أ. د. إياد قنيبي
ايها القارئ... شخص نفسك وعالجها قبل ان.... يضرب السور! "فضرب بينهم بسور له باب" [الحديد: 13]، سور يضرب بين المؤمنين والمنافقين يوم القيامة فلا يرى المنافقون النور ولا يدخلون الجنة مع المؤمنين.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
اللهم صل وسلم وبارك على حبيب قلوب المؤمنين وقرة عيونهم، إمام الصادقين والصابرين، الذي محا الله به الجهالة والضلالة وأنار به الدنيا وجعله سراجا منيرا.. رسول الله محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم..
وارض يا رب عن أصحابه الذين كانوا حوله أسودا، نصروه ووقروه واتبعوا النور الذي أنزل معه وفدوه بأرواحهم وأموالهم فارض يا رب عنهم وارفع ذكرهم في العالمين واحشرنا في زمرتهم..
أما بعد:
فإني لا أرى الحديث عن المنافقين يعطى في زماننا حقه في الخطب والمواعظ والمؤلفات على خطورته البالغة وغفلة الناس الشديدة عنه، وامتلاء القرآن والسنة بزخم كبير عن هذا الموضوع. لذا رأيت أن أستعين بالله تعالى لأجمع أخطر صفات المنافقين في هذا الكتاب، آملا أن يكون مادة يتدارسها الحريصون على سلامة إيمانهم وينشرونها فيما بينهم، عساه إن شاء الله تعالى يسهم في التنبيه على خطورة النفاق والمنافقين.
وقد قسمت الكتاب إلى مقدمة تبين أهمية الموضوع، ثم مفاهيم هامة عن طبيعة النفاق، متلوة بصفات المنافقين، وتحت كل صفة العناصر الآتية:
النفاق في اللغة من النفق الذي يحفره الحيوان وله فتحتان، فتراه إذا أتيته من ناحية هرب من الفتحة في الناحية الأخرى. وكذلك المنافق تتبدل مواقفه بين الإيمان والكفر بحسب الخوف والأمن، وقيل: هو مأخوذ من النفق الذي يحفره الحيوان ليختفي فيه ويستر نفسه، وكذلك المنافق يظهر الإيمان ويخفي كفره أو شكه ومرض قلبه (1).
قال ابن القيم في المنافقين: "كاد القرآن أن يكون كله في شأنهم، لكثرتهم على ظهر الأرض، وفي أجواف القبور، فلا خلت بقاع الأرض منهم، لئلا يستوحش المؤمنون في الطرقات، وتتعطل بهم أسباب المعايش، وتخطفهم الوحوش والسباع في الفلوات". فابن القيم يدعو بألا يهلك المنافقون كلهم لأن ذلك يعني هلاك كثير من الناس بحيث تتعطل المعايش! وقيل للحسن البصري - وهو من أئمة التابعين -: "يا أبا سعيد، اليوم نفاق؟" فقال: "لو خرجوا من أزقة البصرة لاستوحشتهم فيها"! (2).
ولكثرة المنافقين وشدة خطرهم في كل زمان، فصل الله تعالى صفاتهم في سور مدنية كثيرة. ألم تر أن الله تعالى بين مرض قلبهم ومخادعتهم للمؤمنين في سورة البقرة، ثم جزعهم وتخذيلهم في آل عمران، ثم إعراضهم عن حكم الله ورسوله في النساء، ثم موالاتهم الكفار في المائدة، ثم شكهم في وعد الله بالتمكين للدين في الأنفال، ثم نكوصهم عن الجهاد والطعن في المؤمنين في التوبة، ثم قلة ثباتهم في الحج، ثم انتقاءهم من الدين بأهوائهم في النور، ثم قلة صبرهم في العنكبوت، ثم إخلافهم عهد الله في الأحزاب، ثم جبنهم في سورة محمد، ثم سوء ظنهم بالله في الفتح، ثم اغترارهم بالأماني في الحديد، ثم حلفهم كذبا في المجادلة، ثم خذلانهم لمن ضعف من أوليائهم في الحشر، ثم قلة أدبهم مع رسول الله والمؤمنين في "المنافقون"، ثم استحقاقهم الغلظة في سورة التحريم... سبع عشرة سورة مليئة بالتحذير منهم وبالتفصيل في صفاتهم... أيظن بعد هذا كله أن ظاهرة المنافقين قد انتهت وأن الآيات التي تصفهم لا نحتاجها في أيامنا إلا للتبرك بتلاوتها وتدوين هذه الظاهرة تاريخيا؟!
فلا شك إذا أن الله تعالى قد أكثر من ذكر النفاق لنكون على بينة منه، فنحذر من النفاق في ذوات أنفسنا، ونحذر من المنافقين، ونحذر من أن نغرس أيا من صفاته في أبنائنا، بل نحرص على تربيتهم على عكس صفاته. قال تعالى: "وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين" [الأنعام: 55]. وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم" (3). فالنبي صلى الله عليه وسلم ينبه إلى خصال في المنافق حتى لا نغتر بصومه وصلاته وقوله عن نفسه أنه مسلم، فيفتك بالمجتمع الإسلامي والمسلمون مخدرون عن الحذر من خطره واتخاذ الموقف المناسب منه.
اللحظة الحاسمة... هي تلك التي يعرف فيها المنافق أنه هالك... استفاق من حلم الخلود في نعيم الجنة إلى يقين الخلود في عذاب النار... لحظة رهيبة يخاف منها كل مؤمن... مر المؤمنون عبر محطات التنقية فتمايزوا عن الكفار الصرحاء، لكن ما زال في صفوفهم منافقون... والمنافق تتعاظم أمانيه في النجاة ولم يبق للجنة إلا خطوات... خطوات تحتاج نورا لإبصار الطريق... لكن المؤمنين تقدموا بنورهم تاركين المنافقين في ظلمات كظلمات نفاقهم وشكهم في الدنيا... وما زال لدى المنافقين أماني... يظن ظانهم أنه ينجو بما نجا به في الدنيا من كذب وخداع... ظن أن حيلته تنطلي حتى على ربه عز وجل!... فينادي المنافق كما يصف رب العزة سبحانه وتعالى: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين آمنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا فضرب بينهم بسور له باب باطنه فيه الرحمة وظاهره من قبله العذاب" [الحديد: 13]. عادوا يلتمسون نورا يصلون به إلى النعيم المقيم فضرب السور ليفصلهم عن المؤمنين الذين يتابعون المسير إلى الجنة ...أما المنافقون فحبسوا وراء السور.. وهوا في عذاب الجحيم!... لحظة فاصلة مرعبة مهولة! (4). خادعوا الله تعالى طويلا فخدعهم "إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم" [النساء: 142].
فاسأل نفسك يا أخي، واسألي نفسك يا أختي: هل سأكون قبل السور أم بعده عند هذه اللحظة؟!.. تصور نفسك وقد ضرب السور من خلفك فعلمت أنك مؤمن ناج... فتجثو على ركبتيك وتبكي مطأطئا رأسك من شدة الفرح والامتنان لله تعالى أن شملك برحمته... أم يا ترى يضرب السور أمامك فتوضع الأغلال في عنقك وتسحب بالسلاسل إلى نار جهنم.. إلى قعرها ودركها الأسفل: "إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار" [النساء: 145]. فاللهم ارزقنا الأولى.
قال ابن القيم: "فإن بلية الإسلام بهم (بالمنافقين) شديدة جدا، لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة، يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح وهو غاية الجهل والإفساد. فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه! وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه! وكم من علم له قد طمسوه! وكم من لواء له مرفوع قد وضعوه! وكم ضربوا بمعاول الشبه في أصول غراسه ليقلعوها! وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها! فلا يزال الإسلام وأهله منهم في محنة وبلية، ولا يزال يطرقه من شبههم سرية بعد سرية، ويزعمون أنهم بذلك مصلحون! ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون" (5). ولخطورتهم قال الله تعالى: "هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون" [المنافقون: 4]. فحصر العداوة فيهم كأن لا عدو غيرهم فقال: (هم العدو) لأنهم شر الأعداء. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن أخوف ما أخاف على أمتي من بعدي كل منافق عليم اللسان" (6). فالمنافق عليم اللسان يقبح الحق ويجمل الباطل ببيانه... وقد يستدل في مسعاه الخبيث هذا بقال الله وقال رسوله!.. حاملا النصوص على غير محملها. وهذا من معاني قول ابن القيم (وكم عموا عيون موارده بآرائهم ليدفنوها ويقطعوها) فالمنافق الملسن يحاول دفن الحقيقة ونصر الأهواء السقيمة مستخدما في ذلك بلاغته وخلطه للأمور تعمية على الناس. ولخطورتهم أمرنا الله تعالى أن نتخذ منهم موقفا واضحا حازما... فلم يرض من المؤمنين أن ينقسموا في شأنهم فئتين... فتلين فئة في شأنهم: "فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا" [النساء: 88]. وإنما أحب للمؤمنين أن يجتمعوا مع نبيهم على جهاد المنافقين والغلظة عليهم. "يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير" [التحريم: 9]. ونفى النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان عمن لم يجاهد - بقلبه كحد أدنى - أناسا تلبسوا ببعض صفاتهم فقال: "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل" (7). ونهى الله تعالى نبيه والمسلمين عن طاعة المنافقين: "ولا تطع الكافرين والمنافقين" [الأحزاب: 48]. وحتى لا ننخدع بهم فصل الله تعالى لنا صفاتهم... حتى إذا ما حاولوا خداعنا كان ردنا عليهم: "قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم" [التوبة: 94].
من ذلك جميعا يعلم مدى ضرورة التعرف على صفات المنافقين لنتوقاها في ذوات أنفسنا ولنعرف بها المنافقين فنحذرهم ولا نتبعهم... والمتتبع للتاريخ الإسلامي يرى أن كل بلية نزلت بالإسلام إنما هي من جهتهم... سودوا صفحات التاريخ سود الله وجوههم! فمن جرثومة الشر عبد الله بن أبي ابن سلول الذي طالما أدخل الحزن على الحبيب رسول الله وجنى على خلق كثيرين من أتباعه... فبدل أن يكونوا صحابة في عليين هوى بهم إلى الدرك الأسفل من النار ملاعين. إلى عبد الله بن سبأ... الساعي بخبثه بين المسلمين حتى أوقع الفتنة بينهم... وكان قدوة سوء لمن جمعوا زي الإسلام على قلوب المجوس فأذاقوا وما زالوا يذيقون أمة الإسلام ألوان العذاب. إلى "محمد بن محمد مؤيد الدين" ابن العلقمي... الذي خان محمدا صلى الله عليه وسلم في أمته، وأيد التتر ومرق من الدين، وأذاق المسلمين العلقم... إلى "محمد بن محمد نصير الدين" الطوسي، الذي قال فيه ابن القيم في "إغاثة اللهفان": "ولما انتهت النوبة إلى نصير الشرك والكفر والإلحاد وزير الملاحدة النصير الطوسي وزير هولاكو، شفا نفسه (8) من أتباع الرسول وأهل دينه، فعرضهم على السيف، حتى شفا إخوانه من الملاحدة، واشتفى هو، فقتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين، واستبقى الفلاسفة، والمنجمين، والطبائعيين، والسحرة"! إلى بعض الأمراء أيام الصليبيين وفي عهد ملوك الطوائف بالأندلس... ممن تلبسوا بصفات المنافقين فحادوا عن حكم الله ووالوا أعداء الله وكذبوا على رعيتهم وعطلوا الجهاد في سبيل الله... فذلت الأمة على أيديهم وتمزقت وأريق دمها وسبيت... فيا ليت المسلمين يكفون عن الاغترار بالظواهر، فلا يعمي عيونهم عن المنافقين أن يسمعوا لهم أسماء إسلامية... فتحسن بهم الظنون وتلين لهم القلوب... وليس المنافقون لذلك بأهل... فالأول عبد الله، والثاني عبد الله، والثالث والرابع محمد... لا محمد فحسب، بل محمد بن محمد! وكلهم عدو الله تعالى ولرسوله محمد صلى الله عليه وسلم... انظر إلى جناية هؤلاء على الإسلام وأهله ونقل بعدها بصرك إلى جمعيات النفاق التي أوهنت الدولة العثمانية... فمزقت الأمة وجعلت المسلمين أيتاما على موائد اللئام. وفي كل ساحة يدافع فيها عن المستضعفين وحرماتهم، تمتد يد الغدر النفاقية لتطعن المسلمين في ظهورهم وتقر أعين أعدائهم ...«فالكفر الظاهر على خطره وضرره يعجز في كل مرة يواجه فيها أمة الإسلام أن ينفرد بإحراز انتصار شامل عليها ما لم يكن مسنودا بطابور خامس من داخل أوطان المسلمين ويتسمى بأسماء المسلمين، يمد الأعداء بالعون، ويخلص لهم في النصيحة، ويزيل من أمامهم العقبات، ويفتح الأبواب» (9).
لن تجد المنافق يصرح بعداوته للإسلام، بل: "ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام" [البقرة: 204]. فلا تغتر بمعسول الكلام، وتذكر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن أخوف ما أخاف على أمتي كل منافق عليم اللسان". وفي الوقت ذاته فإن الحذر من النفاق والمنافقين لا يصح أن يدفع إلى رمي الناس جزافا وعند كل شبهة بالنفاق، والحكم على ما خفي من سرائرهم، بل نأخذ بالظاهر من أحوال الناس. وقد روى البخاري أن عمر رضي الله عنه قال: "إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا، أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا، لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة". عن أبي إدريس الخولاني أنه سمع حذيفة بن اليمان يقول: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: (نعم). قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: (نعم، وفيه دخن) قلت: وما دخنه؟ قال: (قوم يهدون بغير هديي، تعرف منهم وتنكر). قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال: (نعم، دعاة إلى أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها) قلت: يا رسول الله، صفهم لنا؟ فقال: (هم من جلدتنا، ويتكلمون بألسنتنا) (10). قال ابن حجر في الفتح في قوله صلى الله عليه وسلم (هم من جلدتنا): "وقال القابسي: معناه: أنهم في الظاهر على ملتنا، وفي الباطن مخالفون". ولهذا كان هذا الكتاب، لتعلم أعمال المنافقين فلا تأمنهم بعدها ولا تصدقهم.
إنه ثمة حقائق لا بد من معرفتها لئلا يغفل المسلم عن وجود النفاق في نفسه أو بعض من حوله:
وقد يجمع المرء بين إيمان وصفات ونفاق. أ) ولذا قال الله تعالى واصفا موقف المنافقين يوم أحد: "هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان" [آل عمران: 167]. قال ابن كثير في تفسيره: "استدلوا به على أن الشخص قد تتقلب به الأحوال، فيكون في حال أقرب إلى الكفر، وفي حال أقرب إلى الإيمان" (11). ب) قول النبي صلى الله عليه وسلم: "أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها" (12). فانظر كيف أنه عليه الصلاة والسلام قد بين أن المرء قد يتلبس بصفات تجعل فيه شيئا من النفاق. وينبغي أن نذكر أن بعض شراح هذا الحديث استشكلوا هذا الحديث من حيث أن هذه الخصال قد توجد في المسلم المصدق بقلبه ولسانه، والإجماع حاصل أنه لا يحكم له بنفاق يجعله في الدرك الأسفل من النار لهذه الصفات. وخرجوا من هذا الإشكال بتأويلات كاعتبار النفاق المذكور نفاقا عمليا لا اعتقاديا، وأنه ليس نفاقا مخرجا من الملة. غير أننا في هذا الكتاب لا نتعرض لهذا التفريق بين النفاق الاعتقادي والنفاق العملي، لأن هذا التفريق إنما يحسن ذكره لمنع المسلمين من الوقوع في تكفير من تلبس بشيء من هذه الصفات من المسلمين بما لا يخرجه عن الإسلام. ونحن في هذا الكتاب لسنا نتصدر للحكم على من تلبس بصفة من صفات النفاق بالكفر أو الإسلام، فهذا مبحث يحتاج إلى مزيد بحث وتفصيل، وليس موضوع هذا الكتاب. إنما نعتني هنا بالتحذير من صفات النفاق، فيحسن في مثل هذا المقام أن نطلق النفاق كما أطلقه الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليكون الزجر كما أريد له، ولئلا تركن النفوس وتقل نفرتها عن صفات المنافقين. ج) عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: "القلوب أربعة: قلب مصفح: فذاك قلب المنافق، وقلب أغلف: فذاك قلب الكافر، وقلب أجرد كأن فيه سراجا يزهر: فذاك قلب المؤمن، وقلب فيه نفاق وإيمان: فمثله مثل قرحة يمدها قيح ودم، ومثله مثل شجرة يسقيها ماء خبيث وماء طيب، فأي ماء غلب عليها غلب" (13). فانظر إلى التفريق في هذا الأثر بين المنافق الخالص وصاحب القلب الذي جمع إيمانا ونفاقا يتغالبان. ولهذا قال ابن كثير في تفسير أوائل سورة البقرة: "...ومنافقون، وهم قسمان: خلص، وهم المضروب لهم المثل الناري، ومنافقون يترددون، تارة يظهر لهم لمع الإيمان وتارة يخبو، وهم أصحاب المثل المائي، وهم أخف حالا من الذين قبلهم). ويقصد بالمثل الناري قوله تعالى "مثلهم كمثل الذي استوقد نارا" [البقرة: 17]. والمثل المائي قوله تعالى: "أو كصيب من السماء" [البقرة: 19]. ويقصد بقوله: تارة يظهر لهم لمع الإيمان قوله تعالى: "كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا" (14). وهذا الصنف المتردد نرى له أمثلة في واقعنا، كالذين يتكلمون بكلام المتشككين في شرائع من شرائع الإسلام كتعدد الزوجات والحدود والجهاد. لكنهم إن أوقع أعداء الإسلام بالأمة ظلما جديدا أحسوا بأنهم مستهدفون وزاد تمايز الحق عندهم من الباطل، فقوي إيمانهم وظهر منهم غيرة على الدين. لكنهم ما يلبثون أن يعودوا إلى ما كانوا فيه من تشكك وريبة.
ههنا تنبيه: وهو أنه ليس شرطا أن ينطبق النص في المنافقين بكامل جزئياته على أحدنا حتى يشعر أنه يخاطبه. وبالتالي فإذا قرأ قارئ آيات تصف المنافقين وأحس بداية بانطباق الصفات عليه، ثم جاءت صفة في الآيات لا تنطبق، فلا ينبغي أن يشعره ذلك أن الآيات لا تعنيه. بل له من الوعيد ومن تحقق وصف النفاق فيه بقدر انطباق الآيات عليه، وله من الإيمان بقدر مخالفتها لحاله. تجد مثل هذا الفهم في تعامل الصحابة مع الآيات التي تصف الكفار. ففي الأثر الصحيح أن سعدا رضي الله عنه استأذن على ابن عامر وتحته مرافقُ (جمع مِرفقة وهي الوسادة)، فأمر بها فرفعت، فدخل عليه وعليه مطرف خز (15)، فقال ابن عامر لسعد: استأذنت علي وتحتي مرافق من حرير فأمرت فرفعت. فقال له سعد: "نعم الرجل أنت يا ابن عامر إن لم تكن ممن قال الله عز وجل: (أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا) [الأحقاف: 20]... والله لأن أضطجع على جمر الغضا أحب إلي من أن أضطجع عليها" (16). فانظر كيف أن هذه الآية أنزلت في الكفار "ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون" [الأحقاف: 20]. لكن ذلك لم يمنع سعدا رضي الله عنه من زجر ابن عامر بها لمشابهة في جزئية من الآية، مع أن ابن عامر ليس من (الذين كفروا). وكذلك إيراد أهل السنة لقوله تعالى "ما سلككم في سقر قالوا لم نك من المصلين" [سورة المدثر: 42-43] في معرض ترهيب المنتسبين إلى الإسلام عن ترك الصلاة، مع أن في تتمة الصفات المذكورة في مجموعة هذه الآيات: "وكنا نكذب بيوم الدين"، وهي صفة لا تنطبق على كثير من تاركي الصلاة. وذلك لأن الذم واقع على كل عمل من هذه الأعمال وليس على اجتماعها جميعها فقط. ونورد هنا كلاما لابن عاشور في تفسيره حول نفس المعنى من أن المرء له من النص القرآني بقدر انطباقه عليه حتى وإن كان مسلما وكان النص أصالة في الكفار. والكلام فيه صعوبة، فلا عليك أيها القارئ من قراءته إذا اتضحت لك القاعدة مما سبق: في معرض تفسيره لقول الله تعالى: "لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم" [المجادلة: 22]. قال ابن عاشور رحمه الله: "وقد أخذ العلماء من هذه الآية أن أهل الإيمان الكامل لا يوادون من فيه معنى من محادة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بخرق سياج شريعته عمدا، والاستخفاف بحرمات الإسلام، وهؤلاء..."
(1) النهاية في غريب الأثر، باب النون مع الفاء والقاف، ص 933 بتصرف. (2) أخرجه الفريابي في "صفة النفاق" (109) بإسناد صحيح إلى الحسن البصري. (3) مسلم (59). (4) آية إشارة إلى ضرب السور في هذا الكتاب فإنها تعني هذا السور الذي سيفصل بين المؤمنين والمنافقين عند تمايزهم. (5) مدارج السالكين - الجزء الأول ص 347-348. (6) أخرجه أحمد في مسنده (143، 310)، وابن أبي الدنيا في الصمت (148)، وفي ذم الغيبة (10)، والبزار في مسنده (304)، والفريابي في صفة النفاق (24) وصحح إسناده أحمد شاكر، والألباني في السلسلة الصحيحة (1013). (7) رواه مسلم (50). (8) أي: شفا غليله وشفا حقد صدره. (9) من محاضرة (رايات النفاق) للدكتور ناصر بن محمد الأحمد. (10) أخرجه البخاري (3606)، ومسلم (1847). (11) أحب أن أبين بداية أن ذكر تفاسير بعض العلماء في هذا الكتاب لا يعني أننا نحمل الآيات على فهمهم دون غيرهم... فأكثر الآيات في الكتاب واضحة الدلالة والحمد لله ولا تحتمل كثير اختلاف. (12) صحيح البخاري ح 33 (1/ 59)، صحيح مسلم ح 88 (1/ 190). (13) صححه ابن القيم في "إغاثة اللهفان" (12/1) والألباني في تعليقه على "كتاب الإيمان"، ثم عاد فضعفه في "السلسلة الضعيفة" (5158). (14) راجع الآيات 17-20 من سورة البقرة. (15) نوع من الثياب المباحة. (16) أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (26238)، والطحاوي في "شرح معاني الآثار" (6686) والحاكم في "المستدرك" (3697)، والبيهقي في "السنن الكبرى" (6080) وقال الحاكم: على شرط البخاري ومسلم، ووافقه الذهبي.
مثل أهل الظلم والعدوان في الأعمال من كل ما يؤذن بقلة اكتراث مرتكبه بالدين وينبئ عن ضعف احترامه للدين مثل المتجاهرين بالكبائر والفواحش الساخرين من الزواجر والمواعظ، ومثل أهل الزيغ والضلال في الاعتقاد ممن يؤذن حالهم بالإعراض عن أدلة الاعتقاد الحق، وإيثار الهوى النفسي والعصبية على أدلة الاعتقاد الإسلامي الحق. فعن الثوري أنه قال: كانوا يرون تنزيل هذه الآية على من يصحب سلاطين الجور. وعن مالك: لا تجالس القدرية وعادهم في الله لقوله تعالى [لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله].
وقال فقهاؤنا: يجوز أو يجب هجران ذي البدعة الضالة أو الانغماس في الكبائر إذا لم يقبل الموعظة. وهذا كله من إعطاء بعض أحكام المعنى الذي فيه حكم شرعي أو وعيد لمعنى آخر فيه وصف من نوع المعنى ذي الحكم الثابت. وهذا يرجع إلى أنواع من الشبه في مسالك العلة للقياس. فإن الأشياء متفاوتة في الشبه. اهـ
ويقصد ابن عاشور بالفقرة الأخيرة أن ما ذكر هو أمثلة على الاستدلال بنصوص نزلت في صورة معينة، الاستدلال بها لصور أخرى فيها شبه من الصورة الأصلية وإن كانت لا تجمع كل خصالها. ويدخل في هذا الاستدلال الوعيد بالعقوبة.
فكما أن الإيمان يزيد وينقص -وهذه عقيدة أهل السنة والجماعة- فكذلك النفاق يزيد وينقص.
أ) فقد وصف الله تعالى المنافقين بقوله: [مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء] [النساء: 143]. قال ابن كثير في تفسيرها: (ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء وتارة يميل إلى أولئك) اهـ.
ب) عن جبير بن نفير أنه سمع أبا الدرداء -وهو في آخر صلاته وقد فرغ من التشهد- يتعوذ بالله من النفاق، فأكثر التعوذ منه. فقال جبير: ومالك يا أبا الدرداء أنت والنفاق؟ فقال: (دعنا عنك، دعنا عنك! فوالله إن الرجل ليقلب عن دينه في الساعة الواحدة فيخلع منه). وهذا من شدة حرصه رضي الله عنه على دينه وتخوفه من الفتنة.
أخرجه الفريابي في "صفة النفاق" ومن طريقه الذهبي في "سير أعلام النبلاء"، وقال: "إسناده صحيح".
فقد بوب البخاري في صحيحه بابا بعنوان: خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر. وأورد تحته أثر ابن أبي مليكة عن خوف الصحابة على أنفسهم من النفاق كما سيأتي.
وقال ابن القيم: (وأما النفاق: فالداء العضال الباطن الذي يكون الرجل ممتلئا منه وهو لا يشعر).
مدارج السالكين-الجزء الأول ص 347
فكما أن مريض الفم لا يحسن التذوق فإن من في قلبه مرض قد يرى الفساد صلاحا: [وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)] [البقرة].
والآيات الدالة على أن المرء قد يسيء وهو يحسب أنه محسن كثيرة، كقوله تعالى: [ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)] [الزخرف].
وكقوله تعالى: [أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا] [فاطر: 8].
وهنا سؤال يشكل على كثيرين: ما دام الشخص قد لا يشعر بنفاقه، ويظن نفسه مهتديا ويظن عمله حسنا، ولا يشعر أنه مفسد ولا يعلم أنه سفيه، فلماذا يذمه الله ويعاقبه؟ ما ذنبه؟
فنقول وبالله التوفيق: بداية التردي والضلال هي في اتباع الهوى، بحيث أن الإنسان لا يتجرد لطلب الحق ومعرفة الحق. فاقتناعه بدين أو منهج مشروط بأن يكون هذا الدين أو المنهج محققا لأهوائه وما يرى أن فيه مصلحته الدنيوية! يعني قد يكون الحق في دائرة لا يرى صاحبنا أنها توافق هواه وتحقق "مصالحه"، وحينئذ فالبحث عن الحق في هذه الدائرة ليس مطروحا للنقاش أصلا! بل الحق "يجب" أن يكون في الدائرة التي توافق هواه. والذي يفعل هذا فإنه يعكس المسألة، إذ ليست عنده اتباعا للدليل أينما قاده، بل هو يحدد النتيجة التي "يجب" الوصول إليها ثم يطوع الأدلة لتوافق هذه النتيجة المحددة مسبقا!
رأينا نموذجا صارخا من هذا في حديثنا عن خرافة التطور الصدفي التي يتبعها كثير من الأكاديميين والباحثين الغربيين، رأيناه في حلقة "من يدعم بقاء نظرية التطور؟".. تصور بروفيسورا في "علم الأحياء التطوري" كانت رسالة الدكتوراه التي اكتسب بها لقب "Ph.D." في "كيف تطورت حاسة الشم لدى الإنسان؟"، ثم نشر عشرات الأبحاث في تفاصيل تطور القدرات والحواس لدى الإنسان عن طريق الطفرات العشوائية والانتخاب الطبيعي الأعمى، وحصل في سبيل ذلك على منح بمئات آلاف أو ملايين الدولارات، ويعمل تحت إشرافه أربعة أو خمسة دكاترة شبابا وفتيات من الـ "post-doc"، ويتجول في دول العالم ليعرض نتائج أبحاثه في المؤتمرات، ويحاضر في الجامعة ويأخذ راتبا عاليا ويسكن في فيلا فارهة لا زال يسدد أقساطها، ويتنقل في سيارته الفارهة ويعيش مع زوجته أو عشيقته ويقيم علاقات غير شرعية ويعيش منغمسا في الحرام..
تصور إذا قلت له: "إن كل حياتك هذه قائمة على خرافة لا علاقة لها بالعلم الحقيقي! كل شهاداتك، أبحاثك، درجاتك العلمية، أبهتك، سفراتك، مكانتك.. كلها قائمة على وهم تواصى به أسلافك حتى انتفش، كذبة كبيرة أُشربتموها في قلوبكم"..
كيف ستكون ردة فعله؟! إنه -في الأعم الأغلب- لن يقبل بطرح الأمر للنقاش أصلا، ولن يقبل أن يفكر فيه أصلا. بل سيعمل "block" -سدا وحجبا- على مجرد التفكير في إمكانية صحة كلامك هذا! لن يطرح الأمر على الطاولة للتفحص. لأن صحة كلامك تعني -في نظره- انهيار حياته وفقدان كل امتيازاته وشهواته. التسليم بصحة كلامك هذا يعني -بالنسبة له- أن ينبذ من "المجتمع العلمي" ويطرد منه.. وتتراءى له صورته مشردا "Homeless" يستجدي الناس لقليل من المال يشتري به قنينة خمر!
لهذا، فكلامك "يجب" ألا يكون صحيحا، والحق "يجب" أن يكون في غير ما تقول! لأن تبعات هذا الحق لا يمكن تحملها بالنسبة له. خاصة وأنه ليس من أهل التوكل على الله والاستعداد للتضحية في سبيل الله والدار الآخرة.
قد ترى الواحد من هؤلاء مهذبا في النقاش، يتقبل الرأي الآخر، ويعترف ببعض خطئه إذا بدا له، بما يجعلك تظن أنه طالب حق في العموم، وأنه يتحلى بهذه الصفات في كل مقام، فتستغرب أن يكون من أهل العقوبة في الآخرة إذا مات على ما هو عليه. وغاب عنك أن هذه الصفات إنما يتحلى بها ما لم تهدد منظومة الحياتية أو مصالحه الشخصية بالانهيار الكامل بعدما اعتادها.
مثل هذا يكون مستعبدا لهواه، لا يريد الحق ما دام خارج الدائرة التي توافق هواه. وترى هؤلاء إذا هدأت عن أحدهم قبضة الهوى وتفكر في نفسه قليلا بدت له لمع الحق، وظهر له طريقه مناديا على فطرته. لكنه لا يلبث أن يصم أذنيه ويعمي عينيه ويغلف قلبه عن هذا النداء، فيجازى من جنس عمله: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون] [الجاثية: 23].
هذا الختم على السمع والقلب والتغشية على البصر نتاج لإعراضه عن الحق، فلم تكن ظلما من الله سبحانه، لكن لأن هذا الإنسان عبد هواه وفضله على معرفة الحق. وكلما تعامى الإنسان زاده الله عمى وابتعد عن التخلص من العبودية للهوى: [ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون] [الأنعام: 110].
