إبرة التخدير لنشر النوع الاجتماعي: قراءة نقدية في المناهج
السلام عليكم. لم يكن المنافقون الأولون يقولون للمسلمين: "نحن نريد أن ندمر مجتمعكم ونعين أعداءكم عليكم"، أبداً؛ وإنما كما قال الله تعالى: {إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ * اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۚ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
نشر أحد الإخوة عن درسٍ في أحد مناهج الدول العربية بعنوان "النوع الاجتماعي"، وحذَّر من ارتباط هذا المفهوم بأجندات الحرب على الفطرة. الملفت للنظر أن العديد من المتابعين، ومنهم معلمون ومعلمات، علَّقوا بعباراتٍ مثل: "ليس صحيحاً أبداً، بالعكس الدرس يوضِّح مفهوم أدوار الرجل والمرأة بالمجتمع، ويبين وظيفة كل منهم وحكمة الله بخلق الذكر والأنثى"، وآخر يقول: "شو المشكلة بالدرس؟ ما هو القرآن مليان آيات بتتكلم بطريقة مباشرة وغير مباشرة عن النوع الاجتماعي"، وأخرى تقول: "أنا صار لي ثلاث سنين بدرس هالمنهاج وليس فيه ما تذكره".
طيب، تعالوا نرى هل بالفعل الدرس بريء وأخونا المنتقد عنده سوء ظن؟ أم أن كثيراً منا انقصه التفكير الناقد ويبلع الطعم وهو لا يدري؟ لكن قبل أن نبدأ، هذه الحلقة موجهة فقط لمن حضر الحلقة السابقة بعنوان "الجندر: حقيقته وما وراءه"؛ فمن لم يحضر تلك الحلقة، نرجو منك ألا تتابع حلقة اليوم بل عد للأولى أولاً.
الواجهة الإيمانية: إبرة التخدير الأولى
يبدأ الدرس بكلمات تشعرك بالتقوى والإيمان: "خَلَقَ اللَّهُ الجِنسَ البَشَرِيَّ مِن ذَكَرٍ وَأُنثَى لِيُؤَدِّيَ كلَّ واحدٍ منهما الوظيفة التي تُؤهِّله صفاته وقدُراته للقيام بها بصورةٍ تتكامل فيها الأدوار والمسؤوليات وتتشارك في بناء المجتمع الإنساني".
شايفين؟ كلام يرقق القلب، الجماعة بيحبوا الدين وبيعتبروا أن الله هو الذي خلق. فواضح أن مصطلح النوع الاجتماعي لا يتعارض مع الدين، أليس كذلك؟ اصبر وتعال نرى ما بعد هذه المقدمة لنعرف إن كان باقي الدرس منسجماً معها أم أنها كانت مجرد "إبرة تخدير" لتبلع بعدها سموم النوع الاجتماعي.
تفكيك المفهوم: من الوحي إلى "جون موني"
بعد المقدمة مباشرة، يأتي التعريف:
- مفهوم النوع الاجتماعي: هو العلاقات والأدوار والسلوك المناسب الذي يحدده المجتمع لكل من الرجل والمرأة في ضوء موروثاتٍ اجتماعية ومنظومةٍ ثقافية تضم مجموعةً من العادات والتقاليد والقيم السائدة في مجتمعٍ ما وفي مدةٍ زمنيةٍ معينة.
- مفهوم جنس الإنسان: فهو مرتبطٌ أساساً بالاختلافات البيولوجية بين الجنسين (الذكور والإناث) وهو ثابتٌ لا يتغير.
هنا انتقل الدرس من المقدمة الإيمانية إلى نظريات "جون موني" و"سيمون دي بوفوار" ليبث فضلاتهما الفكرية في عقول الأبناء. أولاً: استخدام "النوع الاجتماعي" بتعريفٍ منفصلٍ عن الجنس. ثانياً: استخدام مفهوم "أدوار النوع الاجتماعي" (Gender Roles). ثالثاً: اعتبار أن الوحي الرباني لا علاقة له بتحديد العلاقات أو الأدوار، وإنما هي مجرد "موروثات اجتماعية وعادات وتقاليد" قابلة للتغيير بتغير الزمن والمجتمع.
