السلام عليكم، عندما انسحبت أمريكا مهزومةً من أفغانستان، لا شك أن كثيرين تساءلوا: أمريكا؟ أليس لديها قنابل نووية؟ لماذا لا تلقي أمريكا بعضاً من قنابلها على أفغانستان؟
لقد ألقت بالفعل، لكنها قنبلةٌ مكتومة الصوت. كيف ذلك؟ أثناء الاحتلال كانت ثروات أفغانستان تؤخذ وتودع أموالها في البنك المركزي الأفغاني المربوط بالمصارف الأمريكية. انسحبت أمريكا هي ودول التحالف بعد تحويل أفغانستان إلى بلد مدمر من أكثر النواحي -كما بيّننا في حلقة "ماذا خسر الأفغان بخروج الاحتلال"- وتاركة وراءها شعباً من تسعة وثلاثين مليون شخص يعاني أكثرهم من الجوع الشديد، وتاركة اقتصاداً وتعليماً وخدمات على شفى الانهيار.
المتحدث باسم برنامج الغذاء العالمي قال إن ثلاثة وعشرين مليون أفغاني يواجهون الجوع الشديد، وأن 98% من الأفغان ليس لديهم طعامٌ كافٍ ليأكلوه. في أفغانستان، على كثير من الناس أن يختاروا إما أن يأكلوا أو يتدفأوا -كما ذكرت صحيفة NPR- وكثير منهم اضطر لحرق أثاث المنزل ليتدفأ، أو لبيع كل ما يملك مقابل بعض الطعام، بل وبعض الأفغان اضطر لبيع بعض أطفاله ليعيش هو والأطفال الآخرون.
كما ورد في خبر على "يورو نيوز" بعنوان: "مليارات أفغانستان أين هي؟ وكم تبلغ قيمتها؟ أموال مجمدة في الخارج وشعب يبيع أطفاله حتى يعيش".
هناك حل بسيط؛ وهو الإفراج عن السبعة مليارات دولار من أموال الأفغان التي تصادرها أمريكا في البنك المركزي. الأفغان يحتاجون أموالهم وهم يموتون جوعاً وبرداً، لكن أمريكا لم تفرج عن الأموال. تظاهر آلاف الأفغان أمام السفارة الأمريكية بكابل مطالبين بالإفراج عن أموال بلادهم، فجاء الجواب الأمريكي قبل أسبوعين حيث أعلنت أمريكا وضع يدها على الأموال المجمدة للبنك المركزي.
ونقلاً عن "رويترز"، يريد بايدن تخصيص نصف هذه الأموال لتعويض عائلات ضحايا تفجير 11 سبتمبر أيلول 2001، وحسب مصادر فإن أمريكا تريد استخدام النصف الآخر لتمويل برامج مساعدات إنسانية للشعب الأفغاني.
حتى تعرف ماذا يعني تجميد سبعة مليارات؟ تعالوا نجري حسبةً بسيطةً جداً بعيداً عن حسابات التنمية والمشاريع والبنية التحتية والاستثمارات التي يمكن استخدام الأموال فيها: لو قلنا إن الفرد الأفغاني الفقير يحتاج في المتوسط دولارين يومياً ما بين غذاء ولباس ومأوى، يعني يحتاج في السنة حوالي 700 دولار. فإذا كانت العائلة مكونة من خمسة أفراد، فهي تحتاج 3500 دولار للعيش بحد أدنى.
بقسمة 7 مليارات على 700 دولار (ما يحتاجه الفرد)، النتيجة هي عشرة ملايين. يعني هذا المبلغ يكفي لإعالة عشرة ملايين أفغاني على حافة الهلاك يعانون من الجوع الشديد والأمراض، يكفي لإعالتهم لسنة كاملة.
وضع اليد على هذه الأموال هو بمثابة إهلاك هؤلاء؛ إهلاك عشرة ملايين إنسان. القنبلتان النوويتان اللتان ألقيتا على هيروشيما وناجازاكي -وبقي العالم يتكلم عنهما إلى اليوم- قتلتا حوالي 120 إلى 200 ألف إنسان، بينما نحن هنا في قرار الاستيلاء على الأموال الأفغانية نتكلم عن إبادة عشرة ملايين إنسان في حسبة بسيطة.