ومن مرض قلبه باتباع الهوى فلم يتخلص منه، ولم يسع في علاجه، بل كذب ليخبئه، وتعاطى من الأعمال ما يزيده استفحالا، كان جزاؤه أن يزيده الله مرضا: [في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون] [البقرة: 10]. فليحذر المرء أن يتعامى عن حق ذاق طعمه، وإلا فإن المهمة تصعب بعد ذلك!
فبداية المصيبة هي اتباع الهوى: [أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم] [محمد: 14].
لاحظ اقتران اتباع الهوى بتزيين العمل السيئ... وهذا ما يحصل مع الكافر ومع المنافق ومع ضلال المسلمين. فأحدهم يرى عمله السيئ حسنا ويرى أنه مهتد ولا يشعر أنه مفسد، بل (قالوا إنما نحن مصلحون)، ولا يعلم أنه سفيه، بل يرى نفسه رشيدا حكيما. وقد يكون يحاول تحقيق هذه المعاني بالفعل "حسن العمل والهداية والإصلاح والرشد" لكن بالمعنى الذي يريده هو لها، وشريطة أن تكون في الدائرة التي توافق هواه وتحقق مصالحه! ومحاولة تحقيقها خارج هذه الدائرة ليس مطروحا أصلا!
وعلى ذلك فقس كثيرا من الناس، كأصحاب المناصب الدينية من أهل الإسلام وأهل الأديان الأخرى، الذين تعلقت دنياهم وميزاتهم بمنصبهم الديني، وكأتباع كثير من الأحزاب. وعلى ضوء ذلك فافهم ردة الفعل العنيفة من سادات مكة حين جاء النبي صلى الله عليه وسلم بما يهدد منظومة الشرك التي كانوا يتربحون منها.
وعلى ضوء ذلك فافهم لماذا يضل كثير من أصحاب العلم في المناظرات والخصومات، إذ لا يكون لأحدهم هم إلا إثبات صحة قوله، حيث أن صحة قول خصمه يترتب عليها -في نظره- سقوط هيبته وذهاب رياسته وانفضاض كثير من الأتباع عنه وفقدان ميزاته وعلو خصمه على حسابه. فالحق "يجب" ألا يكون فيما يقوله الخصم! فتراه يتأول ويتمسك بفهمه لنص شرعي، ويعرض عن نصوص وأدلة أخرى، وهو في ذلك كله يقنع نفسه أنه مصلح محسن مهتد، إذ أن "مصلحة الدعوة والدين" هي -عنده- في بقاء هيبته وظهور غلبته على خصمه من كل وجه وفي كل خلاف، وخدش شيء من ذلك هو خدش لمصلحة الدعوة والدين، زعموا!
وإذا فهمت هذا كله علمت لماذا يأمر الإسلام أهله بعصيان الهوى، ومجاهدة النفس، ولماذا يأمرهم بالتخفف من الدنيا، وبالزهد فيها، ويحذرهم من الانغماس فيها والاستكثار من شهواتها.. فإن ذلك مظنة التعمية عن الهدى، والعبودية للهوى، وصعوبة التجرد للحق، ووقوع الشحناء والتنازع بين الخلق. وعلمت لماذا كان الأنبياء يقول أحدهم لقومه: [وما أسألكم عليه من أجر إن أجري إلا على رب العالمين] [الشعراء: 109].
فلا تستغرب بعد هذه العنونة بـ "قد يظن المنافق أنه يحسن صنعا" ولا تستغرب من قول الله تعالى في المنافقين: [وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون (11) ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون (12)] [البقرة]. وقوله تعالى: [وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون] [البقرة: 13]. وقوله تعالى: [ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (36) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (37)] [الزخرف]. وقوله تعالى: [أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا] [فاطر: 8].
وينضم إلى ما سبق أسباب أخرى تجعل الإنسان يسيء وهو يحسب أنه يحسن صنعا، كأن يكون معرضا عن محاولة معرفة الحق أصلا. وفي كل حال: [إن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون] [يونس: 44].
فإن كان هذا شأن الصحابة فما بالك بنا نحن؟!
أ) فقد روى البخاري في باب الإيمان عن ابن أبي مليكة، وهو من التابعين، أنه قال: "أدركت ثلاثين من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كلهم يخاف النفاق على نفسه".
ب) وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: دعي عمر لجنازة، فخرج فيها أو يريدها، فتعلقت به فقلت: "اجلس يا أمير المؤمنين، فإنه من أولئك". فقال: "نشدتك بالله، أنا منهم؟" فقال حذيفة: "لا، ولا أبرئ أحدا بعدك".
قال الهيثمي في المجمع: رواه البزار، ورجاله ثقات. وعزاه الدكتور عبد السلام آل عيسى في رسالته: "دراسة نقدية في المرويات الواردة في شخصية عمر بن الخطاب" لابن أبي شيبة في المصنف، والفسوي في "المعرفة" والتاريخ، ووكيع في "الزهد"، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق"، وقال: إسناده عند وكيع متصل ورجاله ثقات... فالأثر صحيح.
فحذيفة رضي الله عنه كان أمين سر النبي صلى الله عليه وسلم، أخبره نبينا بأسماء المنافقين. فلما رأى عمر رضي الله عنه متوجها لجنازة رجل يظهر منه الإسلام أمسك به يمنعه مخبرا إياه أنه منهم. وكأن الموقف هز عمر فخشي على نفسه فاستحلف حذيفة: "نشدتك بالله، أنا منهم؟".. وقد يستشكل البعض فيقول: كيف يسأل عمر رضي الله عنه هذا السؤال وهو من العشرة المبشرين بالجنة؟ لكن المرء قد يذهل عن بعض الحقائق أحيانا، فلا يستبعد أن يذهل عمر رضي الله عنه عن هذه البشارة النبوية بالجنة، والتي قدم العهد بها، مع رهبة موقف الموت على النفاق أمام يقظة نفس الفاروق رضي الله عنه.
وكان جواب حذيفة: "لا، ولا أبرئ أحدا بعدك"، أي: لا أفتح على نفسي هذا الباب-باب تزكية الناس بتبرئتهم من النفاق، فإنه خير لهم أن يظلوا على خوف منه وحذر.
عند سماع هذه الآثار فإننا نقف عادة عند الإعجاب بورع الصحابة واعتبار أنهم كانوا يخافون النفاق "زيادة عن اللزوم"! لكن ليس هذا ما ينبغي أن يفهم منها؛ فالصحابة أفقه الأمة، ولذلك فهم يعطون الأمور أوزانها المناسبة ويخافون مما يجب الخوف منه. فخوفهم هذا يشعر بخفاء النفاق إلى الحد الذي يمكن معه أن يوجد في النفس ولا يشعر به صاحبه. فجدير بهم أن يخافوه، وجدير بنا كذلك. فكلما زاد إيمان المرء وفقهه بطبيعة النفاق زاد خوفه منه.
وكذلك كان التابعون رضي الله عنهم يخافون النفاق على أنفسهم.
ج) وعن الحسن البصري قال: (والله ما مضى مؤمن ولا تقي إلا يخاف النفاق، وما أمنه إلا منافق). أخرجه الخلال في "السنة" (1656) بإسناد صحيح إلى الحسن.
د) وقال ابن سيرين -من أئمة التابعين رحمهم الله تعالى-: "ما في القرآن آية أخوف عندي من هذه: [ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين] [البقرة: 8]".
هـ) وقال أيوب السختياني: "كل آية في القرآن فيها ذكر النفاق أخافها على نفسي".
و) وقال معاوية بن قرة: كان عمر يخشاه -يعني يخشى النفاق- وآمنه أنا؟! الآثار عن التابعين ذكرها ابن رجب في فتح الباري.
فهذه حقائق خمسة مهمة عن طبيعة النفاق. أما وقد علمتها، فتعال نطلع على صفات المنافقين كما وردت في القرآن والسنة لنكون منها على حذر.
فالمنافق قد يشك في وجود الله تعالى أو في نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم أو في صلاحية الإسلام للحياة. وصفة الشك أهم صفات النفاق، وهي سبب لصفات نفاقية أخرى كما سترى.
الدليل على أن المنافق يشك في الدين:
قال الله تعالى واصفا المنافقين: [في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا] [البقرة: 10]، وقد نقل ابن كثير عن عدد من الصحابة في معنى كلمة (مرض) أنه الشك.
وقال تعالى في آية السور المضروب بين المنافقين والمؤمنين: [قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم] [الحديد: 14]... [وارتبتم] فريبهم شكهم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم موضحا خطورة هذا الشك: ((وثلاثة لا تسأل عنهم: رجل نازع الله عز وجل رداءه، فإن رداءه الكبرياء وإزاره عزه، ورجل شك في أمر الله، والقنوط من رحمة الله)). وقوله ((لا تسأل عنهم)) يعني أنهم هلكى. أخرجه أحمد في مسنده، والبخاري في الأدب المفرد، وصححه الألباني.
هذا الشك (الريب) سبب لصفات نفاقية أخرى:
فالمنافقون لشكهم:
وسوء عمل المنافق عموما أهم منابعه الشك في الدين. قال الحسن البصري في قوله عز وجل: [إني ظننت أني ملاق حسابيه] [الحاقة: 20]: "إن المؤمن أحسن الظن بربه فأحسن العمل، وإن المنافق أساء الظن فأساء العمل".
و[ظننت] في قول المؤمن (إني ظننت أني ملاق حسابيه) هو بمعنى اليقين كما هو في كثير من المواضع في القرآن. فالمؤمن أيقن بالحساب فأحسن العمل، والمنافق شك فأساء العمل.
فشكه يضعف عنده التوكل على الله وانتظار المثوبة والعقوبة الأخرويين. فيغش ويرتشي ويظلم ويأكل المال الحرام ويوالي الأقوياء وإن كانوا على باطل ويفعل ما يرى فيه تلبية لشهواته وأمانا لحياته حل أم حرم.
إن الناس لا يجدون صعوبة في الاقتناع بأن منكر الإسلام وجاحده كبرا يستحق العقوبة. لكن كثيرين يتساءلون: إن كان إنسان قد استعرض أدلة الإسلام وفكر فيه فلم يقتنع بوجود الله تعالى أو وحدانيته أو نبوة رسوله صلى الله عليه وسلم، أو شك في صحة الإسلام، مع أنه "حاول أن يكون منصفا"، فما ذنبه؟
وهنا جواب مهم جدا: وهو أن هذا السؤال ينضوي على خطأ مخالف للعقل وللأدلة، ألا وهو افتراض أن إنسانا قد يستعرض أدلة الإسلام طالبا للحق فلا يقتنع بصحته.
قال تعالى: [ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون] [البقرة: 99]. فالذي يكفر بآيات الله تعالى فليس ذلك لنقص حجة في هذه الآيات، وإنما لأن الكافر بها دأبه الفسق، أي الخروج عن طريق الهداية والحق، إما بعدم الالتفات إليه أصلا، أو لأنه لا ينظر في الآيات نظرا صحيحا متجردا طالبا للحق.
فالله تعالى قد أعطى كل إنسان مكلف قلبا سليما وعقلا راشدا، فلا بد أن يستحسن الإسلام بفطرته وتظهر له حجته بعقله. فأي نظر متجرد هذا الذي لا يقنعه قرآن ينطبق عليه وصف: [إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون] [النحل: 90].
وأي نظر متجرد هذا الذي لا يقنعه قرآن فيه: [إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا] [النسا: 58].
قد تقول: (نعم، ولكن في المقابل في القرآن كذا وكذا من آيات القتال أو تعدد الزوجات أو غيرها).
فنقول: إنما في هذه الآيات مخالفة لهوى الإنسان وإدراكه المشوه بعبث الإعلام والصور النمطية. ومع ذلك فالذي يترك كل ما في القرآن مما يخاطب العقل والفطرة بلا حجب، ويتعلق بهذه الأمثلة فإنما هو متبع لهواه أراد أن يتعلق بشيء يبرر به إعراضه عن استيفاء تدبر أدلة الإسلام أو جحوده لها.
فعلى كل حال فإن الشاك في صحة الإسلام غير معذور. بل بليته في اتباع الهوى كما فصلنا تحت عنوان "4) قد يظن المنافق أنه يحسن صنعا". فاتباع الهوى يحرم صاحبه من استيفاء النظر في أدلة الإسلام نظرا صادقا متجردا صحيحا. فشكه أو عدم اقتناعه ناتج عن أنه لم يستوف النظر بشروطه، أي لم ينظر نظرا صحيحا. فهو حتى وإن لم يكفر كفر جحود فإنه يكفر كفر إعراض عن التدبر الصحيح للأدلة بما أدى به إلى الشك.
قال الله تعالى: [فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين] [القصص: 50].
فالذي لا ينقاد للإسلام فهو إما محجوب باتباع هواه عن اليقين بصحة الإسلام، أو محجوب باتباع هواه عن الانقياد للإسلام جحودا بعدما أيقن بصحته. وهو على الحالين ظالم مستحق للعقوبة.
وبهذا كله تعلم أن سؤال: "ما ذنب المنافق إذا شك في الإسلام مع أنه استعرض أدلته بتجرد" سؤال باطل. قال ابن تيمية في "العقيدة الواسطية": "من تدبر القرآن طالبا للهدى منه تبين له طريق الحق".
في المقابل: من تدبر القرآن متبعا لهواه لم يتبين له طريق الحق. وقال ابن القيم في "مدارج السالكين": "وأما كفر الشك: فإنه لا يجزم بصدقه ولا بكذبه، بل يشك في أمره، وهذا لا يستمر شكه إلا إذا ألزم نفسه الإعراض عن النظر في آيات صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- جملة، فلا يسمعها ولا يلتفت إليها. وأما مع التفاته إليها ونظره فيها: فإنه لا يبقى معه شك، لأنها مستلزمة للصدق، ولا سيما بمجموعها فإن دلالتها على الصدق كدلالة الشمس على النهار".
فلا يمكن أن يستعرض امرؤ أدلة الإسلام التي تقوم بها الحجة استعراضا متجردا صادقا ثم لا يقتنع بها. وإنما عدم إقراره ناتج عن عدم التجرد وعن اتباع الهوى، وليس لأن الحجة لم تقم عليه.
فالعيب ليس في دين الله ولا عن نقص حجة فيه: [قل فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين] [الأنعام: 149].
والله تعالى قد فطر الناس جميعا على الانجذاب لدينه: [وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (172) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (173)] [الأعراف].
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه).
إنما العيب في القلب الذي لا ينقاد لدين الله. وحديثنا هنا هو عن عدم الانقياد للإسلام جملة. أما أن يجد المرء في نفسه شيئا من بعض تفاصيل الشريعة، فهذا سنتكلم عنه تحت صفة "كراهية ما أنزل الله".
فكيف إذا آمن الإنسان ثم خلعه اتباع هواه من هذا الإيمان؟! لا تعجب إذا طبع على قلبه فأصبح يشك في كبرى الحقائق. قال تعالى في المنافقين: [ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا فطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون] [المنافقون: 3].
وقال تعالى: [كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات والله لا يهدي القوم الظالمين] [آل عمران: 86].
فنعوذ بالله من اتباع الهوى كيف يردي صاحبه في المهالك!
وهذه نقولها للمسلمين الذين يشتكون من الشك في الدين وقلة اليقين وعدم القدرة على تمييز الحق في زمن الاختلاف. احذر الذنوب فإنها تمرض القلب، فتمكن الهوى منه، حتى قد يحجب عن تمييز الحق والاهتداء بأدلة الإسلام ويشك في دين الله فيقع في النفاق. فالقلب يفسد بالمعاصي كما تفسد الحواس بتعريضها لما يؤذيها:
ومن يك ذا فم مر مريض يجد مرا به الماء الزلالا
فمرض القلب إذا مكتسب بالمعاصي. والأدلة على ذلك في القرآن والسنة كثيرة جدا، منها قول الله تعالى: [فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا] [النساء: 88] أي ردهم وأوقعهم في الكفر بسبب معاصيهم.
وقال في بني إسرائيل: [فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين] [الصف: 5].
الحق هو من العلم.. والمرء قد ينسى العلم بالذنب.. يذكر عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم كما تعلمه للخطيئة يعملها".
وقال ابن تيمية رحمه الله: "من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه، بل يكون سببا لنسيان ما علم".
ومن الأدلة على أن مرض القلب مكتسب بالمعاصي قول الله تعالى: [لا يزال بنيانهم الذي بنوا ريبة في قلوبهم إلا أن تقطع قلوبهم] [التوبة: 110]. أي أن بناء المنافقين لمسجد الضرار أورثهم شكا ونفاقا في قلوبهم. ولهذا فعلى المرء أن يحذر من فعل معصية قد تزيد مرض قلبه وشكه ما دامت آثارها قائمة مع أن صاحبها قد يكون نسيها فلا ينتبه إلى هذا المصدر من مصادر مرض قلبه، أو يستهين بها ويعتبر أن مجرد إقلاعه عنها كاف في ذهاب آثارها وإن لم يصحح ما أفسده، كمن ينشر منشورا على مواقع التواصل فيه نصرة لباطل أو تنفير عن حق، أو يتناقل مقاطع وصورا لا أخلاقية تفتن شباب المسلمين.. فمن يفعل ذلك فهو عرضة لأن تعمل معصيته في قلبه أثر سوء من شك ونفاق ما دامت آثارها باقية.. حتى ولو نسي صاحبها أنه قام بهذه "السيئة الجارية".. فليحذر العاقلون!
ولذلك علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم الحساسية تجاه الذنوب وصدق الاستغفار منها. فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول في سجوده: (اللهم اغفر لي ذنبي كله دقه، وجله، وأوله وآخره وعلانيته وسره).
ومن أدلة السنة النبوية على أن المعاصي تورث النفاق قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه وجعل قلبه قلب منافق)).
ومن الأدلة قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((تعرض الفتن على القلوب كالحصير عودا عودا، فأي قلب أشربها، نكت فيه نكتة سوداء، وأي قلب أنكرها، نكت فيه نكتة بيضاء، حتى تصير على قلبين: على أبيض مثل الصفا فلا تضره فتنة ما دامت السماوات والأرض، والآخر أسود مربادا كالكوز مجخيا، لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا، إلا ما أشرب من هواه)).
...وهو حديث عظيم المعنى يتطلب منا تأملا:
ولاحظ كيف أن السقوط في الفتن أدى إلى أن يشرب القلب الهوى، وهذا يعود بنا إلى العنوان: "الذنوب تمرض القلب فتزيد الهوى تمكنا منه".
«الهوى تمكنا منه، والهوى يقود إلى الشك».
فأنت إذا عرضت عليك المعاصي فتذكر أن موقفك منها يحدد: نكتة بيضاء تحصن قلبك من الفتن أو سوداء تمرضه وتجعله شيئا فشيئا مرتعا للشك والنفاق!
ومن الأدلة على أن المعصية تورث مرض القلب قول نبينا عليه الصلاة والسلام: «إن العبد إذا أخطأ خطيئة نكتت في قلبه نكتة سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله: {كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون} [المطففين: 14]». [^1]
وهذه الآيات والأحاديث تدل على أن فتنة الشهوة تقود إلى فتنة الشبهة، وأن المعاصي تخدش العقيدة. فلا يغترن امرؤ بقوله أنه وإن كان مقيما على معصية إلا أن إيمانه في قلبه كامل. ومن ظن أن بإمكانه الإسراف على نفسه من المعاصي دون أن يتأثر إيمانه بآثارها فقد وقع بظنه هذا في كبيرة، وهي الأمن من مكر الله تعالى القائل: {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم} [النور: 63].
وشر فتنة أن تمرض قلوبهم لمخالفتهم أمر الله ورسوله فيصيبها كفر أو نفاق.
فالأمن من مكر الله هو: أن تعمل السيئات وأنت لا تخاف على نفسك أن يعاقبك الله عليها في الدنيا أو الآخرة، ولا من أن يطمس الله على قلبك بشؤم هذه المعصية، كمن ترك عينيه ترتعان فيما حرم الله وهو يقول: «هذا لن يؤثر على إيماني في قلبي». ومثل هذا قد انطبق عليه قول ابن مسعود رضي الله عنه: «أكبر الكبائر الإشراك بالله، والإياس من روح الله والقنوط من رحمة الله والأمن من مكر الله». [^2]
إن العاصي يحجم نداء الإيمان في قلبه ثلاث مرات: قبل ممارسة المعصية ليقبل عليها، ثم أثناء ممارستها ليستمتع بها، ثم بعد الانتهاء منها ليتهرب من الندم على فعلها. عملية «التحجيم» هذه إذا كثرت قمعت أثر إيمان قلبه وأورثت فيه مرضا وشكا.
كما أن العاصي إذا تأخرت عقوبته فقد يحمد الله تعالى على لطفه بداية. لكن إذا فعل معصيته مرارا ولم ير عقوبة فقد يأمن من مكر الله ويشك في وجود الثواب والعقاب أصلا! إذ يغفل عن حقيقة أن الدنيا دار بلاء لا دار جزاء. بالإضافة إلى أنه يكون يعاقب أصلا وهو لا يدري. فأي عقوبة أشد من مرض القلب والحرمان من الطاعة بالمعاصي.
لما اجترأ يهود على الدعاء على النبي صلى الله عليه وسلم بقولهم «السام عليك» ولم يعاجلوا بعقوبة أمنوا من مكر الله بهم وعقوبته لهم: {وإذا جاءوك حيوك بما لم يحيك به الله ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير} [المجادلة: 8].
فمحصل المسألة أن المعصية تقود إلى مرض القلب، والذي بدوره يمكن الهوى من القلب. فإذا تمكن الهوى فقد يقود صاحبه إلى الشك في الدين، والشك بدوره يقود إلى الصفات النفاقية الأخرى. وسنبرهن على هذا التسلسل في مواضع أخرى إن شاء الله تعالى.
فصاحب الطاعة يستجمع إيمانه ليدفعه إلى فعل الطاعة قبل فعلها ثم ليستمر عليها أثناء أدائها ثم ليفرح بها بعد الانتهاء منها. قال الله تعالى: {ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من أنفسهم كمثل جنة بربوة} [البقرة: 265].
فهم ينفقون في سبيل الله طالبين بذلك أن يثبت الله أنفسهم على الإيمان. [^3] وقال تعالى: {ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا} [النساء: 66].
وزيادة الإيمان واليقين هي من ثواب الله العاجل للمؤمن على طاعته: {ويزيد الله الذين اهتدوا هدى} [مريم: 76].
فمن وجد في قلبه شكا في الدين فعليه أولا بالدعاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم مصرف القلوب صرف قلوبنا على طاعتك». [^4]
وفي الحديث القدسي «يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم». [^5]
وعليه أن يستحضر الارتباط بين المعصية وضعف اليقين، والشهوات والشبهات. ثم عليه أن يطلب العلم النافع. فعن ابن الديلمي قال: «وقع في نفسي شيء من هذا القدر خشيت أن يفسد علي ديني وأمري. فأتيت أبي بن كعب فقلت أبا المنذر إنه قد وقع في نفسي شيء من هذا القدر فخشيت على ديني وأمري. فحدثني من ذلك بشيء لعل الله أن ينفعني به». [^6]
فابن الديلمي لم يترك هذا الخاطر يعتمل في قلبه، بل سارع إلى صحابي ليزيل شبهته بنور وحي سمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وننصح بمتابعة سلسلة «رحلة اليقين» للعبد الفقير إياد قنيبي، ففيها تثبيت لليقين ومنهجية علمية للتخلص من الشبهات وخلع جذورها، وقد صرح كثير من الإخوة والأخوات بعودتهم للإسلام بعد مشاهدتهم للسلسلة من بعد ما كانت قد عصفت بهم الشكوك والشبهات، والحمد لله أولا وآخرا.
وكذلك ننصح بمتابعة «سلسلة المرأة» للعبد الفقير، ففيها معالجة لكثير من الشكوك والشبهات التي تثار حول موضوع المرأة في الإسلام، وكان لها أثر طيب كذلك.
ليست الخواطر من الشك القادح في الإيمان، فالكلام المتقدم إنما هو عن الشك الذي يستقر في النفس، لا عن الخواطر الشيطانية التي يستعين صاحبها بالله تعالى ليدفعها. قال الله تعالى: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: 201].
وجاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: «إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به». قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان». [^7]
وجاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أحدث نفسي بالأمر لأن أكون حممة أحب إلي من أن أتكلم به».. أي أن هذا الصحابي يفضل أن يحترق على أن يبوح بما يحيك في صدره من وسوسة. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الحمد لله الذي رد أمره إلى الوسوسة». [^8].. يعني جعل قصارى ما يمكن للشيطان فعله مع هذا العبد أن يوسوس له.
اليقين على درجات وليس درجة واحدة. نقول ذلك حتى لا يتهم أحد نفسه أو غيره بالنفاق إذا لم يصل في اليقين درجة الكمال. لكن كيف نقول أن اليقين على درجات؟ أليس الإنسان إما مصدقا أو شاكا أو مكذبا؟ أليس اليقين تصديقا جازما لا يخالطه شك؟ بلى ولكن هذا التصديق -بدوره- على درجات؛ أنت حين تصدق بوجود الله تصديقا جازما حاسما لا يخالطه شك، فقد اجتزت الخط المطلوب، أي أفلت من جاذبية الشكوك والتردد. لكن الناس بعد ذلك يتفاوتون في التحليق.
ادخل حديقة وانظر إلى أشجارها، كلها أشجار حية قائمة على سيقانها.. لكن هل هي سواء؟ لا؛ ستجد شجرة قائمة على جذور قريبة من سطح الأرض، فيسهل اجتثاثها، في حين ستجد أخرى، عميقة الجذور، يصعب اجتثاثها، وستجد أخرى أكثر جذورا وأعمق؛ فلا مطمع في اجتثاثها أبدا، قد تقطع، تقتل، لكنها لا تجتث، وكذلك اليقين في النفوس.
قد تكون مجموعة من المسلمين كلهم عندهم يقين حي، كما هذه الأشجار حية، لكن شتان بين ثباتها إذا تعرضت للفتن. أيضا هذه الأشجار هي ليست سواء في إثمارها أبدا؛ فمنها ما لا ينفع إلا نفسه، ومنها ما يتساقط ثمره على الناس ويستظلون بظلها.
وكذلك اليقين.. ولذلك، فحتى صاحب اليقين بحاجة إلى سقي شجرة يقينه؛ لئلا تجف وتموت، بل تنمو وتثمر، وتنفع وتضرب جذورها عميقة في الأرض.
يظهر هنا الارتباط الذي أصلنا له في صفة «الشك في الدين». فهذا الإعراض ناتج عن الشك، والشك ناتج عن اتباع الهوى، والهوى يستحكم في القلب المريض الذي تمرضه الذنوب.
قال الله تعالى: {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون} [المائدة: 50]. فعدم اليقين -أي الشك- يجعل أصحابه يبغون حكم الجاهلية.
وقال تعالى واصفا المنافقين: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين * أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله بل أولئك هم الظالمون} [النور: 48-50].
فإعراضهم عن الاحتكام إلى الله ورسوله ناتج عن الريب (الشك)، والذي له ارتباط بمرض القلب.
وقال تعالى: {وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم} [المائدة: 49].
فبذنوبهم التي اقترفوها واتباعهم أهواءهم أمرض الله قلوبهم حتى انصرفوا عن الاحتكام إلى ما أنزله سبحانه وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم.
فشك المنافق في الدين يجعل حساباته مادية، فلا ينظر إلى المصلحة الأخروية في إقامة أحكام الله تعالى، ولا يوقن أن صلاح دنياه كذلك هو بالتزام أمر الله تعالى وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى في سورة النساء: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا} [النساء: 60-62].
قال ابن كثير: «أي: يعتذرون إليك، ويحلفون ما أردنا بذهابنا إلى غيرك، وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي المداراة والمصانعة، لا اعتقادا منا صحة تلك الحكومة». [^9]
فهم قد يدعون احترام شريعة الله وأنهم ما يحتكمون إلى الشرائع الوضعية والأجنبية إلا لتجنب شر الأمم (المداراة) ولتحقيق المصلحة للناس (الإحسان).
قال ابن تيمية: «فإذا كان النفاق يثبت، ويزول الإيمان بمجرد الإعراض عن حكم الرسول وإرادة التحاكم إلى غيره، مع أن هذا ترك محض وقد يكون سببه قوة الشهوة، فكيف بالتنقص والسب ونحوه». [^10]. وهو بهذا يبين أن النفاق يثبت بمجرد ترك الاحتكام إلى الله ورسوله، حتى وإن كان المحتكم مقتنعا بصحة الدين، وحتى لو كان الدافع الشهوة واتباع الهوى، لا التكذيب والجحد للدين.
قال الله تعالى بعد هذه الآيات: {أولئك الذين يعلم الله ما في قلوبهم فأعرض عنهم وعظهم وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا * وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: 63-64].
فعجبا ممن يتظاهر بتبجيل النبي صلى الله عليه وسلم ثم يعرض عن أحكامه المفصلة في مناحي الحياة كلها... وهو صلى الله عليه وسلم ما أرسل إلا ليطاع، فما الفائدة في دعوى تبجيله مع الإعراض عن شريعته؟!
قال تعالى بعدها: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. ففي الآية ثلاثة شروط لا إيمان بغياب أحدها. ولاحظ قوله تعالى {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} .. فالمؤمن صدره سليم لحكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلم. بينما المنافق يكره أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم أو بعضها، وهي الصفة التالية التي سنناقشها من صفات المنافقين.
ويخادع الله تعالى والمسلمين، بل وقد يخادع نفسه، بأنه يمتثل لـ«بعض» الشريعة. قال الله تعالى: {يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم} [المائدة: 41].
إلى أن قال تعالى: {يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا} [المائدة: 41]. قال ابن كثير: «قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه-أي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في شأن اثنين زنيا- فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من الأنبياء قد حكم بينكم بذلك. وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك». [^11]
هم بذلك {يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون} [البقرة: 9]. ثم قال تعالى: {ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا أولئك الذين لم يرد الله أن يطهر قلوبهم} [المائدة: 41] ... فـ«انتقائيتهم» هذه من الدين هي بسبب مرض قلوبهم.
إلى أن قال تعالى: {سماعون للكذب أكالون للسحت} [المائدة: 42] ... فمرض قلوبهم نتج عن ذنوبهم، من سماع كثير للباطل مع قبول له وتعاطي الرشوة والمال الحرام وغير ذلك.
وقال تعالى أيضا واصفا هذه «الانتقائية» عند المنافقين: {وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون * وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين} [النور: 48-49].
ومنهم من ينتقون من النصوص الدينية ليستغلوها لمصلحتهم ويطوعوا الناس بها ثم يعرضون عما يخالف هواهم. وهم بذلك ما أقاموا الدين في حياتهم ولا حتى جزئيا، لأن هذا الجزء إنما التزموه اتباعا لأهوائهم، لا استسلاما وإذعانا لله تعالى، فبطلت بذلك نياتهم.
