الرضا وحسن الظن بالله وتأمل حكمته فإنك ستتنبه بالبلاء إلى الكثير الذي بقي لديك وتستحي من الله أنك لم تقدر نعمته عليك من قبل، فتكتسب فن تذوق النعم وتسعد بها وتطمئن.
نسأل الله أن يجعلنا من عباده الذين يرزقون العافية ويشكرون..
البلاء وإن كان يحرمك من بعض النعم، لكنك تستطيع تحويله إلى سبب لتذوق النعم الباقية التي بهتت في حسك، وشكر الله عليها.
مرت أربعة وأربعون عاما من عمري.. تقلبت خلالها في نعم الله عز وجل.. في حلمه وكرمه وستره ورحمته.. بما يعقد اللسان.. ما من بلاء عانيته إلا ويترفق بي الرحمن فيه، ولا يحملني ما لا طاقة لي به، بل يشعرني بقربه ومعيته ويجعل لي في ثنايا البلاء خيرا عظيما، في ديني ونعيم قلبي ودنياي..
كانت عيني ترق أحيانا، وأنا في داخل بلائي، وأقول: (ماذا فعلت حتى يحصل معي هذا؟!)، (لماذا أنا يا رب؟!)، (والله يا رب لا أستحق).. أعني: ماذا فعلت حتى تحصل معي هذه اللطائف من رحمة ربي؟! لماذا أنا ينعم علي ربي بهذا الشكل؟! لا أستحق هذا الإنعام، إي والله لا أستحق.
وكانت تراودني الهواجس أن يكون هذا الإنعام استدراجا، وأنني في يوم من الأيام سوف "أعاقب" على تراكمات تقصيراتي وأجرد من هذه النعم لأعود إلى حجمي الحقيقي كإنسان لا يستحق كرم ربه، وأفقد الإحساس بالحظوة عنده سبحانه.
لكن يوم العقوبة القاصمة هذا لم يأت، بل لطف يتجدد وكرم يغمر وإنعام يزداد! وإذا جاء بلاء فمعه تصبير ولطف.
بل وأدركت أن خوفي غير المتوازن من أن يكون الإنعام استدراجا كان سوء أدب تجاه ربي عز وجل، فالتعامل مع هداياه تعالى كأنها "مسمومة" يعكر على مقام الشكر.. فأحمده عز وجل على أنه لم يعاملني بسوء ظني هذا!
الخوف من الله مطلوب، لكن مع محبة لله تغمر قلب العبد.. مطلوب، لكن ليدفعك إلى إصلاح أوضاعك، لا ليعكر عليك نعمه سبحانه ويحرمك بلوغ مقام الشكر.
كثيرا ما تساءلت: (لا أستحق هذا الكرم كله من الله!!)، فكأني أسمع الجواب: (صحيح، أنت لا تستحقه.. لكنه تعالى أكرم من ألا يسعك كرمه).
أيها الكرام.. لا زلنا نتأمل: كيف نحب الله تعالى بلا شروط؟ كيف نتفنن، فلا نمنع البلاء أن يؤثر على حبنا لله فحسب، بل نحوله إلى سبب لزيادة حبنا لله؟ كيف نبني حبنا لله على أسس سليمة لا تهتز ولا تتأثر بالمتغيرات؟
في المحطات السابقة ركزنا على أول أساسين من هذه الأسس، وهما:
الأساس الثالث الذي سنتأمله هو: تعليق القلب بالآخرة، وهو موضوع الصفحات القادمة.
ستتعب إن قاومت هذه الحقيقة ومهما غالبتها ستبقى هي الحقيقة.. ليست الدنيا دار جزاء. فلو كانت دار جزاء لما قتل أنبياء كزكريا ويحيى عليهما السلام، ولما عذب عدد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى الموت كياسر وسمية، دون أن يروا قائمة تقوم للإسلام، ولما حصل لأهل الأخدود ما حصل.
لذا فعندما تتفكر في فوائد البلاء فلا تحصر نظرتك في الدنيوية منها.. فالنفس تبحث دوما عن ثمرة عاجلة: "بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى" [الأعلى: 16، 17].
وإن لم يأت الفرج المرتقب حتى الممات فإن القصة لم تنته "وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" [الحديد: 20].
وقد خطأ الله تعالى النظرة القاصرة التي تعتبر إغداق النعم في الدنيا إكراما من الله للإنسان والابتلاء إهانة: "فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن * وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن * كلا" [الفجر: 15-17].. فإنما حقيقة الإكرام والإهانة في الآخرة، أما الدنيا فدار بلاء.
في قصة يوسف عليه السلام، بعد أن بين الله تعالى أنه مكن له في الأرض جزاء إحسانه قال تعالى "ولأجر الآخرة خير للذين آمنوا وكانوا يتقون" [يوسف: 57].. خير من نقله من ظلمة السجن إلى كرسي الحكم. فحتى إن جوزيت خيرا في الدنيا فعلق قلبك بأجر الآخرة الأعظم.
في بيعة العقبة الثانية أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأنصار التزاما بالتضحية بكل شيء.. التزاما يعرضهم لابتلاءات في الأنفس والأموال والأولاد.. فما المقابل الذي وعدهم به إن قبلوا؟: (ولكم الجنة).. فالجزاء أخروي.. صحيح أن نصوصا أخرى وعدت بجزاء دنيوي كذلك (كالآية 55 من سورة النور).. لكن هذا الجزاء على مستوى جماعة المؤمنين أما الأفراد فإن كثيرين منهم ماتوا ولم يستمتعوا به..
ويبقى نوع من النعيم يمنحه الله لكل مؤمن عاجلا في هذه الدنيا زادا يعينه على سلوك الطريق بمشقاته؛ وهو طمأنينة النفس والاستبشار: "ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون * الذين آمنوا وكانوا يتقون * لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة لا تبديل لكلمات الله ذلك هو الفوز العظيم" [يونس: 62-64].
إذا لم يستقر هذا المفهوم في نفس المسلم: أنه (ليست الدنيا دار جزاء)، فإنه ستسوء منه الظنون عندما يقارن وضعه الدنيوي بأوضاع من لا يؤمنون بالله تعالى.. لذا فقد نهانا الله عن إجراء هذه المقارنات الدنيوية: "ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير وأبقى" [طه: 131].. فارفع رأسك إلى السماء أيها المؤمن وتعرض لنفحات الجنة ولا تنزل بصرك إلى ما فيه هؤلاء، فإنما هو فتنة لهم واستدراج.. قال عليه الصلاة والسلام: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في الحياة الدنيا) (البخاري).
ومما ورد عن الحسن البصري رحمه الله: (من لم يتعز بعزاء الآخرة تقطعت نفسه على الدنيا حسرات).. نعم! سيتحسر على كل متاع دنيوي يفوته، خاصة إذا قارن نفسه بغيره.. أما المؤمن فيوقن بأن ما يفوته في الدنيا قد ادخر له أضعافه في الآخرة: "قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا" [النساء: 77].. وبأن توفية الأجور لا تكون إلا يوم القيامة: "وإنما توفون أجوركم يوم القيامة" [آل عمران: 185].
المحبوس تسيطر على ذهنه مفردات: (الحبس) (الإفراج) (الحكم) (القاضي) (التهمة) (الدفاع) (البينة) (البراءة) (التخفيف) (العقوبة) (المدة).
فتراه يفكر في هذه المفردات في قيامه وقعوده وصحوته ومنامه وأكله وشربه وصلاته ورياضته. وتراه إن أمسك جريدة مثلا أو سأل عن الأخبار اهتم بما يتعلق بالحبس والإفراج وبما يخدم قضيته وينجيه من العقوبة. لا يتوقع أن يبحث عن موديلات السيارات وأسعار الفلل السكنية.. فهذا كله لا يعنيه!
فلنستحضر أننا في هذه الدنيا محبوسون عن وطننا الأصلي، وهو الجنة، وأن معاصينا تهم حقيقية عليها بينات، فنستحق عليها العقوبة، وأن نقطة دفاعنا الرئيسية عن أنفسنا هي أننا موحدون، فإن تبين أن توحيدنا هذا مطعون فيه فلا تسأل عن مدة العقوبة! ولنتذكر أن البراءة من هذه التهم تكون بالتوبة النصوح.. وأن من بيده القضاء هو الحكم الحق: الله جل جلاله.
