مقدمة: روح الأخوة وقضية الأسرى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوتي الكرام.
لا شك أن المسلم يحب أن تخف معاناة إخواننا وأخواتنا الأسرى في سجون الاحتلال، كما أننا نسعد بالأخوة الإيمانية التي دفعت كثيراً من المسلمين إلى إحياء قضية الأسرى إعلامياً، وتغيير الصورة الشخصية على صفحات الفيسبوك والتويتر إلى صورة الأسير والأسيرة بالملابس البنية. فالنبي ﷺ قد علمنا أن "لا تحقرن من المعروف شيئاً"، وأمة محمد ﷺ حية تشعل فيها الحوادث روح الأخوة.
قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ}، وقال المصطفى ﷺ: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد؛ إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى". وهذه الأحداث تدل على أن في الأمة طاقة وحباً للتضحية.
فالصهاينة شر وأخبث وأكثر غطرسة وكبراً من أن تدفعهم إنسانية أو رحمة إلى تلبية مطالب الأسرى، لكنهم يجسون نبض الأمة؛ فإن وجدوا فيها حياة كفوا بعضاً من شرهم، وإلا تمادوا، إذ أنهم لا يرقبون في مؤمن إلّاً ولا ذمة. وكثير من المسلمين والمسلمات كان غافلاً مقصراً، لكن ارتفعت اهتماماته بعد أن رأى قضية إخوته الأسرى. فاللهم اجزِ إخواننا الأسرى عنا خيراً أنهم ارتفعوا باهتمامات الأمة في هذه الفترة، ومُنَّ عليهم بالفرج الكامل، واجزِ من تعاطف وتراحم معهم خيراً يا رب العالمين، آمين.
لكن إخواني، هنا حقائق أربع مهمة جداً ينبغي أن لا ننساها في غمرة موضوع الإضراب والمطالب والاتفاقية.
الحقيقة الأولى: أسرانا لا زالوا أسرى
أسرانا لا زالوا أسرى، فما حصل من الاتفاق على تحسين أوضاعهم لا ينبغي بحال أن يعتبر انتصاراً للأمة. انتصار الأمة هو بتحرير هؤلاء الأسرى وبلادهم من الاحتلال. أقول ذلك لأن اليهود -وهم أخبث الناس- يعمدون إلى النزول بسقف طموحات الأمة من خلال شغلها بمطالب جانبية عن المطلب الحقيقي.
تصور يا أخي أن لصاً سرق ابنك، وعلمت بمكانه، فذهبت لتحرر ابنك، فإذا باللص يضرب ابنك أمامك ويعذبه. طالبت اللص بوقف التعذيب فأبى، وتعودت مع مرور الزمن على رؤية ابنك يعذب، ثم بعد ضغوطات ومحاورات اتفقت مع اللص على وقف تعذيب ابنك، فتوقف بالفعل، فعدت إلى بيتك منتشياً بأن اللص أوقف تعذيب ابنك! منتشياً بهذا "الانتصار"، دخلت البيت فإذا بك تجد غرفة ابنك فارغة!
وكذلك أسرانا؛ تحريرهم فرض كفاية، قال رسول الله ﷺ: "فكوا العاني" (أي الأسير). لا نريد إخواني للصهاينة أن ينجحوا في شغلنا واستنزاف طاقاتنا في معارك جانبية تنسينا المطلب الأساسي وتخدر أحاسيسنا بنشوة انتصار موهوم.
أعود فأقول: تضامن المسلمين مع الأسرى الذي رأيناه يدل على خيرية وحياة في أمة محمد، لكن علينا الحذر من الوقوع في فخ تضخيم النتيجة؛ فالأسرى وإن خفت معاناتهم فهم ما زالوا أسرى، والنصر لا يكون بتقليل معاناتهم بل بتحريرهم.
نريد ألا يتدنى سقف طموحاتنا. عندما تعرضتُ شخصياً لبلاء الأسر بسبب مناصرة إخواني في أفغانستان، كنت أتألم عندما تأخذ قضيتي وقضية إخواني الأسرى السياسيين في الإعلام منحى "تحسين أوضاع السجن" بدلاً من التركيز على عدم مشروعية حبسنا ابتداءً؛ فأسرنا كان ظلماً حسب شريعة الله عز وجل، وكذلك أسر إخواننا في فلسطين، فالمنتظر من المسلمين السعي في رفع هذا الظلم برمته وليس الاقتصار على تحسين الأوضاع في السجن.