قال سيد قطب رحمه الله: «إن «دين الله» لا يصلح خادما يلبس منطقة الخدم، ويقف بحضرة «أسياده»، ويوجهونه حيث يريدون! يطردونه من حضرتهم فينصرف وهو يقبل الأرض بين أيديهم.. ثم يقف وراء الباب- في شارة الخدم- رهن الإشارة! ويستدعونه للخدمة، فيقبل الأرض بين أيديهم، وينحني قائلا: لبيك يا مولاي! كما يفعل من يسمونهم «رجال الدين»! كلا! إن «دين الله» لا يرضى إلا أن يكون سيدا مهيمنا قويا متصرفا عزيزا كريما، حاكما لا محكوما، قائدا لا مقودا». [^12]
ولست أنسى كلمة رجل أمريكي قال لي مدافعا عن ديمقراطيتهم ما ترجمته: «أعتقد أن علينا أن نسمح لله بالتدخل في حياتنا بالمقدار الذي نريد فحسب»!! {وما قدروا الله حق قدره} [الزمر: 67]، ولعل بعض «المنتقين» حين قرأ كلمة الأمريكي هذه استبشعها مع أنها ما هي إلا تعبير بلسان المقال عن حال «المنتقين».
في المقابل: {إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون} [النور: 51]، سمعنا وأطعنا دون لجوء إلى مرجعية أخرى، وذلك في كل مقام، مع كل آية وتشريع.
قارن ذلك بمرض النزعة النسوية التي تفصل الدين وأحكامه على قياس القيم والمعايير الغربية المنحرفة المتغيرة. وراجع في علاج هذا المرض سلسلتنا المرئية بعنوان «سلسلة المرأة».
عندما يقع خلاف بين أفراد الأسرة يلجأ بعضهم إلى مؤسسات محلية في بلاد المسلمين تنفذ أجندات المنظمات الدولية وتتبع لها في تعريف حقوق كل فرد وواجباته. هذه المنظمات تسعى بشكل دؤوب إلى تفتيت كيان الأسرة وطمس فطرة أبنائها كما بينا بالتفصيل في سلسلة «الحرب على الفطرة»، وتعرف الحقوق والواجبات بتعريفات معارضة للإسلام ومواثيقها تمثل «دينا» بديلا عن الإسلام بمعنى الكلمة، دينا يبيح ما حرم الله كالزنا والشذوذ، ويحرم ما أحل الله، كالزواج دون سن الثامنة عشرة، حتى وإن كان الشاب أو البنت مؤهلين له. وكذلك تشريعاتها فيما يتعلق بالمرأة والقوامة والولاية وغيرها من المفاهيم.
فعندما ينشب خلاف بين أفراد العائلة فيلجأ بعضهم إلى هذه المؤسسات، سواء كان ابنا أو بنتا أو زوجة أو أختا [^13]، لتتدخل في الأسرة وتمكن الفرد الذي لجأ إليها من تحصيل ما ليس بحق له شرعا، فإن هذا الفرد يكون قد أعرض عن شريعة الله تعالى واحتكم إلى ما يعارضها. فلينتبه لذلك ولا تأخذه أو تأخذها العزة بالإثم.
فعلى كل مسلم أن ينظر: هل هذا الذي يريد تحصيله في الخلافات هو حق منحه الشرع إياه بالفعل؟ أم أنه ليس من حقه شرعا وإنما من حقه حسب هؤلاء الذين يحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله؟! فإن كان كذلك فكيف يطالب به بل ويستعين بهذه المؤسسات على انتزاعه من أفراد الأسرة الآخرين؟
وإن كان هذا الذي يريد تحصيله في الخلافات هو حق شرعي له يحرمه منه أحد أفراد الأسرة، ولا تطيب نفسه بالتخلي عنه، فإن عليه أن يلجأ إلى الطرق المشروعة في تحصيله، ويشمل ذلك التحكيم واللجوء إلى الوجهاء. لا أن يلجأ إلى هذه المؤسسات التي لا هم لها في الإصلاح ولا مرجعيتها الشريعة، وإنما همها أن تقدم التقارير للمنظمات الدولية تبين فيها حالات «النجاح» في تطبيق المواثيق والمعاهدات المخالفة للشريعة، وإنفاذ أجندات تفتيت الأسر المسلمة وبث روح الفردانية والأنانية في المجتمع.
وهذا باب من الشر كبير فتح على مصراعيه حديثا في بلاد المسلمين، مع ازدياد نشاط هذه المؤسسات وتحجيم بنود في «قانون الأحوال الشخصية» موافقة لبعض أحكام الشريعة الإسلامية. والكلام ذاته يقال في الخلافات التي تنشأ بين الزوج وأهل الزوجة أو العكس.
فليتق المسلمون ربهم في ذلك، رجالا ونساء، شبابا وفتيات، صغارا وكبارا. وليتذكر أطفال المسلمين واليافعون واليافعات ذلك، ولا يعرضوا أنفسهم لأن يقعوا في هذه الخصلة من أخص خصال النفاق وهم لا يشعرون.
فمرض قلب المنافق يجعله يكره ما أنزل الله. فالقلب المريض يرى الحسن قبيحا والقبيح حسنا. قال الله تعالى في الكافرين: {ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 9].
وقال في المنافقين: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم * ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم إسرارهم} [محمد: 25-26]. نقل القرطبي عن ابن عباس والضحاك والسدي أن هذه الآيات هي في المنافقين.
فالمنافقون لما خالطوا الكافرين الذين كرهوا ما نزل الله، ووعدوهم بالطاعة في بعض الأمر، انتقل مرض كراهية الوحي إلى قلوبهم المريضة.
قال الله تعالى بعدها: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم * ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 27-28].
لاحظ كيف أنهم {قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر} فانتقلت إليهم عدوى الكراهية {وكرهوا رضوانه}، أي كرهوا ما يقربهم من رضا الله تعالى، ومن ذلك شريعته وما أنزل سبحانه، فاستحقوا عند وفاتهم أن تضرب الملائكة وجوههم التي أقبلوا بها على الكارهين وأدبارهم التي استدبروا بها كلام الله.
{فأحبط أعمالهم} ...ما أخوفها من كلمة! كم هو خطير أن ينطوي صدر أحدنا على مرض يعكر عليه صفو حياته ثم ينسف في الآخرة حسناته ويجعلها هباء منثورا! لا تظن أن هذا المرض نادر، ولا تحكم مسبقا أنك سليم منه تماما. فتعال معنا يا رعاك الله وتعالي معنا يا رعاك الله، لنعرف: أولا: مظاهر وأعراض هذا المرض فنفتش عنها في نفوسنا، ثم: ثانيا: لنعرف عواقبه ونتائجه الوخيمة فنحذر منها، ثم: ثالثا: لنعرف أسبابه فنستأصلها من حياتنا، ثم: رابعا: لنعرف علاجه وترياقه فنستشفي به وتطيب لنا حياتنا ونلقى الله بقلب سليم بإذنه تعالى. وهذا القسم سنجعله في آخر الكتاب، حيث نتكلم عن وقاية النفس وعلاجها من النفاق.
أمثلة من الواقع:
لا غرابة في أن تكره امرأة أن يتزوج عليها زوجها أو أن يضربها، هذا شعور عادي متوقع لا إثم فيه. لكن الإثم والمصيبة في أن تكره حكم التعدد نفسه أو حكم الضرب نفسه، فتشك في حكمته وعدل الله فيه، بدلا من أن تكلف نفسها فهم معنى الضرب وضوابطه ودراسة الحكمة الربانية في تشريعه.
تنبيه مهم: وهنا لا بد من تنبيه مهم: فليس كل من وقع في مخالفة لآية من آيات الله تعالى يعتبر كارها لهذه الآية، ولا كل من انتقد ما يدعى أنه تطبيق لحكم من أحكام الله كان كارها لهذا الحكم.
فقد تتبرج امرأة ضعفا منها أو اتباعا لهواها، وقد تتكلم امرأة بكلام يوهم أنها كارهة لأمر الله بضرب المرأة الناشز، بينما إذا نوقشت في كلامها تبين أنها مقرة بحكمة الله في ذلك معترفة بالحاجة إليه في بعض الأحيان، لكنها كارهة للتطبيق الجائر المنحرف من بعض الأزواج للضرب. فينبغي لنا ألا نسارع إلى الحكم بأن عند فلانا أو فلانة كراهية لما أنزل الله لمجرد فعله أو فعلها للمعصية أو إطلاقه عبارات لا يدرك خطورتها ولوازمها. بل نبين له برفق على طريقة «لعلك تقصد كذا» بحيث نرتب أفكاره ونفك اشتباك مشاعره وقناعاته وتأثره بالصور النمطية المشوهة والتطبيقات المنحرفة وتأثير الإعلام.
لكن المسلم العاقل في الوقت ذاته لا يتعذر لنفسه بالأعذار المذكورة، بل يتهم نفسه ويفتش فيها عن مثاقيل حب الخردل من هذا المرض. فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت. ولا ينفعك يا أخي أن تجري عليك أحكام الإسلام وتحسب أنك تحسن صنعا وتبرئ نفسك من تهمة كراهية ما أنزل الله ثم تكتشف مرضك هذا يوم الحسرة، ولات حين مندم!
فلا تشغل نفسك باتهام الناس بكراهية ما أنزل الله، بل فتش نفسك وانشغل بإصلاحها قبل كل شيء، ثم أعنهم على تنقية قلوبهم تجاه ما أنزل الله.
1) ضياع الإيمان: لقول الله تعالى: {فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما} [النساء: 65]. لاحظ قوله تعالى: {ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت} ..فإذا ضاع الإيمان من القلب حل محله الكفر والنفاق.
2) فقدان حلاوة الإيمان: من كره ما أنزل الله لن يجد حلاوة الإيمان. إن المطلوب منا ليس محبة ما أنزل الله فحسب، بل أن يصبح ما أنزل الله ميزاننا الذي به نحب أشخاصا وأفكارا ومبادئ ونبغض أخرى. قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا الله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار». [^14] لاحظ (أحب.. أن يحب.. أن يكره): حب وبغض على أساس محبة ما أنزل الله. فمن كره ما أنزل الله أصلا اختل لديه الميزان وفقد حلاوة الإيمان.
3) حبوط الأعمال من نتائج كراهية ما أنزل الله. قال الله تعالى: {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 8-9]. اختار الله أسوأ صفة للكافرين أدت إلى حبوط أعمالهم: أنهم كرهوا ما أنزل الله. وقال الله تعالى بعدها بآيات في السورة نفسها: {ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 28]. كرهوا رضوانه لأنهم كرهوا ما يؤدي إلى رضوانه تعالى، وكان مما كرهوه أحكام الإسلام، وشعائر الإسلام، وأوامر الله ونواهيه.
حبوط العمل أكبر المصائب. تصوروا من يبني بناية يتعب في بنائها سنوات ثم يدمرها! تصوروا من تغزل ثوبا تتعب فيه ليالي وأياما تباعا، حتى إذا انتهت منه نقضته وأعادته خيوطا! هذا مثل من يعمل أعمالا كثيرة من الخير لكنه يجعلها هباء بانطواء قلبه على كراهية ما أنزل الله. قال الله تعالى: {ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا} [النحل: 92]. وقال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم} [محمد: 33] ..تحذير من رب العالمين وتنبيه للعقلاء. فانتبه لئلا تكون ممن قال الله فيهم: {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا} [الفرقان: 23].
4) الخزي والتعاسة هو النتيجة الرابعة من نتائج كراهية ما أنزل الله... جزاء وفاقا لهذه الكراهية. فمن حمل في قلبه هذا المرض فليس أهلا للعزة والكرامة. قال الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7]، هذا الكلام للمؤمنين المحبين له تعالى ولكلامه وشريعته وشعائر دينه. ثم انظر في الآية التالية مباشرة: {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم * ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 8-9]. [^15]
فالمؤمن ينتصر بنصرته الله ومحبة دينه والأخذ بالأسباب.. والكافر يهزم ويتعس بكراهية ما أنزل الله تعالى. فكيف إذا تحول المؤمن إلى كراهية ما أنزل الله؟! وانظر كذلك إلى قول الله تعالى: {لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحا قريبا} [الفتح: 18]. ومما في قلوبهم: محبة ما أنزل الله.
أرأيتم عن أي شيء نتحدث؟! عن مرض يحبط العمل ويضيع الإيمان ولذته ويؤدي لحلول الخزي والتعاسة. فحق لنا أن نعرف أصول هذه المشكلة الخطيرة في أنفسنا وكيف نشأت لنضيق عليها الخناق ونطفئ نارها قبل أن تحرقنا.
قد يجد العبد في نفسه نفورا من بعض الآيات نتيجة لتراكمات التربية والإعلام والبيئة المحيطة، لكنه يدرك أن الخلل فيه هو لا في كلام الله تعالى، ويلجأ إلى الله ليشفيه من هذا النفور، ويطلب العلم النافع متواضعا للحق عازما على الإقرار به ولو خالف هواه، ويطرق باب أهل الصلاح ليعينوه على نفسه. فالذي يفعل ذلك هو في سعيه هذا محمود مأجور.
لكن الخطورة هي في أن يستقر هذا النفور في القلب ولا يعمل صاحبه على التخلص منه، وقد يسعى إلى التخلص منه بأن يطوع الإسلام لأهوائه هو! فيبحث عن منتسبين للعلم والدين من دعاة الضلالة لـ«يعيدوا تفسير الدين» بما يناسب هواه. وحقيقة الأمر أنهم يحرفون الكلم عن مواضعه وينكرون دلالات الآيات التي أجمعت عليها الأمة عبر القرون، وينكرون أحكام الإسلام المعلومة من الدين بالضرورة. فمثل هذا يكون كارها لما أنزل الله، محبا لنموذج مشوه وافق هواه، اصطنعه لنفسه أو صنعه له المبطلون.
فتعالوا نرى أسباب هذا المرض لنحاصره ونتخلص منه.
[^1]: رواه أحمد في «مسنده» (7952)، وابن ماجه في «سننه» (4244)، والترمذي في «جامعه» (3334) – وقال: حسن صحيح - وابن حبان في «صحيحه» (930)، والحاكم في «المستدرك» (3908) وقال صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي. وحسنه الألباني. [^2]: قال ابن كثير في (تفسير القرآن): رواه (يعني الطبري) من طرق عدة عن أبي الطفيل عن ابن مسعود وهو صحيح إليه بلا شك. [^3]: وهذا أحد القولين في تفسير الآية من كتاب التحرير والتنوير لابن عاشور. [^4]: مسلم (2654). [^5]: مسلم (2577). [^6]: رواه أحمد (21589)، وأبو داود (4699)، وابن ماجه (77)، وصححه الألباني. [^7]: مسلم (132). [^8]: أخرجه أحمد (3161)، وأبو داود (5112)، والنسائي (10435)، وابن حبان (147)، والضياء المقدسي في «المختارة» (11/98)، وقال الوادعي في «الجامع الصحيح مما ليس في الصحيحين» (326): صحيح على شرط الشيخين. [^9]: تفسير ابن كثير. [^10]: الصارم المسلول. [^11]: تفسير ابن كثير. [^12]: المستقبل لهذا الدين. [^13]: لم نذكر الزوج والأخ هنا لأن المنظمات الدولية والمؤسسات التي تنفذ أجنداتها تستهدف في عامة برامجها المرأة والطفل واليافع، من خلال استثارة العطف عليهم، وتعمد إلى تمثيل دور الوصي عليهم بدل الأوصياء والأولياء القوامين الحقيقيين كالآباء. وإلا فمعلوم أن الظلم قد يقع من أي فرد من أفراد الأسرة على الآخر. [^14]: البخاري (16) ومسلم (43). [^15]: وأنت تقرأ هذه الآيات التي أنزلت في الكافرين، استحضِر ما ذكرناه تحت عنوان: «انتبه! النص القرآني يخاطبك».
إن هذا المرض هو نتيجة مجموعة من العوامل التي تؤثر في النفس عبر السنوات حتى توصل الشخص إلى حالة الشعور بالكراهية لما أنزل الله، وأهم هذه العوامل:
فالمركزية في الإسلام هي الله والدار الآخرة. بينما المركزية في ثقافة الحضارة الغالبة عالميا هي للإنسان وشهواته. والمعايير الحاكمة المطلقة في الإسلام هي طاعة الله ورسوله والتي تتضمن إقامة الحق والعدل، بينما هي في ثقافة الحضارة الغالبة: الحرية والمساواة.
كثير من أبناء المسلمين تتشكل في نفسه عبر التربية والمناهج التعليمية والإعلام مسطرة (مركزية الإنسان ومعيارية الحرية والمساواة)، فيحاكم بها كل شيء، ومما يحاكمه بها: دينه. والنتيجة هي أنه إذا رأى شيئا مما أنزل الله ومن أحكام الله ما لا يوافق هذه المسطرة، شك فيه وكرهه، ولا يخطر بباله أصلا أن يحاكم هذه المسطرة ويتحقق من صحتها وصوابها قبل أن يستخدمها في الحكم على الأمور.
وقد بينا في سلسلة «المرأة» وسلسلة «كن عزيزا بإسلامك» بطلان مركزية الإنسان ومعيارية الحرية والمساواة عقلا وشرعا وواقعا، وأن الحضارات الغالبة انتهى بها الأمر بشقاء الإنسان مع تضييع العبودية لله، وبألا تقيم حقا ولا عدلا ولا حرية ولا مساواة! (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا) [طه: ١٢٤].
فعامة المسلمين لا يعرف إلا القليل عن جماليات الإسلام وحكمته ورحمته وعدله في الأحكام التي يتم تشويه صورتها، كأحكام الشريعة التفصيلية والجهاد والحدود وأحكام الأسرة المسلمة وقوامة الرجل على المرأة. وما يعلمونه منها قد تكون الصورة الذهنية عنه مشوهة نتيجة للتلاعب الإعلامي الممنهج وللممارسات المنحرفة المنسوبة إلى الإسلام بالباطل، سواء من المندسين أو من بعض من يوصفون بالمتدينين أو ممن يتصدرون للخطاب الديني دون حكمة وعلم بما يناسب المقام.
هذا كله في الوقت الذي لا يرون فيه الإسلام مقاما واقعا بشكل متكامل صحيح على أرض الواقع. طيب ولنفترض أنك علمت بأمر الله ورسوله على حقيقته ومع ذلك خالفته، هذا ينقلنا إلى السبب الثالث لكراهية ما أنزل الله وهو:
قال الله تعالى: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) [النور: ٦٣].
تخويف من الله تعالى لمن خالف أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن تصيبه فتنة. وشر فتنة هي فتنة القلب بحيث يختل ميزانه فيكره ما أنزل الله. قال ابن كثير: (أي: فليحذر وليخش من خالف شريعة الرسول باطنا أو ظاهرا (أن تصيبهم فتنة) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة).
(فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين) [الصف: ٥].
فليتذكر ذلك من يشاهد أفلاما فيها ما فيها من إشاعة للعلاقات الغرامية خارج الزواج الذي أحله الله تعالى، وفيه قتل للغيرة والحياء واجتراء على حدود الله التي قال فيها: (ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون) [البقرة: ٢٢٩]، فينفتح القلب ليلقي فيه مؤلفو هذه المسلسلات ما شاؤوا من حب للفسوق والعصيان وتنفير عن أحكام الله تعالى.
ولتتذكر ذلك من لا تلتزم بما أمر الله به من ستر وحياء وانضباط في التعامل مع الآخرين.. قد تجد نفسها تعترف أول الأمر بذنبها وتطلب ممن حولها الدعاء لها أن يهديها الله. ثم تجدها بعد حين تقلل من أهمية حدود الله في المظهر والتعامل وتنشغل بانتقاد غيرها من «الملتزمات ظاهرا» على ما عندهن من نقص وتقصير. ثم قد يصل بها الأمر أخيرا إلى أن تبغض حدود الله وتراها حجرا على المرأة وغضا من قيمتها، وتسخر ممن يدعو إليها، وتؤيد من حرف الدين وأنكر هذه الحدود والضوابط وتنشر كلامه وتدعو إليه. فزاغ قلبها بمعصيتها وأصابتها الفتنة.
فيا من تستمر على معصية ولا تسارع إلى التوبة منها: أنت بذلك تعرض نفسك لسواد القلب وحلول مرض كراهية ما أنزل الله فيه. وهذا أخطر بكثير من ذنب المعصية ذاته. فلا تفصل بين المعصية والشبهات، وراجع ما ذكرناه سابقا تحت صفة (الشك في الدين).
فالإعلام بما فيه من أخبار ومسلسلات وأفلام كثيرا ما يربط شعائر الإسلام بالجهل والفقر والدموية وسوء الخلق، بينما يقرن التقدم العلمي والجمال والثراء والسعادة بالتغريب والانقطاع عن الوحي، ويلقي مجموعة من الصور تختزن في اللاوعي، فتتكون أحاسيس وانطباعات دون وعي منك تزاحم قناعاتك الحقيقية وتضعف أثرها على سلوكك.
والإعلام يزين ما حرم الله، مذكرا بقول الشيطان: (لأزينن لهم). فتحس النفوس التي أحبت الحرام بعدها بثقل ما أنزل الله ومنافرته لما أحبته واعتادت عليه. ودراسات مراكز التخطيط الاستراتيجي الغربية تنص بكثافة على إسقاط مصداقية الشريعة والداعين إليها. (انظر دراسات راند للدكتور إياد قنيبي على شبكة الانترنت).
فمن تزيين الإعلام لحياة الغفلة عن الوحي أنه لا يظهر معاناة المجتمعات الغافلة. وكثير من المسلمين يكون انطباعه عن هذه المجتمعات من خلال أفلام هوليوود ونيتفليكس. فإذا جهل المسلم دينه وتشوهت الصورة الذهنية لديه عن أحكامه، وفي المقابل زين له حال المجتمعات الغافلة تماما عما أنزل الله، واختلت لديه المركزية والمعايير وانحرفت الفطرة فاختل بذلك الميزان الذي يوازن به بين ما أنزل الله وفي المقابل الغفلة عما أنزل الله، كان ذلك كله مما يوقع في قلبه الكراهية لما أنزل الله.
فتنتقل هذه الكراهية من المطاع إلى المطيع، من الذين أطيعوا إلى الذين قالوا: (سنطيعكم في بعض الأمر) كما بينا في بداية صفة «كراهية ما أنزل الله».
قال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله في تفسير هذه الآيات ٢٥-٢٨ من سورة محمد: (اعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها والحذر التام مما تضمنته من الوعيد؛ لأن كثيرا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، وهذا هو القرآن وما يبينه به النبي صلى الله عليه وسلم من السنن؛ فكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: (سنطيعكم في بعض الأمر) فهو داخل في وعيد الآية، وأحرى من ذلك من يقول لهم: (سنطيعكم في كل الأمر) كالذين يتبعون القوانين الوضعية مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله؛ فإن هؤلاء لا شك ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم). (أضواء البيان، محمد الأمين الشنقيطي).
والتولي مناصرة وتقريب ومحبة دينية. فالذي يتولى المشركين يناصرهم على المسلمين ولا يبالي بكفرهم بل قد يحبه ويتقبله ويرتضيه. وقد أكثر الله تعالى من الآيات التي تبرز هذه الصفة في المنافقين.
وهذه الصفة كذلك هي وليدة الشك في الدين. قال الله عز وجل: (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون * ولو كانوا يؤمنون بالله والنبي وما أنزل إليه ما اتخذوهم أولياء ولكن كثيرا منهم فاسقون) [المائدة: ٨٠-٨١].
وهذه الآيات وإن كانت نزلت في الذين كفروا من بني إسرائيل إلا أنها تضع قاعدة عامة منسحبة على اليهود وغيرهم أن متولي الكافرين لا إيمان عنده. علما بأن مجاهدا بن جبر رحمه الله -من أهل التفسير- قال في قوله تعالى (ترى كثيرا منهم يتولون الذين كفروا): (يعني بذلك المنافقين) اهـ.
وانظر كذلك إلى قوله تعالى: (لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله) [المجادلة: ٢٢].
فالمنافق لما لم يصح إيمانه بالله واليوم الآخر أصبحت حساباته أرضية، فرأى أن القوة المادية بأيدي الكافرين، فوالاهم ليكونوا له عزا: (بشر المنافقين بأن لهم عذابا أليما * الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا) [النساء: ١٣٨-١٣٩].
وكما رأينا ارتباط الصفات النفاقية السابقة بمرض القلب فكذلك مسارعة المنافق في تولي الكفار ناتجة عن مرض قلبه. قال الله تعالى: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم) [المائدة: ٥٢].
١) أن ترك هذا التولي للمشركين يجلب عليهم المصائب ويدفعهم إلى المواجهة مع من لا قبل لهم بهم: (فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة) [المائدة: ٥٢].
وقد نزلت الآية في وصف حال عبد الله بن أبي ابن سلول ودفاعه عن يهود بني قينقاع وقوله (إني امرؤ أخشى الدوائر).
٢) أنهم بموالاتهم هذه يسعون للإصلاح بين الناس، والعيش بسلام، مع أنهم في الوقت ذاته يعادون المؤمنين ويتآمرون عليهم. قال الله تعالى: (وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون) [البقرة: ١١].
روى محمد بن إسحاق عن ابن عباس في تفسيرها: (أي: إنما نريد الإصلاح بين الفريقين من المؤمنين وأهل الكتاب). فرد الله عليهم زعمهم ووصف موالاتهم هذه بالإفساد فقال تعالى: (ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون) [البقرة: ١٢].
وكذلك في الآية الأخرى بعدما فرض الله على المؤمنين أن يتولى بعضهم بعضا وبين أن الذين كفروا بعضهم أولياء بعض، قال سبحانه: (إلا تفعلوه تكن فتنة في الأرض وفساد كبير) [الأنفال: ٧٣]. فالفساد والفتنة هي في تولي المشركين وترك تولي المؤمنين.
قال الله تعالى واصفا المنافقين: (وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون) [البقرة: ١٤].
وقال تعالى: (يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر من الذين قالوا آمنا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم ومن الذين هادوا سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) [المائدة: ٤١].
وقوله تعالى: (سماعون لقوم آخرين لم يأتوك) قيل فيه: "أي: مستجيبون ومقلدون لرؤسائهم، المبني أمرهم على الكذب والضلال والغي". وعلى هذا فمعنى «سماعون» أي يسمعون سماع استجابة وتقليد وانصياع لهؤلاء المضلين.
وقال ابن كثير: "وقيل: المراد أنهم يتسمعون الكلام وينهونه إلى أقوام آخرين ممن لا يحضر عندك من أعدائك". أي أنهم يسمعون النبي صلى الله عليه وسلم لينقلوا الكلام لأسيادهم المضلين.
فالمنافقون إذا التقوا بأوليائهم وأسيادهم من المشركين تباهوا بمخادعتهم للمؤمنين وتلقوا من أسيادهم الأوامر وتآمروا معهم للكيد بالإسلام وأهله.
وقال تعالى مبينا نية المنافقين في بناء مسجد الضرار: (وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل) [التوبة: ١٠٧]، أي: إعدادا لاستقبال أبي عامر الفاسق الذي وعدهم أن يأتي بجيش من الروم ليحارب به المؤمنين.
بل وكثيرا ما يكون المنافق أكثر تفانيا من أسياده الكفار الصرحاء في خدمة الباطل وحرب المؤمنين! فهو أذل نفسا وأقل نبلا. قال الشيخ علي القرني: «الكفار يريدون طائفة النفاق على المسلمين حمى تنهك، فتكون طاعونا يهلك! يريدونها لسانا فتكون لسانا وعينا وأذنا ويدا ورجلا ومقراظا للقلع وفأسا للقطع ومعولا للصدع!»
قال الله تعالى: (إن الله جامع المنافقين والكافرين في جهنم جميعا) [النساء: ١٤٠]. فكما اجتمعوا على عداوة الإسلام والاستهزاء بأهله في الدنيا فسيجمعهم الله تعالى في جهنم حيث يكفر بعضهم ببعض ويلعن بعضهم بعضا.
قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين) [المائدة: ٥١].
وقال تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين أتريدون أن تجعلوا لله عليكم سلطانا مبينا) [النساء: ١٤٤].
وقال تعالى: (لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير) [آل عمران: ٢٨]، فالله يتبرأ ممن تولاهم ويصفه بأنه ليس من الله في شيء. أي: فقد انقطع عن الله، وليس له في دين الله نصيب، وهذا «نفي لوصلة من يفعل ذلك بجانب الله تعالى في جميع الأحوال». فلا صلة بينه وبين الله. ويقول سبحانه بعدها: (ويحذركم الله نفسه).
ويهيج الله تعالى في المؤمنين مشاعر المحبة لدينه ليعلموا أن حب الله ودينه لا يجتمع مع حب المستهزئين بالدين في قلب واحد: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون) [المائدة: ٥٧-٥٨].
وكما نهى الله عن تولي الكافرين نهى سبحانه عن تولي المنافقين فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا) [آل عمران: ١١٨]. وهم المنافقون كما في تفسير ابن كثير والسعدي.
وقد بلغ من فساد آراء بعض من ينتسبون إلى العلم أن أفتوا للمواطن المسلم المقيم في دولة غربية بجواز أن يتجند ويحارب المسلمين ليحافظ على جنسيته وحتى لا يطعنوا في وطنيته! معرضين بذلك عن الآيات التي عرضناها وعما رواه البخاري أن ناسا من المسلمين كانوا مع المشركين يكثرون سواد المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقتل بعضهم في الحرب، فأنزل الله تعالى: (إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيرا) [النساء: ٩٧].
قال ابن كثير: «فنزلت هذه الآية الكريمة عامة في كل من أقام بين ظهراني المشركين وهو قادر على الهجرة وليس متمكنا من إقامة الدين، فهو ظالم لنفسه، مرتكب حراما بالإجماع، وبنص هذه الآية» اهـ. فهؤلاء أناس فرضت عليهم الهجرة ليتمكنوا من إقامة دينهم بالمدينة فآثروا الإقامة في الأهل والمال والأوطان على إظهار دينهم حتى دفعوا دفعا إلى الخروج في جيش المشركين في بدر. فقتل من قتل منهم ظالما لنفسه. فأين يذهب أصحاب تلك الفتاوى من الله؟!
قال الله تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون) [المنافقون: ٨].
وقال تعالى: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون * ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون) [المائدة: ٥٥-٥٦].
فالكفر مذلة والمعصية مذلة، حتى وإن غلب أصحابها وتفوقوا ماديا. والذي يموت ثابتا على دينه فهو عزيز. ولكن المنافقين لا يعلمون ولا يفقهون هذه المعاني والحقائق.
العز في كنف العزيز ومن عبد العبيد أذله الله
وهذا في المنافقين طبع خسيس وخلق رخيص! فإن المنافق لما كانت حساباته أرضية طينية، فإنه ينظر إلى كفة من يميل ميزان القوى...فإذا طاشت كفة أوليائه وفقد الأمل في تغلبهم، تنكر لهم، وولاهم دبره، بل وربما حالف ضدهم وساعد عليهم، كأن لم تكن بينه وبينهم مودة! فالمنافق لا يفهم معنى الوفاء لوليه والمروءة والشهامة والنبل والنخوة والنجدة...ومن استثار فيه هذه المعاني كان كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء.
قال الله تعالى: (ألم تر إلى الذين نافقوا يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نطيع فيكم أحدا أبدا وإن قوتلتم لننصرنكم) [الحشر: ١١].
هكذا المنافق! وعود عريضة وقد يدعي شجاعة وثباتا...لكن الله بين كذبهم: (والله يشهد إنهم لكاذبون * لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون) [الحشر: ١١-١٢].