حينئذ، سنحرص على استرضاء الحكم الحق، والعمل بما ينقلنا من سجن الدنيا إلى سعة الآخرة. ولن ننشغل بسفساف الدنيا وملهياتها، فهي لا تعنينا. وستكون قضية النجاة من عقوبة الله ونوال ثوابه ورضاه مسيطرة على أذهاننا حية في قلوبنا لا نغفل عنه ساعة أبدا.
قال ابن القيم: فحي على جنات عدن فإنها *** منازلك الأولى وفيها المخيم ولكننا سبي العدو فهل ترى *** نعود إلى أوطاننا ونسلم
عندما يطول البلاء فإن النفس تتكدر على ما يتسبب فيه من "ضياع" الأوقات والأموال وإرهاق الأعصاب وتعكر المزاج وتأثر الصحة.. لكن المؤمن يتذكر أن لا شيء يضيع عند الله، بل كله محسوب.
قال الله تعالى: "واصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين" [هود: 115]، وقال الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: (ما يصيب المسلم، من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه) (البخاري).
فلا تأس على شيء أيها المبتلى، إن صبرت فإن الصبر هو خير استثمار للوقت والمال والصحة.. ولا تفكر فيما تبذله من ذلك على أنه مهدر، بل هو رصيد لك هناك يوم لا درهم ولا دينار، إنما هي الحسنات والسيئات.
أثناء ابتلاء مررت به، عز علي أن يطلع الله تعالى على قلوب أناس من أهل الباطل والشهوات فيرى بها استعدادا للتضحية في سبيل الدنيا ونصرة الباطل، ويطلع على قلبي فيراني انشغلت بهمي وضننت بنفسي عن أن تؤذى في سبيل الله!
فكانت هذه القصيدة بعنوان (عندما خيرت نفسي):
تئن النفس من أنس تولى *** أسليها فتأبى أن تسلى تنوء بحملها وتضيق ذرعا *** وتخشى ما به الأيام حبلى وتزفر من مصاب حل فينا *** ففرق بعد طيب العيش شملا أشاغل حزنها بجميل ذكرى *** فترجع من شديد الشوق ذبلى وإن واعدتها فرجا سيأتي *** ترد بشارتي وتمل مطلا علام أراك يا ذي النفس كسلى *** مللت لدى ابتغاء المجد بذلا ألا التمسي البراءة من نفاق *** بأفعال تصدق منك قولا هي الأقدار تبطل كل دعوى *** وترسل في حقول الزعم سيلا فتنبت من بذور الصدق دوحا *** وقول الزور يبقى مضمحلا فلم يحصد دنيء العزم فيها *** سوى يا ليت، لو أني، ولولا
ألا فلا تنظري لعبيد دنيا *** غشوا في سعيهم صعبا وسهلا فمنهم مبتغ مدحا وذكرا *** يذوق لأجله طعنا وقتلا ويعقب كي يقال له شجاع *** صغارا يتمـا، والأم ثكلى وآخر كل مطلبه وصال *** بعبـلـة أو بعـزة أو بليلى فيهلك كي يهش الوجه منها *** ويحسـب أنها أوفته كيلا! وكم من مبتغ مالا وملكا *** يفـارق فيهـما وطنا وأهلا ورأس القوم يؤثـر موت عز *** لينجـو مـن هوان العيش ذيلا
فإن كان الذي يسعى لدنيا *** يرى في ضنه بالنفس بخلا ألست لدى طلاب المجد أهلا *** بلى يا نفس، بل أحرى وأولى فغاية مطلبي يا نفس أعلى *** وربحي إن صدقت البيع أغلى فإني بـائع نفسـي لربي *** لأقبض منه مكرمة وفضلا وأحظى في الجنان بطيب عيش *** فجاري المصطفى، والله مولى وأنشر في دياجي الظلم نورا *** وأنشئ في نفوس النشء نبلا وأدفع كـيـد أفـاك أثـيم *** طغى في الأرض إفسادا وجهلا فلو ذاكرت يا ذي النفس أجري *** وجائزتي لما استثقلت حملا ولو عاينت حسن جزاء ربي *** على فعل العباد لعدت خجلى فهذي همتي، والروح مني *** ترى في العجـز خذلانا وذلا فخوضي في مسالكها وإلا *** ذريهـا ترتـقي لله عجلى
في الصفحات التالية متفرقات عن الصبر والتعلق بالله تعالى
"ما لنا إلا الله"؛ عبارة أصبحت في حس كثير منا مرادفة لعبارة: "ما باليد حيلة"، عبارة: من لم يجد غنيته عند البشر فاضطر أن يختار الله! أصبحت عبارة إشهار إفلاس!
ذلك مع أن الأصل أن من لم يكن له إلا الله فما فقد شيئا، ولا احتاج إلى شيء: "أليس الله بكاف عبده" [الزمر: 36]..! وأن من كان معه كل شيء إلا الله فما معه إلا الباطل الذي لا يسمن ولا يغني من جوع..
ألا كل شيء ما خلا الله باطل
إن ما يحصل معنا عند نزول البلاء هو أننا نلجأ إلى الله بداية، لكننا ما نلبث أن ندرك أن هذا اللجوء حتى يكون صادقا مثمرا لا بد له من تبعات؛ فمن تبعاته أن نبحث عن كل تفريط فرطناه في جنب الله فنصلحه، وعن كل ثغرة في حياتنا فنسدها، وعن كل ذنب فنتوب منه..
ومن تبعات هذا اللجوء أن نقبل على قلوبنا، ونفتش عن أمراضها فنعالجها، وسنجد حينئذ أننا كنا قد أهملنا قلوبنا لسنوات فعادت خرابا بلقعا خاوية غافلة، قد ضعفت فيها معاني محبة الله وصدق التوكل عليه والخشوع بين يديه والذل له والتعلق به والشوق إلى لقائه!
فنجد أنه لا بد من إزالة أشواكها وتقليب أرضها وبذر آيات الله فيها، وسقايتها بماء القيام والصيام والدعاء.
نعم؛ سنكتشف أن اللجوء إلى الله والفرار إليه والاعتصام بحبله هذا كله تبعاته وله ثمنه.
لكننا نريد التخلص من البلاء بسرعة! وعملية ترك الذنوب وسد الثغور وقلع الاشواك وبذر البذور وسقيها وانتظار انباتها عملية تحتاج الى وقت، والوقت يمر، وليس في صالحنا، فما الحل؟
الحل الذي نختاره عادة هو السعي في اسباب ارضية تبدو اسرع نتيجة واخف حملا من عملية اللجوء الصادق الى الله؛ فننوي ان نسير في هذه الاسباب جنبا الى جنب مع عملية اللجوء الى الله وتبعاتها، وايتهما سبقت في رفع البلاء فبها ونعمت، واما تبعات اللجوء الى الله؛ ففي العمر فسحة لاستكمالها!
وهنا يبدا الانحراف؛ عندما نكسل عن تحمل تبعات اللجوء الى الله فنبحث عن بديل! نخدع انفسنا بان هذا البديل سبب، وان الله امرنا بالاخذ بالاسباب. نعم.. الاخذ بالاسباب محمود عندما يصدق منا اللجوء الى الله، ونصبر ونصابر لاصلاح انفسنا، فلا يكون في القلب تعلق الا به تعالى..
لكن عندما يكون سعينا في الاسباب نتيجة لاستطالتنا طريق اللجوء الى الله، ولكسلنا عن تحمل تبعاتها؛ فان هذه الاسباب تصبح في حسنا بديلا عن الله، فتزاحم هذه الاسباب اللجوء الى الله في قلوبنا، وتحتل من مساحاته، وتصرف عنه وقتنا وجهدنا وعاطفتنا وتفكيرنا، فنصبح نفكر في هذه الاسباب المادية اثناء صلاتنا وقيامنا وتلاوتنا ودعائنا؛ فالظواهر مع الله والبواطن مع الاسباب وطرق تحصيلها واستكمالها وخوف فواتها وموانع تاثيرها وبدائلها في حال فشلها، واخر اخبارها..!
