إجراءات ملحة من إخواننا في الشام قبل فوات الأوان
السلام عليكم ورحمة الله.
قال الله تعالى: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}.
بعد أحداث الأسبوع الأخير من قتل الشيخ جلال بايرلي ثم الأخ محمد فارس رحمهما الله وتقبلهما، نرى الحاجة ملحة لنصائح منهجية عامة لا تقف عند الحادثين بخصوصهما. ورضا الله في النصح مقدم إن شاء الله على رضا المخلوقين، إذ حسبنا أن المراد به صيانة دين الجميع، وحقن دمائهم، وحفظ صورة الجهاد الشامي، وتجنيب الأمة انتكاسة جديدة وفتنة في دينها. وأي عاقل يدرك الفرق بين النصح ولو اشتد، والتحريض وإيغار الصدور؛ فاللهم اجعل لنصحنا قبولاً.
ضوابط عامة في حفظ الكلمة وإصلاح ذات البين
أولاً: فليتق المسلمون الله في كلامهم، وليجعلوا في حسبانهم أنه لن يقوم الجهاد بجماعة وحدها دون غيرها، وأنه لا خير أبداً في التحريض على مبادأة أي فئة مجاهدة بالقتال، بل لا بد من العمل على إصلاح ذات البين وجمع الكلمة على كتاب الله تعالى.
ثانياً: إخواني، لا ينبغي إهمال الأخطاء والجنايات التي قد يقع بها بعض من انخرط في القتال بعذر "وأد الفتنة"؛ فإن الفتنة تُوأد بحسن علاج أسبابها والمسارعة إلى إغلاق أبوابها، لا بإغلاق الجرح على فساد لا تؤمن عقباه. وصاحب التجارب يعلم كم كان ترك التدارك وعدم إنصاف صاحب الحق سبباً في انفجار الفتن وانفلاتها بلا عقال.
وقفات مع حادثة مقتل الأخ محمد فارس
ثالثاً: كثر الانشغال بتوصيف حادثة قتل الأخ محمد فارس عما هو أهم، وكثير من هذا التوصيف جاء مجتزأً أو جانب الصواب؛ فطائفة جعلته "قتل خطأ" شبيهاً بفعل خالد وأسامة رضي الله عنهما واعتبرته حادثاً عارضاً لا دلالة له نقف عليها، وطائفة جعلته "قتل مسلم عمداً" بلا شبهة كأن القاتلين قصدوا قتله مع علمهم بانتسابه لأحرار الشام. وبغض النظر عن نوع القتل، فهذا أمر ينبغي أن يفصل فيه مجلس يحتكم فيه أولياء الدم والقاتل للحكم الشرعي في المسألة، ولا يصح أبداً أن يكون الخصم حكماً.
رابعاً: ما نراه الأهم في هذا المقام هو الوقوف على الدوافع النفسية والأخطاء المنهجية التي أوقعت القاتلين في هذا الجرم الذي ارتكبوه؛ فإنما الحادثة نتاج هذه الدوافع، وإن وقفنا عند الحادثة ولم نعالج الدوافع ونستدرك منها ما يجب استدراكه فسينتج غيرها.
