د. إياد قنيبي
ام هيثم.. كانت تنسج البلوزة (الكنزة) الصوفية بيديها لابنها الذي قال لها في اتصاله الاخير: (امي الحبيبة، لي عندك طلب انسجي لي بلوزة صوف بيديك واطلبي من ابي ان يرسلها مع صديقي عماد، فطيارته يوم الخميس بعد القادم اعرف انك ستتعبين في نسجها، لكني اريد ان اتذكرك وانا البسها.. ساحس انك نسجت فيها حنانك بعطفك بحبك يا غالية.. ساحس وانا البسها انك تضمني الى صدرك.. باختصار يا حبيبتي انسجيها.. علشاني).
ابو هيثم كان يعلق - شبه ممازح - وهو يرى زوجته منهمكة في النسج: (يعني يا سيد هيثم من قلة البلايز تستطيع ان تشتري من عندك احسن بلوزة بعشرين دينارا بدل ان تتعب امك وترهق عينيها في الليل بطلبك هذا!).
اما ام هيثم فلم تتاثر ابدا بما يقوله زوجها..
كانت كلمة هيثم: (علشاني) ترن في مسامعها.. كانت من حين الى حين تقطع انهماكها في النسج للحظة ريثما تكف دمعتها، دمعة الفرحة بتلبية طلب هيثم، او دمعة الشوق اليه.
لقد كانت ام هيثم تنسج البلوزة باستمتاع مع ان بصرها وشيئا من اليبس في اصابعها لم يساعداها.. لكنها كانت تستجمع قواها كلما تذكرت كلمة هيثم (علشاني)، وتقول لزوجها: (لا شيء كثير على هيثم. ما دام هيثم طلب ساصبر).
تنقلب الاعمال الشاقة متعة عندما يكون الذي طلبها منا عزيزا الى قلوبنا.. وبقدر حبنا له، تزداد لذة المعاناة من اجله. فكيف اذا كان الذي طلبها منا هو الله سبحانه وتعالى! انه يطلب منك ان تصبر ابتغاء وجهه الكريم: ((والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم)) (الرعد 22).
وقال تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: (( ولربك فاصبر)). قال مفسرون في معناها: اي اجعل صبرك الله ومن اجله سبحانه. فهل هناك صبر كثير على الله؟!
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( لو ان رجلا يجر على وجهه من يوم ولد الى يوم يموت هرما في مرضاة الله تعالى لحقره يوم القيامة)) (حسنه الالباني). تصور! لو انك منذ ولادتك الى يوم وفاتك في سن كبير هرما امضيت هذه الثمانين او التسعين عاما تجر على وجهك في سبيل الله تعالى لاحتقرت عملك هذا يوم القيامة ووجدته لا شيء عندما تعلم عظمة الرب الذي من اجله ابتليت وترى اكرامه لك على صبرك من اجله!
كلما احسست بطول البلاء ونفاد الصبر قل: (بما ان الله تعالى طلب ان اصبر، ساصبر.. ابتغاء وجه الله. فالله تعالى اعظم محبوب، وليس شيء كثيرا على الله).