في بادرة تربوية جميلة، اقترحت إحدى المعلمات في مدرسة بناتي نشاطاً استثنائياً: أن تتأخر الطالبات يوماً ليقمنَ بحملة تنظيف نيابة عن الأخت العاملة التي تتولى هذه المهمة يومياً. وقد حصل بالفعل، وعاد بناتي راضياتٍ فخوراتٍ بأنهن منحنَ "الخالة" يوماً من الراحة المستحقة. إنَّ مثل هذه الأنشطة ليست مجرد "تنظيف"، بل هي رسائل أخوية بليغة ينبغي تشجيعها ونشرها، لنؤكد لإخواننا وأخواتنا ممن يشغلون مهناً "بسيطة" في عرف المجتمع، أننا لا نترفع عن ممارستها، ولا نزدري القائمين عليها، بل نقدّر جهدهم الذي يحقق لنا الراحة. وفي هذا السلوك جبرٌ عظيمٌ لخواطرهم وحفظٌ نبيلٌ لكرامتهم. وهذه القيمة تحتاج امتدادا إلى داخل أُسَرنا. فمن الرقيِّ أن يبادر أفراد الأسرة، بما فيهم الأب والأبناء الذكور، إلى القيام بمهام قد تأنف منها نفوسهم أو اعتادوا تركها للنساء أو البنات الإناث، ولو مرة كل فترة، لتصل رسالة صامتة راقية : "أننا نتقاسم الأعباء تكاملاً، لا تعالياً". وقدوتنا في ذلك معلم الناس الخير، أكرم خلق الله، محمد ﷺ، الذي كما قالت عنه أمنا عائشة: (كان يكونُ في خِدمةِ أهْلِه)، بِمعنى أنَّه كان يُساعِدُهنَّ في الأعمالِ الَّتي يَقُمْنَ بها، ومِن ذلك أنَّه ﷺ، كما في مُسنَدِ أحمَدَ، كان يَخدُمُ نفْسَه، ويَحلُبُ شاتَه، ويَرقُعُ ثَوبَه، ويَخصِفُ نَعْلَه. مع أنه ﷺ كان عنده من يخدمه لينال شرف الملازمة، كأنسٍ رضي الله عنه، إلا أن اليد النبوية الشريفة كانت لا تترفع عن هذه الأعمال البسيطة، تعليماً للبشرية أنَّ مساعدة الآخرين رفعة. وفي ذلك لفتة أيضاً للبيوت التي تتستعين بالعاملات المنزليات المستقدَمات. فقيام أفراد العائلة ببعض المهام البسيطة بين الحين والآخر يكسر حواجز الكبر ويغرس في الأبناء معاني التواضع. وتذكروا: (الراحمون يرحمهم الرحمن. ارحموا مَن في الأرض يرحمْكم مَن في السماء).