مناصحة لجماعة الدولة الإسلامية
خامساً: لأجل ما سبق نقول لإخواننا في "جماعة الدولة": إن في الجماعة خيراً كثيراً وأفراداً أشداء على الكفار رحماء بالمؤمنين، ولكن هل يتمثل أفراد آخرون معاني التواضع لإخوانهم من الفصائل الأخرى وإحسان الظن بهم والتحرز جداً في الدماء؟
إذن فما الذي جعلهم لا يستجيبون لنداء إخوة من الأحرار حين قالوا لهم إن الأخ محمد فارس رحمه الله منهم ومن الكتيبة الفلانية تحديداً؟ وحتى على رواية أنه قيل للقاتلين إن هذا أسير لدى الأحرار لهم عنده حاجة، فبأي حق يأخذ القاتلون أسير إخوانهم ويقتلونه دون أن يدركوا حاجة الأحرار؟ بل حتى لو كان أسيراً لدى جند جماعة الدولة، فهل لهم قتله على كل حال؟ وما دور التثبت والقضاء الشرعي إذن؟
وبأي دليل في دين الله يؤخذ الأخ جلال بايرلي بشهادة عليه من غادرين غير عدول فيقتل مع إنكاره لكلامهم؟ كيف ولا قضاء ولا بينة؟ ثم أي هيئة شرعية هذه التي تصدر بياناً كهذا إنما هو حجة عليهم؟ فهل وضعت للأفراد قيود وضوابط واضحة تمنعهم من تجاوز الحد والوقوع في الدم المحرم، أم أن صاحب البندقية أمير نفسه يحتكم إلى بندقيته متى شاء؟
سادساً: إخواني، لذا ولشواهد أخرى تكلمنا عنها في حينها، فإننا نناشد جماعة الدولة باتخاذ إجراءات لمعالجة هذه الدوافع المذكورة؛ فإن الجماعة مكلفة شرعاً باتخاذ ما يلزم لمنع وقوع أخطاء الأفراد فضلاً عن تكرارها، سائلين الله أن يوفق الإخوة في الدولة إلى تقبلها بقبول حسن.
إجراءات مقترحة للإصلاح
سابعاً: من هذه الإجراءات: التعبير عن الجماعة باسم غير اسم "الدولة"؛ فإن هذه التسمية ليست تكليفاً شرعياً يحرم التنازل عنه، بل قد ظهر أنها أدت إلى إضرار بالجهاد؛ إذ هناك أفراد يتصرفون على أنهم جنود "الدولة" التي لها حق الولاية الكبرى في الشام، ولا يرون الجماعات المجاهدة الأخرى على قدم المساواة معهم. وآخرون من جنود الجماعة ليسوا كذلك ولله الحمد، وإنما يتعاملون على أنهم جماعة مقاتلة كبقية الجماعات الجهادية ويقرون بحقوق إخوانهم.
وإن قيل إن هذا ليس مقصوداً بالتسمية وإنه ما يفهمه بعض الأفراد فقط، قلنا: بل هو المتوهم من الاسم بداهة حين يقال "الدولة الإسلامية". وإن قيل إن الجماعة لا تجبر أحداً على بيعتها، قلنا: إن اتصافها بالدولة أكثر إلزاماً، إذ يلزم الرعية تجاه أمير الدولة أكثر مما يلزمه تجاه أمير الجهاد.
وينبغي هنا التفريق بين هذا الخطاب وخطاب من يسخر من الجماعة وينكر أي فضل لها؛ فالتحفظ على التسمي بالدولة لا يعني أي شيء من ذلك، وإنما هو لأن الوصف بالدولة له شروط شرعية لم تتحقق في هذه الجماعة ولا في غيرها، وقد نتج عن التسمي به الوقوع في آثام وأخطاء نراها في سلوك أفراد كثيرين. فلماذا الإصرار على اسم أقل ما يقال فيه إنه غير مأمور به شرعاً لجماعة بعينها؟ بل قد أوقع التسمي به أصحابه ومناصريهم في حرج وإثم. وكيف يتوقع البعض منا أن نجامل بالتسمية وهم يرفعون شعار عدم المجاملة على حساب الدين؟ ثم إننا نتعمد استخدام لفظ "جماعة الدولة" وليس "تنظيم الدولة" مخالفة للإعلام ليعلم الافتراق في المقصد.
ثامناً: إخواني، من هذه الإجراءات المطلوبة أن تعلن جماعة الدولة عن موقفها من الفصائل المجاهدة الأخرى صراحة؛ فإن العمومات المبهمة لم تعد تكفي. قد تعلن الجماعة تحفظها على توجهات أو علاقات معينة -إن ثبتت لديها- على هذه الفصائل وكان إعلان ذلك مشروعاً، ولسنا نطالب بكيل الثناء لها، لكن نرى من الضروري أن تُفهم جماعة الدولة أفرادها والمسلمين علناً أن هذه التحفظات أو الاستنكارات لا تخل بحقوق الأخوة الإيمانية لهذه الفصائل، أو على الأقل كف اليد عنها ووجوب التعامل معها على قدم المساواة دون وصاية أو تحكم، ودون أن تجعل لنفسها الحق في الاقتصاص منها. وما عاد يكفي في هذا القواعد المجملة، بل لا بد من بيان الإسقاطات وذكر الأسماء، كما ينبغي إفهام الأفراد أن المجاهد قد يدع عملاً جائزاً لأجل الحفاظ على الألفة والصورة المشرقة للجهاد.
