كم أحب سلامة الصدر للمسلمين..قبل شهر وقعت عيني عرَضاً على غلاف مقطعٍ لأخٍ، وضع فيه صورة العبد الفقير إياد مع شخص يشرعن لأهل الباطل، مع عنوانٍ فيه تحامل شديد. وكان المقطع قد مرت عليه سنة وشاهده عدد كبير من الناس، ولم أكن اطلعت عليه من قبل، ولم أطلع على ما قيل فيه حتى الآن. فلا أحب أن أتتبع كل ما يقال فيَّ. سألت صديقاً ثقةً عن الأخ صاحب المقطع: هل هو من العقلاء؟ فقال نعم. فأرسلت للأخ صاحب المقطع رسالة توضيح لحقيقة مواقفي، وعتاب على مقطعه، ودعوت الله أن يشرح صدره للحق ويهديه. وكنا في بداية الأيام المباركة من عشر ذي الحجة. وكان في آخر الرسالة: "فإذا أدركت أنك ظلمت أخاك فأطلب منك أن تحذف حلقتك المذكورة وتصحح موقفك من أخيك لتبرأ ذمتك أمام الله. وأنا حينها مسامحٌ لك دنيا وآخرة. فلا أحب أن أستنفد قلبي وفكري في معارك جانبية مع إخوة لي بينما كلنا مستهدفون. وإلا فيعلم الله أن ما فعلته ظلم وبغي. وأذكرك بقول النبي ﷺ: (ما من ذنبٌ أجدرُ أن يُعجِّلَ اللهُ لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا مع ما يدَّخِرُ له في الآخرةِ من البغيِ وقطيعةِ الرحمِ). والسلام عليكم". فلم يكن من الأخ أكرمه الله إلا أن اعتذر وحذف المقطع على الفور ثم خرج بمقطع آخر يتراجع فيه عما قاله في العبد الفقير. فأكبرتُ ذلك منه كثيراً وأكبره متابعوه كثيراً. ودعا الناس له ولأخيه العبد الفقير بخير. وقلبي الآن صافٍ للأخ تماماً لا تعكره ضغينة. - "لكن ماذا عن الذي شاهدوا مقطعه القديم وتحاملوا عليك وأساؤوا إليك بسببه؟" - لا يهم. الله تعالى جملنا في عيون كثير من الناس أكثر مما نستحق، فنتجاوز لوجهه تعالى إذا أسيء إلينا بما لا نستحق. محل الشاهد: ليتها تصبح ثقافة عامة، أن يتواصل العقلاء مع بعضهم ويحلوا سوء الفهم والخلافات فيما بينهم بدل إشغال المسلمين بالمعارك الجانبية. فهذا والله خير للطرفين وللناس. ولا يعني هذا أنني لا أقبل الرد أو النقد، أو أنني أشترط فيمن يرد عليّ أن يكون أسلوبه كما أحب. فقد يرد عليّ أخٌ بحق، وأكون أنا المخطئ فعلًا، ويظهر من كلامه أنه يريد الحق لا التصيد. فهذا لا أقف كثيرًا عند أسلوبه، حسن أم سيئ، لانشغالي بما هو أهم: هل ما قاله حقٌّ يجب أن أعلنه لمن يتابعني لئلا يتابعوني على خطأ؟ فالحق أحق أن يُتّبع. - قد تسأل: "ولماذا سألت بدايةً عن الأخ إن كان من العقلاء؟" - لأن هناك في المقابل أناساً كل همهم، كما يظهر من سلوكهم، تحصيل مشاهدات، ولو بالافتراء على العبد الفقير أو من هو خير من العبد الفقير. ولا يردعهم قول ربهم (والذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا بهتاناً وإثماً مبيناً).. - وهناك كذلك أناس يخالفون العبد الفقير في منهجه. ولا يريدون أن يصارحوا بذلك لأن بضاعتهم لن تروج على الناس، فلا يجدون وسيلة إلا الافتراء. - فأمثال هؤلاء وأولئك لا يعنيني أن أُصَفِّيَ نفسي تجاههم، ولا أرى نفسي مطالَباً بذلك أصلاً. فلن أكون خيراً من سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، الذي لما قام رجل يفتري عليه أشد الفرية ويقلب الحقائق قال: "أما والله لأدعون بثلاث: اللهم إن كان عبدك هذا كاذبا قام رياء وسمعة، فأطل عمره، وأطل فقره، وعرضه بالفتن". "قام رياء وسمعة"..تشبه في هذا الزمن: لتحصيل الإعجابات والمشاهدات والمتابعات والتسلق على ظهور الآخرين. واستجاب الله دعاءه كما في حديث البخاري ومسلم. فهؤلاء لا يعنيني أن أفكر بهم، ولا أن أرد عليهم وإنْ عظُمت فريتهم وتأثر بها من تأثر. وإنما أدع أمرهم ليوم القيامة، حين يقضي بيننا أحسن الحاكمين وأعدلهم سبحانه. فإن كان لنا عندهم حق تقاضيناه يوم تشتد الحاجة إلى الحسنات وطرح السيئات. ونسأل الله سلامة الصدر للعقلاء والصادقين من المسلمين.