وكلما اكتشفنا ان هذه الاسباب خربت عملية اللجوء الى الله خدرنا انفسنا بالمعاذير؛ فنقول لانفسنا: «ان هذه الاسباب موقوتة بمواقيت تفوت بفواتها، اما باب التوبة فمفتوح لا يسد.. ان كان يقلقني اني لا ابكي من خشية الله ولا اخشع في صلاتي فهذا ليس بالجديد، عشت على ذلك سنوات طويلة، ولا شيء ياتي دفعة واحدة؛ لدي تحسن وان كان بطيئا، والله رحيم يرى ما بي وهول الامر الذي يشغلني فسيعذرني، ثم انني لن استطيع الاقبال على قلبي لاصلحه وانا مشغول البال بالاسباب وتقصيري فيها، فلاركز الان على الاسباب لاريح بالي منها، حتى اتفرغ لاصلاح قلبي»!
وكاننا بهذا نتخذ الاسباب «ضمانات» مع الله؛ بحيث اذا قصرنا في حق الله ولم نضمن من ثم الفرج من جهته اسعفتنا الاسباب..!
اتريد ان تعرف ان كان هذا الداء دب الى قلبك؟ حينما تضع راسك للنوم.. في هذه اللحظة التي تختزل تقلبات كيانك خلال يوم كامل، وانت تدعو بالدعاء الماثور، ركز جيدا، هل تعني ما تقول؟ هل انت مستعد لتحمل تبعات هذه الكلمات: «اللهم اسلمت نفسي اليك، وفوضت امري اليك..»؟
اذا اضطرب قلبك وانت تقولها وانت متامل معناها فاعلم ان القلب يضطرب ويخاف عند الكذب! لانك لا تريد حقيقة ان تسلم نفسك بكليتها الى الله، بل تريد ضمانات الاسباب مع الله!
لن تشعر بالطمانينة اذا اسلمت نفسك الى الله وهي مشوبة لم تنو بعد ان تقبل على الله بصدق وتؤدي حقه.. هذه هي الخطورة، وهنا مكمن الزلل؛ عندما يكون التعلق بالاسباب الارضية معوضا عن استكمال اللجوء الى الله الذي استثقلنا تبعاته، فنظن ان هذه الاسباب اسرع مفعولا، او اضمن نتيجة، او ادفع لعتاب انفسنا من اللجوء الصادق الى الله تعالى..
ستبقى تخرج من القلب اسباب لتحل اسباب، وستبقى تنتقل من سراب الى سراب، تطلب الماء فلا ماء، وتتقلب جبال الاسباب الى هباء!
ولن تدعو الله بصدق خلال هذه المعمعة؛ فاللجوء الى الله مقام عزيز، يابى ان يزاحم او يزاحم، فيبقى خارج القلب ينظر الى هذه الاسباب التي خلت عن الله فاستحالت باطلا، ويابى اللجوء الى الله ان يجتمع مع الباطل في قلب واحد..
انها اللحظة التي تلقن فيها الدرس وتستوعبه، وتدرك ان سعيك السابق كله لم تكن على شيء.. وتياس من الاسباب الارضية كلها.. وتياس من نفسك ومن قدراتها وذكائها وتخطيطها.. وتذوق مرارة ضعف قوتك وقلة حيلتك وهوانك على الناس.. وتياس من اهلك وعشيرتك واصدقائك ومحبيك، وتعلم انهم -وان ارادوا لك الخير- لا يملكون بذواتهم لك نفعا ولا ضرا.. وتياس من كل الحبال الارضية الممدودة اليك وتوقن ان لا عاصم من امر الله الا من رحم.. بل وتياس من اعمالك الصالحة كلها، وتستحي ان تتوسل الى الله بها لانك تشك في قبولها وقد صدرت من قلبك الغافل..!
انها لحظة الياس والقنوط والقحط والامحال من كل شيء.. لحظة خلو القلب من كل شيء.. لحظة انهيار الامل في كل شيء.. كل شيء! هي اللحظة المناسبة لشعور اللجوء الى الله ان ينقذف في القلب!
لقد كان هذا الشعور بالانتظار.. يرى اسبابا تحل وترتحل، وتنسج خراب القلب خيوط العنكبوت، فلما خلا القلب منها جميعا واستنفدها جميعا، انقذف فيه اللجوء الى الله، فملاه وعمر ارجاءه وانبت خضراءه وجعله ينبض بقوة من جديد، فما يلبث الري ان يفيض على ساقية العينين لتنهمر دموعهما من جديد بعد طول جفاف، وتكتمل الحلقة بلسان يلهج بادعية تتدفق عليه وتتهدج مع دقات القلب ودفقات الدمع..
انها لحظة.. ستعرفها انها هي عندما تعيشها..
كلحظة الثلاثة الذين خلفوا حتى اذا ضاقت عليهم الارض بما رحبت، وضاقت عليهم انفسهم، ويئسوا من كل شيء، وايقنوا ان لا ملجا من الله الا اليه، قذف الله في قلوبهم والهمهم: ان توبوا فاني اريد ان اتوب عليكم..
انها لحظة.. ستعرفها انها هي؛ لحظة يقرع كيانك فيها قارع يقول: "الآن! يا قلب نبضك، يا عين دمعك، يا لسان دعاءك.. الآن: الله يريد ان يستجيب دعاءك"..
ان هي الا لحظة..! ستقول: ما دامت لحظة ايعقل ان قلبي لم يتعرض طوال ما مضى من بلائي لنفحات تلك اللحظة؟
نعم؛ انه الشيطان عندما لمس منك تكاسلا عن تبعات اللجوء الى الله هجم عليك ليجتالك عن طريق الله قائلا: "اين تذهب؟ طريقك الذي تهم بسلوكه طويل؛ هاهنا خصب قريب فارتع".. فاسلمته لجام قلبك فنقله بين مراتع الجدب، ولو عصيته في اول الطريق لوصلت!
انه الشيطان؛ راك تقرع باب الفرج الحقيقي، فلما لمس منك مللا وفتورا قال لك: "هاهنا مخرج سهل فاتبعني".. فقادك في دهليز الاسباب فاضعت فيه وقتك وجهدك، وكلما هممت بالرجوع الى باب الفرج الحقيقي قال: "رويدا.. ابصر آخر هذا النفق نورا".. ولا نور! انما يصدك عن السبيل ويزعم انه هاديك، ولو عصيته اول الامر ولزمت قرع الباب لفتح لك..
صحيح ان اللجوء الى الله له تبعات، وصحيح ان قلع الاشواك من القلب وبذر البذور فيه يحتاج وقتا وجهدا، لكنه اقل بكثير من الوقت والجهد اللذين سننفقهما هباء في دهليز الاسباب الخالية عن الله.. ومع الله ستجد الانس والطمانينة، ومع هذه الاسباب ستجد الخوف والخذلان، ثم في الاولى تصل وفي الثانية لا تزداد الا تيها..!
فلماذا اذن نبقي تعلق قلوبنا بالاسباب الارضية وبالمخلوقين لينجونا من مضايقنا؟ وندفع تكاليف ذلك من وقت وجهد وتمزق نفس وتشتت فكر وغصة وهم وقهر وخيبة امل في المخلوقين؟!
لماذا لا نتعظ بغيرنا؟
لا باس، انه الطبع البشري؛ نصر على التجربة بانفسنا، حتى اذا عركتنا وذقنا مرارتها اصبحنا اكثر حزما واقوى عزما في صد الشيطان ان حاول صرفنا عن باب الفرج الحقيقي وقلنا له: "غر غيري.. غر غيري..".
لكن المصيبة ان لم يتعظ احدنا بتجارب نفسه واصر على خوض الدهليز - دهليز الاسباب المنقطعة عن الله، دهليز التعلق بالمخلوقين - في كل بلاء جديد، ولا ينبغي للمؤمن ان يلدغ من جحر مرتين..!
فسل الله ان يرزقك لحظة الياس والرجاء هذه؛ الياس من المخلوقين، والرجاء في الخالق سبحانه..
انها لحظة.. لكن ما اعزها من لحظة واندرها! انها لحظة.. ان عاشها القلب انتفض بجبال الهموم المتراكمة عليه فينسفها ربي نسفا.. انها لحظة.. لكنها تنقل القلب من وادي الضياع السحيق ليتعلق بالعرش.. انها لحظة.. تنقلك من حضيض الفشل الى قمة الامل، ومن وحشة الياس الى بهجة الانس.. انها لحظة.. تنشلك من المخاوف التي تنهشك من كل جانب الى كنف الله حيث الامان.. انها لحظة.. ظننت قبلها انك فقدت كل شيء، لتكتشف بعدها انك وجدت كل شيء.. انها لحظة.. وكانها صيحة في مقبرة القلب احيت مواته..