ضرورة التحكيم المستقل ونبذ القضاء الداخلي
تاسعاً: إخواني، من هذه الإجراءات المطلوبة أن تقبل جماعة الدولة بالاحتكام إلى أطراف محايدة في مثل هذه الحوادث، وتعمل بقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحبه لنفسه". فالتحكيم الشرعي المحايد من أجل أهدافه تطييب النفوس وتفريغ ما فيها من شحنات، وهذا لا يتحقق إن حاكمت جماعة الدولة أفرادها محاكمة داخلية مهما كانت فيها عادلة، ولا يقبل أبداً في دين الله أن يكون الخصم هو الحكم كما في التقرير القضائي الذي صدر أخيراً من جماعة الدولة بخصوص أبي عبيدة البنشي؛ فهذا مظنة أن يدفع الجماعات الأخرى إلى الاقتصاص بنفسها هي الأخرى دون قضاء، لرفض الخصم أن يحتكم إلا إلى نفسه، وويل للشام من الفوضى حينئذ.
عاشراً: إخواني، التحكيم المحايد أدعى إلى نفي ريبة الاختراق الذي هو أكبر تهديد للجهاد الشامي؛ فما أسهل أن يندس من يحز الرؤوس ثم ينجي نفسه بالتأويل، فتسوء الظنون بمن قضى في القضية قضاءً داخلياً وينسحب التعميم على الجماعة.
أحد عشر: من الإجراءات المطلوبة أن تعلن الجماعة عن أنه لا يمثلها إلا بياناتها، وأنها بريئة من الإساءات المبثوثة على النت باسم من يعرفون بـ "أنصار الدولة"؛ فإن بعض هؤلاء -هداهم الله- يشوهون بغلظتهم وطيشهم صورة الجماعة بل والجهاد عامة، من حيث قد يظن البعض أنهم يذبون عن الجماعة ويكفونها مؤونة الرد ويسكتون خصومها. فينبغي لنا جميعاً أن نحارب التعصب للجماعات والغلو فيها سواء كان لنا أو علينا؛ فإن الغلو الذي يدفع أفراداً لنصرتنا هو ذاته الذي يدفع آخرين إلى ظلمنا، فمحاربته كله -لنا أو علينا- من لوازم التجرد وإيثار الحق والإخلاص. نعلم أن الجماعة قد أعلنت من قبل أنه لا يمثلها إلا مؤسسة "الاعتصام"، فنتمنى أن يكرروا هذا الإعلان وأن يخصوا بالذكر أيضاً المغردين والمعلقين على مواقع التواصل الاجتماعي والمنتديات.
نصيحة لبقية الفصائل المجاهدة
النقطة الثانية عشرة: هنا كلمة نقولها للجماعات الأخرى؛ كما أن إخوانكم مطالبون بحسن الظن، فإنكم أيضاً مطالبون بإعانتهم على ذلك؛ فإن المرء إذا دخل مواطن هي محل ريبة لزمه أن يبين للناس أسبابه بما يدفع به نزغات الشيطان. نقول هذا الكلام لا على سبيل التبرير لحادثة قتل أخينا محمد فارس رحمه الله وتقبله، فهي أليمة مروعة لا مبرر لها، لكن نقولها من باب التعاون على معالجة الدوافع النفسية التي أدت -وقد تؤدي- إلى مثل هذه الحوادث، وأن يبرئ الجميع ذمته في ذلك.