فبمجرد أن يذهب مجد الكافرين يظهر معدن المنافق... ثم بين الله تعالى السبب في تقلب المواقف فقال: (لأنتم أشد رهبة في صدورهم من الله) [الحشر: ١٣]. فالمنافق عندما والى الكافر ما استحضر أمر الله ونهيه...وعندما ترك هذه الموالاة ما تركها لله، وإنما خوفا من المؤمنين. فهو لم يذكر الله على كل حال! (ذلك بأنهم قوم لا يفقهون) [الحشر: ١٣].
والمنافق قد يصل في ذلك دركة أسفل مما يصله الكفار. ففي غزوة بني قريظة أوفى حيي بن أخطب لبني قريظة بوعده أن يدخل معهم في الحصن ويتعرض للمصير الذي يتعرضون له، ولم يوف المنافقون بوعد النصرة لبني النضير الذين نزلت فيهم هذه الآيات أعلاه.
فهم مع المنتصر أيا كان. وكأني بالمنافق يمشي مخبولا يسيل لعابه، حاملا في يده صحنا يدور به باحثا عن المنتصر ليستجديه أن يملأ الصحن طعاما... إن قلت له: «رضوان الله»، «الجنة»، «الغيرة على الدين»...فتح فمه ببلاهة ونظر إليك نظرة من لم يفهم شيئا ثم تولى عنك وهو يقول: «وهل تملأ هذه صحني؟»!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين، تعير إلى هذه مرة، وإلى هذه مرة، ولا تدري أيتهما تتبع". (مسلم ٢٧٨٤).
وقال الله تعالى: (وإن منكم لمن ليبطئن فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا) [النساء: ٧٢]. فيعتبر المنافق نذالته حكمة بل ونعمة من الله تعالى! فيتباطأ عن الجهاد والتضحية ويبطئ غيره ويخذلهم.
(ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) [النساء: ٧٣]. سيندم حينئذ ويتمنى لو كان مع المؤمنين. هل تراه يندم لأنه يرى نصر الله لعباده المؤمنين فيعلم أن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين فيحتقر ما هو فيه من نفاق وتشتاق روحه إلى التحليق في مدارج الأبطال ؟ لا! بل ما زالت تطلعاته لا تعدو أصابع قدميه!
(يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما) [النساء: ٧٣]، يريد الغنيمة، مالا ومتاعا زائلا، وسمعة لا يستحقها. هذا الفوز العظيم الذي يتطلع إليه ولا تعدوه عيناه!
وقال سبحانه: (ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم) [المجادلة: ١٤]. فالمنافق لا هو منتم إلى المؤمنين انتماء حقيقيا ولا إلى الذين غضب الله عليهم «اليهود» انتماء حقيقيا. إنما هي المصالح!
لو طلب منك أن تجمل صفات المنافقين في كلمة واحدة فقل: هي «الكذب»! قال الله تعالى: (ليجزي الله الصادقين بصدقهم ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم) [الأحزاب: ٢٤]. فجعل في مقابلة الصادقين: المنافقين.
وفي حديث (أربع من كن فيه كان منافقا خالصا) تجد أن الصفات الأربعة تدور حول الكذب: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف (والإخلاف نوع من الكذب)، وإذا عاهد غدر (والغدر كذب إذ هو خلاف الصدق في الوفاء بالعهد)، وإذا خاصم فجر (ومن أوضح أشكال الفجور في الخصومة: الكذب في ذم الخصم).
قال الحسن البصري: «أصل النفاق الذي بني عليه النفاق: الكذب». ومما يشبه الكذب أن يخالف فعلك قولك، فيكون الفعل مكذبا للقول. لذا ترى أن الله تعالى كره، بل مقت أن يتلبس المؤمن بهذه الصفة التي تجعله يتقاطع مع شخصية المنافق في شيء مشترك فقال: (يا أيها الذين آمنوا لم تقولون ما لا تفعلون * كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون) [الصف: ٢-٣].
وكم نرى هذه الصفة- مخالفة الفعل للقول- في المسلمين! كم نراهم يذمون واقعا هم لبناته والمسهمون فيه:
كم قلت أمراض البلاد وأنت من أمراضها والشؤم علتها فهل فتشت عن أعراضها يا من حملت الفأس تهدمها على أنقاضها اقعد فما أنت الذي يسعى إلى إنهاضها وانظر بعينيك الذئاب تعب في أحواضها
كم ترى من مسلم يذم الخيانة وتسليم البلاد لأعدائها ويلعن المتآمرين من بني جلدتنا، وإذا سألته: «أتتمنى أن تجاهد؟» قال بلا تردد: «يا ريت! طبعا»، ثم هو يأخذ القروض الربوية، ويعقد البيوع المحرمة، مكذبا شعاراته الرنانة. فهو يفعل خلاف ما يقول. فنسأل الله أن يهدي أمثال هؤلاء ويصلح أعمالهم.
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (انظر كيف كذبوا على أنفسهم وضل عنهم ما كانوا يفترون) [الأنعام: ٢٤]. قال: (...وكذب المنافقين باعتذارهم بالباطل وجحدهم نفاقهم). فالمنافق يعتذر لنفسه بالباطل، ويبرر لها نفاقها، بل يجحد أنه منافق أصلا! ويعمي نفسه عن الحق، ويزين لها ما هي عليه من سوء، ويحجم نداء الإيمان فيها، ويقنعها بأن طريق النفاق أسلم، وقد يخدر شعور نفسه بأن فيها صفات حميدة وأنها على خير.
أما وقد خدع نفسه فالخطوة التالية هي مخادعة المؤمنين. فالمؤمنون في نظره بسطاء سذج ليس عندهم من الحكمة كالذي عنده، وإيمانهم إيمان السفهاء في نظره! (أنؤمن كما آمن السفهاء) [البقرة: ١٣]. فلا بد من مخادعتهم «ترفعا» عن الخوض معهم في جدل عقيم، ووقاية للنفس من انفعالات عواطفهم «الساذجة» في نظره. فلا يجد المنافق حرجا من أن يحلف لهم كذبا: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله إنهم ساء ما كانوا يعملون) [المنافقون: ٢].
فهو يفعل كل بشعة ويتمرغ في أوحال النفاق ثم يحلف بالله ما أراد إلا الحسنى، فينطلي حلفه على مؤمنين لا يتصورون أن يحلف رجل كذبا بالله الذي يعظمونه! فيتمادى المنافق في طغيانه بعد أن اطمأن إلى تصديق المؤمنين له. وانظر كيف ينكر الله تعالى عليهم هذه الفعلة القبيحة -الكذب للصد عن سبيل الله- فيقول: (إنهم ساء ما كانوا يعملون) [المنافقون: ٢].
وذلك كقوله تعالى أيضا: (اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين) [المجادلة: ١٦]، فالأيمان الكاذبة هي الدرع الواقي الذي يحتمي به المنافق في الدنيا والستار الذي يمرر من ورائه كل ردية، لكنها الغموس له في نار جهنم. وانظر فيما يلي كيف يغطي المنافق صفاته النفاقية بالكذب، سواء من الصفات التي ذكرناها حتى الآن أو صفات سيأتي الحديث عنها:
(ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين) [البقرة: ٨]. وقال تعالى: (إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون) [المنافقون: ١].
(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا) [النساء: ٦٠]. إلى أن قال تعالى: (فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا) [النساء: ٦٢]. فيحلفون أنهم ما احتكموا إلى الطاغوت تكذيبا بالإسلام.
(ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم ويحلفون على الكذب وهم يعلمون) [المجادلة: ١٤]. فالمنافقون تولوا اليهود الذين غضب الله عليهم، وهم يحلفون كذبا ليغطوا على ولائهم لليهود.
قال الله تعالى: (وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون) [آل عمران: ١٦٧]. فكذبوا بزعمهم أنهم لا يتوقعون حصول قتال ليبرروا بذلك نكوصهم عن الجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في معركة أحد. وقال تعالى: (يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين) [التوبة: ٩٦]..فحلفوا كذبا ليبرروا تخلفهم عن غزوة تبوك.
(يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا) [التوبة: ٧٤]. فهم كانوا يتنقصون من النبي صلى الله عليه وسلم ويكذبونه ثم إذا نقل إليه شيء من ذلك حلفوا أنهم ما فعلوا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسا في ظل حجرته قد كان يقلص منه الظل فقال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (يجيئكم رجل ينظر إليكم بعيني شيطان، فإذا رأيتموه فلا تكلموه). قال: فجاء رجل أزرق. فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم دعاه قال: (علام تشتمني أنت وأصحابك؟) قال: كما أنت حتى آتيك بهم. فذهب فجاء بهم فجعلوا يحلفون بالله ما قالوا ولا فعلوا، وأنزل الله عز وجل: (يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون) [المجادلة: ١٨].
فانظر إلى هذا الرجل كيف احترف الكذب حتى أنه يتظاهر للنبي بأنه لن يقول شيئا لئلا يكذب، بل سيأتي بأصحابه ليحلفوا أنهم ما شتموا، وكأن كذب الجماعة أوثق من كذب الفرد! فيأتون يحلفون... ورسول الله صلى الله عليه وسلم في هدوئه ورفعته ينتظرهم ليفرغوا من تمثيلهم المبتذل ويتجاوز عنهم.
تخيل المنافقين إذا افتضح أمرهم أمام أي صالح يخشون سطوته... يأتون فيصطفون أمام هذا الصالح وقد تقاسموا الأدوار: فأحدهم يقسم بالله رافعا إصبعه الآثم إلى السماء، والآخر يقبض يديه ثم يمدهما مع بسط أصابعه إنكارا، والثالث يقاطع صاحبيه وهو يشير إلى صدره الأسود من الداخل مشهدا الله على ما في قلبه -في زعمه- وهو أكذب الكاذبين.
من حب وتعظيم الله ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: [والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون] [التوبة: 107].
وهكذا هم! سوء طوية وفساد نية، وادعاء عريض مع عمل بغيض: [وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون] [النور: 53].
فهم يقسمون بالله على استعدادهم للتضحية في سبيل الله والخروج للجهاد، ويتفننون في أيمانهم ليخادعوا المؤمنين. يقسمون على استعدادهم لطاعة الله ورسوله، لكنها طاعة معروفة! لا تتجاوز الدعاوى العريضة باللسان دون عمل يصدقها.
قال الله تعالى: [سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم...] [التوبة: 95].
وقال تعالى: [يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين] [التوبة: 62].
وقال تعالى: [يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون] [التوبة: 64].
فلا يخافون إلا الناس، ولا يبالون أن يكون ما بينهم وبين الله تعالى خرابا!
فالمؤمن بطهر قلبه وتعظيمه الله تعالى قد لا يتصور أن يوجد في الناس من يحلف بالله كذبا بهذه الصورة المبتذلة.
[ومن الناس من يعجبك قوله في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألد الخصام] [البقرة: 204].
أيعقل أن يكون في بني آدم من يقول: (أشهد الله أني مؤمن به مصدق لرسوله محب لدينه) وهو في الحقيقة عدو الله مبغض لدينه!؟ أيصل الاستخفاف إلى أن يشهد الله على ما في القلب ليتقي بطش المؤمنين، وهو يعلم أنه ما في القلب إلا العفن وسواد النفاق! أي استهزاء بالله هذا؟! [الله يستهزئ بهم ويمدهم في طغيانهم يعمهون] [البقرة: 15].
وهكذا هم: [يرضونكم بأفواههم وتأبى قلوبهم وأكثرهم فاسقون] [التوبة: 8].
فالمؤمن قد يرضى عن المنافق لحلاوة لسانه الموهمة بخلاف ما في قلبه.
[وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم] [المنافقون: 4].
لا بأس بالقوم من طول ومن عظم جسم البغال وأحلام العصافير، فأمرنا الله تعالى ألا نؤمن لهم ولا نصدقهم إذا ظهرت لنا منهم أمارات النفاق وخالفت أفعالهم أقوالهم، فإن تصديقهم حينئذ خطر: [قل لا تعتذروا لن نؤمن لكم قد نبأنا الله من أخباركم] [التوبة: 94].
فالمنافق لن يقف ليقسم بالله العظيم وبوجهه الكريم وبسلطانه القديم أنه يكره دين الله وأنه مخادع للمؤمنين، لكن لسان حاله ينطق بذلك، ولسان الحال أبلغ من لسان المقال.
من يدعي حب الحبيب ولم يفد من هديه فسفاهة وهراء فالحب أول شرطه وفروضه إن كان صدقا طاعة ووفاء
في أزمنة عزة المؤمنين وعلو شأنهم كان المنافقون لا يستعلنون بخبثهم، بل يتناجون به خفية: [ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان ومعصية الرسول] [المجادلة: 8].
أما في أيامنا هذه، فمع ضعف المؤمنين أصبح المنافقون، وأئمتهم خاصة، في أكثر الأحيان لا يحتاجون إلى ستر سوءاتهم. فالاستكبار على الدين ورفض أحكامه ونصرة الكفار أصبحت كلها من مقومات السيادة ومؤهلات الصدارة في كثير من مجتمعات المسلمين. وصارت حاجة المنافقين إلى الكذب بالقدر الذي يخدر غضب عامة المسلمين الذين ينخدعون بكلمات قليلة معسولة تظهر حب الدين، يطلقها المنافق وهو يسبح في وحل نفاقه الواضح لكل ذي بصيرة، إنما هو لا يريد أن يزعجه هؤلاء "الدراويش" إذا أغضبت سلوكياته وتصريحاته "المتنورة" عواطفهم الدينية "الساذجة" في نظره!
وهذا درك من العجب أن تنحط إليه نفس إنسانية! واستخفاف قبيح بعظمة الله تعالى! خاصة إذا تذكرنا أن هذه المحاولة البائسة ستكون يوم البعث عندما يكشف الغطاء فالبصر حديد ولا غيب يومئذ! قد عاين المنافق صدق ما كان يشك فيه وعلم أن الله هو الحق المبين. أمع هذا كله لا زال يكذب، بل يحلف كذبا! وليخادع من؟! ليخادع الله تعالى! ولا أرى لها تفسيرا إلا الطمس الكامل على البصيرة.
[يوم يبعثهم الله جميعا فيحلفون له كما يحلفون لكم ويحسبون أنهم على شيء ألا إنهم هم الكاذبون] [المجادلة: 18].
فبالهيئة المبتذلة نفسها يحلفون ويحسبون أن ذلك ينفعهم مع من يعلم السر وأخفى! فالمنافق ما وصل إلى هذا المستوى الدنيء إلا بكثرة تمرسه في الكذب في الدنيا... أدمن الكذب بل الحلف على الكذب فاستقر ذلك في قلبه ولم يبل مع الدفن وتعاقب القرون قبل البعث.
وانظر إلى هذا الحال العجيب الذي يصفه القرآن لبعضهم: [وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون] [البقرة: 76].
يقر فريق من منافقي اليهود بأن الله تعالى قد بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا ويذكرون نعته في التوراة المطابق للواقع، فيلومهم فريق آخر لأن هذا الإقرار يقوي حجة المؤمنين على المنافقين عند الله يوم القيامة. بل ويشتد هذا الفريق في النكير حتى يقول للأولين: "أفلا تعقلون!". وكأنهم يتكلمون عن إله غائب لا يسمعهم في هذا الحوار، بل ولن يطلع على ما في صدورهم حتى ولا يوم القيامة!
قال ابن عاشور في [ليحاجوكم به عند ربكم]: "وذلك يوم القيامة لا محالة، أي يجعلون ذلك حجة عليكم أمام الله على صدق رسولهم وعلى تبعتكم في عدم الإيمان به. وذلك جار على حكاية حال عقيدة اليهود من تشبيههم الرب سبحانه وتعالى بحكام البشر في تمشي الحيل عليه وفي أنه إنما يأخذ المسببات من أسبابها الظاهرية. فلذلك كانوا يرتكبون التحيل في شرعهم، وتجد كتبهم ملأى بما يدل على أن الله ظهر له كذا وعلم أن الأمر الفلاني كان على خلاف المظنون" اهـ.
فقال تعالى معجبا من سفاهتهم: [أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون وما يعلنون] [البقرة: 77].
وهذا القدر من الانحراف يحتاج تدربا واعتيادا طويلا على الكذب! فمخادعة للنفس، ثم مخادعة للناس، ثم مخادعة الله في الدنيا، ثم مخادعة الله يوم القيامة. وما ذلك إلا لأن قلوبهم قست ففقدوا الشعور: [يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون] [البقرة: 9].
اللهم فاعصمنا من الانحطاط إلى هذه الدركات.
فالدعاوى يستطيعها كل أحد، أما الأفعال فلا يثبت عليها إلا الصادقون، خاصة إذا كان فيها التضحية بالنفس والمال كما في الجهاد. لذلك تجد في سورة براءة أن الله تعالى فضح المنافقين وبين تخاذلهم عن الجهاد ثم قال تعالى:
[يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين * ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه] [التوبة: 119-120].
فالمؤمن الصادق يبرهن على صدق إيمانه بألا يضن بنفسه عن تضحية ضحاها رسول الله، وألا يتناءى بها عن معاناة ومشقة عاناها رسول الله صلى الله عليه وسلم. والمؤمن الصادق لا يقول لنفسه: "أيعقل وأنا صاحب الأملاك والعقارات وصاحب العقلية الذكية والمواهب الفريدة أن أعرضها للمخاطر؟!" [ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه]... فإذا كان مطلوبا منه تضحية في سبيل الله فإنه لا يربأ بنفسه عنها كما لم يضن رسول الله بنفسه.
وقال تعالى: [قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا] [الحجرات: 14].. إلى أن قال تعالى: [إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون] [الحجرات: 15].
فجعل الصدق -الذي هو ضد الكذب صفة المنافقين- في الإيمان الذي لا يخالطه شك وفي الجهاد.
وقال تعالى: [ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون] [البقرة: 177].
و(حين البأس) أي: عند مواطن القتال والشدة. وهذه الآية تنص على أن الذين صدقوا -في مقابلة المنافقين الذين كذبوا- هم أولئك الذين يأتون بهذه الأفعال. وقد رأينا، وسنرى فيما يأتي، أن المنافقين لا يأتون بها. فبدل الإيمان شك، وبدل إقام الصلاة تخلف عنها وإذا قاموا إليها قاموا كسالى، وبدل إيتاء الزكاة بيقين وانشراح لا ينفقونها إلا وهم كارهون، وبدل الوفاء بالعهد إخلاف وتولوا وهم معرضون، وبدل الصبر انتكاسة وجبن بحيث لو سئلوا الفتنة لآتوها وما تلبثوا بها إلا يسيرا ويكرهون أن يضحوا في سبيل الله.
الإنسان بطبعه يكره المشقات وتعريض النفس للهلاك، ولذلك قال تعالى: [كتب عليكم القتال وهو كره لكم] [البقرة: 216].
فليس هذا الكره الطبعي من النفاق. لكن المؤمن في المقابل يحب التضحية من حيث هي طاعة الله تعالى يؤجر عليها وتكون لها العاقبة الحسنة في الدنيا والآخرة. وهذه المحبة هي التي لا توجد عند المنافق.
كما أن حديثنا هنا ليس عن تضحية يشك المؤمن في كونها مفروضة عليه أو في أنها محبوبة إلى الله. فمثلا: مواجهة الظالمين وأعداء الدين باليد واللسان والسنان أمر محبوب للمؤمنين. ويظن بكثير منهم، حتى ممن يقارف الذنوب، أنهم مستعدون للتضحية فيها إذا كانوا مقتنعين بصحة هذه المواجهة وأنها مما يحبه الله ويرتضيه لهم. فإذا تكونت هذه القناعة فقد ترى من إقدامهم وشجاعتهم عجبا. لكنهم قد يترددون عن التضحية لشكهم في موثوقية الداعي إلى مثل هذه المواجهات أو صحة منهجه، ولغياب القدوات الموثوقة، ولخوفهم من أنها لن تزيد المسلمين إلا ضعفا وقهرا. فليس لأحد حينئذ أن يتهمهم بالنفاق وكراهية التضحية في سبيل الله.
أما المنافق فقد اجتمعت عليه ذنوبه حتى أمرضت قلبه فشك في الله والدار الآخرة. فكيف يتوقع منه أن يضحي حينئذ؟!
ولنأخذ مثالا كراهية الجهاد في سبيل الله والتخلف عنه، لنرى كيف أنه كما في العديد من صفات المنافقين، فهذه الكراهية والتخلف عن الجهاد ناتج عن الشك في الدين، والذي ينتج عن اتباع الهوى، والذي بدوره يستحكم في القلب المريض كلما أمرضه صاحبه بالمعاصي.
أما الذنوب، فقال الله تعالى: [فما لكم في المنافقين فئتين والله أركسهم بما كسبوا] [النساء: 88].
وقد روى البخاري أنها نزلت في المنافقين الذين رجعوا من جيش رسول الله المنطلق إلى أحد، فأبوا أن يتابعوا معه المسير إلى الجهاد. فالتخلف عن الجهاد إذن ثمرة الذنوب.
وقال تعالى: [إن الذين تولوا منكم يوم التقى الجمعان إنما استزلهم الشيطان ببعض ما كسبوا] [آل عمران: 155]. وهذه الآية وإن كانت نزلت في مؤمنين لا في منافقين، إلا أنها تدل على المعنى ذاته، من أن الذنوب التي يسلفها الإنسان أيام الراحة تجتمع عليه يوم الجهاد لتضعفه عن إرادة التضحية في سبيل الله تعالى.
وأما علاقة كراهية الجهاد بمرض القلب، فقال تعالى: [فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت فأولى لهم * طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم * فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم] [محمد: 20-22].
فمرض القلب يجبن عن القتال ويجعل صاحبه يفغر فاه ويصفر وجهه إذا علم بقرب المواجهة. وانظر ارتباط مرض القلب بالذنوب من إفساد في الأرض وتقطيع للأرحام.
وقال تعالى: [وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولوا الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين * رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع على قلوبهم فهم لا يفقهون] [التوبة: 86-87].
فترك الجهاد مقترن بالطبع على القلب، وهو أسوأ أشكال مرض القلب. فمرض القلب يقعد عن الجهاد، والرضا بالقعود عن الجهاد يزيد مرض القلب. والحديث هنا عن الرضا بالقعود، المشتمل على كراهية للتضحية في سبيل الله عن قلة إيمان وقلة يقين بالجزاء العظيم.
وأما علاقة كراهية الجهاد بالشك في الدين، فقال تعالى: [إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون] [التوبة: 45]. فهؤلاء استأذنوا الرسول صلى الله عليه وسلم لئلا يخرجوا لغزوة تبوك.
ولا عجب. فكيف يضحي إنسان بنفسه في سبيل قضية لا يؤمن بها؟! إن كانت التكاليف المطلوبة سهلة ميسورة فقد لا يجد المنافق بأسا أن يؤديها، على طريقة [وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى] [فصلت: 50]... فالمنافق قد يؤدي بعض التكاليف "احتياطا"، بحيث "في حال" ثبت أن هناك إلها وآخرة وجنة ونارا فها قد قدم ما قد ينجيه في ظنه، وفي حال أن ذلك كله لم يكن فهو لم "يخسر" كثيرا! أما أن "يغامر" بنفسه في سبيل ما لا يتيقن بوجوده، فالمنافق يضن بنفسه عن ذلك.
أ) فتارة يتعلل بعدم مناسبة الطقس! قال تعالى: [فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون * فليضحكوا قليلا وليبكوا كثيرا جزاء بما كانوا يكسبون] [التوبة: 81-82].
تصورهم معي وقد تواروا عن أنظار المؤمنين فتغامزوا ضاحكين من عذرهم الذي يعلمون سخفه.. فرد الله عليهم ردا يهز الكيان ويقشعر منه جلد من به روح: [قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون].
وليبكوا كثيرا... فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: ((إن أهون أهل النار عذابا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل، ما يرى أن أحدا أشد منه عذابا، وإنه لأهونهم عذابا)) (1).
فما بالك بمن هو في الدرك الأسفل من النار؟! لن يفرحوا يومئذ بمقعدهم! بل كأن النار تقول لهم: لا تنفروا في الحر! فها قد أتاكم إلى عندكم!
وانظر كيف قال الله تعالى: [فرح المخلفون].. وهذا فارق بين المؤمن والمنافق. فإن المؤمن قد يقع في معصية لشهوة، أو يكسل عن طاعة، لكنه مقر بذنبه كاره له لا يفرح به بل يندم عليه.. كما حصل مع كعب بن مالك وصاحبيه رضي الله عنهم عندما تخلفوا عن تبوك.
ب) وتارة يتعلل من في قلبه نفاق بعدم مناسبة الوقت للتضحية الواجبة في سبيل الله. فهو لا زال يريد أن يستمتع بالدنيا.. قال الله تعالى:
[ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولا تظلمون فتيلا] [النساء: 77].
وقد روى النسائي وغيره بسند صحيح عن ابن عباس ما يدل على أن هذه الآية شملت بعض الصحابة الصادقين الذين تمنوا الجهاد حقا لكنهم ضعفوا عند فرضه عليهم. لكن شتان بين هؤلاء الصحابة والمنافقين. فإن هذا فريق من الصحابة وإن كبا كبوة عارضة إلا أنهم بعد تذكير الله لهم استجابوا لله وللرسول فنهضوا شجعانا ولم يتخلفوا عن رسول الله بعدها، ومسحوا هذه الزلة العارضة بتاريخ أبيض ناصع من الصبر والثبات، لم يؤثر عنهم بعدها "لولا" ولا "ليت". وخير الخطائين التوابون.
أما المنافقون فإنهم لما دنت المواجهة وفرض القتال ضرب الخوف أطنابه في قلوبهم، فخشوا الناس أكثر من خشية الله وبقوا معترضين على قدر الله وأمره متسخطين عند كل اختبار قائلين في أنفسهم: (ربنا لم كتبت علينا القتال؟)! وأكبر همهم أن يتواروا عن أعين المؤمنين فلا يعلم نكوصهم عن الجهاد. فإذا خرجوا إليه كارهين فإنهم لا يأتون البأس إلا قليلا. وفي قتالهم هذا: [وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك] [النساء: 78].. أي من اتباعنا دين محمد.
ويبقى هذا الجبن والتسخط في قلب المنافق إلى أن يموت.
جـ) وتارة يتعلل ببعد المسافة عن أرض الجهاد: [لو كان عرضا قريبا وسفرا قاصدا لاتبعوك ولكن بعدت عليهم الشقة] [التوبة: 42].
فما عند المنافق من إيمان لا يكفي إلا لمسافة قصيرة... وبعد هذه المسافة ينفد وقوده الإيماني! ويا حبذا لو كان المنتظر من هذا الجهاد القريب غنيمة تستحق الخروج؛ فـ "جنة عرضها السماوات والأرض" لا تفعل في نفس المنافق فعل متاع من الدنيا قليل!
د) وتارة يتعلل بأن الجهاد سوف يفتنه وبأن طاعة الله ستنفره عن دين الله!: روى المفسرون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء تجهيزه لغزو الروم قال لرجل اسمه الجد بن قيس: ((هل لك يا جد العام في جلاد بني الأصفر؟)).. أي: ألا تخرج لتقاتل الروم؟ فقال: (يا رسول الله أو تأذن لي ولا تفتني فوالله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن). فأنزل الله: [ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني] [التوبة: 49].
وإن البعض قد يتعذر لنفسه في ترك أمر من أوامر الله بأنه إن فعل هذا الأمر فسينفر من الدين.. فيقول في نفسه: فلأبق على معصية فعلية خير لي من هذه الموبقة العقدية: النفرة من الدين. قد يقولها من يكتسب المال من الحرام ويخاف أن "ينزل مستوى معيشته"، وقد تقولها من لا تراعي الضوابط الشرعية في التعامل. وإنما يتعذر لنفسه بما ليس عذرا شرعيا ولا هو مكره.
فليحذر هؤلاء جميعا من قول الله تعالى: [ألا في الفتنة سقطوا] [التوبة: 49].
فهذا التعذر الأجوف هو عين الفتنة، كما أن ترك أمر الله فتنة، فكم نرى من تخذيل عن مواجهة الباطل ومخططات أعداء الأمة بحجة أن مواجهتهم تجلب الفتنة والويلات، بينما حقيقة الأمر أن الشباب الذين لم ينشؤوا التضحية في سبيل الله تأسن أرواحهم فيقعون في مستنقعات الشبهات والشهوات وهذا عين الفتنة.
هـ) وتارة يتعذر المنافق بأن وقوفه في خط المواجهة يهدد أمنه الداخلي: [ويستأذن فريق منهم النبي يقولون إن بيوتنا عورة وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا] [الأحزاب: 13].
فقد ادعى المنافقون أن بيوتهم قريبة من جيوش العدو فيخافون على أهليهم أو أموالهم.
وهكذا... إذا دهم العدو بلدا من بلاد المسلمين واستنصر المسلمون إخوانهم في البلاد الأخرى فإن المتخاذلين في البلاد الأخرى يرفعون شعار أن المحافظة على أمن بلدهم أولى من نصرة المسلمين المنكوبين، مع أنهم يقرؤون قول الله تعالى: [وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق] [الأنفال: 72].
و) وتارة يتعذر بالانشغال بالمال والأهل: [سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم] [الفتح: 11].
فهؤلاء تخلفوا حين أراد النبي صلى الله عليه وسلم السفر إلى مكة وأحرم بعمرة وساق معه الهدي، ليعلم أهل مكة أنه لا يريد حربا، فطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء الأعراب أن يخرجوا معه ليكثر المسلمون في عين عدوهم "كفار قريش" فلا يغدروا بهم.
فتثاقلوا عنه ولم يطيعوه صلى الله عليه وسلم. فأخبر الله تعالى أنهم سيتعذرون بالانشغال بالمال والأهل، وأنهم سيطلبون من النبي الاستغفار رياء ونفاقا، فهم لم يندموا على تخلفهم ولم يتوبوا إلى الله بقلوبهم.
فهذه أعذار المنافقين في ترك التضحية في سبيل الله! ظلمات بعضها فوق بعض.. حجج الخزي الجبان وادعاءات بطال كسلان. وهو مع ذلك كله يقسم: [وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن أمرتهم ليخرجن قل لا تقسموا طاعة معروفة إن الله خبير بما تعملون] [النور: 53].
طاعة مشروطة بشروط يعلم المنافق أنها لا تتحقق. فهو لا يريد التضحية في سبيل الله. فهو كمن قال:
أحمس في الوغى أبناء قومي ... وأحمي ظهرهم عند القتال فإن فروا سبقتهم جميعا ... وإن كروا فقد دبرت حالي ولي عزم يشق الماء شقا ... ويكسر بيضتين على التوالي
ومع هذا ترى المنافق "كريما" في الادعاءات. قال تعالى في المنافقين: [فإذا ذهب الخوف سلقوكم بألسنة حداد] [الأحزاب: 19]. قال ابن كثير: أي: "فإذا كان الأمن تكلموا كلاما بليغا فصيحا عاليا، وادعوا لأنفسهم المقامات العالية في الشجاعة والنجدة، وهم يكذبون في ذلك".
أي أنهم عند انتهاء المواجهة ينسبون لأنفسهم فضلا وشجاعة وتضحية كذبا منهم.