انها لحظة التعلق بالله، بالله لا غير، وهي والله لحظة الفرج، فرج عن قلبك باحيائه بعد موات، وفرج من كربك بالطريقة التي يشاؤها الله ويرضيك عنها..
انها لحظة كلحظات الانبياء عليهم الصلاة والسلام. صحيح ان حياة الانبياء كلها تعلق بالله، لكن هذا التعلق كان يتمحص ويصفو ويتجرد ويبلغ الذروة في لحظات فياتي الفرج..
لحظة نوح اذ دعا ربه (أني مغلوب فانتصر) [القمر: 10]، فانجاه الله ومن معه في الفلك.. لحظة ابراهيم اذ قال: "حسبي الله ونعم الوكيل"؛ فجعل الله النار بردا وسلاما عليه.. لحظة يونس اذ قال: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين) [الانبياء: 87]، فانجاه الله من الغم وانجاه من بطن الحوت.. لحظة موسى اذ قال: (إن معي ربي سيهدين) [الشعراء: 62]، فنجاه الله وقومه من بحر امامه وعدو وراءه.. لحظة ايوب اذ نادى ربه: (أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين) [الانبياء: 83]، فكشف الله ما به من ضر وآتاه اهله ومثلهم معهم.. لحظة يوسف اذ خلا قلبه من التعلق بالملك وبالخروج المشوب من السجن فقال: (أرجع إلى ربك فاسأله) [يوسف: 50]، فانجاه الله من السجن وآتاه ملكا.. لحظة يعقوب اذ قال لبنيه: (ولا تيأسوا من روح الله) [يوسف: 87]، فرد الله عليه ابناءه وبصره.. لحظة محمد صلى الله عليه وسلم اذ قال: (لا تحزن إن الله معنا) [التوبة: 40]، فانجاه الله من سيوف المشركين التي كانت فوق راسه في صحراء لا قرابة فيها فيدفعون عن رسول الله ولا اتباع..
انها لحظة الياس من المخلوقين، فلا يبقى الا الرجاء في الخالق، فياتي الفرج سريعا.. (حتى إذا استيئس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ولا يرد بأسنا عن القوم المجرمين) [يوسف: 110].
ان فرج الله قريب.. قريب جدا؛ لانه لا يحول بيننا وبينه الا هذه اللحظة، انما نحن الذين نبتعد عنه بالدخول في دهاليز الاسباب الخالية عن الله والتنقل بين مراتعها، عندما نستثقل - بضعف بصائرنا وقلة صبرنا - تبعات اللجوء الى الله!
لذا فالصبر المطلوب في البلاء ليس صبر التجلد امام الهم فقط؛ بل الاهم منه الصبر في اداء تبعات اللجوء الى الله سبحانه..
انها لحظة اليقين الخالص بصدق الله، والثقة المطلقة بقدرته على تنجيتنا مهما امحلت الاسباب، وبان من لزم قرع الباب يوشك ان يفتح له.. لحظة اليقين بان الامة لو اجتمعت على ان ينفعوك بشيء لم ينفعوك الا بشيء قد كتبه الله لك.. لحظة تنشلك من الدهليز لتضعك امام باب الفرج من جديد..
لذا فاذا عشنا هذه اللحظة وايقنا فعلنا بانه ما لنا الا الله، فيا لسعادتنا وهنائنا وراحة بالنا! ولن تكون عبارة اشهار افلاس؛ بل اعلان غنى واكتفاء.. ولن نقولها بضعف وحزن وخوف، بل سنقولها بثبات واعتزاز واستبشار؛ لان من لم يكن له الا الله فالله حسبه ونعم الوكيل، ونعم المولى ونعم النصير، وحينئذ عندما نضع راسنا لننام ونقول: "اللهم اسلمت نفسي إليك، وفوضت أمري إليك.."، سيرجف قلبنا؛ لكنه هذه المرة رجفان المحبة لله والانس به بعد طول غفلة عنه..
لقد عشت شخصيا هذه اللحظة عندما غيبت عن اهلي ظلما.. كان يؤرقني اثناء تغيبي هذا خوفي على والدي ان يصيب احدهما شر في غيابي، والمشكلة انني كنت قد قصرت معهما من قبل في تكريس الوقت والجهد الكافيين في اسعادهما. كثيرا ما كان انشغالي بالدعوة وامور نافعة، لكن عدم الالتزام بالاولويات هو في حد ذاته خطا ينبغي للانسان ان يستغفر منه؛ فالله عز وجل فرض علينا بر الوالدين والتفنن في ذلك؛ (وبالوالدين إحسانا) [الإسراء: 23]، فلا عذر لك في ان تنشغل عن بر والديك بامور اخرى هي محبوبة لله عز وجل، فالشيطان قد يقنع منك بان يلهيك بالمفضول عن الفاضل. لذلك في تغيبي كانت تراودني المخاوف الا ادرك احد والدي او كليهما.
تعلق قلبي بالاسباب الارضية.. كان يبدو هناك حبال كثيرة ممدودة ستنجيني من بلائي، لكن هذه الحبال قطعت فجاة، والاسباب انهارت فجاة، فوجدت نفسي في لحظة من الياس من كل شيء ارضي، كل شيء مادي.. وفي هذه اللحظة تعلق قلبي بالله عز وجل تعلقا صحيحا..
كتبت في اثناء تغيبي قصيدة تعبر عن هذه اللحظة..
يكدر صفو نفسي طول أسري ويخنقني الأسى ويضيق صدري أحن إلى عيالي أن أراهم ألاعبهم، أضمهم لحجري ولي أبوان قد بلغا مشيبا من الأمراض قد بليا بضر فهذا والدي مضنى قعيد تضاءل جسمه بخريف عمر ولي أم تكابد ما أعاني تكاد تذوب من كمد وقهر وأم عيالي التاعت لفقدي كسير بالها والدمع يجري يسائلها صغاري عن غيابي فيغلي قلبها في مثل جمر وقد أصبحت عند الناس رهنا قد اجتهدوا ليرموني بشر كأني مت قبل بلوغ حتفي فواروني - وبي رمق - بقبري
وإني ما سلكت سبيل ربي وأحسبه خلا من كل مر ولم أحسبه محفوفا بورد ومفروشا بياقوت ودر ولست بجاهل سنن البلايا ولا متذمر أن جاء دوري ولست أخاف من فقدان جاه ولست أخاف أن أبلى بفقر ولكني أخاف من المنايا على أبوي إن فجأت بعقر وقد قصرت عندهما بحق ولست معاذرا أبدا بعذر فإن ماتا وما اكتنفا ببري فيا لندامتي وضياع أمري! سيبقى ذكرهم جرحا عميقا وكسرا في الفؤاد بغير جبر وكنت أبا لأولادي محبا ولكني شغلت بنيل فخر فلم أغدق عليهم من حناني بل استقبلتهم بكثير زجر
أقلب ناظري وأجيل فكري لعلي أستعين لرفع جور لجأت إلى العباد لينقذوني فما ألفيت من سند لظهري سوى إخوان قد جهدوا لجهدي ولكن ما استطاعوا فك أسري حسيرا خاسئا قد عاد بصري فلم يرجع بما عني يسري
فلما أوصدوا الأبواب دوني وكاد اليأس يسحق كل بشر أنخت ببابكم يا رب رحلي وأرجو عندكم جبرا لكسري وقد فتشت في عملي لعلي ذخرت لمثل ضيقي أي ذخر بفعل خالص ترضاه ربي فيشفع عندكم في كشف ضر فلم أبصر سوى صحراء جدب ولم أقبل عليك سوى بوزري! وإني نادم يا رب حقا وأنوي توبة ما عشت عمري وإني قد وعدتك قبل هذا فجدت تكرما ونشرت غدري
ولكني أحبك يا إلهي وصغت بودكم نثري وشعري ولم أمدد إليك يدا إلهي فعادت من عطاياكم بصفر ظننت بعفوكم يا رب خيرا فإني لم ألد إلا ببر ألا فارحم ضعيفك يا إلهي وأسعده بيسر بعد عسر وأرجعني إلى أبوي مشيب لتنظر كيف إحساني وبري أجبني إن علمت بصدق قولي فلا يخفاك إعلاني وسري على الرحمن أقسم كل جهدي وأعلم أنه سيفي ببر أزل عني وعن أخوي غما وبدد ليلنا بطلوع فجر
لقد عشت شخصيا هذه اللحظة، ولكن ما احوج العالم الاسلامي ان يعيشها! ما احوج العالم الاسلامي اليوم ان يقطع الامل في كل شيء؛ ان يقطع الامل في المخلوقين.. ما احوج هذه الشعوب حين ترفع الشعارات: «ما لنا إلا الله» ان تدرك معنى هذا الشعار؛ فوالله لئن آمنت به إيمانا حقا وقامت بتبعاته وعلقت قلبها بالله فحسب، والله ليجعلن الله لها فرجا ومخرجا..
يا مسلمون.. يا مسلمون.. توكلوا على ربكم، علقوا قلوبكم برحمته، لا تعلقوا قلوبكم بالمخلوقين، لا تلجاوا إلى غير ربكم سبحانه وتعالى، اصدقوا في اللجوء إلى الله، اطرحوا انفسكم على عتباته سبحانه.. (إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) [آل عمران: 160]..
والله تعالى اعلم واحكم.. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم..
عندما نمر بظرف صعب، او نتمنى امرا مستبعد الحصول، فان هناك تفكيرا يجعل املنا في تحقيق ما ندعو به ضعيفا، فندعو الله بفتور. هذا التفكير هو: (كثيرون غيري مروا بظرف مشابه، وأراهم خيرا مني، وقد دعوا الله فلم يستجب لهم. فلا يتوقع ان يستجيب لي من باب اولى).
اخواني، دعوني اشارككم الجواب الذي اجبت به نفسي عن هذا السؤال، ووجدت له اثرا عظيما في علاقتي بالله تعالى، واحسب انه من الاسباب العظيمة لاستجابة الدعاء.
الجواب: (انظر إلى علاقتك بالله تعالى كعلاقة خاصة لا تتاثر بما يحصل مع الآخرين). قد يكون كثيرون غيرك وقعوا في مثل بلائك بل اشد، ولم يرفع عنهم، مع انهم دعوا الله كثيرا، ومع انهم احسن منك عبادة واكثر تقوى. لا علاقة لك انت. ادع بيقين وطمع في كرم الله ولا تقارن بغيرك.
ما الادلة على هذا؟
محل الشاهد ان الله لا يظلم احدا، بل يعطي كل محسن اكثر مما يستحق، لكنه قد يختار اناسا لفضل زائد. لاحظ ان اسمه (فضل) وليس حقا واجبا عليه سبحانه. فللمسلم ان يرجو ان يكون من الذين اختصهم الله تعالى بمزيد فضل.
أيها الكرام:
لاجل ما سبق جميعا، ادع الله بيقين، واجعل علاقتك به سبحانه خاصة، واطمع في ان تكون من اهل الحظوة عنده، كانك تقول: (يا رب، انا لا شان لي بفلان وفلان ممن لم يرفع بلاؤهم، انت ارحم بهم واعلم بما يصلحهم. ما اعلمه انا هو انني عبد لرب كريم لا حد لعطائه، ولا رب لي سواه فارجوه، يرزق من يشاء بغير حساب، فاستجب يا كريم).
سوف تراهما بمنظر اكثر ابهاجا بإذن الله!
كتبت هذه الخاطرة عام 1431 هجري، 2010 م:
بدات محنتي الحالية في البعد عن عائلتي عندما كان عمر التوامتين من اطفالي (لين ولجين) خمسة اشهر.. ولا زالت لاحداهما صورة عالقة بذهني؛ كنت اضعها على ظهرها على الارض فتنقلب على بطنها ثم ترفع صدرها بيدها.. فإذا التقت عيناي بعينيها ابتسمت ابتسامة الانتصار وراسها يهتز لثقله على جسمها الصغير!
بقدر ما كان هذا المنظر مبهجا في حينه فقد اصبح مؤلما لي الآن وانا في الغربة بعيد عن اولادي، اتمنى ان ارى الصغيرتين وهما تكبران يوما بعد يوم، ان ارى تطور حركاتهما مرحلة مرحلة؛ تنقلبان ثم تحبوان ثم تمشيان وهما تمسكان باطراف الاثاث ثم تمشيان مسافات قصيرة بخطوات سريعة منتشيتين بتشجيع الحاضرين.. هذه المرحلة تمر الآن وانا بعيد عنهما، فاقدا بذلك متعة لن تعود!
كان لهذا التفكير وخز مؤلم في حسي.. إلى ان قلت لنفسي: (لا تحزن، سوف تراهما بمنظر اكثر ابهاجا بإذن الله)! (عسى ربنا أن يبدلنا خيرا منها إنا إلى ربنا راغبون) [القلم: 32]..
قلت لنفسي: ماذا تستفيد إن عايشت تطورات حركات ابنتيك هاتين حتى كبرتا وقاربتا سن التكليف، ثم إذا بهما تفاجآنك بالنفور من ارتداء الحجاب مثلا؟! أي ذكرى جميلة تبقى حينئذ إن كانت ابنتاك من صلبك ترفضان شعائر دين تضحي أنت من اجله؟!
ارج الله تعالى الذي ابتليت في سبيله ان يعوضك لا في الآخرة فحسب، بل وفي الدنيا كذلك، بان ترى ابنتيك هاتين تسعيان نحوك يوما وقد ارتديتا الحجاب من تلقاء نفسيهما استعدادا للخروج معك في مشوار، وقد امتلات عيناهما سرورا بما فعلتا، وارتسمت على وجهيهما البريئين ابتسامة رضا.. سيكون حينئذ منظرا اجمل وانقى وابهى واكثر إشعاعا للبهجة في نفسك من أي منظر فقدته ببعدك عنهما (إن يعلم الله في قلوبكم خيرا يؤتكم خيرا مما أخذ منكم ويغفر لكم) [الانفال: 70]..
كثيرا ما نتحسر على نعم نفقدها او مراحل من حياتنا لا نعيشها كما نتمنى لاننا نعتقد انها لا تعوض. احسن الظن بربك يا اخي وارجه ان يعوضك بخير مما فقدت. وتذكر في الوقت ذاته ان هذه الدنيا اهون من ان تحرص على التمتع بكل مباحاتها.. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ولقاب قوس احدكم في الجنة أو موضع قيد - أي: سوط - خير من الدنيا وما فيها)!..
فحسرتنا على فوات متاع دنيوي اكثر من فوات فرص عظيمة للفوز بالجنة.. إن هذه الحسرة دلالة على غفلة منا يجب علينا ان نستحي منها ونسعى إلى تداركها.
إن الحرص على التمتع بكل لحظة من لحظات الدنيا متوقع لا منك أنت أيها المؤمن، بل ممن لا يؤمن بحياة آخرة، فهو يتحسر على ما يفوت منها لانها كل شيء في نظره.
فعلق نفسك يا اخي بنعم الآخرة، ولا توسوس لك نفسك بان في الدنيا متعا تفوت دون ان يكون لها تعويض من جنسها في الآخرة.. ألست إن دخلت الجنة كان بإمكانك ان تطلب إعادة ما فاتك من نعيم الدنيا؟ بلى (لهم ما يشاءون عند ربهم) [الزمر: 34].. لكن ما اظنك فإن نعيما وصفه العظيم بانه عظيم (إن الله عنده أجر عظيم) [التوبة: 22].. سيشغلك عن متاع فات في دنيا لا تزن عند الله جناح بعوضة!
فلتطب نفسك بالتضحية في سبيل الله.
ملاحظة: مرت السنوات ولبست اختهما سارة الحجاب من نفسها وهي طفلة، ثم توفيت بخاتمة حسنة والحمد لله.
إن بداية الحل لمشكلتك والخروج من ازمتك ان تعرف انها ما اصابتك إلا بذنب منك: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير) [الشورى: 30]، (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) [النساء: 79]، (أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم) [آل عمران: 165]..