وبهذا تعرف كم هو الإعلام مضحك ومسخرة عندما يركز على قضية الطفل "حيدر الأفغاني" رحمه الله أكثر من تركيزه على خبر يتعلق بملايين البشر وفي نفس البلد. تناقل الإعلام الخبر بصيغة أن طفلاً اسمه حيدر وقع في بئر في أفغانستان ثم توفي، والحقيقة أن الشعب الأفغاني هو الذي وقع في حفرة، في بئر، وهو في طريقه إلى الوفاة فيما يظهر، فليس هناك أي قدر من المساعدة يمكنه تعويض ذلك.
بايدن تلقى تحذيرات من الأمين العام للأمم المتحدة ولجنة الإنقاذ الدولية والصليب الأحمر، مع إجماع هؤلاء على أنه لا يمكن لأي قدر من المساعدة تعويض تدمير النظام المالي في أفغانستان. الكل يحذر الإدارة الأمريكية، لكن بالنسبة لها "مش مهم".
صحيفة "الإنترسبت" الأمريكية عنونت: "قرار بايدن بتجميد الأموال الأفغانية يرقى إلى إبادة جماعية". ويقول الخبر إن تجميد الأموال الأفغانية سيتسبب في وفيات ودمار أكثر مما تسببت به عشرون عاماً من الحرب.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا﴾، فالمال قيامٌ للأمم، وانعدام المال مدعاةٌ لانهيارها.
طيب، ما عذر أمريكا للاستيلاء على أموال الأفغان؟ خائفة أن الأموال تستخدم ضدها يا ترى؟ طيب، مش قبل انسحاب أمريكا كانت طالبان قد تعهدت بعدم السماح لأي أعمال ضد أمريكا أن تنطلق من أراضيها؟ وأيضاً لم تكن هناك إدارة أكثر فساداً من الحكومة الأفغانية التي عملت في ظل الاحتلال، والآن لا أحد يتهم طالبان بالفساد المالي حتى يقال إنهم سوف يستولون على المال، فما الخوف من تسليم الأموال للشعب الأفغاني؟
لا يوجد داعٍ لأن تقدم أمريكا أي عذر، هي الأقوى فتفعل الذي تريده، والقانون الدولي "يُكب في الزبالة" ما في أي مشكلة.
طيب، لمن سيعطى المال؟ للبقرة الحلوب؛ أسر من ماتوا في تفجيرات 11 سبتمبر، الذين عُوِّضوا مئة مرة. طيب، ماذا عن ملايين الأفغان الذين قُتلوا وعُذِّبوا وشُرِّدوا على إثر 11 سبتمبر؟ مش مهم، ولا بواكي لهم، بل الدور في الإبادة قادم على من تبقى من الشعب الأفغاني.
يعني أثرياء يريدون حصتهم ليستمتعوا بها في قضاء عطل أجمل، تدليل كلابهم وحيواناتهم الأليفة، قضاء الليالي في "النايت كلوبس"، شرب أنواع من الخمور الثمينة؛ يعني يحتاجون بعض الأموال طبعاً!
يراد أيضاً إفشال أي نموذج يخرج عن طوع النظام الدولي، بحيث إذا فشل النموذج القائم في أفغانستان حالياً، خرج علينا أذناب النظام الدولي ليقولوا: ها هو نموذج إسلامي وأُعطي فرصته ولم يتدخل فيه أحد، هل أحد ألقى عليه قنبلة نووية؟ هل أحد قصفهم؟ ومع ذلك الناس ثاروا عليهم، إذن فالشعوب لا تريد الإسلام!
ولاحظوا يا جماعة، يعني مش مشكلة يُباد الشعب الأفغاني، لكن أهم شيء ألا يُفرض الحجاب على المرأة الأفغانية! النظام الإعلامي الدولي كان مهتماً جداً ألا يُفرض الحجاب على المرأة الأفغانية، وهي مش فاهم يعني، يُفرض على مين؟ ما دام أفغانستان تتعرض لإبادة جماعية للمرأة وأطفالها ورجلها، أم أنكم تقصدون عدم فرض الحجاب عليها في قبرها؟ لا تخافوا، لن يفرض أحد الحجاب على المرأة الأفغانية في قبرها.
طيب ما المطلوب يا كرام بعد هذا كله؟
والله المستعان، نسأل الله تعالى أن يجعل للمسلمين فرجاً قريباً ومخرجاً. والسلام عليكم ورحمة الله.