قال الله تعالى: [قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا] [الأحزاب: 18]. وقال تعالى: [وإن منكم لمن ليبطئن] [النساء: 72]. فيتباطأ هو في نفسه ويبطئ غيره عن الجهاد.
بل ويطعن المنافق في التضحية في سبيل الله نفسه ويعتبر تركها حكمة: [الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا] [آل عمران: 168].
وهذه الآية تحكي ما قاله المنافقون فيمن قتل من المسلمين يوم أحد، حيث قالوا: "لو سمعوا من مشورتنا عليهم في القعود وعدم الخروج في جيش المسلمين ما قتلوا مع من قتل".. ففي القعود السلامة!
يرى الجبناء أن العجز عقل ... وتلك خديعة الطبع اللئيم
بل ويستغل بعض المنافقين ما يصيب المؤمنين من ابتلاء في سبيل الله ذريعة للطعن في الدين ذاته: [يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا] [آل عمران: 154].
قال بعض المفسرين فيما أورده البغوي: أي: "لو كنا على الحق ما قتلنا ههنا". فهم اعتبروا ما أصاب المسلمين يوم أحد دلالة على بطلان الدين. فحساباتهم أرضية بحتة، لا يفهمون أن الله تعالى ينقي بذلك الابتلاء صف المؤمنين من شوائب المنافقين، ويتخذ شهداء يعلي لهم المنازل ويعظم لهم الأجور.
والمنافقون ادعوا بأن طاعة النبي صلى الله عليه وسلم في الخروج إلى المشركين سبب للمصيبة في أحد. والحق أن سبب المصيبة هو عصيان الرسول: [ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون] [آل عمران: 152].
ومع ذلك فالمنافقون يعكسون المسألة وينسبون المصائب التي تحل بالمسلمين إلى طاعة الله ورسوله! [وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك] [النساء: 78]. أي من قبلك (يا محمد) وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك (1)، ويقولون هذه من عند محمد، أساء التدبير وأساء النظر (2).
وقال الله تعالى: [يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم] [آل عمران: 156].
"ينهى الله تعالى عباده المؤمنين أن يشابهوا الكافرين الذين لا يؤمنون بربهم ولا بقضائه وقدره، من المنافقين وغيرهم، ينهاهم عن مشابهتهم في كل شيء، وفي هذا الأمر الخاص، وهو أنهم يقولون لإخوانهم في الدين أو في النسب: [إذا ضربوا في الأرض] أي: سافروا للتجارة [أو كانوا غزى] أي: غزاة، ثم جرى عليهم قتل أو موت، يعارضون القدر ويقولون: [لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا] وهذا كذب منهم" (1). فالكافر والمنافق لا يؤمن بالقدر، فيقول: "لو سمع هؤلاء كلامنا ولم يخرجوا لما ماتوا في السفر أو قتلوا في الغزو".
لذا ترى أن الله تعالى يحذرنا من هذا المنطق الكاذب في اعتبار ما يصيب المسلمين من ابتلاءات دلالة على بطلان قضيتهم ودافعا إلى التخاذل عن التضحية، ويرد على هذه الأقوال جميعا، على من قال: [لو أطاعونا ما قتلوا] [آل عمران: 168] وعلى من قال: [لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا] [آل عمران: 154] وعلى من قال: [لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا] [آل عمران: 156].
يرد عليهم وعلى كل متخاذل مخذل جزع عند نزول القضاء، لائم لساداته من المؤمنين النبلاء، يرد الله تعالى بأجمل رد وأفصح بيان: [قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم] [آل عمران: 154]، [ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون] [آل عمران: 157]، [قل فادرءوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين] [آل عمران: 168].
فالموت سيحصد الشجاع والجبان: غير أن الفتى يلاقي المنايا ... كالحات ولا يلاقي الهوانا وإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العار أن تموت جبانا
لكن شتان بين طريقة موت كل منهما.. وشتان بين الذكرى التي يتركها كل منهما.. وشتان بين المآل والمصير.
قدمنا بأن كثيرا منا نحن المسلمين يتردد في التضحية ليس لأن لديه نفاقا، وإنما لعدم قناعته بأن هذه التضحية محبوبة إلى الله تعالى، ولقلة القدوات وعدم وضوح الطريق. لكن هل هذا كله عذر لنا؟ أم أن علينا أن نبرهن لله تعالى على صدق نياتنا بتقديم التضحيات الأصغر، كترك المنكرات والمألوفات المحرمة لوجهه تعالى، وعقد النية على أننا مستعدون لتقديم التضحيات الكبيرة التي نؤمن بأن الله يحبها عند حلول وقتها؟
ثم كيف نرجو أن يبصرنا الله بأن هذه التضحية أو تلك محبوبة له أو غير محبوبة، إذا كنا لا نتقي الله في منكرات نمارسها، مع أن التضحية بها أهون بكثير من التضحيات العظمى الموصوفة في قوله تعالى: [إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة] [التوبة: 111].
كيف نرجو منه أن يبصرنا وهو سبحانه القائل: [يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا] [الأنفال: 29].. بصيرة في قلوبكم تفرقون بها بين الحق والباطل وما يحبه الله ويبغضه الله، تفرقون بها بين الحكمة والجبن، وتفرقون بها بين الشجاعة والتهور. وكيف نرجو منه تعالى أن يهدينا إلى سبل التضحية التي ترضيه إذا كنا لا نجاهد أنفسنا في المنكرات ونحن نسمع قوله تعالى: [والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين] [العنكبوت: 69]. فإذا جاهدنا أنفسنا وشهواتنا في الله تعالى فإنه سبحانه بفضله يبصرنا بطرق التضحيات التي تبوئنا مكانة العزة والكرامة في الدنيا والجنة في الآخرة.
كثيرا ما يتعذر المنافقون لأنفسهم بأنهم يتمنون في أنفسهم أن يجاهدوا لكن الفرصة غير مواتية. قال الله تعالى: [ولو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة] [التوبة: 46].
فلو كان تمنيهم هذا صادقا لظهر في أعمالهم. لكنهم لما وهنوا أمام الشهوات مرضت قلوبهم فأصبح خروجهم خطرا على المؤمنين الصادقين، لأن المنافق الذي استسلم للشهوات والشبهات لا يظن به أن يقف شجاعا عند الحاجة إلى التضحيات. وحري به أن يستزله الشيطان ببعض ما كسب فينكص ويخلخل صفوف المؤمنين. لذا كره الله انبعاثهم: [ولكن كره الله انبعاثهم فثبطهم وقيل اقعدوا مع القاعدين] [التوبة: 46].
وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم غياب النية الصادقة للجهاد أمارة للنفاق: ((من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق)) (1).
فليبرأ المؤمن لنفسه من هذه الشعبة بأن يوطن نفسه على الاستعداد للتضحية في سبيل الله ويدعو الله تعالى أن يهيئ له سبلها ويترك المعاصي التي تحول دونها. فإنه إن فعل ذلك فمات حتف أنفه بلغ المنازل العالية بعمل قلبه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من سأل الله الشهادة من قلبه صادقا بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه)) (1).
وقال عليه الصلاة والسلام: ((إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم)). قالوا: "يا رسول الله وهم بالمدينة؟" قال: ((وهم بالمدينة؛ حبسهم العذر)) (2).
فهؤلاء تمنوا صادقين أن يجاهدوا في غزوة تبوك لكنهم ما استطاعوا لمرض أو انعدام الإمكانيات المادية، فأثابهم الله الكريم ثواب المجاهدين لصدقهم، لأنهم لما لم يجدوا ما ينفقون تولوا وأعينهم تفيض من الدمع... فهم تشتاق أرواحهم إلى ساحات التضحية في سبيل الله تعالى.
بينما الذم هو للمنافقين الذين توفرت لديهم أسباب البذل في سبيل الله فرضوا بالدنية.. [إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء رضوا بأن يكونوا مع الخوالف وطبع الله على قلوبهم فهم لا يعلمون] [التوبة: 93].
فاللهم ارزقنا شهادة في سبيلك وقبلها نية صادقة نبرأ بها من النفاق.
(1) البخاري ومسلم. (2) الطبري. (1) تفسير السعدي. (1) مسلم وأبو داود والترمذي وابن ماجة. (2) البخاري.
وهذه ايضا لها ارتباط بصفة الشك في الدين عند المنافق، وتزداد كلما ضعف اليقين. فالمحافظة عليها تحتاج يقينا. قال الله تعالى: "واستعينوا بالصبر والصلاة وانها لكبيرة الا على الخاشعين الذين يظنون انهم ملاقوا ربهم وانهم اليه راجعون" [البقرة: 45-46].
و(يظنون) في هذه الاية بمعنى يوقنون كما في ايات عديدة اخرى. فالصلاة ثقيلة، الا على الذين يوقنون بيوم اخر يلاقون فيه ربهم فيجزيهم على صبرهم على تكاليف الصلاة جزاء عظيما.
اما المنافقون فانهم يشكون في هذا اليوم الاخر او لا يصدقون به اصلا، فثقلت عليهم الصلاة لذلك. ففيها تفريغ اوقات واستيفاء لشروط لصحتها وانقطاع عن التفكير بالدنيا التي لا يؤمنون الا بها.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ان اثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر. ولو يعلمون ما فيهما لاتوهما ولو حبوا ولقد هممت ان امر بالصلاة فتقام ثم امر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق معي برجال معهم حزم من حطب الى قوم لا يشهدون الصلاة فاحرق عليهم بيوتهم بالنار) [البخاري ح 617 (3/46) ومسلم ح 1041 (3/380)].
ولماذا صلاتا العشاء والفجر؟ لان المنافقين لا يراهم فيهما الا الله تعالى! هم في غيرهما من الصلوات يدفعهم الى المساجد تجنب الاحراج مع المؤمنين، كما انهم مستيقظون في اوقات هذه الصلوات على كل حال. فلا بأس والحال كذلك ان يصلوا... فإن كانت اخرة وجنة ونار فلم يخسروا شيئا بصلواتهم هذه! اما العشاء والفجر، فوقتا عتمة، قد يصعب ان يميزهم فيهما المؤمنون احضروا ام غابوا. ثم في هذين الوقتين لا بد من التضحية بالنوم، وساعة نوم اهم عند المنافق من جنة عرضها السماوات والارض! فالجنة عنده "محتملة" وليست باليقين الذي يضحى من اجله! ولان يعيش في احلام سعيدة احب اليه من ان يقوم ليعمل في سبيل غيب يشك فيه!
(ولو يعلمون ما فيهما) لو كانوا يوقنون بالمعاد وحسن الجزاء... لاتوهما ولو حبوا... كما هو حالهم في شأن الدنيا... يحبون خلفها على الايدي والارجل بل ويلهثون لادنى عرض فيها.
قال عليه الصلاة والسلام في حديث اخر: (والذي نفسي بيده لو يعلم احدهم انه يجد عَرْقاً سميناً او مرماتين حسنتين لشهد العشاء) [البخاري (644)].
فالمنافق لو علم انه باتيانه المسجد يكسب عَرْقاً سميناً او حتى ما بين ظلفي الشاة من اللحم (مرماة) لاتى العشاء! اما جنة عرضها السماوات والارض فلا تفعل في نفسه مقدار ما تفعله قطعة لحم صغيرة!
وفي ايامنا هذه... فكر... ماذا يكون حال مسجد في حي مكتظ بالسكان تدخله عشاء وليس فيه الا صفان او ثلاثة... ماذا يكون حاله لو اعلن ان بعد الصلاة "طبيخا" فاخرا او ان مبلغا من المال سيوزع على الحاضرين؟ كم من الخلق يحضر؟
ولا يعني هذا ان كل من لم يحضر صلاة الفجر في جماعة فهو منافق، لكن الامر كما ذكرنا في المقدمة درجات. فمن حرص على صلاة الجماعة فقد استبرأ لنفسه من النفاق من هذه الناحية. ويجدر التنبيه هنا الى ان هذا لا ينطبق على اصحاب الاعذار بما فيهم من الجأتهم احوال بلادهم والملاحقات الظالمة الى التواري عن الانظار.
وفي المقابل، هناك اناس في زماننا يمتهنون المواظبة على الصلوات لرصد المصلين وتتبع عوراتهم. فالذي يأتي بهم للصلاة ليس الاجر المنتظر من الله، بل متاع من الدنيا هو كالعرق السمين والمرماتين الحسنتين!
فالمؤمن يقوم الى الصلاة بنشاط، مخلصا، حريصا على الصلاة في الجماعة، ويطمئن في ادائها. واما المنافق فهذه الصفات عنده معكوسة كما يلي:
للحديث الذي اسلفنا ولقول عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: (من سره ان يلقى الله غدا مسلما فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن. فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وانهن من سنن الهدى. ولو انكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم. وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد الى مسجد من هذه المساجد الا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة. ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها الا منافق معلوم النفاق. ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين الرَّجُلَيْنِ حتى يقام في الصف) [مسلم (654)].
فانظر كيف ان الصحابة كانوا يحرصون على ادائها في جماعة، حتى المريض المعذور منهم، فيأتي الجماعة متكئا على رجلين ما يستطيع ان يمشي وحده لمرضه او كبر سنه.
فانك لتسمع من يتعذر لنفسه عن ترك الصلاة بانه لا يجحدها وانما هو الكسل! ولا يعلم انه بقوله هذا شابه المنافقين! فهو ان نجا من الكفر على قول من لا يرى بكفر تارك الصلاة، فقد وقع بتركه الصلاة كسلا في خصلة من خصال النفاق. قال الله تعالى: "ان المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم واذا قاموا الى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله الا قليلا" [النساء: 142].
فقول احدهم: "اتركها كسلا" ادانة له لا عذر. فالمنافقون قاموا احيانا الى الصلاة كسالى. اما هو فقد اقعده الكسل فما قام اصلا!
فإن قيل: "لكن في الاية صفة اخرى الا وهي انهم يراءون الناس، بينما الذين يتركون الصلاة كسلا كثير منهم اذا نشطوا للصلاة احيانا لم ينشطوا لها رياء".. فنقول: نعم، لكنهم حين يكسلون يكونون مشابهين في كسلهم للمنافقين. فليبرؤوا لانفسهم من هذه المشابهة.
فقد قال الله تعالى: "يراءون الناس"... وهذا الرياء في الصلاة مرض خفي يظهر بدرجات متفاوتة. فقد لا يكون الدافع الى الصلاة ابتداء الرياء عند بعضنا، لكنه يحسن الصلاة اذا كان بين الناس اكثر مما اذا خلا بربه عز وجل. وقد يكون هذا لنشاط في العبادة يحس به المسلم بين اخوانه، وفي المقابل قد يكون احيانا من الرياء.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى اذا كانت بين قرني الشيطان -اي: قاربت على الغروب- قام فنقرها اربعا لا يذكر الله فيها الا قليلا) [مسلم (622)].
وكم ترى من المسلمين اسراعا في الصلاة فلا يطمئنون بين السجدتين ولا بعد القيام من الركوع.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (بشر المشائين في الظلم الى المساجد بالنور التام يوم القيامة) [رواه ابو داود (561)، والترمذي (223)، وابن ماجة (780)، وابن خزيمة (1498)، والحاكم (768)].
فهذا النور التام هو الذي سيمكنهم من العبور على الصراط مخلفين وراءهم المنافقين بلا نور: "يوم لا يخزي الله النبي والذين امنوا معه نورهم يسعى بين ايديهم وبايمانهم" [التحريم: 8]. "يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين ايديهم وبايمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم" [الحديد: 12].
مشوا في ظلمات الليل فاثابهم الله تعالى نورا يوم تشتد الحاجة الى النور.
وفي المقابل: "يوم يقول المنافقون والمنافقات للذين امنوا انظرونا نقتبس من نوركم قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورا" [الحديد: 13].
يريدون التطفل على المؤمنين ونوال الجنة بلا عمل! لكن هيهات.. اكتسب المؤمنون النور بمشيهم في الظلم. اما انتم ايها المنافقون فعلى اي شيء تمنحون النور؟! ارجعوا فالتمسوا في شككم وريائكم وكسلكم.. طالب اللؤلؤ في رمال الصحراء.. فيضرب السور وتنجلي الحقائق وتجزى كل نفس بما كسبت.
فقد قال عليه الصلاة والسلام: (من سمع النداء يوم الجمعة فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، ثم سمعه فلم يأتها، طبع الله على قلبه وجعل قلبه قلب منافق) [سبق تخريجه].
والطبع على القلب شر عقاب دنيوي، فلا يعود صاحبه يستقبح معصيته. فأنى له اذن ان يتوب؟!
قال الله تعالى: "وما منعهم ان تقبل منهم نفقاتهم الا انهم كفروا بالله وبرسوله ولا يأتون الصلاة الا وهم كسالى ولا ينفقون الا وهم كارهون" [التوبة: 54].
وقال تعالى: "فلما اتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون" [التوبة: 76].
ولا غرابة... فالزكاة والصدقة عند المنافق خسارة محضة، اذ هو لا يؤمن بجزائها الاخروي. لذا ترى ان رسول الله صلى الله عليه وسلم جعل الصدقة برهانا على صحة الايمان فقال: (والصدقة برهان) [مسلم (223)].
وكما انها برهان على الايمان فانها تزيده كذلك. فالمؤمن حين يهم باخراج الصدقة يستجمع ايمانه ويستذكر الاخرة ليقاوم تخذيل الشيطان. فيزداد ايمانا وثباتا بذلك. قال الله تعالى: "ومثل الذين ينفقون اموالهم ابتغاء مرضات الله وتثبيتا من انفسهم كمثل جنة بربوة" [البقرة: 265].
بالاكثار من ذكر الله تعالى. فقد قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "ان الله قسم بينكم اخلاقكم كما قسم بينكم ارزاقكم، وان الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الايمان الا من احب. فمن ضن بالمال ان ينفقه، وخاف العدو ان يجاهده، وهاب الليل ان يكابده، فليكثر من قول: سبحان الله، والحمد لله، ولا اله الا الله، والله اكبر" [أخرجه البخاري في الادب المفرد (275)].
فالبخل بالمال والخوف من مجاهدة العدو واستثقال قيام الليل اقرب الى النفاق منه الى الايمان. وفيه شيء من نسيان الله تعالى. الم تر الى قوله عز وجل: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون ايديهم نسوا الله فنسيهم" [التوبة: 67].
(ويقبضون ايديهم): اي يمتنعون عن ايصال الخير لغيرهم، ومنه الانفاق في سبيل الله. فلما نسوا الله ثقل عليهم الانفاق في سبيله. (فنسيهم) من رحمته، اي عاملهم معاملة المنسيين، فلا يوفقهم لخير ولا يدخلهم الجنة.
فمن علاجات هذا النسيان لله، والمؤدي الى ثقل الطاعات على النفس، من علاجاته ذكره سبحانه بالقلب واللسان، واستحضار مركزية طاعته في حياتك كمؤمن، ومركزية الدار الاخرة، وذكر الهدف من الحياة وسبب وجودك على هذه الارض، وانك راجع اليه سبحانه، وذكر مرجعية شريعة الله وامره ونهيه في كل جزئية من جزئيات حياتك.
فمن سيطر عليه هذا الذكر نشط في الطاعات. قال ابن القيم رحمه الله: "للعبد رب هو ملاقيه، وبيت هو ساكنه، فينبغي له ان يسترضي ربه قبل لقائه، ويعمر بيته قبل انتقاله اليه".
ومن علاجات ثقل الطاعات على النفس النظر في سير الاولين من الصحابة رضي الله عنهم، فبسيرهم ترتفع الهمم. وننصح في ذلك بقراءة كتيبنا "بهم فاقتدوا".
روى البخاري ومسلم عن ابي سعيد الخدري ان رجالا من المنافقين في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا اذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم الى الغزو تخلفوا عنه، وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم اعتذروا اليه، وحلفوا واحبوا ان يحمدوا بما لم يفعلوا، فنزلت: "لا تحسبن الذين يفرحون بما اتوا ويحبون ان يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب" [آل عمران: 188].
فما اكتفى المنافق بأن تكاسل عن الطاعات، بل يحب ان يمدحه الناس على اشياء لم يفعلها اصلا، فيتظاهر ويتصنع ليحمد بما لم يفعل.
وكثير منا نحن المسلمين هذه الايام يكثر الكلام على مواقع التواصل بما يستوجب المدح، ويرسم لنفسه صورة مشرقة خلاف واقعه. فلنتذكر حديث اسماء رضي الله عنها في الصحيحين ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (المتشبع بما لم يعط، كلابس ثوبي زور). ولنحذر من ان نقع بذلك في هذه الصفة النفاقية من حيث نشعر او لا نشعر.
قال تعالى: "المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف" [التوبة: 67].
فأيما رجل او امرأة دعا الى منكر وثبط عن طاعة فليعلم انه تلبس بصفة من صفات المنافقين. ايما شاب دعا صاحبه الى معصية، او خذله عن طاعة محبوبة لله، فليعلم ان هذا نفاق.
وقال تعالى في وصف المنافقين: "الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون الا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب اليم" [التوبة: 79].
فهؤلاء المنافقون تخاذلوا عن الانفاق لتجهيز جيش العسرة لكنهم سارعوا الى اللمز في المؤمنين! قعدوا يتربصون: فمن جاء بصدقة كبيرة قالوا انما فعلها رياء، ومن جاء بصدقة صغيرة على فقر حاله ينتزعها من افواه اولاده نصرة لدين الله سخروا من صدقته الصغيرة في اعينهم، الكبيرة في ميزان الله تعالى.
كان احدهم يرى نفسه بين الجبال الشم.. ولا يسعفه شكه وكسله ليرتقي الى قممهم ويبني مجدا كالذي بنوه.. فلا يرى سبيلا لتقليص الفارق بينه وبينهم الا ان يتطاول على من هم خير منه ويزدريهم لينزلوا الى مستواه في اعين الناس!
فيا من لم ترتق بنفسك في الطاعات وترك المنكرات، اياك ان تفرط في حرصك على الا تنهى الناس عن طاعة ولا تدعوهم الى معصية ولا تستهزئ بالطائعين. فذلك ارجى لك عند الله ان يرحمك فيجبر نقصك في الدنيا والاخرة.
وهذه بلية عظمى تشل ارادة المنافق عن نصرة الدين. فهو يرى ان قضية الدين خاسرة. فعلام يتعب من اجلها؟! قال الله تعالى: "ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء" [الفتح: 6].
فالمنافق لما كانت حساباته ارضية ورأى قوة الكفار وانتفاشهم، ظن ان الاسلام هالك وان الله تعالى لن ينصر دينه. وهذا ظن سوء يمقت الله. لذا كان جزاؤهم: "عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم واعد لهم جهنم وساءت مصيرا" [الفتح: 6].
كلمات يظهر فيها شدة غضب الله على من اساء الظن فيه تعالى بان يظن ان الله يخذل دينه ولا يظهره، وان رسول الله وطائفة المؤمنين يهلكون في الحرب فلا تقوم للاسلام بعدهم قائمة. قال تعالى بعدها بآيات: "بل ظننتم ان لن ينقلب الرسول والمؤمنون الى اهليهم ابدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا" [الفتح: 12].
فالمنافق ينظر الى الكفار فيرى لديهم قوة مادية ينخلع لها قلبه، ثم يلوي عنقه فينظر الى المؤمنين فلا يجد لديهم الا عدة ضئيلة هي غاية ما استطاعوه، لكنهم مع ذلك مهللون مكبرون مستبشرون موقنون بنصر الله. فيضحك المنافق منهم قائلا: هؤلاء المساكين يعتقدون ان دينهم ينصرهم على اصحاب العدد والعتاد؟!..
"إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم" [الأنفال: 49].
فالشاك في نصر الله تنهزم نفسيته وتخور عزيمته وتنشل ارادته.. خاصة اذا انضم اليه شك في اليوم الاخر الذي ينصر فيه الله عباده على اعدائه تمام النصر: "إنا لننصر رسلنا والذين امنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد" [غافر: 51].
فتراه بعد ذلك ينكص عن التضحية في سبيل الله.. فعلام يضحي ان كان الاسلام هو الخاسر عنده؟! وتراه يكذب على المؤمنين ليعرضوا عنه ويدعوه ينسحب من المواجهة مع الاعداء. وتراه يسارع في طاعة الكفار على حساب دينه.. فهم الاقوى في نظره. وتراه يخلف العهد مع الله تعالى.. فهو كما شك في قدرة الله على نصر الدين يشك في عقوبة الله لمن نقض العهد.
افعال سوء هي جميعا ثمار مشؤومة للشك في نصر الله. قال الله تعالى واصفا حال المنافقين ايام غزوة الخندق: "واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا" [الاحزاب: 12]. شكوا في وعد الله ورسوله بالنصر..
فإلى ماذا قادهم هذا الاعتقاد الفاسد؟:
قال ابن كثير في وصف حال المنافقين في غزوة الاحزاب عند قوله تعالى: "واذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا": (اما المنافق، فنجم نفاقه -أي: ظهر نفاقه وانكشف- والذي في قلبه شبهة او حسيكة -أي: حقد-، ضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه؛ لضعف ايمانه وشدة ما هو فيه من ضيق الحال).
اهـ. وصدق. فقد قال معتب بن قشير المنافق: (كان محمد يعدنا ان نأكل كنوز كسرى وقيصر، واحدنا لا يقدر على ان يذهب الى الغائط) [سيرة ابن هشام].
وانظر كيف لم يجعل ابن كثير المنافقين ومرضى القلوب على درجة واحدة. فمنهم من كان منافقا صرفا ظهر نفاقه، ومنهم من كان ضعيف الايمان هو اقل سوءا من المنافقين الخلص لكن اظهرت شدة الموقف ما بقلبه من مرض وقلة يقين.
فالحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم كان يبشر المؤمنين بفتح البلاد وهو في هذا الوضع الصعب في يوم الخندق، يقينا بوعد الله الذي انبأه بما سيكون من فتحها. لذا قال الله في سورة الاحزاب بعدما ذكر حال المنافقين: "لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الاخر وذكر الله كثيرا" [الاحزاب: 21].
وقال في وصف المؤمنين الصادقين: "ولما رأى المؤمنون الاحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم الا ايمانا وتسليما" [الاحزاب: 22].
فلا يأس مع الايمان. الم تر الى قوله تعالى حكاية عن ابراهيم عليه السلام: "ومن يقنط من رحمة ربه الا الضالون" [الحجر: 56]. وقوله تعالى حكاية عن يعقوب عليه السلام: "ولا تيأسوا من روح الله انه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون" [يوسف: 87].
وكذا قال ابن مسعود تلميذ محمد صلى الله عليه وسلم: (الكبائر: الاشراك بالله والامن من مكر الله والقنوط من رحمة الله واليأس من روح الله) اي: اليأس من نصر الله.
فهذا الدين منصور... يضعف اهله لفترة من الزمن بمقدار تفلتهم منه. لكنه لن يجتث ولن يندرس. ولن تهلك امة محمد صلى الله عليه وسلم. والذي يحاول القضاء على الاسلام اسفه ممن ينقطع جوفه ويحمر وجهه وهو ينفخ على الشمس ليطفئ نورها!: "يريدون ليطفئوا نور الله بافواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون هو الذي ارسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون" [الصف: 8-9].
فهذا الدين منصور. قال عليه الصلاة والسلام: (بشر هذه الامة بالسناء والتمكين في البلاد والنصر والرفعة في الدين. ومن عمل منهم بعمل الاخرة للدنيا فليس له في الاخرة نصيب) [رواه احمد (21220)].
فالذي يعمل بعمل الاخرة من اجل الدنيا كأنه احس بأن قضية الدين خاسرة فلا حاجة الى التضحية من اجلها. فقال: "اذن اكسب بهذا العمل مكانة عند الناس لانال شيئا بدلا من الخروج صفر اليدين"!
وقال نبينا عليه الصلاة والسلام: (ليبلغن هذا الامر ما بلغ الليل والنهار. ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر الا ادخله الله هذا الدين. بعز عزيز او بذل ذليل: عزا يعز الله به الاسلام، وذلا يذل به الكفر) [رواه احمد (16957)].
فإلى كل من لا زال في شك من وعد الله بنصر دينه بعد هذا كله: "من كان يظن ان لن ينصره الله في الدنيا والاخرة فليمدد بسببٍ إلى السماء ثم لِيَقْطَعْ فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ" [الحج: 15].
اي: من كان سيئ الظن بالله، فيظن ان الله سيخذل دينه ونبيه... فليمدد بسبب الى السماء... فليربط حبلا على عنقه ويربط طرفه الاخر بسقف بيته (فما علاك فأظلك فهو سماء).. ثم ليقطع... ليخنق نفسه ويقطع عنها الهواء فيموت! او ليقطع حبلا ممدودا بحيث يهوي الى الارض فيتحطم.. فإن كان وعد الله لا يشفي صدر المنافق من الشك والهلع ولا يشفيه من الغيظ انه في زمرة المسلمين الذين لا يراهم منصورين، ولا يقطع امل الكافر في القضاء على الاسلام وغيظه منه، فلينظر المنافق والكافر اذا كان فعله هذا يمكن ان يذهب الغيظ ويفي بالغرض!
قال ابن عاشور: (ويحتمل ان تكون الاية مشيرة الى فريق اخر اسلموا في مدة ضعف الاسلام واستبطأوا النصر فضاقت صدورهم فخطرت لهم خواطر شيطانية ان يتركوا الاسلام ويرجعوا الى الكفر فزجرهم الله وهددهم بانهم ان كانوا ايسين من النصر في الدنيا ومرتابين في نيل ثواب الاخرة فإن ارتدادهم عن الاسلام لا يضر الله ولا رسوله ولا يكيد الدين وان شاءوا فليختنقوا فينظروا هل يزيل الاختناق غيظهم، ولعل هؤلاء من المنافقين).
واشار السعدي الى معنى لطيف اخر فقال: (ومعنى هذه الاية الكريمة: يا ايها المعادي للرسول محمد صلى الله عليه وسلم، الساعي في اطفاء دينه، الذي يظن بجهله، ان سعيه سيفيده شيئا، اعلم انك مهما فعلت من الاسباب، وسعيت في كيد الرسول، فإن ذلك لا يذهب غيظك، ولا يشفي كمدك، فليس لك قدرة في ذلك، ولكن سنشير عليك برأي تتمكن به من شفاء غيظك، ومن قطع النصر عن الرسول -إن كان ممكنا.- ائت الامر من بابه، وارتق اليه باسبابه. اعمد الى حبل من ليف او غيره، ثم علقه في السماء، ثم اصعد به حتى تصل الى الابواب التي ينزل منها النصر، فسدها واغلقها واقطعها، فبهذه الحال تشفي غيظك. فهذا هو الرأي والمكيدة. واما ما سوى هذه الحال فلا يخطر ببالك انك تشفي بها غيظك، ولو ساعدك من ساعدك من الخلق. وهذه الاية الكريمة، فيها من الوعد والبشارة بنصر الله لدينه ولرسوله وعباده المؤمنين ما لا يخفى، ومن تأييس الكافرين، الذين يريدون ان يطفئوا نور الله بافواههم، والله متم نوره، ولو كره الكافرون، اي: وسعوا مهما امكنهم).
فمعنى كلام السعدي ان في الاية اشارة الى انه لا احد يستطيع قطع النصر عن المؤمنين، اذ هو يتنزل من السماء.