لذا فإن الله تعالى يحب منك حينئذ ان تبادر بتصويب اوضاعك وبالعودة إليه تعالى: (فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلهم يتضرعون) [الانعام: 42].
إن عامة الناس لا يتفاعلون مع البلاء كما يحب الله تعالى. لذا ترى ان القرآن يصف في مواضع كثيرة جدا سوء تفاعل الناس مع البلاء:
فمنهم من لا يتفاعل ولا يستفيد: (فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون) [الانعام: 43]، (ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون) [المؤمنون: 76].. (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون) [التوبة: 126].
ومنهم من يياس ويقنط: (لا يسأم الإنسان من دعاء الخير وإن مسه الشر فيؤوس قنوط) [فصلت: 49]، (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون) [الروم: 36]، (وإذا مسه الشر كان يؤوسا) [الإسراء: 83].
بل ومنهم من يزداد كفرانا!: (وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم فإن الإنسان كفور) [الشورى: 48]، (ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا لظلوا من بعده يكفرون) [الروم: 51].
عجبا لامرك أيها الإنسان! إن هذا التركيز القرآني على ظاهرة سوء التفاعل يستدعي منا وقفة وتاملا..
إننا قد نمضي اوقاتنا ونحن نتافف من البلاء ونتمنى لو لم يحل بنا ونتصور سعادتنا لو لم يجر ما جرى، ونتلقف الانباء ونلهث وراء أي بادرة انفراج، ونطرق الابواب الارضية ونبالغ في الاخذ بالاسباب المادية للتخلص من البلاء.. إلى حد يصبح فيه التفكير بالبلاء كابوس يقظة ومنام ووسواسا لا ينفك عن اذهاننا.. ولكن هذا كله لا يزيدنا إلا دورانا في حلقة مفرغة، وستتولد لدينا مصيبة جديدة، هي اننا لم نستفد من البلاء ولم نتفاعل معه كما يحب الله تعالى بان نصوب اوضاعنا ونعود إليه سبحانه.
قد يكون البلاء ظلما وقع عليك، فتمضي الاوقات تغيظا من ظالمك.. لكن من الحكمة ان تدرك ان هذا ما سلط عليك إلا بذنب منك، فما هو إلا اداة لقدر الله تعالى.. (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا) [آل عمران: 120].. فينبغي لك، مع مدافعة هذا الظلم والسعي في تحصيل حقك بكل سبب شرعه الله، ان تسعى أيضا في التخلص من ذنبك راجيا ان يكف الله الاذى عنك.
إن نزل بك بلاء فبادر فورا بكتابة قائمة باخطائك التي تحتاج إلى تصويب، وابدا بالتخلص منها وقد وضعت نصب عينيك ان تفعل ذلك تعظيما لحق الله اولا، ثم لينظر إليك تعالى نظرة رحمة ويرفع عنك البلاء. ولاحظ في تحديد اخطائك ان البلاء قد يكون من جنس المعصية، فمن قصد لذة لا يرتضيها الله فقد يحرم الوجه الحلال منها:
فإذا ابتليت مثلا بمشاكل مع زوجتك ففكر: لعلك اردت ترطيب حياتك بالتهاون في التعامل مع نساء من غير محارمك بممازحتهن او الحديث معهن خارج حدود الحاجة وغض البصر، فحرمت متعة الوئام الزوجي النقية المباحة.
إذا ابتليت بفقد شيء من مالك او بقلة البركة فيه فتذكر: هل تهاونت بإدخال مال مشبوه إلى مالك؟ هل قصرت في صلة امك بمال تبهجها وتوسع عليها به؟
إذا ابتليت بسجن فتذكر: هل لديك والد مريض محبوس في جسمه لا يستطيع الحراك فما كانت تسري عنه بتنقيله في بيته وخارجه وما كنت تؤنسه بالحديث معه لتذهب عنه الوحشة، فابتليت بوحشة كوحشته؟!
إذا ابتليت بفقد وظيفتك فتذكر: لعلك كنت لا تخشع في صلاتك، بل تمضيها وأنت تفكر في وظيفتك ومشاكلها وإرضاء المدير وأنت بين يدي الله تعالى!
لعلك أيتها الزوجة المبتلاة بزوج لا يراعي حقك.. لعلك رايته مقصرا في حق الله فلم تنصحيه ولم تعينيه على إرضاء ربه، فلم يوفقه الله لاداء حقك عليه! أيها المبتلى! واجه الحقيقة وإن كانت مرة! لابد من ذنب جر عليك البلاء، فحدده وتخلص منه بسرعة، وبذلك تنجح أنت - بإذن الله - في قلب المحنة في دنياك إلى منحة في دينك، وينطبق عليك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (عجبا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن).. ويرجى لك حينئذ ان ياتيك الفرج، لانك بعودتك إلى الله قد اتقيته، والله تعالى يقول: (ومن يتق الله يجعل له مخرجا * ويرزقه من حيث لا يحتسب) [الطلاق: 2-3].
اما إن كنت بطيئا ضعيفا في تصويب اوضاعك فتذكر حينئذ ان المعلم إن راى من التلميذ بطئا في تعلم الدرس فانه قد يزيد عدد الحصص.. ولله المثل الاعلى.
قد ياتيك الفرج بزوال ما آلمك واهمك، وقد ياتيك الفرج بان يبقى البلاء ولكن ترى معية الله لك فيه، وإيناس قلبك بعد وحشة، وثباتا بعد اهتزاز، ووجوها من الخير العظيم في دينك ودنياك خيرا لك من زوال البلاء.
لذا، تذكر وأنت تحدد اخطاءك وتبدا بعلاجها انك تريد التخلص منها مدى الحياة بغض النظر انفرج كربك ام لم ينفرج، وإلا لم تكن صادقا في نية التوبة إلى الله تعالى. قد تكون قاطعا لاخيك وتبتلى بالفقر، فتتودد إلى الله تعالى وتصل اخيك من جديد.. ومع ذلك قد يبتليك الله باستمرار فقرك واشتداده.. فهل أنت حينئذ عائد للقطيعة لادنى مشكلة جديدة بينكما؟! وهل في هذا دلالة ان توبتك كانت صادقة خالصة لوجه الله تعالى؟
ويا عجبا لمن لا يغفل عن التوبة عند البلاء فحسب، بل يزداد ارتكابا للمحرمات لحل مشكلته! كتاجر يتعرض لخسارة فيقترض قرضا ربويا لينعش تجارته، ولعله يبرر ذلك في نفسه قائلا: (لقد اضطرني ربي إلى اللجوء لهذا الطريق)!
فهذه احوال الناس مع البلاء، منهم من يتخذه محطة تنقية وانطلاقة جديدة في حياته، ومنهم من لا يتوب ولا يتذكر، ومنهم من يستجير من الرمضاء بالنار.. فاختر لنفسك.. (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عما يعملون) [الانعام: 132]..
أيها الأحبة.. هناك مفهوم يجيب عن تساؤلات كثيرة تخطر ببالنا:
لابن القيم كلام ساوريه مع بعض التحوير لتركيز الفكرة. قال رحمه الله ما معناه: (أجمع العارفون بالله على ان التوفيق هو في ألا يكلك الله إلى نفسك، وان الخذلان هو في ان يكلك إلى نفسك. وقد يجتمع في العبد خذلان وتوفيق، فيقارن بينهما، ويدرك ان الذي يمسك سماء توفيقه وهدايته ان تقع على ارض خذلانه وضلاله هو الذي يمسك السماء ان تقع على الارض إلا بإذنه، ويدرك العبد حينئذ حاجته إلى ان يقول في كل ركعة: (إياك نعبد وإياك نستعين * اهدنا الصراط المستقيم) [الفاتحة: 5-6].. ويعلم العبد حينئذ شدة حاجته إلى التوفيق في كل نفس وكل لحظة).
إذن اخواني، التوفيق هو في ألا يكلك الله إلى نفسك. ما معنى هذا الكلام؟ تصور الحياة واختباراتها كمجموعة من الحفر. أنت قد تعجب بقدرات نفسك وذكائها لانك استطعت ان تتجاوز بعض هذه الحفر. تحس ان لديك «قدرات ذاتية» تؤهلك لخوض أية تجربة بنجاح، وتقول:
ويعزز هذه النظرة مديح الناس لك:
ومثل هذه العبارات من الثناء على جوانب مختلفة من شخصيتك. فتحس لا شعوريا بشيء من «الاستقلالية» عن رحمة الله وتوفيقه!: (كلا إن الإنسان ليطغى * أن رآه استغنى) [العلق: 6-7].