كما أن هناك أمراً مهماً جداً إخواني؛ الطنطنة على اتفاقية تمت مع اليهود وبوساطة أعوانهم (حراس الحدود المصرية) يراد منها إضفاء الشرعية على أسر إخواننا، بحيث تصبح النتيجة: "لا مانع من أسر المسلمين في فلسطين، لكن على أن يمنحوا حقوقهم التي أقرتها اتفاقية جنيف، وعلى أن تكون ظروف اعتقالهم قانونية وفق قوانين الدولة اليهودية، وعلى أن لا تمدد فترة الاعتقال الإداري".
هذه كارثة إخواني! بعضنا قد يقول: "ما لا يدرك كله لا يترك جله، إن لم نستطع تحريرهم فلا أقل من أن نخفف معاناتهم"، لكن في الواقع، الطنطنة حول هذه المصطلحات المذكورة (اتفاقية جنيف، الاعتقال القانوني.. إلخ) يميع القضية الأصلية ويضفي على الاعتقال نوعاً من الشرعية؛ ما عادت المشكلة أن إخواننا معتقلون، بل المشكلة في ظروفهم المعيشية في الاعتقال!
إذا فكر المسلمون بهذه الطريقة، فهذا حقيقة مكسب وانتصار لا نحرزه نحن، بل يحرزه اليهود باستدراجنا إلى ما يستنزفون به طاقاتنا ويلهوننا به عن المطلب الحقيقي. فلنحذر من هذه المصطلحات، ولنحذر من تضخيم الإنجازات وتسمية ما حصل انتصاراً، فأسرانا لا زالوا أسرى.
لا ننسى أنهم يطأطئون رؤوس إخواننا، ويعصبون أعينهم، ويربطونهم بالأغلال يقودهم واحد من أفراد الجيش الصهيوني. لا ننسى أن بعض المجندات يلتقط لهن الصور أمام أسرانا كذكرى إهانة وتنكيلاً بإخواننا. لا ننسى أن الصهاينة ألقوا القبض على مئة امرأة فلسطينية في يوم واحد أثناء انشغال العالم بأحداث الربيع العربي قبل أكثر من عام؛ تصور أختك المسلمة الحرة العفيفة والجندي اليهودي النجس يمسكها ويربط يديها! لا ننسى أن الاحتلال يجري تجارب على بعض الأسرى الفلسطينيين باستخدام أدوية يؤدي بعضها إلى مضاعفات خطيرة. أسرانا ما زالوا أسرى، كانت هذه الحقيقة الأولى والأهم.
الحقيقة الثانية: تزييف صورة "دولة القانون"
يعمد اليهود إلى إظهار شيء من ظلمهم وتركه يأخذ الاهتمام الإعلامي، ثم يتظاهرون بأنهم تعاملوا مع هذا الظلم بطريقة "قانونية"، وهذا كله تغطية على جرائمهم التي لا تعرف قانوناً ولا عرفاً ولا ديناً ولا إنسانية.
فهم يغتصبون المساحات الكبيرة من الأراضي عنوة عن أهلها، ثم يتداول الإعلام قصة أرض اغتصبوها فتقدم صاحبها الفلسطيني المسلم إلى المحاكم اليهودية بشكوى، وبعد تسليط الضوء على القضية وانتظار نتيجتها، يخرج علينا الإعلام بأن الفلسطيني "كسب القضية واسترد أرضه"! كل ذلك لإشاعة أن دولتهم دولة قانون ومؤسسات كما يقال. وكذلك الشأن في قضيتنا هذه؛ فإخواننا لا زالوا يعانون من الأسر عند أشد الناس عداوة للذين آمنوا: اليهود. أسرانا لا زالوا أسرى.