فإن كنت يا اخي من المؤمنين لكنك يهولك ما ترى من انتفاش الباطل وتسلط اهله ولا يستوعب عقلك كيف يمكن ان ينصر الله دينه مع ان الاسباب المادية ليست في صالح الدين البتة فأقول لك ليطمئن قلبك: "ان ربي لطيف لما يشاء انه هو العليم الحكيم" [يوسف: 100].
اي: اذا اراد امرا قيض له اسبابا وقدره ويسره بطريقة لطيفة لا تخطر بالبال. فمن كرب شديد الى فرج عجيب، ومن ضعف الى عزة وتمكين. فهذه الاية تحكي ما قاله يوسف عليه السلام الذي نقله الله من ظلمة السجن الى مكانة عز ومجد وتصرف وحكم يتبوأ من الارض حيث يشاء، برؤيا أريها الملك!
وهو سبحانه بعد ذلك جعل فرعون يلتقط موسى من تابوت في البحر ويربيه في بيته ليكون هلاك فرعون وجنوده على يد موسى عليه السلام!
وهو سبحانه الذي القى الايمان في قلب نعيم بن مسعود يوم غدر بنو قريظة وحوصر المؤمنون من فوقهم ومن اسفل منهم فخذل نعيم بين المشركين واليهود.. ثم ارسل الله ريحا وكفى المؤمنين القتال.
وهو سبحانه الذي جعل "فاطميي" مصر يقتتلون فيستنجد بعضهم على بعض بنور الدين زنكي فيرسل صلاح الدين، لتبدأ رحلة تطهير مصر منهم وتنضم مصر المعادية الى دولة صلاح الدين فيحارب بها الصليبيين!
وهو سبحانه الذي جعل التتار يبيعون سيف الدين قطز في السبي بدراهم معدودة ليكون هلاكهم على يديه!
وهو سبحانه الذي جعل دولا "عظمى" تحاول استخدام بعض المسلمين لحرب الدول المنافسة لها، ثم اذا بها تسيخ اقدامها في رمال بلاد المسلمين هؤلاء حتى تضطر بعد عشرين عاما للخروج بطريقة مهينة.
وغير ذلك كثير. يمكر الكافرون فينقلب مكرهم عليهم، ويكون هلاكهم فيما ظنوه قوتهم: "ولا يحيق المكر السيئ الا باهله" [فاطر: 43]. "ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين" [الأنفال: 30].
يكيدون كيدا بشريا هزيلا في مقابل كيد جبار السماوات والارض سبحانه وتعالى: "إنهم يكيدون كيدا واكيد كيدا" [الطارق].
ينفقينفقون أموالهم في الصد عن سبيل الله فتنقلب عليهم: "إن الذين كفروا ينفقون اموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون" [الأنفال: 36].
فلا تشغل نفسك بـ "كيف يمكن ان ينصر الله دينه؟" ولكن اشغل نفسك بأن تكون من الطائفة المنصورة العاملة لهذا الدين وان تأخذ باسباب النصر الى اقصاها.. فيكون لك شرف الاسهام في نصر الامة ولو كان هذا النصر بعد مماتك. جعلني الله واياك منهم.
وننصح بقراءة كتابنا "بشائر" لنفي اليأس والإحباط والشك في وعد الله بالنصر للمؤمنين. فهذا كله ليس من صفات المؤمنين.
فالمنافق يشترط ان يجلب الاسلام له منفعة دنيوية عاجلة ليرضى به دينا. كيف لا وحدود بصيرته تقف عند المعاني الدنيا للدنيا، والجزاء الاخروي ليس في حساباته لانه يشك في الاخرة اصلا. قال تعالى واصفا المنافقين:
"ومنهم من يلمزك في الصدقات فان اعطوا منها رضوا وان لم يعطوا منها اذا هم يسخطون" [التوبة: ٥٨] ..
فقال الموتور المنافق للنبي صلى الله عليه وسلم: "يا رسول الله اعدل"! قالها جشعا وتطلعا الى ما ليس له بحق... وهكذا المنافق، يرضى عن الدين بمقدار ما يتحقق له من متاع دنيوي، لانه ما اسلم طمعا في رضوان الله ومعيته في الدنيا وجزائه الاوفى في الاخرة.
روى البخاري عن ابن عباس انه قال في تفسير قوله تعالى:
"ومن الناس من يعبد الله على حرف فان اصابه خير اطمان به وان اصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والاخرة ذلك هو الخسران المبين" [الحج: ١١]..
قال: "كان الرجل يقدم المدينة، فان ولدت امراته غلاما ونتجت خيله قال: "هذا دين صالح"، وان لم تلد امراته ولم تنتج خيله قال: "هذا دين سوء""! [البخاري ٤٧٤٢].
فالمتعوس اعتبر تحقق متاع الدنيا دلالة على صحة الاسلام، فاذا تعرض لابتلاء اعتبر ذلك دلالة على بطلان الاسلام!! فاي ضيق في الافق ومحدودية في النظرة!!
وكم نرى في واقع حياتنا من اناس يتسخطون على ربهم عند ادنى بلاء، وتسوء منهم بالله الظنون. فهؤلاء مدعو عليهم بالتعاسة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة ان اعطي رضي، وان لم يعط سخط. تعس وانتكس، واذا شيك فلا انتقش" [البخاري ٢٨٨٦].
فعبد الدرهم والدينار يتنقل بين المبادئ والمنهجيات بحثا عن المال والمنصب والجاه. وقد لا ينسلخ من الاسلام صراحة بل يغير ويبدل بهواه ويزعم ان ما هو عليه موافق للاسلام.. يلهث وراء بريق الحياة على يديه ورجليه، فلعل الاشواك تدخل في يديه ورجليه في سعيه هذا... واذ ذاك فـ (لا انتقش) ... اي لا خرجت منه الشوكة.
في المقابل يدعو صلى الله عليه وسلم في تتمة الحديث للمؤمن عبد الله، لا عبد الدنيا فيقول:
"طوبى لعبد اخذ بعنان فرسه في سبيل الله، اشعث راسه، مغبرة قدماه، ان كان في الحراسة كان في الحراسة، وان كان في الساقة كان في الساقة، ان استاذن لم يؤذن له، وان شفع لم يشفع"
فقد بدت علامات التضحية في سبيل الله في شعث راس هذا المؤمن وتغبر قدميه وامساكه بعنان الفرس ليتوجه به حيثما سمع نداء الجهاد، لكنه مع ذلك لم ينل شيئا من الدنيا، ولا حتى الاحترام من بعض من ينبغي منهم احترامه!.. فهو ان استاذن لم يؤذن له، وان جاء شفيعا لاحد رد مخذولا ولم يلتفت اليه ولا لشفاعته، اذ ليس له مكانة عند الناس ولا هو معروف بينهم..
فهل دفعه ذلك الى ان ينقلب على عقبيه ويترك الجهاد والتضحية؟ لا بل على العكس، يفعل ما فيه مصلحة المسلمين.. فاذا امر بان يسهر للحراسة والناس نيام استجاب ووقف حارسا امينا لجيش المسلمين.. واذا امر بان يتاخر في ذيل الجيش (الساقة) يجمع المتاع الساقط من افراد الجيش ويساعد من ابطا لعطب فيه او في ركوبته امتثل الامر.. وليس ذلك كله عن نقص عزة في نفسه! ابدا! ولكن لان هذا المؤمن لا يتعامل مع البشر وانما مع رب البشر سبحانه وتعالى.. ولا يبتغي الاجر والاكرام من البشر وانما يبتغى وجه ربه الاعلى..
فلسوف يرضى... فالنبي صلى الله عليه وسلم دعا له بـ (طوبى)، وهو دعاء له بالجنة. هكذا المؤمن، يقدم ويضحي، ولا يسخط ان لم يعجل الله له ما يريد في الدنيا وادخر له جزاءه الاوفى ليوم القيامة...
اما المنافق، فلا يريد ان يقدم شيئا الا اذا كان هناك مقابل مادي دنيوي! قال تعالى:
"سيقول المخلفون اذا انطلقتم الى مغانم لتاخذوها ذرونا نتبعكم" [الفتح: ١٥]
فهؤلاء تخلفوا عن عمرة الحديبية التي وعد الله من شهدها بمغانم خيبر.. فلما علموا ان خيبر ستفتح على المسلمين سارعوا يطالبون بالسماح لهم ان يشهدوا غزوة خيبر! لماذا؟ لان فيها الغنيمة! اما في الحديبية فلم يك ثمة غنيمة دنيوية موعودة فما حرصوا عليها.
فرد الله تعالى عليهم: "يريدون ان يبدلوا كلام الله" فاالله وعد مغانم خيبر لاهل الحديبية خاصة. ثم قال تعالى: "قل لن تتبعونا كذلكم قال الله من قبل فسيقولون بل تحسدوننا"
سيرمون المؤمنين بتهمة انهم يمنعونهم من الخروج الى خيبر استئثارا بالدنيا عنهم. فرد الله تعالى بوصف هؤلاء المخلفين انهم: "بل كانوا لا يفقهون الا قليلا".. ثم اعطاهم الله تعالى فرصة اخرى ليعدلوا نواياهم ويبرهنوا على استعدادهم للتضحية دون ضمان المقابل الدنيوي فقال:
"قل للمخلفين من الاعراب ستدعون الى قوم اولي باس شديد تقاتلونهم او يسلمون فان تطيعوا يؤتكم الله اجرا حسنا" [الفتح: ١٦]
.. قال الطبري في تاويل الاجر الحسن انه الجنة. وكان الله تعالى لم يضمن الغنيمة الدنيوية في هذه الفرصة للمخلفين كما ضمنها في خيبر للمؤمنين. فان كان هؤلاء المخلفون يرضون بالجنة برهنوا على ذلك بطاعة الله في النفير الى القوم اولي الباس الشديد. "وان تتولوا كما توليتم من قبل يعذبكم عذابا اليما" [الفتح: ١٦] لان ذلك يكشف عن حقيقة انكم لم تتوبوا وتصلحوا ما في قلوبكم.
وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بائعي الدين من اجل الدنيا بقوله: "بادروا بالاعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا، او يمسي مؤمنا ويصبح كافرا، يبيع دينه بعرض من الدنيا" [رواه مسلم ١١٨].
ومن كان هذا حاله في اشتراط المنفعة الدنيوية ليرضى بالاسلام دينا فلن يكون على استعداد لتحمل الاذى في سبيل الله. قال الله تعالى:
"ومن الناس من يقول امنا بالله فاذا اوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله" [العنكبوت: ١٠]...
فدعوى الايمان باللسان سهلة. لكنهم لما اوذوا في سبيل الله الذي ادعوا الايمان به تزلزلت قلوبهم وتركوا الدين الذي ادعوه، لان قلوبهم المريضة عظمت من شان هذا الاذى الدنيوي كانه مساو لعذاب الله الشديد في الاخرة! فاختاروا التنكر للاسلام ليسلموا من اذية الدنيا ولو ادى ذلك بهم الى عذاب الله. وليست المسالة انهم دفعوا عن نفسهم الاذى بينما قلوبهم مطمئنة بالايمان. فذلك امر ماذون به من الله الرحيم. وانما هم تنكروا للاسلام بقلوبهم.
وليتهم وقفوا عند هذا الحد، بل: "ولئن جاء نصر من ربك ليقولن انا كنا معكم" [العنكبوت: ١٠] ... فاذا ارتفعت الاذية وتحقق للمسلمين نصر عاد هؤلاء المنافقون الى دعوى الايمان لينالوا نصيبا من هذا الخير الدنيوي! يخادعون الله والذين امنوا... فقال الله تعالى:
"اوليس الله باعلم بما في صدور العالمين * وليعلمن الله الذين امنوا وليعلمن المنافقين" [العنكبوت: ١٠-١١]
فلا تزال البلايا تصيب الناس ليعرف بها المؤمن من المنافق. قال الله تعالى: "ما كان الله ليذر المؤمنين على ما انتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب" [آل عمران: ١٧٩].
المنافق بنظرته الدنيوية الضيقة لا تتطلع نفسه الى افاق الاخرة والحياة الابدية فيها. فلا يرضى بالعهد الذي عاهد عليه الله عباده المؤمنين اذ قال سبحانه:
"ان الله اشترى من المؤمنين انفسهم واموالهم بان لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون" [التوبة: ١١١].
واود هنا ان انقل عبارات عظيمة لابن القيم يصف بها داء سوء الظن بالله، وهذا الداء قرين النفاق في قلوب لم تعرف حق ربها عز وجل، فافترضت ان لها على الله "واجبات". فان انقصت شيئا من هذه الـ "واجبات" ساء ظنها بربها، وخرج ما كان في هذه القلوب من قيح وصديد فظهر على فلتات الالسن. ولا والله لا يكون هذا من قلب صفا وده لربه وعظم قدره.
قال ابن القيم: (فاكثر الخلق بل كلهم الا من شاء الله يظنون بالله غير الحق ظن السوء فان غالب بني آدم يعتقد انه مبخوس الحق ناقص الحظ وانه يستحق فوق ما اعطاه الله ولسان حاله يقول ظلمني ربي ومنعني ما استحق.. وهو بلسانه ينكره ولا يتجاسر على التصريح به. ومن فتش نفسه وتغلغل في معرفة دفائنها وطواياها راى ذلك فيها كامنا كمون النار في الزناد. فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده. ولو فتشت من فتشته لرايت عنده تعتبا على القدر وملامة له واقتراحا عليه خلاف ما جرى به، وانه كان ينبغي ان يكون كذا وكذا! فمستقل ومستكثر. وفتش نفسك هل انت سالم من ذلك؟ فان تنج منها تنج من ذي عظيمة ** والا فاني لا اخالك ناجيا)
فليعتن اللبيب الناصح لنفسه بهذا الموضع، وليتب الى الله تعالى وليستغفره كل وقت من ظنه بربه ظن السوء، وليظن السوء بنفسه التي هي ماوى كل سوء ومنبع كل شر.. فهي اولى بظن السوء من احكم الحاكمين واعدل العادلين وارحم الراحمين، الغني الحميد الذي له الغنى التام والحمد التام والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء في ذاته وصفاته وافعاله واسمائه.. وافعاله كذلك كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل واسماؤه كلها حسنى.
فلا تظنن بربك ظن سوء ** فان الله اولى بالجميل ولا تظنن بنفسك قط خيرا ** وكيف بظالم جان جهول وقل يا نفس ماوى كل سوء ** ايرجى الخير من ميت بخيل وظن بنفسك السوأى تجدها ** كذاك وخيرها كالمستحيل وما بك من تقى فيها وخير ** فتلك مواهب الرب الجليل وليس بها ولا منها ولكن ** من الرحمن فاشكر للدليل [من زاد المعاد بتصرف]
فقول ابن القيم: (فاقدح زناد من شئت ينبئك شراره عما في زناده) يعني به ان من عنده هذه الصفة النفاقية ان وضع على المحك بتعرضه لاختبار، فان سوء ظنه بالله وجزعه وقلة صبره ستظهر في سلوكاته وعلى صفحات وجهه وفلتات لسانه.
اما المؤمن فانه يثبت عند الشدائد، وهذا الثبات رزق يرزقه الله من كان يتقيه في ايام الرخاء. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تعرف الى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". والمنافقون ما اتقوا الله في رخائهم فما ثبتهم عند الشدة.
وننصح بقراءة كتابنا "حسن الظن بالله"، فهو باذن الله نافع في اعانة المؤمن على الرضا بقضاء الله وقدره وحسن ظنه بربه عند البلاء. نسال الله الرضا عند القضاء والثبات في الامر واذا اراد فتنة في القوم ان يقبضنا اليه غير مفتونين.
لا عجب ان يجبن المنافق. فشكه في الله وفي الدار الاخرة يمنعه من استمداد العزة من رب العزة سبحانه وتعالى: "ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون" [المنافقون: ٨].
والمنافق في ذلك اذل من بعض الكفار والمبطلين الذين يدافعون عن مبادئ ويوهمون انفسهم بصحتها فتكون- على بطلانها- رمزا لهم يستمدون منه القوة. اما المنافق فلا مبدا له... فلا هو كسب العزة الحقيقية في كنف الله عز وجل، ولا العزة الموهومة من المبادئ الباطلة. ولذا تراه يعيش حالة رعب مستمرة، يظن في كل لحظة انه ماخوذ بجريرة السوء الذي تنطوي عليه نفسه: "يحسبون كل صيحة عليهم" [المنافقون: ٤] تماما كالجاني المخفي لجريمته يسير في الطرقات وكلما سمع صيحة ظنها النهاية.
والمنافق ممزق النفس... فهو يعيش بين المسلمين ولا يامنهم ان يكشفوا حاله فيحلف لهم انه معهم قلبا وقالبا: "ويحلفون بالله انهم لمنكم وما هم منكم ولكنهم قوم يفرقون" [التوبة: ٥٦] ... اي: يخافون منكم ايها المؤمنون. ثم قال تعالى:
"لو يجدون ملجا او مغارات او مدخلا لولوا اليه وهم يجمحون" [التوبة: ٥٧]
اي: يتمنى المنافقون لو يفرون من المؤمنين الى مكان يلتجئون ويعتصمون به او الى مغارة في جبل او سرداب او نفق في الارض.. كل هذا ليتخلصوا من حالة الذعر المستمر.. لكنهم لم يفروا.. لماذا؟ لان معايشهم واموالهم واهليهم في الاماكن التي فيها المؤمنون..
وتامل معي حرص المنافق على اية حياة.. حتى ولو حياة ذل ومهانة.. لا باس، المهم ان يعيش! حتى ولو في مغارة او مدخل (اي سرداب) مظلم تحت الارض.. هناك مع الخفافيش في الظلام.. لا باس.. فلقد تعود على حبك المؤامرات على المسلمين في الظلام كالخفافيش، وتعود على مصارحة اخوانه المنافقين بشكه في الدين واستهزائه بالمؤمنين خفية كالخفافيش.. وقلبه مظلم من النفاق كظلمة الانفاق.. فلم لا يعيش مع الخفافيش؟!
ثم تامل معي حال هذا المنافق الذي لم يبق مع المسلمين الا حرصا على الدنيا.. تامل حاله اذا اخبر بان عليه الاستعداد لخطر من الخارج يدهم المسلمين! سيزداد تمزق قلبه وحيرته. قال الله تعالى واصفا حالهم في هذه اللحظات: "فاذا جاء الخوف رايتهم ينظرون اليك تدور اعينهم كالذي يغشى عليه من الموت" [الاحزاب: ١٩]
وقال تعالى: "فاذا انزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رايت الذين في قلوبهم مرض ينظرون اليك نظر المغشي عليه من الموت" [محمد: ٢٠]
ذعر ما بعده ذعر! يصيب عند التضحيات كل من مرض قلبه بالشك في الدين والحرص على عيشة الذل.
فليعلم كل من وجد في نفسه رضا بالجبن والمذلة انه مشوب بالنفاق... وهذا للاسف حال كثيرين اليوم، يحرصون على حياة، اية حياة.. ويخافون من اداء حقوق الله في موالاة المؤمنين والتبرؤ من الكافرين والمنافقين واظهار البراءة منهم.. كل هذا حرصا على الحياة، وبئست الحياة حياة الذل:
ذل من يغبط الذليل بعيش ** رب عيش اخف منه الحمام من يهن يسهل الهوان عليه ** ما لجرح بميت ايلام
لا يدرك هؤلاء انهم ان لم يؤدوا ضريبة الكرامة ماجورين أعزاء النفوس فانهم سيؤدون ضريبة الذل لا محالة موزورين ذليلين. ومن اجمل ما قرات في ذلك قول سيد قطب رحمه الله:
(ان للذل ضريبة كما ان للكرامة ضريبة. وان ضريبة الذل افدح في كثير من الاحايين. وان بعض النفوس الضعيفة ليخيل اليها ان للكرامة ضريبة باهظة لا تطاق، فتختار الذل والمهانة هربا من هذه التكاليف الثقال، فتعيش عيشة تافهة رخيصة، مفزعة قلقة.. تخاف من ظلها وتفرق من صداها.. يحسبون كل صيحة عليهم، ولتجدنهم احرص الناس على حياة.
هؤلاء الاذلاء يؤدون ضريبة افدح من تكاليف الكرامة.. انهم يؤدون ضريبة الذل كاملة.. يؤدونها من نفوسهم ويؤدونها من اقدارهم، ويؤدونها من سمعتهم ويؤدونها من اطمئنانهم، وكثيرا ما يؤدونها من دمائهم واموالهم وهم لا يشعرون.
انه لابد من ضريبة يؤديها الافراد وتؤديها الجماعات وتؤديها الشعوب.. فاما ان تؤدى هذه الضريبة للعزة والكرامة والحرية، واما ان تؤدى للذلة والمهانة والعبودية. والتجارب كلها تنطق بهذه الحقيقة التي لا مفر منها ولا فكاك) انتهى كلامه رحمه الله.
ومن هنا فان من اكبر الجنايات على الاسلام محاولة ايهام الناس بان دينهم يرضى لهم الذل.. وهذه الجناية كثيرا ما تمارس هذه الايام من اناس اوتوا نصيبا من كتاب الله والعلم باحاديث سيد الشرفاء صلى الله عليه وسلم. حتى ان السامع لهم ليخيل اليه انهم اطلعوا على وحي نسخ آيات واحاديث العزة!
"فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين": ان اللغة الكسيرة الذليلة التي يربى عليها المسلمون في ايامنا اماتت معنى كثير من الآيات والاحاديث في قلوبهم. فاين قول الله تعالى: "فلا تخشوا الناس واخشون" [المائدة: ٤٤]
وان لم يكن ديننا دين العزة والشجاعة فما معنى قوله تعالى: "انما ذلكم الشيطان يخوف اولياءه فلا تخافوهم وخافون ان كنتم مؤمنين" [آل عمران: ١٧٥]
وان لم نكن مامورين بالشجاعة والحزم في انكار المنكر فلمن قوله تعالى: "الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون احدا الا الله وكفى بالله حسيبا" [الاحزاب: ٣٩]
وان كانت اقامة الشعائر كافية مع ذل النفوس فما معنى قوله تعالى: "انما يعمر مساجد الله من امن بالله واليوم الاخر واقام الصلاة واتى الزكاة ولم يخش الا الله" [التوبة: ١٨]
فالى كل من ادعى انه على منهاج النبوة.. اياك ان تلبس منهاج النبوة ثوب المذلة بلغتك الكسيرة! فسيد الشرفاء صلى الله عليه وسلم هو القائل: "الا لا يمنعن رجلا مخافة الناس ان يقول الحق اذا علمه" [رواه احمد ١١٠١٧].
وسيد الشرفاء صلى الله عليه وسلم هو الامر بانكار المنكر ومجاهدة المبطلين باليد واللسان والقلب، وقد نفى الايمان عمن لم يجاهده بقلبه كحد ادنى... نعم لهذا كله قواعد، لكن دون اماتة للنصوص وايهام ان الله يرضى لاوليائه الذل سبحانه، ودون اشاعة مبدا (الدنية ولا المنية)، ودون ايثار منهج السلامة على سلامة المنهج، ودون ان نتيح الفرصة للمبطلين ان يصفوا ديننا بانه يخدر عن المطالبة بالحق ومقارعة الظلم، ودون ان ننحط بالمسلمين ونقتل مروآتهم الى حد نتمنى فيه نخوة ابي طالب والمطعم بن عدي!
ولو فقه المخذلون لعلموا ان الامن وقوة القلب حق حصري للمؤمن. قال تعالى: "الذين امنوا ولم يلبسوا ايمانهم بظلم اولئك لهم الامن وهم مهتدون" [الانعام: ٨٢] بينما للمنافق الذل والجبن والحيرة والشك.
ومع هذا كله، فينبغي الحذر من وصف المسلمين بالجبن والتخاذل عن التضحية في سبيل الله وتقريعهم على عدم مقاومة الظلم. ومع اننا ذكرنا ذلك في مقدمة الحديث عن صفة "كراهية التضحية في سبيل الله" الا اننا نعيد التاكيد على هذا التنبيه هنا.
فقد ثبت من وقائع عديدة ان كثيرا من المسلمين ليست مشكلتهم الحقيقية في الجبن وعدم الاستعداد للتضحية، وانما في عدم وجود قناعة كاملة فيما يضحون من اجله، وعدم وجود هدف واضح للتضحية، ولا كيف يمكن ان تؤدي تضحيتهم الى الوضع المنشود، مع قلة القدوات الصادقة العاملة، والوقع الاليم لنماذج المواجهات التي انتهت بمزيد من القهر والظلم وتسلط المجرمين، واحساس المسلم بهوان نفسه وقلة قيمته، وضعف التعزيز وضعف الاشعار بقيمته المستمدة من عظمة الدين الذي يعتنقه.
ما يحتاجه المسلمون في مثل هذا الظرف ليس الخطاب التثويري العام الذي لا يوضح الغايات ولا الخطوات، ثم يقرعهم على ضعف الاستجابة ويصفهم بالجبن والنفاق ويحملهم جريرة ما بوسعهم وما ليس بوسعهم معا، فيزيدهم احباطا وازدراء لانفسهم، او نفورا من الانتماء الى دينهم وامتهم، اذ هم يرون هذا الانتماء مصدر الم نفسي مرهق، او يدفعهم الى مواجهات وانفعالات لا تضع في بناء الاسلام لبنة ولا تكسر لعدوه شوكة، بل يزيد المسلمين ضعفا وقهرا والمجرمين بطشا وتمكنا.
اننا في مرحلة نحتاج فيها ان نضن بكل نفس مسلمة، وبكل متعلقاتها من وقت ومال وجهد، عن اي هدر وعجلة واندفاع غير محسوب. لكن في الوقت ذاته لابد من استدامة حالة الرفض للمنكر، والمباينة لاهل الباطل، والتعالي على مشاركتهم في باطلهم او اعانتهم عليه باي شكل من اشكال المعاونة، واتضاح ان تنقية العقائد والمفاهيم والراي العام هدف جليل وعبودية يضحى من اجلها، والسعي الدؤوب لاقامة شرع الله في الارض، واعداد العدة لذلك على مختلف الاصعدة، مدركين ان ذلك يحتاج صبرا ومصابرة وطول نفس وثباتا وتواصيا بالحق.
فاذا ابتلي المسلمون في سبيل ذلك جاء خطاب المصلحين هذا في تذكيرهم بمعاني العزة ورفض الظلم وعيشة الذل. والظن بكثير منهم حينئذ ان يستجيبوا، اذ قد اتضحت الاهداف وتكونت القناعة بالتضحية في سبيلها، وراوا المصلحين يتقدمونهم فيما يحثونهم عليه، وراوا من المصلحين رفعا لهممهم واحتراما لذواتهم وتذكيرا بعظم قيمتهم كمسلمين. وهي طريقة النبي صلى الله عليه وسلم التي بها وفق الله من في قلبه خير لاتباعه ولم يتخلف عن الركب الا الكفار والمنافقون. فحري بكل مصلح ان يتامل ذلك قبل ان يصدر الاحكام على الناس بالجبن او النفاق والقبول بعيشة الذل، بينما العيب قد يكون في دعوته ابتداء.
وهذا الخلق الرخيص هو اول ما يتبادر الى اذهان الناس عندما تذكر كلمة (منافق).. قال اناس لابن عمر: انا ندخل على سلطاننا، فنقول لهم خلاف ما نتكلم اذا خرجنا من عندهم. قال: "كنا نعدها نفاقا" [رواه البخاري ٧١٧٨].
عن ابن عمر انه راى الناس يدخلون المسجد فقال: "من اين جاء هؤلاء؟" قالوا: "من عند الامير". فقال: "ان راوا منكرا انكروه، وان راوا معروفا امروا به؟" فقالوا: "لا". قال: "فما يصنعون؟" قالوا: "يمدحونه، ويسبونه اذا خرجوا من عنده!" فقال ابن عمر: "ان كنا لنعد النفاق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما دون هذا!" [رواه الفريابي ٦١].
وهذا في ايام ابن عمر، ايام كان الولاة معظمين لشعائر الدين مقيمين له بالجملة لا يتخذون مرجعية غيره، ويجاهدون لحماية الاسلام واهله وبسط سلطانه، وانما ظلموا في بعض المواطن. فكيف لو راى ابن عمر منافقي هذا الزمان الذين يداهنون من لا يقيمون للدين حرمة، بل يطعن في الدين في عهدهم وتنحى احكامه عن حياة الناس... ومع هذا ترى المنافقين يسبحون بحمدهم ويعظمونهم وينظمون لهم شعرا ونثرا؟!
والذي في قلبه نفاق قد يظن انه على خير ما دام ينكر المنكرات اذا خلا ببعض اصحابه، مع انه امام اهل الباطل يداهنهم وينافق لهم ويقر باطلهم. فاين هو من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "تجدون الناس معادن: خيارهم في الجاهلية خيارهم في الاسلام اذا فقهوا. وتجدون خير الناس في هذا الشان اشدهم له كراهية وتجدون شر الناس ذا الوجهين الذي ياتي هؤلاء بوجه وياتي هؤلاء بوجه" [رواه البخاري ٣٤٩٣].
فكما في الحديث، قد ترى انسانا شديد العداوة للاسلام، لكن عنده نبل ولا يطيق ان يناقض قناعاته طويلا. ومن هؤلاء النبلاء عمر بن الخطاب وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعكرمة بن ابي جهل وسهيل بن عمرو رضي الله عنهم، الذين عندما دخلوا في الاسلام اخلصوا واحبوا الاسلام حبا شديدا وجاهدوا في الله حق جهاده.
اما المنافق فهو متلون ذو وجهين، يتكلم امام كل قوم بما يرضيهم ويظهر انه منهم، ليدفع نقمتهم وينال رضاهم وخيرهم. فمثل هذا خبيث لا نبل عنده، بل يصفه نبينا صلى الله عليه وسلم بانه "شر الناس".
روى الترمذي ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اسمعوا! هل سمعتم؟ انه سيكون بعدي امراء. فمن دخل عليهم فصدقهم بكذبهم واعانهم على ظلمهم فليس مني ولست منه وليس بوارد علي الحوض. ومن لم يدخل عليهم ولم يعنهم على ظلمهم ولم يصدقهم بكذبهم فهو مني وانا منه، وهو وارد علي الحوض" [رواه الترمذي ٢٢٥٩].
وعندما ساله رجل: اي الجهاد افضل، اجاب عليه الصلاة والسلام: "كلمة حق عند سلطان جائر" [رواه احمد ١٨٨٢٨].
ومع ذلك فقد يتقي المسلم شريرا من الاشرار بلين الكلام بما ليس فيه شرعنة ولا اقرار لباطله ولا تلبيس على الناس في شانه. روى البخاري ومسلم عن ام المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: استاذن رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "ائذنوا له، بئس اخو العشيرة، او ابن العشيرة" فلما دخل الان له الكلام، قلت: "يا رسول الله، قلت الذي قلت، ثم النت له الكلام؟" قال: "اي عائشة، ان شر الناس من تركه الناس، او ودعه الناس، اتقاء فحشه" [رواه البخاري ٦٠٥٤].
"فهو صلى الله عليه وسلم لم ينطق بباطل مع هذا الرجل الذي دخل عليه، فلم يمدحه، ولم يثن عليه، ولم يشاركه في سوء اخلاقه، ولم يؤيده على شيء من مسالكه، وانما داراه بالبشاشة وطلاقة الوجه – المعهودة عنه عليه الصلاة والسلام على الدوام–، لعله يؤثر في قلبه بعد ذلك اذا سمع نصحه وتذكيره، فيخلصه من نفاقه وسوء افعاله" [من موقع الاسلام سؤال وجواب].