إخوتي، لنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة إذ قال للرجلين من الأنصار: "على رسلكما، إنها صفية بنت حيي"، فقالا: سبحان الله يا رسول الله! فقال: "إن الشيطان يجري من الإنسان مجرى الدم، وإني خشيت أن يقذف في قلوبكما سوءاً". هذا وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
إن الاجتماع مع أشخاص معروفين بتبعيتهم للدول الوظيفية هو موطن ريبة بلا شك، لكن المسلمين مطالبون بإحسان الظن بكم وهم يرونكم تقدمون كل يوم قتلى من صفوفكم -نسأل الله أن يتقبلهم شهداء- ويرون أيدي المكر تعين المجرمين ليتمادوا في القتل والتعذيب وانتهاك الأعراض حتى يلجئوكم إلى مجالسة رجالاتهم لتأخذوا منهم ما تدافعون به عن أرواح المسلمين وأعراضهم. ولسنا هنا بصدد الحديث عن حكم الجلوس في هذه الاجتماعات، فليس مجرد اللقاء بكافر أو منافق أو مشبوه مبرراً للطعن في مسلم أو إساءة الظن به، لكن نقول: ليس أقل من أن تبينوا ما يجري فيها، ثم إذا عُرف الواقع كان لأهل العلم أن يفتوا فيه باجتهادهم. وكذلك مشروعكم لشكل الدولة المستقبلي؛ ليس المرء مطالباً بإعلان كل ما لديه من حق في كل مقام، لكن طمئنوا المسلمين -يرحمكم الله- ببراءتكم من آفة الديمقراطية وسوء توظيف المصلحة والمفسدة وانعتاقكم من التطويع للمنظومة الدولية. فعلتم ذلك من قبل، لكن تزداد الحاجة لنفي الريبة.
رسالة لمناصري الجهاد ومحبيه
وأخيراً نقول لمحبي الجهاد ومناصري المجاهدين: لكم حفظنا هذا الحديث ورددناه: "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً، أفرأيت إذا كان ظالماً كيف أنصره؟ قال عليه الصلاة والسلام: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره".
بهذا التعريف إخوتي نرى كثيراً منا يخذل المجاهدين من حيث يظن أنه ينصرهم؛ فنصرتهم حال وقوع الظلم منهم تكون بمنعهم لا بالدفاع عنهم وتكلف الأعذار لهم. وإنا لنعجب من إخوة -هداهم الله- يردون على المناصحات بقولهم: "بما أنك تكلمت عن أخطاء الدولة فانظر إلى ما فعلته الأحرار"، وكأنما يرونها فض خصومة بين صغار المتشاجرين، بينما المسألة في حقيقتها حفظ منهج وحفظ جهاد ورقع لخروق قارب يحوينا جميعاً.
ألا فليحسن المناصرون الظن بإخوانهم الناصحين، وليعلموا أنهم ليسوا أحرص منهم على سمعة الجهاد وأهله، وليعلموا أنهم حين يبررون أخطاء فصيلهم الذي يتعصبون له وتعلوا أصواتهم على أصوات الناصحين، فإنهم بذلك شركاء في الدماء التي ستراق من استمرار الأخطاء ومن ظهور العدو بعدها على صف المتمزق. وكذلك يشترك في الدم من يشكك في فصيل أو يسخر منه ويطلق في ذلك التغريدات ثم لعله يتابعها مبتهجاً بكثرة انتشارها، إذ الناس يتناقلون مثل هذه الأمور ويطيرون بها، ولا يعلم أنه بفرحه هذا مقيت إلى الله تعالى، إذ قد بحث عن حظ نفسه بالطعن في المسلمين ثم بضياع جهادهم وهو لا يشعر. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من سَمَّع الناس بعمله سَمَّع الله به سامع خلقه وصغره وحقره".
وختاماً، ننبه المسلمين على أن لا يرسموا صورة سوداوية للجهاد في الشام على إثر حوادث كهذه؛ ففي الجهاد الشامي خير كثير، لكن هذا مخاض تخوضه الأمة قبل ولادة مجدها بإذن الله، وللمخاض آلام. فلا ينبغي أن نرسم صورة يطير بها أعداؤنا فرحاً ويزعمون بها فشل الجهاد وأهله، بل في كل يوم بطولات وتضحيات من عامة الفصائل. ودور الناصحين أن يعملوا على تحويل مثل هذه الحوادث الأليمة إلى صالح المسلمين باستجاشة مشاعر الإيمان في نفوسهم، واتخاذها سبباً لضرورة التعجيل بتدارك الأخطاء والقصور حتى لا تتكرر، عسانا نكون أداة الله في أن يجعل الحادثة مما ينطبق عليه: {لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله.