السلام عليكم ورحمة الله! هل يجوز لك تحت الإكراه أن تقتل أخاك المسلم؟
يعني إذا -لا قدر الله- وضع أحدهم المسدس في رأسك وقال لك: "سأقتلك إن لم تقتل هذا المسلم"، وأنت تعلم أنه سيفعلها! هل يجوز لك أن تقتل هذا المسلم؟
هذا السؤال إخواني لا أجيب عنه اليوم من قبيل التثقيف العام، أو هكذا بلا مناسبة، وإنما سأذكر لكم مناسبته بعد الإجابة عنه. لقد نشرنا هذا السؤال على تليجرام ويوتيوب، فأجاب عنه أكثر من خمسين ألف متابع، وكانت الإجابات كالتالي:
ما الجواب الصحيح؟ الجواب الصحيح هو أنه لا إكراه في القتل أبداً. يعني لا يجوز لك أن تقتل أخاك المسلم بحجة أنك مكره على ذلك، حتى وإن أدى ذلك إلى قتلك أنت.
وهذه المسألة إخواني ليست خلافية، بل هي من مسائل الإجماع. قال ابن العربي: "ولا خلاف بين الأمة أنه إذا أُكره على القتل أنه لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره، ويلزمه الصبر على البلاء الذي نزل به".
لاحظوا: لا يحل له أن يفدي نفسه بقتل غيره البتة بأي حال من الأحوال، ما دام حرام الدم ولم يرتكب ما يبيح دمه كأن يكون قصاصاً. طبعاً حتى الكافر الذمي لا يجوز قتله، لكن حديثنا اليوم عن أخيك المسلم تحديداً.
إذا أكرهك أحد، فنفسك ليست أغلى من نفس أخيك المسلم، حتى وإن كنت مليونيراً وسيماً ذكياً قوياً من طبقة اجتماعية مرموقة، وكان أخوك المسلم فقيراً مسحوقاً مريضاً أعجمياً لا يدري عنه أحد. قال معلمنا الأول رسول الله ﷺ: "المسلمون تتكافأ دماؤهم".
لماذا اخترت الحديث عن هذا الموضوع في هذا الوقت؟ لسببين:
لأنه يكثر في هذه الأيام التآمر على المسلمين المستضعفين، تآمر قديم وحديث. وهناك شياطين إنس يلبسون عباءة الإسلام وهم مع ذلك يعينون أعتى المجرمين ضد المسلمين. هؤلاء الأصل أن أمرهم ظاهر، لكنك ترى من يصلي ويصوم ويحج ويعتمر وهو "عبد أسياده" الذين يشترون دينه وأخلاقه وذمته بمتاع من الدنيا قليل.
فنقول له: إذا كنت غير معذور بالمساعدة على قتل المسلم حتى وإن وضع مسدس في رأسك، فهل تظن أنك معذور بخوف الطرد من وظيفة، أو حبس، أو انقطاع راتب؟ لا والله، لا والله! بل ينطبق عليك قول الله تعالى حينئذ: {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}. وخلِّ الوظيفة والراتب والمكانة بعدها تنفعك!
أيهما أشد: قتل المسلم أم فتنته عن دينه؟ الجواب واضح صريح من الله سبحانه وتعالى ولا يحتمل التأويل، قال تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}.
قال الطبري رحمه الله في تفسير الآية: "وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله من بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يُقتل مقيماً على دينه". فالمسلم الذي يُقتل ظلماً، لعلَّ ذلك يكون سبباً في مغفرة ذنوبه ودخوله الجنة، أما حين تساعد في فتنة الناس عن دينهم، فأنت تتسبب في خلودهم في النار.
من العينة التي عبَّأت الاستبيان، حوالي عشرين ألف مسلم يظنون أنه "نعم يجوز" قتل المسلم تحت الإكراه، أو لا يعلمون الجواب. وإذا افترضنا أنَّ النسبة نفسها تنطبق على عموم المسلمين، فنحن نتحدَّث عن مئات الملايين يجهلون الجواب الصحيح في هذه المسألة المهمة.
وهذا دليل خللٍ كبيرٍ في منظومة التعليم البائس وفي معرفة المسلمين بدينهم، وأن هذا القصور يمكن أن يُستخدم بسهولة ليوقعهم في أكبر الكبائر بعد الشرك، ألا وهي قتل النفس التي حرم الله عز وجل.
الدنيا "مش مستاهلة" يا إخواني، والله ما هي مستاهلة، {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ ۖ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ يَتَّقُونَ ۗ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
انشروا وعظموا حرمة دماء المسلمين. نسأل الله أن يقبضنا إليه بريئين من كل دم حرام. والسلام عليكم ورحمة الله. شكراً.