وبهذا يتضح الفرق الكبير بين المداراة المشروعة والمداهنة التي هي من اخلاق المنافقين.
فهم المعنيون بقوله تعالى: "أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون" [التوبة: ٦٥]
وهم الذين حكى الله ما قالوا: "يقولون لئن رجعنا الى المدينة ليخرجن الاعز منها الاذل" [المنافقون: ٨] يعرضون بالنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين. وهم الذين يسرون لبعضهم بالكفر ثم: "ويحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد اسلامهم" [التوبة: ٧٤]
وقد روى ابن جرير وابن ابي حاتم وابن كثير باسانيد عديدة في سبب نزول هذه الآية روايات متقاربة، منها ان النبي صلى الله عليه وسلم كان يخطب فقال رجل من المنافقين: (لئن كان صادقا فنحن شر من الحمير). فقال له زيد بن ارقم رضي الله عنه: فهو والله صادق ولانت شر من الحمار. ثم رفع ذلك الى رسول الله فجحده المنافق فانزل الله تعالى الآية تصديقا لزيد.
وان من تلبس بصفات المنافقين في ايامنا هذه تراه قليل التعظيم لله تعالى وآياته ورسوله، حتى انه قد يحكي الطرف لاضحاك الناس وفيها ان الله قال لجبريل وقال جبريل الله.. على سبيل الطرفة! وقد يستخدم آيات الله في غير موضعها لاضحاك الناس كذلك. وما اقربه بذلك ممن وصفه الله تعالى بقوله: "واذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا" [الجاثية: ٩] ... فهو لا يحفظ من القرآن الا القليل، وما حفظه تراه يستخدمه اول ما يستخدمه في طرفه وليظهر خفة ظله!
وقد يستهزئ بسنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم، او بمن يطبقها مع انه شخصيا مفرط فيها، كاللحية والسواك... وكم من الناس يفعل هذا كله وهو يصلي ويصوم ويزعم انه مسلم! ولا ارى اولى من هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وان العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالا يهوي بها في جهنم" [رواه البخاري ٦٤٧٨].
وشر منه من زاد على صفات المنافقين فسب الله او الدين صراحة، وهؤلاء لن استطرد في الحديث عنهم في هذا الموضع لئلا يظن انهم منافقون، بل هم بسبهم هذا جاؤوا بالكفر الصريح، ولا يعاملون معاملة المنافقين في الشريعة، ولا ينفعهم في ذلك ادعاؤهم الاسلام او تعذرهم بالغضب، ولا تنفعهم الا التوبة النصوح المستوفية لشروطها. وهم ان لم يتوبوا شر من كفار مكة الذين كانوا يدعون ان اصنامهم تقربهم الى الله زلفى ولم يكونوا يسبون الله، لكني اذكر هذا الصنف للاشارة الى ان هذا الدرك المتسفل موجود في بعض من ينتسبون زورا الى امة الاسلام. واصل هذه الظاهرة الذي تفاقمت عنه هو قلة تعظيم حرمات الله تعالى.
قال الله تعالى: "ذلك ومن يعظم شعائر الله فانها من تقوى القلوب" [الحج: ٣٢] وقال تعالى: "ذلك ومن يعظم حرمات الله فهو خير له عند ربه" [الحج: ٣٠]
وقال تعالى في توقير رسوله صلى الله عليه وسلم: "انا ارسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا * لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة واصيلا" [الفتح: ٨-٩]
ولو لم يخرج احدنا من هذه الدنيا الا بتعظيم صادق لله تعالى فانه يرجى له الخير عند الله، كالحديث المتفق عليه في الذي طلب من اولاده ان يحرقوه وينسفوه ويذروه في الريح. فلما جمعه الله وساله: "لم فعلت؟" قال: "من خشيتك وانت اعلم"، فغفر الله له [البخاري ٧٥٠٦].
فكما أن المؤمن يكره الكفر والفسوق والعصيان، فإن المنافق يغيظه رؤية الفضيلة والطهر والاستقامة، لأنها صفات تحول بينه وبين أن يصبح المجتمع نهبا لشهواته ومطامعه. ومن هنا يكره المنافق الدعاة والمصلحين الذين يدعون الناس إلى هذه القيم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق. فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله)) [١]. وقال: ((آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار)) [٢].
وهكذا من طعن في جيل الصحابة بدعوى الانتصار لآل البيت فهو ممن وقع في هذه الصفة النفاقية.
ولذا فإنك ترى المنافق يعمل جاهدا على تنفير الناس عن المؤمنين:
تارة بحرمان الناس من منافع دنيوية إن هم أقبلوا على الدعاة وتأثروا بدعوتهم: {هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا ولله خزائن السماوات والأرض ولكن المنافقين لا يفقهون} [المنافقون: ٧]
وتارة بالتشكيك في نوايا المؤمنين. ففي الحديث المتفق عليه عن أبي مسعود: (لما نزلت آية الصدقة كنا نحامل -أي نحمل على ظهورنا بالأجرة لنكتسب ما نتصدق به- فجاء رجل فتصدق بشيء كثير فقالوا (أي: المنافقون): مرائي، وجاء رجل فتصدق بصاع فقالوا: إن الله لغني عن صاع هذا. فنزلت: {الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم فيسخرون منهم سخر الله منهم ولهم عذاب أليم} [التوبة: ٧٩] [١].
وتارة بالاستهزاء بالمؤمنين ورميهم بصفات المنافقون أولى الناس بها، كما فعلوا في غزوة تبوك فيما روته التفاسير عن عبد الله بن عمر أن رجلا قال في غزوة تبوك: «ما رأيت مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا ولا أكذب ألسنة ولا أجبن عند اللقاء». فقال رجل: «كذبت! ولكنك منافق. لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم». فبلغ ذلك رسول الله ونزل القرآن. فتعلق المستهزئ بحقب ناقة رسول الله والناس يرمونه بالحجارة وهو يقول: «يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب» [١].
فتأمل كيف أن هذا المستهزئ وصف المهاجرين بأوصاف هم أبعد ما يكون عنها، بل هي أوصاف المنافقين، من كذب وجبن وحرص على الدنيا وملء البطون. ولاحظ تعليله: «إنما كنا نخوض ونلعب».. أي: إنما قلت هذا الكلام للتسلية والفكاهة فقط!
{ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون} [التوبة: ٦٥].
فمع أن الرجل لم يستهزئ إلا بالمهاجرين، إلا أنه استهزأ بهم لدينهم، فاعتبر الله تعالى ذلك استهزاء بالله تعالى وآياته ورسوله، وحكم عليهم بقوله بعدها: {لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: ٦٦].
فالإسلام لا يدع أتباعه سذجا يضحك عليهم بتافه المعاذير ممن ظهرت أمارات نفاقهم وكراهيتهم لدين الله وللمؤمنين.
ويبدو أن كثيرا من أفعال المنافقين هذه ناتجة عن حسدهم للمؤمنين.. لما رأوهم مطمئنة نفوسهم واثقة خطاهم يقتربون بمرور الزمان من وعد الله بالجنة التي لا زال لدى المنافقين احتمال بوجودها! فاغتاظ المنافقون لما رأوا المؤمنين أعلى منهم، وتمنوا لو أنهم شاركوهم في كفرهم ليشاركوهم في المصير المجهول لديهم: {ودوا لو تكفرون كما كفروا فتكونون سواء} [النساء: ٨٩].
ولا يزال المنافقون في أيامنا يشوهون سمعة الدعاة والمصلحين والمدافعين عن الدين... ولا يملك هؤلاء الدفاع عن أنفسهم لأن الآلة الإعلامية ليست بأيديهم. فحري بكل مسلم عاقل أن يتمثل قوله تعالى: {لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا وقالوا هذا إفك مبين} [النور: ١٢].
وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: ٦].
[١] رواه البخاري (٣٧٨٣) ومسلم (٧٥). [٢] رواه البخاري (٣٧٨٤) -واللفظ له- ومسلم (٧٤). [١] البخاري (١٤١٥)، مسلم (١٠١٨). [١] أخرجه الطبري في «تفسيره» (١٦٩١٢) وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١٠٠٤٤) وحسنه مقبل الوادعي في «الصحيح المسند من أسباب النزول» (ص١٠٨-١٠٩).
إن المنافقين استخدموا طريقة فرعون في ادعاء أن المصلحين أهل فتنة وفساد حين قال في نبي الله موسى عليه الصلاة والسلام: {إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد} [غافر: ٢٦].
والحق أن المنافقين هم أهل الفتنة المفسدون: {وإذا قيل لهم لا تفسدوا في الأرض قالوا إنما نحن مصلحون * ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} [البقرة: ١١-١٢].
يريدون توهين المسلمين والفت في عضدهم ليفشلوا وتذهب ريحهم: {لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة} [التوبة: ٤٧].
والمشكلة أن بعضهم بلغاء {وإن يقولوا تسمع لقولهم} [المنافقون: ٤] ... فيتأثر بهم المجتمع الإسلامي: {وفيكم سماعون لهم} [التوبة: ٤٧] ... بيان جميل... بل حتى أشكالهم جميلة. ففي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن زيد بن أرقم أنه رضي الله عنه قال: «كانوا رجالا أجمل شيء» [١] .. نعم هكذا كانت أشكالهم، لكن معادنهم معادن سوء!
يحرص المنافقون على إضفاء الشرعية على فتنتهم من خلال فعل بعض الخير واستخدام أهل الخير! وهذا أمر خطير جدا شائع في عصرنا فيجب التنبه له والحذر منه أشد الحذر. فالمنافقون يعملون أعمالا ظاهرها الخير وخدمة الدين لكنهم ما يهدفون منها إلا إلى تفريق المؤمنين: {والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا وتفريقا بين المؤمنين وإرصادا لمن حارب الله ورسوله من قبل وليحلفن إن أردنا إلا الحسنى والله يشهد إنهم لكاذبون} [التوبة: ١٠٧].
فهم بنوا مسجدا.. لكن ما بنوه إلا بنية خبيثة: ضرارا وكفرا وتفريقا وإرصادا!... ليفرقوا صف المؤمنين وليجتمعوا في مسجدهم على التأمر ضد المسلمين!
ثم ماذا فعلوا ليضفوا على مسجدهم هذا الشرعية؟ قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: «وجاءوا فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتي إليهم فيصلي في مسجدهم ليحتجوا بصلاته فيه على تقريره وإثباته»، يعني ليضفوا شرعية على هذا المسجد الذي ما بنوه لخير. لكن الله تعالى فضحهم لرسوله صلى الله عليه وسلم، فلم يصل في مسجدهم بل هدمه.
ونرى في أيامنا هذه مشاريع خبيثة تتبناها منظمات دولية تسعى إلى هدم الأسرة وإيجاد العداوة بين الزوجين وإفساد الأبناء، وهي في أثناء ذلك تخلط فتنتها ببعض الأعمال «الخيرية» وتحرص أن يكون في موظفيها أناس مسلمون يظهر منهم الصلاح والمظهر الإسلامي، من موظفين مصلين وموظفات محجبات. وهذا كله يضفي الشرعية على هذه المؤسسات ومشاريعها ويجعلهم يحسنون الظن بها ويخدر الناس عن التصدي للفتن التي تنشرها. وترى هؤلاء الموظفين يتعذرون لأنفسهم بأنهم يدفعون الشر ما استطاعوا ويتسببون من خلال هذه المؤسسات بكثير من الخير والإعانة لمجتمعاتهم. وهم في الحقيقة أدوات تستخدمها هذه المؤسسات المنافقة لنشر فتنتها وتدمير المجتمعات المسلمة وطمس دينها وأخلاقها وفطرتها.
ونرى في أيامنا هذه قنوات ماجنة مفسدة لا تبتغي إلا الفتنة... نراها تستضيف داعية يتكلم بما يرقق القلوب ويدمع العيون... لكن يسبق برنامجه ويتبعه دعايات الفسق وأخبار الكذب. وبعض الدعاة يحتجون بأنهم لن يترددوا عن ارتياد أي منبر لإظهار دعوتهم الخيرة... لكنهم بذلك يضفون شيئا من الشرعية على قنوات الفتنة هذه، ويميعون المسألة في نفوس عامة الناس، ويكسرون حدة استنكار الناس لمنكراتها..
أوما ترى وضوح موقف رسول الله من مسجد الضرار؟ فهو لما علم أن منظومة هذا المسجد بنيت على السوء لم يقل: أصلي فيه وأستغل أية فرصة لعلي أقلب السحر على الساحر وأفرض مشروعي من حيث ظنوا أنهم يفرضون مشروعهم.. لم يقلها صلى الله عليه وسلم. فصاحب الدعوة فطن عزيز النفس يربأ بدعوته عن أن تستخدم طعما يزين به المفسدون باطلهم [١].
ومثال الفتن التي يبتغيها المنافقون في أيامنا: محاولة استبقاء حالة تشرذم المسلمين وتمزق أمتهم كما وصف الله أصحاب مسجد الضرار أنهم يريدون {تفريقا بين المؤمنين}، ويستخدمون في سبيل ذلك شعارات تقديم وتقديس الوطن بدلا من {إن هذه أمتكم أمة واحدة} [الأنبياء: ٩٢]. وحقيقة الأمر أنه ولا حتى هذه الأوطان سلمت لأهلها، وإنما اتخذت ذريعة لنهب أموال المسلمين باسم مصلحتها، وتكميم الأفواه والبطش بالمسلمين باسم أمنها.
وقد شدد رسول الله صلى الله عليه وسلم في جريمة التفريق بين المسلمين وتقطيع جسد الأمة على أسس جاهلية بقوله: ((إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية، وفخرها بالآباء: مؤمن تقي، أو فاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن رجال فخرهم بأقوام إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)) [١]. فإن ناسا كانوا يتفاخرون بقيم غير الإسلام.. كانتسابهم لآباء ماتوا على الكفر.. افتخروا بهم لحسبهم أو ثرائهم أو جاههم. فبين عليه الصلاة والسلام أن هذا الفخر يستوجب المهانة على الله بحيث يصبح المفتخر أهون من حشرات تدفع الفضلات وتدحرجها أمامها. فجرم هؤلاء المفتخرين هو رفعهم لقيمة لا وزن لها في دين الله، من شأنها أن تشرذم المسلمين إذا استشرت... وكذلك في أيامنا كل من يرفع قيمة لا اعتبار لها شرعا تفرق المسلمين فهو في غاية المهانة على الله.
[١] رواه البخاري (٤٩٠٣) ومسلم (٢٧٧٢). [١] أعلم أن المسألة قابلة للاجتهاد بحسب حال تلك القنوات، لكن لا بد للدعاة أن يأخذوا عامل إضفاء الشرعية المذكور في حسبانهم. [١] أخرجه أحمد (٨٧٣٦)، وأبو داود (٥١١٦)، والترمذي (٣٩٥٥)، وصححه ابن تيمية في «اقتضاء الصراط المستقيم»، وحسنه الترمذي والألباني.
وهذه الصفة -كغيرها من صفات النفاق- لها ارتباط بالشك في الدين: {وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا} [الإسراء: ٤٥-٤٦]. وهذه الآية نزلت في الكافرين أصالة، ولكنها تبين الارتباط بين الأمرين.
وقال الله تعالى في القسوة والاستغلاق التي تمنع المنافق من تدبر القرآن: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا} [النساء: ٨٢] ، {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: ٢٤].
ويالقسوة قلوب المنافقين!.. كانوا يأتون مجالس النبي صلى الله عليه وسلم فيسمعون القرآن من فمه غضا طريا نقلا عن جبريل الأمين عن رب العزة جل وعلا... فما ينفعهم سماعه بشيء، ولا يحرك ركام الكفر عن قلوبهم: {وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون} [المائدة: ٦١].
بل انظر إليهم وقد خرجوا من عند النبي صلى الله عليه وسلم بعدما سمعوا الآيات والحكمة فسألوا الصحابة ببلاهة: ماذا قال آنفا؟ {ومنهم من يستمع إليك حتى إذا خرجوا من عندك قالوا للذين أوتوا العلم ماذا قال آنفا أولئك الذين طبع الله على قلوبهم واتبعوا أهواءهم} [محمد: ١٦]. لأنهم لم يفهموا شيئا من شدة غفلتهم، أو قالوها على سبيل الاستخفاف وإشعارا بأنهم لم يلتفتوا إلى ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يعبؤوا به.
بل لم يكونوا يستحيون من قسوة قلوبهم: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا} [التوبة: ١٢٤]. فكأني بهم يسأل بعضهم بعضا باستخفاف: «أليس يقول الله أن القرآن يزيد الإيمان؟! ألسنا نرى هؤلاء (أي: الصحابة) يبكون وتعلو هممهم إذا سمعوا القرآن؟! فهل ازددت إيمانا يا فلان؟» فيجيب: «لا»... فيقول السائل: «ولا أنا»!
فرد الله على تساؤلهم: {فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون} [التوبة: ١٢٤-١٢٥].
وتصور معي هذه القسوة في قلوبهم! فالقرآن الذي لو أنزل على جبل لخشع وتصدع من خشية الله لا يزيد المنافقين الظالمين إلا شكا وخسارا!
واحذر أخي أن يكون لك من هذه الآيات نصيب! فإن كثيرا من الناس يبدأ يومه بتشغيل قراءة القرآن، ثم بعدها بدقائق تقل أو تكثر يشغل الأغاني التي يعلم أنها تدعو للإثم والمنكر ومعصية الرحمن. ولعل قلبه يهتز لهذه الأغاني ويتفاعل معها ما لم يتفاعل مع آيات القرآن. فهل وصل القرآن الذي كان سمعه إلى قلبه؟ وهل زادته آيات الله إيمانا واستبشر بها ووجل قلبه وكانت لهم شفاء ورحمة، كما وصف الله المؤمنين إذا سمعوا القرآن؟ وهل لو حصل له أي من هذا فإنه سيتقبل أن يستمع ما يخالف القرآن بعدها.
وأقسى قلبا من هؤلاء من اشتهروا بأنهم من القراء أصحاب الأصوات الجميلة، وترى أحدهم يؤم المسلمين في كبريات المساجد، ثم تجده يواد المجرمين ويضفي الشرعية على الظالمين! أو تراه يجاهر بالتحسر أن لم يستمع الأغاني من قبل! وليته تمنى لو أنه وقف موقفا في نصرة الإسلام!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أكثر منافقي أمتي قراؤها)) [١]. قال المناوي في شرح هذا الحديث: «أي: الذين يتأولونه على غير وجهه ويضعونه في غير موضعه. ثم قال: وقال عطاء: احذروا القراء واحذروني معهم. فلو خالفت أودهم لي في رمانة أقول إنها حلوة ويقول إنها حامضة ما أمنته أن يسعى بدمي إلى سلطان جائر!».. أي أن أحدهم يفجر في الخصومة لأتفه الأسباب.
إلى أن قال المناوي: «ولذلك ترى الواحد منهم يتكبر على الناس ويستخف بهم مبعسا وجهه كأنما يمن على الناس بما يصلي زيادة ركعتين، أو كأنما جاءه من الله منشور بالجنة والبراءة من النار، أو كأنما استيقن السعادة لنفسه والشقاوة لسائر الناس، ثم مع ذلك يلبس لباس المتواضعين ويتماوت. وهذا لا يليق بالتكبر والترفع ولا يلائمه بل ينافيه، لكن الأعمى لا يبصر» [٢].
وهذه الكلمات الذهبية للمناوي وصفت العديد من صفات المنافقين من قسوة قلب مع القرآن وفجور في الخصومة واستعظام الطاعة والأمن من عذاب الله ورياء بالتظاهر بالتواضع... وهذا كله للأسف كما يصف المناوي في أناس قد قرأوا القرآن بل وربما أوتوا نصيبا من العلم! فنعوذ بالله من هذا الوصف.
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: ((ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة، ريحها طيب وطعمها مر)) [١]. فهذا مثل للمنافق الذي يكثر من قراءة القرآن لكن لا يعمل به ولا يصلح قلبه بالإيمان، ويتظاهر أمام الناس أنه مؤمن. والناس مع ذلك يستعذبون قراءته. فهو بذلك كالريحانة التي لها رائحة طيبة بينما طعمها مر، فريحها الطيب يشبه قراءته، وطعمها المر يشبه نفاقه.
[١] رواه أحمد (٦٦٣٣) والبخاري في «التاريخ الكبير» (٢٥٧/١)، وفي «خلق أفعال العباد» (٦٤٧)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٥٠) وشعيب الأرنؤوط. [٢] فيض القدير. [١] رواه البخاري (٥٤٢٧)، ومسلم (٧٩٧).
لما كان المنافق شاكا في الدين فإن أية طاعة يقدمها هي أكبر من حجم إيمانه الضعيف إن وجد هذا الإيمان أصلا. لذا فإنه يرى طاعته هذه عظيمة... أما المعصية، فهو ليس على يقين تام بعظمة الإله الذي يعصيه، وليس مؤمنا إيمانا جازما بنار يعذب فيها على معصيته، فيرى معصيته صغيرة وإن كانت الجبال تنهد منها!.. {وما قدروا الله حق قدره} [الأنعام: ٩١].
والمنافق في ذلك على طريقة صاحب الجنتين الذي اغتر بهما وقال: {وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا} [الكهف: ٣٦] والآخر القائل: {وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى} [فصلت: ٥٠]. «لئن رددت»، و«لئن رجعت»... يضمنون الجنة «إن وجدت»! وهكذا المنافق، يعمل بالقليل من الطاعة ليدخل الجنة «إن وجدت»، أما أن يكون محياه ومماته لله رب العالمين فلا! ولا ينفعه هذا العمل ولا أضعافه ما دام في قلبه شك.
وتارة يتعلل المنافق في عدم إقلاعه عن المعاصي بأنه يحسن الظن بالله. قال الحسن البصري: «ليس الايمان بالتمني، ولكن ما وقر في القلب وصدقه العمل. إن قوما ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم وقالوا: نحسن الظن بالله. وكذبوا! لو أحسنوا الظن به لأحسنوا العمل» [٢].
وأماني المغفرة دون عمل هي مما يعير به المنافقون عند ضرب السور بينهم وبين المؤمنين: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور} [الحديد: ١٤].
وصدق! فكم ترى من أناس يقولون ما لا يليق بالله تعالى أو يغتابون ويلمزون، ثم يقول الواحد منهم: «أستغفر الله»، وهو يضحك بسماجة شديدة! كأن استغفاره هذا ينفعه!
وفي زمن انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، قد يكتب أحدنا كلمة، أو ينشر صورة، أو يعلق تعليقا، أو يضع إعجابا أو يشارك منشورا. ويكون في ذلك غير ملتفت إلى مشروعية فعله من عدمه، وقد تدوم آثاره السيئة حتى بعد موته.
إن من يقع في استصغار المعصية يشابه فساق بني إسرائيل الذين قال الله تعالى فيهم: {فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه} [الأعراف: ١٦٩].. فهم يفعلون المعاصي مرة تلو الأخرى ولا يقلعون عنها ومع ذلك يقولون: «سيغفر لنا»!
قال الحسن البصري: «المؤمن من يعلم أن ما قال الله عز وجل كما قال. والمؤمن أحسن الناس عملا وأشد الناس خوفا، لو أنفق جبلا من مال ما أمن دون أن يعاين -يعني يرى الجنة عيانا يوم القيامة ويعلم أنه من أهلها،- ولا يزداد صلاحا وبرا وعبادة إلا ازداد فرقا -أي: خوفا.- يقول: لا أنجو! لا أنجو! والمنافق يقول: سواد الناس كثير -يعني أنا واحد من كثيرين ولن أقصد بالتعذيب- وسيغفر لي، ولا بأس علي. يسيء العمل ويتمنى على الله تعالى» [١].
فالمؤمن يعلم أن الله تعالى إذ قال: {من يعمل سوءا يجز به} [النساء: ١٢٣] .. فهو كما قال، وإذ قال: {ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: ٨] .. فهو كما قال. فلا يأمن من عذاب الله إلا إذا عاين الجنة يوم القيامة. ولا يمكن له أن يصل إلى مرحلة يقول فيها: «إن لي عند ربي للحسنى بما أسلفت من رصيد خير مهما عملت بعدها» فيستهين بالمعصية، بل لا يزداد إلا خوفا لازدياد تعظيمه لله تعالى. وكلام الحسن هذا يجب ألا يتعارض مع أن المؤمن يفرح بطاعته ويحس بأن الله أراد به خيرا إذ استعمله فيما يحب من أعمال البر.
وهذه الصفة من استصغار الذنب واستعظام الطاعة منتشرة في أبناء المسلمين في أيامنا هذه.. حتى إنك لتحس أن منهم من يمن على الله تعالى بأعمالهم! {قل لا تمنوا علي إسلامكم بل الله يمن عليكم أن هداكم للإيمان إن كنتم صادقين} [الحجرات: ١٧] .. وليفتش كل قارئ نفسه ألا يجدها أرجى في الجنة من الصحابة وآمن من النار منهم؟!
وقد كنا أجرينا استبيانا لأسباب الوقوع في المعاصي، على شكل عبارات يختار منها معبئ الاستبيان، ووزعناه على مصلي صلاة الجمعة في عدد من مساجد الأردن، فأجاب عنه قرابة الـ٧٧٠ مصليا، وكان ثاني أكثر الأسباب اختيارا هو التعويل على رحمة الله وشعور معبئ الاستبيان أن الله لن يعذبه. وسنرى أن استصغار المعصية واستعظام الطاعة يقود إلى صفة نفاقية أخرى هي الإعرض عن التوبة.
سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قول الله تعالى: {والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون} [المؤمنون: ٦٠] فقالت: (أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟). فقال عليه الصلاة والسلام: ((لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون، وهم يخافون أن لا تقبل منهم أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)) [١].
وقال إبراهيم التيمي: (ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذبا) [٢].. أي: يكذب عملي قولي. فهكذا المؤمن... مهما عمل من طاعة فإنه يعلم أنه مقصر في حق الله عز وجل، ومهما صغرت معصيته فإنه لا يستهين بها لأنه عصى بها العظيم سبحانه وتعالى.
[١] رواه الحسين المروزي في زوائد «الزهد لابن المبارك» (٩٨٥)، والطبراني في «المعجم الأوسط» (٥٧٩). [٢] تفسير أبي السعود والألوسي. [٣] البخاري ٦٣٠٨. [١] البخاري (٦٤٩٢). [١] رواه عبد الله بن المبارك في «الزهد» (٥٣٢)، وابن أبي الدنيا في «الزهد» (١٩٦). [١] رواه أحمد (٢٥٢٦٣) والترمذي (٣١٧٥). [٢] أخرجه ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٤٩٧٠) وأحمد في «الزهد» (٢٠٧١).
قال الله تعالى واصفا المنافقين {وإذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم ورأيتهم يصدون وهم مستكبرون} [المنافقون: ٥] ... ولا غرابة، فإذا كان المنافق قليل الأدب مع رسول الله كما رأينا، ومستصغرا لمعصيته لأنه ما قدر الله حق قدره، فلماذا يتوب؟!
بل وانظر إلى مدى إعراضهم واستهانتهم بمغفرة الله فيما رواه الإمام مسلم عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من يصعد الثنية، ثنية المرار [١]، فإنه يحط عنه ما حط عن بني إسرائيل)) [٢].
قال جابر: فكان أول من صعدها خيلنا، خيل بني الخزرج. ثم تتام الناس [٣]. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر)).. وهو منافق لم يكترث بهذه الفرصة لمغفرة الذنوب. قال جابر: فأتيناه فقلنا له: «تعال يستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم». فقال: «والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم». قال جابر: «وكان الرجل ينشد ضالة له» [١].
فانظر إلى هذا الذي كان أضل من البهيمة التي يبحث عنها، كيف أنه يفضل أن يجد بهيمته على أن يستغفر له رسول الله صلى الله عليه وسلم!
وقال تعالى واصفا المنافقين: {أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون} [التوبة: ١٢٦] ... فالمصائب تقعرهم تباعا ومع ذلك لا يتوبون.
وهذه الصفة هي إحدى ما يعير به المنافقون بعد ضرب السور [٢] إذ يقال لهم: ((وتربصتم)) .... أي: أخرتم التوبة من وقت إلى وقت كما قال ابن كثير. ألم تكن الفرصة متاحة لهم في يوم من الأيام؟: {ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما} [النساء: ٦٤].
ومن الناس من يشابه المنافقين في هذه الصفة، فاذا نصح في ترك معصية قال وهو لا يريد ترك معصيته: «ادع لنا أن يهدينا الله يا شيخ»، وهو في قرارة نفسه مستهين بمعصيته ويتعذر بأعذار لا حقيقة لها. فليحذر من يفعل ذلك أن يشبه من قال الله فيهم: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: ١١].
وفي المقابل فهذه صفة المؤمنين: {إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: ٢٠١]. قال السعدي في تفسيرها: «... المتقي إذا أحس بذنب، ومسه طائف من الشيطان، فأذنب بفعل محرم أو ترك واجب -تذكر من أي باب أتي، ومن أي مدخل دخل الشيطان عليه، وتذكر ما أوجب الله عليه، وما عليه من لوازم الإيمان، فأبصر واستغفر الله تعالى، واستدرك ما فرط منه بالتوبة النصوح والحسنات الكثيرة، فرد شيطانه خاسئا حسيرا، قد أفسد عليه كل ما أدركه منه».
[١] موضع بين مكة والحديبية من طريق المدينة. [٢] أي: تغفر خطاياه كما وعد بنو إسرائيل حين قيل لهم: {وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين} [البقرة: ٥٨]. [٣] أي تتابعوا في الصعود إليها. [١] مسلم (٢٧٨٠). [٢] راجع ما نقصده بضرب السور تحت عنوان: «خطر النفاق على النفس» في هذا الكتاب.
فأول ما يقال للمنافقين بعد ضرب السور: {ولكنكم فتنتم أنفسكم} [الحديد: ١٤]. فمن في قلبه نفاق يحوم حول المعاصي ويتردد عليها، وهو يتعذر بأن ما يفعله اختلف العلماء في حكمه وليس حراما قطعيا، ويتسقط لذلك الفتاوى الشاذة والضالة، ويتعذر لنفسه وللناس بأن قصده طيب.. كمن لا يراعي الضوابط الشرعية في التعامل بين الجنسين، وقلبه في ذلك يضطربر ويشتهي، وكمن يقلب بصره فيما حرم الله، كالذين يتابعون المسلسلات والأغاني الفاسقة. فمن فسد قلبه بذلك فأصبح يستحسن المعصية ويستقبح شعائر الله وأحكامه... فلا يظن به، وقد فتن نفسه، أن يكون قبل ضرب السور ممن يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم ليعينهم على عبور الصراط! بل يخشى عليه أن يكون ممن يقال له: {ولكنكم فتنتم أنفسكم}!
أما المؤمن فحازم يسد على نفسه الذرائع لئلا تقع في المحذور، ولا يحوم حول الفتن متعذرا لنفسه، ولا يحيط نفسه بدواعي المعصية. فإذا ضعف في بعض الأحيان ووقع في معصية، فإنه سرعان ما يتوب ويستبرئ لنفسه منها ومن دواعيها.