فيعرضك الله لحفرة، ويدعك تعتمد على قدرات نفسك تلك (خليها تنفعك!)، فتسقط في الحفرة سقوطا مروعا، لانك وكلت إلى نفسك. فتعلم ان لا نجاة ولا نجاح لك إلا بتعلقك بحبل الله تعالى، حبل رحمته وتوفيقه.
فتبرأ من قدراتك، وتستمد التوفيق من الله. وهذا معنى التبرؤ والاستمداد. وتتجنب تماما قول: (أنا من النوع) و(لست من النوع)..
بل تدرك أننا كلنا بلا استثناء "من النوع" الذي لا يساوي قشرة بصلة إن وكلنا الله إلى أنفسنا! فكم من معتز بثباته أمام الشهوات وقع يوما فيما لم يتصور أن يقع فيه مما كان يستقدر فاعليه! وكم من مغتر بذكائه انطلى عليه ما لا ينطلي على بسطاء الناس..
لذا، فإننا ندعو صباح مساء بالدعاء الثابت عن نبينا صلى الله عليه وسلم: (يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث أصلح لي شأني كله ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
قد يتساءل أحدنا: (لا أستغني عن توفيق الله طرفة عين؟) يعني بمقدار رمشة عين؟ نعم.. انظروا إخواني إلى أفعال قد لا تستغرق أكثر من رمشة عين، يكلنا الله فيها إلى أنفسنا فيصدر منا أفعال تترك جرحا عميقا سائر حياتنا!
وغيرها الكثير.
تصرفات تستغرب أنت وقوعها منك، كأنها إشارات من الله تعالى: أن انظر ماذا يكون منك إن وكلت إلى نفسك وفتر حسك بضرورة حاجتك إلى رحمة ربك في كل طرفة عين.
تذكر ذلك لتدعو باضطرار ولهفة، لا دعاء روتينيا: (فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين).
أحدنا قد يحفظ القرآن والأحاديث المتعلقة بالصبر والرضا والإيجابية وقصص الصالحين وأبيات الشعر والحكم والاستنباطات والمعاني الجميلة.. ومع ذلك تأتي أوقات لا ينتفع بأي منها! فيحس بضعف إيمانه، فراغ قلبه، هبوط معنوياتي، قلة صبره!
وكأنها تذكير من الله تعالى، أنه حتى هذه الآيات والأحاديث والمعاني لا تؤثر بنفسها تأثيرا ذاتيا، بل إن شاء الله نزع أثرها فيك وهوت سماء صبرك وانشراحك على أرض ضعفك وخوفك. وإن شاء الله جعل لآية وقعا جديدا في نفسك وأثرا عظيما كأنك تسمعها لأول مرة مع أنك قرأتها قبل ذلك مئات أو آلاف المرات. هي رجفات تشعرك باقتراب هوي سمائك لتزداد لجوءا.
وأرى أن ذلك مما يساعد في فهم قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مئة مرة) (مسلم). يغان بمعنى يتغشى القلب ما يتغشاه، وكأنها عوارض تعرض للنبي (رجفات) ليتذكر أن ثباته وطاقته ليست ذاتية، بل مظهر رحمة ومعية من الله تعالى فيتجدد تبصره بحاجته إلى ربه سبحانه في كل طرفة عين.
وكذلك صحابة النبي صلى الله عليه وسلم وصفهم الله في غزوة الأحزاب بقوله تعالى: "هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا" [الأحزاب: 11].. زلزلة تكشف لهم أنهم -وإن كانوا خير الناس وأقواهم وأثبتهم- فنفوسهم ضعيفة إذا وكلوا إليها.
لذلك فلمن يتساءل: (ماذا أفعل عندما أضعف؟).. الجواب: اعترف بضعفك وتبرأ من حولك وقوتك، واستغفر الله عن كل لحظة أعجبت فيها بنفسك وقلت فيها كقول قارون (إنما أوتيته على علم عندي)! واستمدد العزم والقوة من ربك عز وجل.
لو أنك كنت مقبلا على تأثيث بيت وقال لك رجل ثري: (اشتر ما شئت ولا تسأل عن الثمن، أنا أسدد الحساب) فستشتري بلا قلق..
كثيرا ما كنت أتساءل: (كيف يصبر المحبوس لسنوات طويلة مثلا؟) وأخاف أن أبتلى بمثل بلواهم، لأني أنظر في نفسي فلا أجد فيها ما يصبرها كصبرهم.
ثم أدركت أن هؤلاء قوم من الله عليهم بلحظات عسيرة! زلزلت أركانهم واستخرجت كل ما فيهم من طاقة فلم يجدوها كافية، فتبرؤوا من قوتهم واستمدوا العون من الله، أي أنهم عرفوا المفتاح، وحينئذ فهم كهذا الذي يخوض أي غمار ومعه "شيك مفتوح" من غني، ولله المثل الأعلى.
قل قلقي بإدراك ذلك، لأن سقفي من قبل كان نفسي، ونفسي محدودة وصبرها محدود. أما المدد من الله فلا حد له ولا عد، وإنما علينا أن نحسن الاستمداد: "واصبر وما صبرك إلا بالله" [النحل: 127]، (واستعن بالله ولا تعجز) (رواه مسلم).
انظر إلى ثبات الثابتين وتوفيق الموفقين على أنها مظاهر لرحمة الله وقدرته، ولا تنشغل عنها بالإعجاب بشخوصهم وبمدحهم، فإن مدحهم يغرهم وينسيهم شيئا فشيئا حقيقة أن ما بهم هو محض توفيق من الله..
بدل أن تقول: "ما أصبر فلانا" عود نفسك أن تقول: "ما أعظم رحمة الله إذ صبر فلانا".
ولذا كان الصالحون الأبرار يخافون أن يمدحوا في وجوههم، يخافون أن يبدوا كالمقرين لنسبة الناس الفضل إلى ذواتهم، فيكلهم الله إلى أنفسهم فيسقطون.
كان الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إذا زكي قال: (اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون) (أخرجه البخاري في الأدب المفرد وقال الألباني إسناده صحيح).
كل خير يحصل للعباد ينسب الله الفضل فيه دوما إلى نفسه. كقوله سبحانه:
فهل هذا لتعريف العباد بحقه سبحانه فحسب؟ بل أحسب أنه تعالى يربينا أيضا بذلك، فالله تعالى غني عن العالمين، لكنه تعالى يعطينا مفاتيح التوفيق ويدلنا على ما ينفعنا لنستمد العون منه في كل وقت وحين ولا نغتر بأنفسنا وقدراتنا التي لو وكلنا إليها لضللنا وخسرنا وما زكت نفوسنا.
قال ابن القيم: (فإذا قام العبد بالحق على غيره وعلى نفسه أولا، وكان قيامه بالله ولله، لم يقم له شيء، ولو كادته السماوات والأرض والجبال لكفاه الله مؤنتها، وجعل له فرجا ومخرجا) (إعلام الموقعين).. انظر قوله: (وكان قيامه بالله)، أي معتمدا عليه وحده سبحانه.
في المقابل، قال ابن تيمية في بعض طوائف المبتدعة: (إذا نظرت إليهم بعين القدر، والحيرة مستولية عليهم، والشيطان مستحوذ عليهم، رحمتهم ورفقت بهم: أوتوا ذكاء وما أوتوا زكاء (أي طهرا وبركة)، وأعطوا فهوما وما أعطوا علوما...).
إذا لم يكن من الله عون للفتى .. فأول ما يقضي عليه اجتهاده
فتذكر: تبرأ من حولك وقوتك، واستمد العون ممن لا حد لقوته سبحانه وتعالى.