الحقيقة الثالثة: رمزية "عقوبات شاليط" وقيمة المسلم
تعمد الاحتلال أن يطلق على العقوبات التي طالب إخواننا المعتقلون برفعها اسم "عقوبات شاليط"، وهذا اسم رمزي الهدف منه إعلام العالم بأن الدولة اليهودية -فيما تدعي- تقدس أفرادها وتغضب لهم.
فمن أجل أسير يهودي واحد، شن الاحتلال الحرب على غزة وقتل أكثر من ألف مسلم. من أجل أسير واحد، ضيق الخناق على غزة. من أجل أسير واحد، فرض عقوبات على الأسرى المسلمين. من أجل أسير واحد، اعتقل الاحتلال مئات المسلمين في فلسطين قبل صفقة المبادلة مع شاليط، حتى ينتشر في الإعلام العالمي أن قيمة أسير يهودي تساوي أكثر من ألف أسير مسلم! وقد نص كتابهم على ذلك عند صفقة المبادلة، حيث قال أحدهم: "وتبقى الحقيقة التي لا يستطيع أحد إنكارها أن الواحد منا بألف منهم".
فلنتذكر يا إخواني وأخواتي، من أجل المسلمة التي صرخت "واإسلاماه" انتقم لها المعتصم، وكذلك رسول الله ﷺ بايع الصحابة على الموت في بيعة الرضوان عندما شاع أن المشركين قتلوا عثمان رضي الله عنه. وسير رسول الله ﷺ جيش مؤتة عندما قتل الغساسنة مبعوث النبي إلى بصرى. ورسول الله ﷺ جهز بعث أسامة رضي الله عنه ليقتص من الروم الذين قتلوا والي معان من قبل الروم (فروة بن عمرو الجذامي)، إذ كان نصرانياً فأسلم فقتله الروم بعد أن كان والياً لهم، فجهز رسول الله ﷺ بعث أسامة ليقتص لهذا الفرد.
أما من تتبع أخبار ساسة اليهود فإنه يرى فيها الخيانة والغش والخداع حتى لشعبهم، لكنهم يعلمون كم لهذه التسمية الرمزية "عقوبات شاليط" من أثر في تقوية هيبة دولتهم.
الحقيقة الرابعة: دور الأنظمة والوساطات
من مصلحة اليهود حفظ شيء من ماء وجه الأنظمة العميلة لهم، لذا فإننا نرى أن هذه الاتفاقية لتحقيق مطالب الأسرى تمت بوساطة رسمية مصرية، وصفقة المبادلة بشاليط من قبل أيضاً كانت بوساطة مصرية.
وهذا من أتفه المهازل؛ إذ أن النظام المصري ساعد ويساعد في حبس المسلمين في فلسطين كلها، ويضيق عليهم الخناق، ويردم الأنفاق على أهل غزة الذين يحاولون نقل الأدوية وحليب الأطفال من خلالها، ثم هو ذاته يتوسط في تحقيق مطالب بعض الأسرى! فلا شكراً ولا كرامة للوساطة الرسمية المصرية، نسأل الله أن يريح شعب مصر من الظالمين الجاثمين على صدره.
الخاتمة: الحل في العودة إلى الذات
ختاماً إخواني وأخواتي، أسرانا لا زالوا أسرى، ولن تُحفظ عزة وكرامة المسلمين إلا بدولة الإسلام عزيزة الجانب، التي إن اعتُدي على أحد رعاياها فإنها تنتفض بأكملها كما سنّ رسول الله ﷺ.
والحل: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}. فمن واجبنا تجاه إخوتنا الأسرى أن نجتهد في الطاعات ونترفع عن المعاصي عسى الله أن يعز أمتنا. ومن لا زالت تغلبه الشهوات ويقصر في الطاعات فلن يسهم في بناء دولة، ولن يسهم في بناء مجد الأمة، وسيبقى أعداؤها يأسرون أبناءها ويستخفون بحرماتها.
فناصر قضية إخوانك في سوريا وفي فلسطين وفي أفغانستان وفي كل مكان، واسعَ إلى أن تحكم شريعة الله الأرض، واشغل نفسك بالعمل على إعزاز أمتك وإلا شغلتك نفسك بالسفاسف؛ فالنفس إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل. وكلما فترت تذكر أن: أسرانا لا زالوا أسرى.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.