بناءً على هذا التعريف، المجتمع هو الذي يحدد: هل يتزوج الذكر الأنثى أم يمكن أن يتزوج ذكراً مثله؟ هل الرجال قوامون على النساء أم لا؟ هل تستر المرأة نفسها أم تتكشف؟ كل هذا يصبح خاضعاً لـ "النوع الاجتماعي" المتغير، لا للوحي الثابت.
أجندات التدمير تحت غطاء المساعدات
وإذا كان هناك من لا يزال يرى أننا نسيء الظن، فليفكر في وصول مروجي "النوع الاجتماعي" إلى الصومال واليمن والسودان وغزة المدمرة. وسط تآمر دولي لتدمير هذه البلدان، ترسل نفس الدول وفودها لا لوقف الحروب، وإنما لتعليم الناس "النوع الاجتماعي"، تحقيقاً لتدمير "مسطرة الفطرة" عالمياً، لتنشأ أجيال لا تدرك أنها في ظلام.
يعود الدرس ليحاضر فينا عن "أدوار النوع الاجتماعي" فيقول: "تعطى النساء والرجال في بعض الأحيان الوظائف والمسؤوليات والأدوار المختلفة بناءً على الجنس، وهذا ما يسمى تقسيم العمل من منظور النوع الاجتماعي". إذن، القوامة، الحماية، الإنفاق، رعاية البيت والأبناء؛ كل هذا يعتبره الدرس مجرد "تقسيم عمل" اجتماعي لا علاقة له بالفطرة أو الدين.
الصراع بين الثوابت الشرعية والمتغيرات الجندرية
ديننا يقول إن هذه الأدوار ثابتة لأنها فطرية، ولأنها مبنية على وحي محفوظ: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}. بينما الدرس يسير على خطى "جون موني"، حيث يزعم أن تقسيم العمل يختلف من ثقافة لأخرى ويتغير بمرور الزمن.
وعلى هذا الأساس، يساوون بين الرجل والمرأة في الأدوار، ومنها "الدور الإنتاجي"؛ أي اعتبار المرأة غير منتجة إلا إذا خرجت من بيتها وعملت في العجلة المادية، مما يؤدي لتشكيل "الأسرة العاملة" وتكريس مفهوم "أبوية الدولة" للأبناء، وجعل المرأة سلعة لصالح حيتان الرأسمالية.
العوامل المؤثرة: تغييب الدين والوحي
ثم يأتيك الدرس بالعوامل المؤثرة في أدوار النوع الاجتماعي، وطبعاً ليس الدين ولا الوحي المحفوظ ضمن هذه العوامل، وكأن الرجال والنساء كائنات عبثية جاءت بالصدفة، تموت وتحيا وما يهلكها إلا الدهر، ولا غاية من خلقهم ولا حساب ولا رب نظم لهم أدوارهم.
وإذا اعترضت على هذا الكلام، فأنت في نظرهم من "الظلاميين الرجعيين" الذين يريدون للمرأة أن تكون مجرد آلة تفريخ؛ لذلك سيحشرونك في خانة "بعض الناس"، إذ يتابع الدرس: "يعتقد بعض الناس أن دور المرأة يقتصر على الحمل والولادة ورعاية الأبناء". وطبعاً عندما تسمع "رعاية الأبناء" يتبادر لذهنك تغيير الحفاظ وغسيل الملابس فقط! أعاذنا الله أن نكون من "بعض الناس" هؤلاء، أليس كذلك؟ إذن أنت معهم في "النوع الاجتماعي" لمكافحة هذه المعتقدات البالية!
تقزيم الأمومة ونموذج "السوبر وومن"
إنهم يهدفون للقضاء على ما يسمونه "التمييز ضد المرأة"، وهو المصطلح الذي بيّنا مراراً أنه يهدف للقضاء على الفوارق الفطرية والشرعية. الدرس لن يقول لك صراحة إنه يروج للشذوذ أو الانحلال، لكنه يلقي في عقول الأبناء هذا المصطلح لينمو شيئاً فشيئاً في التعليم والإعلام والقوانين.