رزقت شقيقتي ولدا مصابا بمتلازمة داون، فتعاملت هي وعائلتها معه تعاملا مليئا بالدروس والعبر.. ثم شاء الله أن يتوفى الطفل عن ثلاث سنين وثلاثة أشهر. وكنت بعيدا عنهم مقيد الحرية. فكتبت لشقيقتي وعائلتها الرسالة التالية، والتي أسأل الله أن ينتفع بها كل من يرزق ولدا من ذوي الاحتياجات الخاصة، بل وكل مبتلى:
أختي الحبيبة نادية، أخي الحبيب إياد، فادي، يزيد، براء، عمر..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
وأعظم الله أجركما في حبيبنا حمودة. علمت بالخبر أمس، فجاشت في صدري معان كثيرة أحببت أن أشاطركم إياها وفي ختامها سأزف لكم بشرى بخصوص حمودة.
إياد ونادية، لقد تعلمت منكما درسا بليغا مما لا يمكن أن أتعلمه من الكتب: درسا في الرضا ومحبة قدر الله تعالى.
لا زلت أذكر يا نادية تلك اللحظة قبل ثلاث سنوات وثلاثة شهور حين زرتك في المستشفى لأبلغك بالتدريج حقيقة أن مولودك الجديد مصاب بمتلازمة داون.. لا زلت أذكر ثباتك وهدوءك وأنت متعبة من آثار العملية حين فهمت الأمر فقلت: "خير إن شاء الله" ثم غيرت الموضوع، وكان لسان حالك بعدها يقول: "يا رب إن كنت رضيته لي فقد رضيت به".
لا زلت أذكر يا إياد حين سألتني: "هل هذا يعتبر ابتلاء ولنا عليه أجر إن صبرنا؟" وكأنك كنت تقصد أن مولودك نعمة وإن كانت نعمة غير تامة فليس لك أن تتعامل مع الأمر بغير ذلك. فأجبتك: نعم، مرضه ابتلاء ولك على الصبر عليه أجر بإذن الله. فهززت رأسك بصمت واتخذت أنت أيضا قرار الصبر.
لكن ما بدا منكما بعد ذلك أخي وأختي الحبيبين لم يكن صبرا عاديا، بل كان أكمل وأعلى.. كان رضا وصبرا جميلا، جميلا بمعنى الكلمة.
كان من الممكن أن تصبرا على مضض وتقدما لحموده الحد الأدنى من الرعاية الواجبة وتتمنيا في قلبيكما أن "تنتهي المعاناة" بوفاته.. ولو كان هذا حالكما لما كنتما آثمين طالما لا جزع ولا اعتراض ولا تقصير في الرعاية الأساسية. لكنكما أحببتما مولودكما الجديد حبا حقيقيا.
حين علم الله منكما -فيما أحسبكما- رضا بقضائه، أوجد في قلبيكما مودة ورحمة خاصة لهذا الطفل، مصداقا لقوله تعالى: "ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه والله بكل شيء عليم" [التغابن: 11]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله) أحببتما حموده وتمنيتما أن يعيش.
نادية، لا زلت أذكر مشهد وأنت ترهشين لحركات حموده وكأني أسمع صوتك وأنت تضحكين له من أعماق قلبك وتقولين: (حمودي.. يا حياتي!) اشتريت له أجمل الملابس، حرصت على أن يكون (أكثر واحد مشخص) في كل عيد، لم أره يوما عبر السنوات الثلاثة إلا أنظف وأطيب رائحة من كل أولاد جيله، نشرت صوره بفخر على الفيسبوك، صممت له أجمل فيديو.. كل هذا مع أنك فعليا حبست مع حموده، فلم تستطيعي الخروج من المنزل للزيارات والدروس والرحلات لتعتني بحموده وتنفسه، وكثير من الأيام تترددين فيها بحموده بين الأطباء والمستشفيات، وتتابعين جلسات تعليم النطق وتحسين الحركة لحموده.
أصبح حموده هو حياتك، واستعنت بالله لتكون حياة جميلة.
إياد، لم تكن ترهش كثيرا لحركات الأطفال في هذا السن، لكنك حفلت بحموده أكثر من غيره.. أنفقت عليه بسخاء دون تردد: عملية القلب، ثم عملية البطارية، ثم نفقات العلاج والتأهيل.. كل هذا بطيب نفس.
وأنتما في ذلك كله تريدان لحموده أن يعيش، أن يكبر، أن يكون أقرب ما يمكن للإنسان السوي، وأن يبقى بيننا.
في حسابات الماديين، "ضاع" الكثير من الوقت والمال والجهد على حموده.. لكن في حسابات أهل الإيمان فإن الوقت والمال والعاطفة من نعم الله، وحموده أمانة استرعاكما الله عليها، فأنتما سخرتما نعمة الله في رعاية أمانة الله عندكما، فلكم بكل ما بذلتم أجر بإذن الله.
أولادكما نجحوا معكما حين تعاملوا بحفاوة واهتمام مع حموده، خصوصا براء، الصديق المقرب من حبيب الشعب.
لما أحببتما حموده بصدق أحببناه كلنا بصدق.. لما نظرتما إليه كإنسان مهم نظرنا إليه كلنا كذلك.. ثم لما حزنتما على فقده حزنا كلنا.. لأننا تعلمنا منكما درسا عمليا كنتما لنا فيه جميعا قدوة.. الدرس الأكبر بكثير من حسن التعامل مع الأولاد من ذوي الاحتياجات الخاصة، إنه درس في تحويل الأقدار المؤلمة إلى مظهر رضا وتسليم ومزرعة حسنات وهو درس يحتاجه كل مبتلى. لقد رحل حموده، لكن درسه سيبقى.
كان يمكن لعزاء حموده أن يكون فاترا وأن تريا فيه مبسوطين مستريحين لانتهاء معاناتكما مع حموده لكن ليس هذا الذي كان.
كم فخرت بك يا نادية حين أخبرني مراد أنك بكيت عند وفاة حموده بشدة، ومع ذلك ما كان لك قول إلا (الحمد لله، الحمد لله) تتصبرين بها.
فخرت بكما إياد ونادية حين عرفت من أمي أن عزاء حموده استمر أياما، أكثر مما يعزى بأي طفل، وأن عزاءه كان مشهودا حضره خلق كثير.. كأنكما فتحتما بالعزاء للناس مدرسة يتعلمون فيها عمليا الرضا واحترام الإنسان وتقدير نعمة الله تعالى.
أنا حزين على حموده، ومشتاق له "حبيب الشعب"، لكني سعيد لكما جدا، وأريد منكما أن تكونا سعيدين لأنكما، فيما أحسبكما والله حسيبكما، نجحتما في اختبار حموده، فأرجو أنه بينما كانت الطبيبة تكتب شهادة وفاته، كانت الملائكة تسجل نجاحكما، بل تفوقكما، في صفحة اختبار حموده، ثم طويت هذه الصحيفة، وارتفعت إلى الله تعالى مع روح حموده.. وستنشر لكما هذه الصحيفة يوم القيامة.. أسأل الله أن يبيض بها وجوهكم ويثقل موازينكم.
فاشكرا الله كثيرا على أن وفقكما في هذه التجربة وأسأله تعالى أن يتقبل منكما.
عزيزي إياد ونادية، ختاما، إليكما البشرى: حموده نرجو أنكم ستلقونه في الجنة بإذن الله تعالى، فهو نفس بشرية، والأنفس تحيا يوم القيامة وتبقى مخلدة، وهو من أطفال المسلمين. لذا، نعم، نرجو أنكم ستلقونه في الجنة بإذن الله.. لكنه لن يكون فيها مصابا بمتلازمة داون، بل سيكون كاملا جميلا بجمال رضاكما عن قضاء الله حين رزقكما إياه.. لذا، فاحرصا على العمل الصالح ونيل رضا الله تعالى ليلحقكما به برحمته.
أخيرا: حموده.. رحل من الدنيا قبل أن يتعلم النطق، لكن لسان حاله يقول: (بابا وماما، جئت في حياتكما لمهمة: أن أستخرج منكما عبادة الرضا وأرسم معكما قصة صبر جميل.. وأحب أن أقول لكما: أنكما نجحتما في الاختبار.. لذا، فإن مهمتي قد انتهت، وسأرحل الآن.. لكننا سنلتقي بإذن الله.. في الجنة.. محبكم: حموده).
إياد ونادية، أنا فخور بكما، وأحبكما في الله على هذا الدرس العظيم الذي أخجل من نفسي أمامه، وأسأل الله العظيم أن يجمعنا وأحبابنا في الجنة مع حبيب الكل حموده.
محبكم: إياد