رافقتُ أمس في طريق العودة من صلاة العشاء أخاً فاضلاً من أهل الصف الأول في المسجد...رجلٌ بشوش طيب، من أكثر ما يميزه تلطُّفه بالأطفال في المسجد والتحبب إليهم.. فحدثني عن شيء حصل معه في صغره صدَّه عن المساجد 25 عاماً لا يدخل فيها أي مسجد لا لصلاة جُمعة ولا جماعة! منذ كان عمره 14 سنة وحتى التاسعة والثلاثين.. أثار ذلك فضولي فسألته عن السبب، فقال:
"كنتُ أحس أني غير مرحب بي في المسجد..تضجُّرٌ من الكبار على أتفه الأسباب..مرةً في صغري دخلت المسجد بقميص عليه Chicago Bulls فطردني أحدهم وقال لي: "جايب لي بقرة على الجامع؟!"..كنت أحس أن بعض الكابر يعادونني إذا تحركتُ حركة أو صدر مني صوت ! لا ترحيب، لا استيعاب أن هذا ولد صغير. ولذلك فأنا أتعمد أن أتلطف مع الصغار لأحبب بيوت الله إليهم".
ثم أخبرني الأخ كيف أنه دخل المسجد بعد انقطاع الـ 25 عاماً، وكان ذلك عام 2018، فسمع درساً قصيراً عن صحابي فأثَّر فيه ثم استمر، وأحسب الآن أن قلبه معلق بالمساجد.. لكم أن تتصوروا إثم وجُرم الذي نفَّر هذا الأخ عن المساجد في صغره ! يتصرف أحدهم بفظاظة وجلافة ولا يدري أنه بذلك قد يُكتب فيمن يصدون عن سبيل الله !
جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: "إني لأتأخر عن صلاة الصبح من أجل فلان؛ مما يطيل بنا" فما رؤي النبي ﷺ غضب في موعظةٍ أشدَّ مما غضب يومئذ! فقال: (يا أيها الناس، إن منكم منفرين، فأيكم أم الناس فليوجز؛ فإن من ورائه الكبير والضعيف وذا الحاجة). هذا لأن الإمام طوَّل الصلاة. فكيف لو رأى سيد الرحماء، الرفيق بالأطفال ﷺ أولئك الذين ينهرون الأطفال ويصدونهم عن بيوت الله؟!
ومتى؟ في هذا الزمن الذي تُغلق فيه كثير من دور تحفيظ القرآن والمراكز الصيفية!! فإلى أين تريدون أن يذهب أبناؤنا بعد ذلك؟!
فإلى أولئك المنفرين: اتقوا الله! اتركوا الأطفال في حالهم..إن لم تُحْسِنوا ترغيبهم في المساجد فاكفوهم أذاكم! طبيعيٌّ جداً أن يتحرك الأبناء في المساجد جيئة وذهاباً، وأن يتضاحكوا وتتعالى أصواتهم أحياناً، وإنما ينبهون بلطف و وُدٍّ إذا شوشوا على المصلين..وجود الأطفال حياة للمساجد، وهم من يُعوَّل عليهم أن يعمروها في المستقبل..وتنفيرهم عنها سعي في خرابها من حيث لا يشعر المنفرون.