ولابد من "إبرة مخدر" أخرى: "تقوم المرأة بدور أساس في نمو المجتمعات عن طريق تربية الأبناء والمشاركة في مختلف الأعمال". هذا هو نموذج "السوبر وومن" القادرة على عمل كل شيء في آن واحد؛ مطلوب منها تربية الأبناء وبناء الأسرة، وفي الوقت ذاته الدخول إلى سوق العمل في "المجالات كافة". بحيث نحتفل بأول عاملة في محطة بنزين، وأول سائقة سرفيس، وأول عاملة نظافة في الشوارع! المهم أن تعمل أي شيء خارج البيت ليكون لها دور في "التنمية الاقتصادية".
ومع الإفقار الممنهج للشعوب وسرقة ثرواتها، يعمل الرجل والمرأة طوال النهار ويعودان للبيت منهكين، بينما الأبناء يتلقون في المدرسة مناهج كهذه، ثم يعودون للبيت ليجلسوا على "التيك توك"، وممنوع أن تمنعهم لأن هناك قوانين تؤكد وصولهم لكافة "الموارد التكنولوجية".
المعيقات المزعومة: الهجوم على القيم
يختم الدرس بفقرة عن "المعيقات" التي تحول دون تحقيق المرأة لأهدافها التنموية، والتي يجب التخلص منها:
- الإطار الاجتماعي والثقافي: الذي لا يقبل أحياناً مشاركة المرأة في بعض قطاعات العمل بسبب "الموروثات الخطأ". أي أنك إذا اعترضت على عمل فيه اختلاط غير مشروع، أو خلوة لساعات طويلة، أو عمل كمندوبة مبيعات تتعرض للتقي والفاجر؛ فأنت صاحب "موروثات اجتماعية وثقافية خطأ"!
- الاعتقاد غير الصحيح بأن الرجل يتحلى بصفات ومهارات خاصة تميزه عن المرأة: هكذا ببساطة! يعتبرون قول الله تعالى: {وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ}، وقوله: {وَلَا تَتَمَنَّا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ}؛ مجرد "اعتقاد غير صحيح".
نحن نؤمن بأن هناك رباً، وأنه قال هذا الكلام، وأنه حق وصدق، وأن الرجال فُضّلوا على النساء بصفات ومهارات، والنساء فُضّلن على الرجال بصفات ومهارات؛ نؤمن بذلك كله لأننا مسلمون رضينا بالله رباً وبالإسلام ديناً، ولسنا "مونيين" ولا "سيداويين".
تناقض المنهج: من الخلق إلى العبثية
لاحظوا التناقض الصارخ؛ بدأ الدرس بجملة "خلق الله الجنس البشري من ذكر وأنثى... لتكامل الأدوار"، واختتم بـ "ليس هناك صفات خاصة بالرجل دون المرأة، ولا تكامل، بل يجب أن تكون الأدوار متشابهة". الله الذي ذُكر في أول الدرس لا ذكر له ولا لما شرعه لخلقه في بقية الدرس؛ كأنهم يتبنون عقيدة "الربوبيين" الذين يقولون إن الله خلق الخلق ثم تركه وأهمله، حاشا لله.
هذا هو الدرس الذي قال عنه البعض: "ليس صحيحاً أبداً، قرأت الدرس كاملاً لا يوجد فيه ما يثير الريبة". ولنا أن نتساءل: إذا كان هذا حال الآباء والمعلمين، فما حال الطلاب؟ إذا كنتِ أيتها الأم فاقدة للتفكير الناقد، فكيف ستعلمينه لأبنائك؟
الخاتمة: دعوة لليقظة والتفكير الناقد
نفس الأسلوب يُستخدم لتمرير خرافة "داروين"؛ يبدأ الدرس بآية قرآنية كإبرة تخدير، ثم يبث بعدها العلم الزائف. لا يصرحون الآن بالعلاقة بالشذوذ أو الحرب على الفطرة، وإنما يبذرون بذور المصطلحات الخبيثة لتكون كخلية سرطانية قابلة للنماء في عقول أبنائنا.
يا كرام، الكلام الباطل يجب أن يكون دوركم البراءة منه والتحذير منه، وليس زخرفته والتخدير عن ملاحظة خطورته. نأمل أن يرتفع مستوى الوعي والتفكير الناقد؛ فنبهوا أبناءكم وطلابكم، وتذكروا: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ}. الباطل هش ضعيف، والحق جاذب للفطرة إذا بُيِّن. نحن في دار ابتلاء، فلا تيأسوا ولا تخافوا ولا تحزنوا.
{وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ وَسَتُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.
والسلام عليكم ورحمة الله.