وكثيرا ما يتساءل الشباب: «هل يجوز لي أن أدرس في المكان الفلاني؟ أو أن أعمل في العمل الفلاني؟» فأول جواب عن هذه التساؤلات: لا تعدل بسلامة قلبك شيئا! ولا تعرض نفسك لأجواء فتن تعلم أنك لا تقدر عليها.
ولتتذكر أيها الشاب وأنت تشترك في شبكة من الشبكات أو القنوات المتخصصة في الأفلام والمسلسلات والمعروفة بفسقها وفجورها.. تذكر قبل أن تضيف تطبيقها على جوالك أو تدخل المستقبل لمحطتها «receiver» في بيتك، تذكر: {ولكنكم فتنتم أنفسكم}!
تلك اللحظة يوم القيامة التي يضرب فيها أمام المنافقين سور يفصلهم عن المؤمنين فيتساءلون: {ألم نكن معكم}؟ فيأتيهم الجواب: {بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم} [الحديد].. عرضتموها للفتنة، فيعلمون أنهم هالكون.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اربع من كن فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر)) [أخرجه البخاري (34) -واللفظ له- ومسلم (58)].
الفجور صفة ذميمة، تعرف على أنها الكذب والميل عن الصدق والعدول عن الحق وارتكاب المعاصي... وهي تظهر على من فيه نفاق إذا خاصم أحدا [المنجد في اللغة].
والفجور، كغيره من صفات النفاق، له ارتباط بالشك في الآخرة... فصاحب الخصومة إن كان يؤمن بالآخرة فإن ذلك من أسباب هدوء نفسه، لأن ما لا يأخذه من حقه في الدنيا يبقى رصيدا مدخرا له عند ربه سبحانه وتعالى في وقت تشتد فيه الحاجة. أما من ضعف إيمانه بالآخرة فإنه لا يستحضر هذا المعنى فيخشى فوات حقه ويريد أن يشفي غيظه فيبالغ في القصاص، كما أنه لا وفاء عنده لأي ود كان بينه وبين خصمه.
ومن أكثر ما نرى هذه الصفة في زماننا في مشاكل الأزواج وفيما يكون بينهم عند الطلاق وقبله، فلا يرعون للعشرة حقا ولا يمتثلون قول الله تعالى: [ولا تنسوا الفضل بينكم] [البقرة: 237].
وكثيرا ما يكون أيضا من أهل الأزواج المحرضين على التشفي والانتقام وإيقاع الضرر بالطرف الآخر! جاهلين أو متناسين قول نبينا صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من خبب امرأة على زوجها)) [أخرجه أبو داود (2175) واللفظ له، والنسائي في "السنن الكبرى" (9214)، وابن حبان (568)، والحاكم في "المستدرك" (2795) وأحمد (9157) مطولا بنحوه، وصححه الحاكم والألباني وشعيب الأرنؤوط]، أي: أفسدها على زوجها وحرضها على عداوته أو سوء معاملته. وقوله صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا)) يدل على أن هذا كبيرة من الكبائر.
المنافق وكأنه "يجرب" أثر المعصية! لأنه يشك في الله، وإن آمن بوجوده فتصوراته عن الله هزيلة.. وهو لا يحسب حسابا لعقوبة الآخرة، وكل ما يهمه ألا ينقص نعيم الدنيا. فيخلف عهد الله رويدا رويدا، فإن لم يؤثر ذلك على مصالحه الدنيوية اطمأن وسدر في غيه... كحال يهود الذين كانوا يسيئون الأدب مع رسول الله ثم: [ويقولون في أنفسهم لولا يعذبنا الله بما نقول] [المجادلة: 8]... فما لم يعاجلوا بعقوبة فهم مطمئنون!.. عقب تعالى بقوله: [حسبهم جهنم يصلونها فبئس المصير] [المجادلة: 8].
وليتذكر كل في نفسه، كيف كان يلح على الله تعالى بالدعاء ويعاهده إن آتاه شيئا من الدنيا أو جنبه شرا كان محدقا به ليكونن من الصالحين وليجتنبن ما هو عليه من معصية.. فيتكرم اللطيف سبحانه عليه ويعطيه ما طلب.. فما هي إلا أيام تقل أو تكثر ويعود المعاهد إلى ما كان فيه من معاص! ويقول في نفسه: "تصادف أن حصل ما حصل"، "لا علاقة للكرب بمعصيتي ولا لرفعه بدعائي"، "أسباب مادية".. نسأل الله العفو والعافية.. فهذا العمل من أهم أسباب نشوء النفاق في القلب. قال الله تعالى:
[ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون (76) فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون] [التوبة].
كان جزاؤهم على هذا الفعل الخسيس نفاق القلب إلى يوم يلقون الله الذي أخلفوا عهده.. فكيف بنا إن فعلناها مرارا ومرارا! نسأل الله العفو والعافية وأن يعاملنا بكرمه وحلمه سبحانه.
فالمنافقون يكرهون الله.. يكرهون كتابه لأنه يعارض أهواءهم، وهم عبيد الهوى.. يكرهون شريعته لأنها ترتقي بالإنسان إلى القمم، وهم قد تعودوا على البقاء في المستنقعات!
لا يستطيعون البوح بهذا صراحة، فماذا يفعلون؟ يلجؤون إلى اللحن في القول.. إلى كلام ظاهره قد ينطلي على كثير من الناس، لكنه يحمل في طياته خبثا.. قال الله تعالى واصفا المنافقين: [ولتعرفنهم في لحن القول] [محمد: 30]، وهذا اللحن في القول له أشكال كثيرة:
فمنهم من يبث سمومه بكلام منمق ظاهره حب الدين والدفاع عنه وباطنه التشكيك والطعن. فعندما تطاول بعض الحاقدين الغربيين على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يضيره وهو صاحب الشرف الرفيع والمقام المحمود، خرج من المنافقين من يقول: "لا للاستهزاء بالنبي صلى الله عليه وسلم. ولكن للنقد"!
وعندما انطلقت حملة المقاطعة لبضائع هؤلاء الغربيين المستهزئين نعق منافق آخر فقال: "إنها حملة فوضوية تعمق الكراهية والحقد في نفس الآخر وتغذي الإرهاب"! [حكى هذه الأقوال الشيخ علي القرني حفظه الله في شريطه "أرعد وأبرق" ورد على أصحابها الرد الذي يناسبهم].
والمقولتان نموذجان على لحن القول. فالأول يظهر احترام النبي والاعتراف بنبوته والدفاع عنه، بل ويصلي عليه صلى الله عليه وسلم، لكنه ما أراد إلا العبارة الأخيرة التي يدعو فيها إلى نقد النبي المعصوم الذي قال الله فيه: [وما ينطق عن الهوى (3) إن هو إلا وحي يوحى (4)] [النجم].
والثاني يظهر أنه متفق مع المسلمين في اعتبار ما قام به هؤلاء المستهزئون كراهية وحقدا، لكنه في واقع الأمر أغاظه أن يقاطع الكفار الذين يؤذون رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل وعز عليه أن يسميهم كفارا مع ما قاموا به! فسماهم "الآخر"، واستخدم مصطلح الإرهاب الفضفاض الذي يدخلون فيه من شاؤوا من أهل العزة الإيمانية الذين يسعون لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ويرفضون الاستهزاء به، امتثالا لأمر ربهم: [والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون] [الشورى: 39].
ولا ينبغي أبدا أن يقال إنه "لا يجوز لنا إساءة الظن بمن يقول مثل هذه الأقوال ولا الحكم على نيته"!.. فإن مثل هذا القول ناتج عن الجهل بقاعدة الأخذ بالظاهر. فالأخذ بالظاهر كما أنه يقتضي إحسان الظن بمن أظهر خيرا، فإنه كذلك يقتضي الحكم بالسوء على من تكلم بكلام نفاق كهذا، خاصة إذا عرف منه أمثال هذه المقولات وظهر منه استخفاف بالدين، وإلا لما جعل الله تعالى لحن القول علامة فارقة للمنافقين نعرفهم بها: [ولتعرفنهم في لحن القول].
ومن المنافقين من يلجؤون إلى أسلوب آخر.. تراهم ينتظرون، فإذا مات محارب لله ورسوله وكتابه وشريعته.. مدحوا هذا الهالك، وأشادوا بـ "شجاعته" و"جرأته" و"قوته في نشر مبادئه".. يكيلون له المديح حتى لكأنهم عاشوا معه وأكلوا معه ورأوا من أخلاقه وسيرته ما يستوجب المدح! مع أنهم لربما لم يقرؤوا له كتابا ولا حضروا له محاضرة، وإنما يعرفون عنه شيئا واحدا: أنه عدو الله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم! وهذا يكفيهم ليمدحوه! [وقد رأينا أمثال هذا عند هلاك نوال السعداوي!].
ولسان حالهم: "أنت تعبر عنا وتقول ما لا نستطيع قوله، أو ما اقتضى توزيع الأدوار ألا نعلنه". فيظهرون الرحمة والإنسانية و"التوازن" في الحكم على الأشخاص، ليغطوا بها كراهيتهم لله، واشمئزازهم من ذكره، وحقدهم الدفين على شريعته.
وكذلك ترى من يكيل المدح لكبار الملحدين عند هلاكهم، كمديحهم المفرط لستيفن هوكنج [راجع حلقة "لماذا يلحد بعض أتباع عدنان إبراهيم" من سلسلة رحلة اليقين]. ويكيل المدح للأحياء من كهنة الإلحاد ويمجدهم، كقوله في ريتشارد دوكنز (الذي بينا في رحلة اليقين أنه مزور كبير للعلم وكذاب مخادع): "عالم سبحان الله.. تختلف معه، تتفق الرجل عالم، وعنده نفسية عالم، ومشاعر عالم، يقدس العلم، مبتهج بالعلم، يفرح بالعلم، شيء عجيب" [راجع حلقة "عبدة الميكروبات" من "رحلة اليقين"]. وكل هذا من أشكال لحن القول.
ومن أشكال لحن القول ما تفعله منظمات دولية من إظهار الاحترام للإسلام مع غيره من الأديان، في الوقت الذي تروج فيه للكفر والموبقات الأخلاقية ومحاربة الفطرة في المجتمعات المسلمة، مدعية أنها إنما تحارب الفهم الخاطئ للإسلام! وتستخدم العبارات المنمقة مثل "حقوق المرأة"، "التمكين للمرأة"، "حقوق الطفل" لتخفي بها ما حقيقته تدمير المرأة والطفل والأسرة واستعباد الناس. وانظر في ذلك سلسلتنا: "الحرب على الفطرة" على اليوتيوب.
فعلى المؤمن ألا يخدع بالأقوال المنمقة لأي كان، وأن يستحضر ما رواه البخاري أن عمر رضي الله عنه قال: (إن أناسا كانوا يؤخذون بالوحي في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا، أمناه وقربناه، وليس إلينا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا، لم نأمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة) [البخاري (2641)].
وننصح بقراءة كتاب "زخرف القول" للدكتور فهد العجلان والمهندس عبد الله العجيري. فهو نافع في هذا الموضوع بإذن الله.
أخرج البخاري في الأدب المفرد عن سعيد بن المسيب قال: "كنت مع سلمان وعاد مريضا في كندة، فلما دخل عليه قال: أبشر، فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتبا. وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لم عقل ولم أرسل" [أخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه" (11124)، وهناد في "الزهد" (414)، والبخاري في "الأدب المفرد" (493)، وابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" (45)، وأبو نعيم الأصبهاني في "الحلية" (206/1)، وقال الألباني في صحيح الأدب المفرد 379: صحيح الإسناد].
"ومعنى أن المرض يكون مستعتبا للمؤمن أي أنه يكون سببا في محاسبة نفسه ورجوعه عن الإساءة، ويقظته من غفلته. بخلاف الفاجر، فإن مرضه لا ينفعه، وهو لا يزال مصرا على المعصية، ولذلك هو كالبعير الذي أمسكه وربطه أهله ثم أرسلوه فلا يدري لماذا أمسك ولماذا أرسل! وكذلك الفاجر إذا مرض لا يدري لماذا مرض وما هي الحكمة من المرض ولا يحتسب أجرا ولا يرجع إلى الله"! [من محاضرة "فوائد المرض" للشيخ محمد صالح المنجد فرج الله عنه، مع تصرف يسير].
المؤمن يعلم أن الله سبحانه حكيم في أفعاله كلها، وأنه يستخرج من عباده عبوديات بابتلاءات السراء والضراء.. [ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون] [الأنبياء: 35].. فيفكر دائما: "ما العبودية التي يحبها الله مني في هذا الموقف؟".
أما المنافق، فهو في كثير من أحواله قد نسي الله سبحانه، فلا يفسر الأحداث على ضوء الإيمان بحكمة الله، ولا يتفكر في هذه العبوديات. قال الله تعالى في زجر المنافقين: [أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون] [التوبة: 126]، فانظر إلى قوله تعالى: [ولا هم يذكرون].
ومن المسلمين من يقع في مثل هذا. فإذا انتشر وباء أو حلت مصيبة وقيل: "هي تذكرة من الله تعالى" قال: "لا علاقة لها بذلك! إنما هذه أسباب مادية". وجزء من إشكاليتهم في هذا جهل معرفي، إذ يظنون أن الأمر إما أن يكون لسبب مادي أو لسبب غيبي، ولا يدركون أن الله تعالى يقلب عباده بين السراء والضراء بأسباب مادية، فكل من عند الله.. [ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين] [الأعراف: 54]. فلا تعارض بين أن يكون للحدث الواحد سبب مادي وسبب غيبي. قد يعق شخص أبويه ويصاب بعدها بمرض. فمعرفة أسباب المرض المادية لا تعارض أن الله تعالى قد يكون قدر عليه هذا المرض لعقوقه. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر) [أخرجه الطبراني في "المعجم الصغير" (1053) وأبو نعيم الأصبهاني في "تاريخ أصبهان" (217/2) وصححه الألباني في "السلسلة الصحيحة" (2215)].
والمسلم مع ذلك لا يجزم بأن الله قدر هذا الحدث أو ذاك من الأحداث الطارئة لهذه الحكمة أو تلك بالذات. وإنما يعلم أن ما يحصل معه تذكيرات تجعله يلجأ إلى الله تعالى بالشكر في السراء والصبر والتوبة في الضراء. بالإضافة إلى أن كل الأحداث في هذا الكون وأسبابها المادية مقرونة بسبب غيبي إلا وهو مشيئة الله تعالى وتدبيره.
واعجبا من نسيان بعض الناس ربهم سبحانه وتعالى!!.. فلا يتعلمون ولا يعملون بما يقربهم إليه سبحانه. ولا ترى أحدهم يسأل عن الحلال والحرام. وهذه صفة المنافقين: [المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم] [التوبة: 67].
نسوا الله فنسيهم، فلا يبالي الله في أي واد هلك أحدهم. وجزاؤهم أن ينسيهم الله تعالى أنفسهم فلا يعملون بما ينفعهم ويحيي قلوبهم وينجيهم في معادهم: [ولا تكونوا كالذين نسوا الله فأنساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون] [الحشر: 19].
وقال تعالى واصفا أكثر الناس: [يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون] [الروم: 7] ..قال ابن كثير: "أي: أكثر الناس ليس لهم علم إلا بالدنيا وأكسابها وشؤونها وما فيها. فهم حذاق أذكياء في تحصيلها ووجوه مكاسبها، وهم غافلون عما ينفعهم في الدار الآخرة، كأن أحدهم مغفل لا ذهن له ولا فكرة. قال الحسن البصري: والله لبلغ من أحدهم بدنياه أن يقلب الدرهم على ظفره فيخبرك بوزنه وما يحسن أن يصلي" [تفسير ابن كثير].
وقريب من ذلك حال كثيرين من أهل زماننا.. تراه جادا مجتهدا مشمر الذراعين حاسرا عن الساقين في أمر دنياه، فإذا سألته: أتصلي؟ قال: "أقطع"!.. فنعوذ بالله من غفلة القلوب.
علاج النفس من النفاق موضوع كبير يصعب حصره في كتاب واحد مختصر كهذا. فالنفاق له أسباب تربوية واجتماعية ونفسية وفكرية. فأخطاء الوالدين والمعلمين التربوية من أسباب نشوء النفاق في نفوس الجيل. والقهر والظلم الاجتماعي من أسبابه كذلك. قال ابن خلدون: "من سيم الخسف تمرس في عادات النفاق"، أي: من مورس عليه الظلم الشديد لفترات طويلة فإنه يعتاد طباع النفاق ويتقنها. والهزيمة النفسية المكرسة في نفوس كثيرين من أسباب نشوء النفاق في قلوبهم. وكذلك الجهل بحقيقة الإسلام وحقيقة الجاهلية معا.
كما أن نشوء النفاق أو بعض صفاته في القلب هو نتيجة ارتفاع الإيمان أو بعضه من القلب. فكل كلام في خصال الإيمان وكيفية تحصيلها والحماية من فقدانها هو كلام عن النفاق من وجه آخر، لأن الذي يحل محل الإيمان إذا ارتفع من القلب هو إما كفر ظاهر وإما نفاق.
فالحديث عن علاج النفاق ومنعه ابتداء يطول، إلا أننا سنشير إلى بعض العوامل الوقائية والعلاجية باختصار. وهذه العوامل كنت قد كتبتها من قبل كعوامل لعلاج كراهية ما أنزل الله تعالى. ثم اخترت أن أعممها كعلاجات للنفاق، إذ أن كراهية ما أنزل الله لها دور كبير في نشوء الصفات النفاقية الأخرى.
ومن عوامل العلاج:
تصحيح المركزية والمعايير الحاكمة في حياة المسلم اليومية: وذلك بإحياء مفهوم مركزية الله والدار الآخرة في حياة المسلم في مقابل مركزية أهواء الإنسان وشهواته. وقد شرحنا ذلك في حلقة "وهم الحرية" [ضمن سلسلة "كن عزيزا بإسلامك"، قناة الدكتور إياد قنيبي الرسمية على يوتيوب]. وهذا يتطلب تثبيت الإيمان بالله والدار الآخرة [ننصح في ذلك بسلسلة رحلة اليقين للمؤلف، قناة الدكتور إياد قنيبي الرسمية على يوتيوب]، ثم العمل بمقتضى هذا الإيمان، وأن يكون هم الإنسان الأكبر تحصيل رضا الله للنجاة في الآخرة، وأن تنبثق المعايير التي يحكم بها على الأشياء من الشرع وحده مع نبذ كل المعايير البشرية. فمثلا معيار "الحرية" له مفهوم وضعه الغرب ونشأ من نظرته للحياة، فلا يصلح أن نأخذ به بغض النظر عن التزويقات والتزيينات التي تضفى عليه لتمريره علينا، لأنه نقيض لمعيار العبودية لله وحده والانقياد المطلق لطاعته سبحانه. وكذلك معيار "المساواة" المطلقة فهو مناقض للشرع والعقل والفطرة، والمعيار الذي ينطلق منه المسلم هو معيار العدل الذي جاءت به الشريعة [راجع سلسلة المرأة للمؤلف، قناة الدكتور إياد قنيبي الرسمية على يوتيوب].
الحفاظ على السوية الفطرية: وهذا يتطلب إتقانا لفن التربية. وصفات النفاق كثيرا ما تنشأ عن انحراف الفطرة وطمسها. فهي مضادة للصفات الفطرية التي تتضمن معاني الحياء والرحمة والشهامة والنخوة والكرامة والعزة ورفض الظلم.
تعلم ما أنزل الله وتصحيح الصورة الذهنية عن أحكام الإسلام واستعراض واقع المجتمعات المنقطعة عن الوحي: فتعلم حال المجتمعات التي انقطعت عما أنزل الله، ثم اسأل: هل لا بد من أن نخوض تجربة هذه المجتمعات بكامل فصولها؟! هل لا بد من أن نذوق مراراتها وشقاء الأرواح فيها قبل أن نعلم أن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير؟! [راجع مثلا حلقة "تحرير المرأة الغربية-القصة الكاملة"، وحلقة "الإسلام وضرب المرأة"، وحلقة "أنا حرة"، وحلقة "أنا مش شغالة البيت" في "سلسلة المرأة" للمؤلف].
تكوين النظرة السننية: بمعرفة أنه لا بد من التدافع، واستعراض حال البشرية تاريخيا حين حرمت من سيادة سلطان الإسلام، وأن صورة عالم بلا تدافع ينسجم فيه الجميع بمعايير إنسانوية ولا مكان فيه لآيات الولاء والبراء على أساس العقيدة والجهاد [حتى لا تكون فتنة] [الأنفال: 39]، أن هذه الصورة الحالمة فاشلة لا رصيد لها من الواقع ولا التاريخ [وانظر في ذلك محاضرة "نماذج السعادة البشرية في غياب الفتوحات الإسلامية" للمؤلف]. وإنما تروج هذه الصورة بين أبناء المسلمين لكسر شوكتهم ونزع إرادتهم وقتل ما تبقى لديهم من روح العزة والإباء.
ترك المعصية: استحضر في ذهنك إذا دعتك نفسك للمعصية أن الاستجابة لها قد تؤدي بك إلى النفاق، وتذكر: [فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة] [النور: 63].
إدراك محدودية العقل البشري: فإذا أدركت قصور عقلك البشري مع غلبة الهوى والشهوات (والتي تتخفى أحيانا بلباس العقل والحكمة) علمت أن نفورك من حكم بين من أحكام الله إنما هو لقصور عندك، لا في الحكم نفسه. فالإنسان لا يعرف طبيعة الروح التي بها يعيش، ولو اجتمع أكبر أطباء الأرض حول مريض قدر الله عليه أن تخرج روحه ما استطاعوا رد الروح إليه. قال الله تعالى: [فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ترجعونها إن كنتم صادقين (87)] [الواقعة]. أي فإذا كنتم صادقين في أنكم غير محاسبين بعد الموت، فلولا حاولتم عند المحتضر إذا بلغت روحه الحلقوم أن ترجعوها إلى مواقعها من أجزاء جسده! فما صرفكم عن محاولة ذلك إلا العلم الضروري بأن الروح ذاهبة لا محالة. فإن إيداع الأرواح في الأجساد تصرف من تصرف الله تعالى، وهو الحكيم. فما نزع الأرواح من الأجساد بعد أن أودعها فيها مدة إلا لأن انتزاعها مقتضى الحكمة أن تنتزع، ليجري عليها الحساب على ما اكتسبته في مدة الحياة الدنيا [هذا التفسير مستفاد من التحرير والتنوير لابن عاشور]. فكيف يسمح هذا الإنسان الذي لا يستطيع خلق الحياة ولا منع الوفاة ولا يعرف طبيعة الروح التي بها يعيش، كيف يسمح لنفسه أن يعترض على شيء من أحكام خالقه لأنها لا توافق العقل القاصر؟ [أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين] [يس: 77].
الثقة بعلم الله وحكمته ورحمته: وذلك في مقابل إدراك ضعف وقصور العقل البشري. [وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون] [البقرة: 216]. تذكر أنه سبحانه خالقك، فهو أعلم بما يصلحك. قال تعالى: [ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير] [الملك: 14]. تذكر حكمة الله: [أليس الله بأحكم الحاكمين] [التين: 8]. تذكر رحمة الله سبحانه وتعالى، وأنه تعالى شرع هذه الأحكام لعلمه بضعفك، فأراد أن يجنبك الحرج الناتج عن اتباع الأهواء. في سورة النساء، بعدما بين الله أحكاما متعلقة بالتعامل بين الجنسين قال تعالى: [يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (26) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (27) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (28)] [النساء]. فاحذر أن تكره شيئا مما أنزل الله لإحساسك أنه صعب على النفس البشرية الضعيفة. فهو سبحانه أرحم بضعفك. واحذر أن تطيع الذين يتبعون الشهوات، فهم يريدون لك أن تميل ميلا عظيما فتتعس في الدارين، في الوقت الذي يريد الله أن يتوب عليك ويخفف عنك. تذكر قوله تعالى: [واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8)] [الحجرات]. قال ابن كثير: "أي: اعلموا أن بين أظهركم رسول الله فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره، فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، ورأيه فيكم أتم من رأيكم لأنفسكم كما قال تعالى: [النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم] [الأحزاب: 6]. ثم بين أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم فقال: [لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم].. أي: لو أطاعكم في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم". انتهى كلام ابن كثير. إذا لو كان الأمر على أهواء البشر لأصابتهم المشقة، لكن الله عصم قلوب الصحابة من أن يصيبها مرض كراهية ما أنزل الله. قال تعالى في تتمة هذه الآية: [ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون (7) فضلا من الله ونعمة والله عليم حكيم (8)] [الحجرات].
معالجة الخلل في اليقين بالله وصحة الرسالة: فإن كان عندك خلل أو ضعف في اليقين بوجود الله تعالى ووحدانيته وبأن القرآن كلام الله ومحمدا صلى الله عليه وسلم رسول الله، فإن هذا الخلل أو الضعف يجعلك عرضة للنفاق. في المقابل، قال الله تعالى: [ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون] [المائدة: 50]. فالموقن سيدرك حقيقة أن حكم الله هو الأحسن، وسيرى حسن هذا الحكم وجماله وكماله.
الدعاء: توجه إلى الله بالدعاء وصدق الإلحاح، واطلب الهداية من مقلب القلوب. ادع الله تعالى أن يجعلك ممن حبب إليهم الإيمان وزينه في قلوبهم وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان. فهو تعالى القائل في الحديث القدسي: (يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم) [مسلم (2577)]. كان من دعاء نبينا صلى الله عليه وسلم: ((أسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقربني إلى حبك)) [أخرجه أحمد (22109)، والترمذي (3235)، وفي "العلل الكبير" (661 / ترتيبه)، والحاكم في "المستدرك" (1913) وصححه الألباني]. واستحضر هذا المعنى وأنت تقول في أذكار الصباح والمساء: رضيت بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا. استحضر أنك ترضى بالله ربا بالفعل، فترضى كل آية في كتابه تعالى فهو كلام الله. وترضى بالإسلام دينا، فترضى بشريعته وبشعائره.. وترضى بمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا، فتحب سنته ولا تجد في صدرك حرجا من شيء منها. فاحرص على العمل بهذه العلاجات لتلقى الله بقلب محب له سبحانه ولدينه، سليم من النفاق ومن كراهية ما أنزل [يوم لا ينفع مال ولا بنون (88) إلا من أتى الله بقلب سليم (89)] [الشعراء].
أما بعد، فقد ظهرت لنا صفات المنافقين واستبانت سبيل المجرمين.. بثها الله تعالى في كتابه وفصلها على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم [ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة] [الأنفال: 42]... وكل يغدو، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها.
فليختر امرؤ لنفسه: أيريد أن يكون ممن قال الله تعالى فيهم: [فأعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون] [التوبة: 95].. رجس، نجس مستقذر لا يرفع من أرضه! وذلك في حياتهم..
وليختر امرؤ لنفسه: أيريد أن يكون على شاكلة قوم بلغ من مقت الله لهم أنه لم يعطهم فرصة أخرى ليطهروا سجلهم الأسود، لما علم سبحانه أن نفوسهم أخس من ذلك: [فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا ولن تقاتلوا معي عدوا إنكم رضيتم بالقعود أول مرة فاقعدوا مع الخالفين] [التوبة: 83].
وليختر امرؤ لنفسه: أيريد أن يكون من أهل المهانة عند قبض الأرواح: [فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم] [محمد: 27].
وليختر امرؤ لنفسه: أيريد أن يكون على شاكلة أقوام لم يرتض الله تعالى لنبيه أن يصلي عليهم ولا يدعو لهم عند مماتهم: [ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره] [التوبة: 84].
وليختر امرؤ لنفسه: أيريد عند التمايز أن يكون ممن قال الله فيهم: [ليميز الله الخبيث من الطيب ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنم] [الأنفال: 37] ..هكذا! ركام من النفوس الخبيثة.. أخلاط من المنافقين والكافرين تعامل يوم القيامة كالمهملات فتكب في النار! [أشار إلى شمول هذه الآية المنافقين كتاب التحرير والتنوير ج1 ص1757].
فمهانة في الدنيا، ومهانة عند نزع الروح الخبيثة، ومهانة عند الحساب.. ثم بعد ذلك الذل الأطول في الدرك الأسفل!
فيا أخي المسلم ويا أختي المسلمة.. حذار من صفات المنافقين!
فوالله لواحدة منها مهلكة، فكيف إذا انضمت صفات منها عديدة في شخص واحد!
فاحذر أيها العاقل! فما ترضى لنفسك أن تلقى الله وأنت على شاكلة أقوام قطع الله أمل كل أحد في أن يغفر لهم: {استغفر لهم أو لا تستغفر لهم إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم} [التوبة: 80]
ولا يغرنك كثرة أموالهم وعددهم، فما هي إلا زيادة نكال عليهم: {فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 55].
ففي حياتهم لا يزيدهم مالهم إلا غما وهما، فهم إن أنفقوا في وجوه الخير أنفقوا كارهين، وإن ابتلوا في أموالهم أو أولادهم انقلبوا جزعين هلعين..
ثم يؤكدها الله تعالى بعد تفصيل صفاتهم مرة أخرى بقوله: {ولا تعجبك أموالهم وأولادهم إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون} [التوبة: 85]
وليتذكر كل منا أن النفاق الذي فصلنا القول فيه ليس ظاهرة انقرضت، بل هو داء العصر الأخطر... وأن الصحابة، خيار الناس، الذين صحبوا نبينا صلى الله عليه وسلم وضحوا التضحيات، خافوا على أنفسهم من النفاق.. فلسنا نحن أولى بالأمن منهم. وليعد القارئ قراءة فصل: «حقائق خطيرة عن النفاق يجهلها عامة الناس» في أوائل الكتاب ليربط به صفات النفاق بعد أن استوعبها، ويرى إن كان له نصيب منها.
وليتذكر كل منا أن الله تعالى ما خلق الخلق وأرسل الرسل إلا ليتمايز الناس. قال تعالى: {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا * ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان الله غفورا رحيما} [الأحزاب: 72 - 73]
قال ابن قتيبة: أي: عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق وشرك المشرك فيعذبهما الله، ويظهر إيمان المؤمن فيتوب الله عليه.. أي: يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات [^1].
وباب التوبة مفتوح... قال تعالى بعدما ذكر أن المنافقين في الدرك الأسفل من النار: {إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما} [النساء: 146]
فنسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من النفاق ويجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم وأن يحشرنا في زمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقا.
وختاما، من قرأ هذا الكتاب فاستفاد منه في تنقية إيمانه فلعله يدعو لكاتبه بخير، وليتذكر أن الملك يقول: «آمين، ولك بمثل» [^2]. ومن وجد فيه خطأ في المبنى أو المعنى فلا يبخل علينا بنصحه، فالمؤمنون نصحة والمنافقون غششة.
انتهيت من كتابة الطبعة الثانية في جمادى الآخرة 1444 من هجرة الحبيب المصطفى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم
الراجي عفو ربه: إياد عبد الحافظ قنيبي
[^1]: تفسير البغوي. [^2]: للحديث الذي رواه الإمام مسلم (2732)، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من دعا لأخيه بظهر الغيب، قال الملك الموكل به: آمين، ولك بمثل).