#النووي#ابن_حجر #الإنصاف #تعظيم_الأسماء_والصفات
#النووي#ابن_حجر #الإنصاف #تعظيم_الأسماء_والصفات
السلام عليكم ورحمة الله. إخواني الكرام، هناك فتنة نأيت بنفسي عن الكلام فيها طوال الفترة الماضية، لكن أود أن أبين موقفي منها؛ أولاً لأني سُئلت عنها بكثرة، خاصة وأن الإخوة السائلين رأوها تصد عن علماء أجلة وعن ميراثهم وتزيد الصف المسلم تمزقاً. وثانياً دفاعاً عن علماء أرجو ببركة الدفاع عنهم أن يدافع الله عني في الدنيا ويدفع عن وجهي النار يوم القيامة.
هذه الفتنة متعلقة بإسقاط علماء كبار كالنووي وابن حجر رحمهما الله تعالى. وليت أحداً لا يقول لي: "يا أخي لماذا تثير هذه القضايا؟"؛ أنا لا أثيرها بل هي مثارة، وعاملة فتنة كبيرة على مواقع التواصل إن كنت لا تعلم، وإنما أحاول أن أسهم بسهم خير في محاولة تقليل آثارها الضارة.
أنا عن نفسي يا كرام، اعتقادي في الأسماء والصفات هو اعتقاد القرون الثلاثة الأولى الفاضلة، ويمثلني في هذا الباب كلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله تعالى؛ أننا نؤمن بآيات وأحاديث الصفات، ونمرها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، كما هو مذهب السلف رضوان الله تعالى عليهم.
وأن العلماء الذين أولوها قد أخطأوا فيما تأولوه من نصوص الصفات، وأن عدداً منهم إنما فعلوا ذلك متأولين قاصدين تنزيه الله تعالى وتعظيمه وطالبين للحق غير معاندين، كما يدل عليه خيرهم الكثير وخلقهم ونفعهم الكبير في خدمة الإسلام. فهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم، فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عنا خير الجزاء.
لقد كان الواحد منهم ينافح عما يعتقد صوابه في باب أسماء الله تعالى وصفاته، ويتحمل في سبيل ذلك الأذى، ونحسب أنه لم تأخذه في الله لومة لائم. فباب الأسماء والصفات باب مهم متعلق بذات الله سبحانه، فلا ينبغي التقليل من أهميته.
في الوقت ذاته، كان عند ابن تيمية اتزان نفسي عجيب وإنصاف وتجرد ودقة، ولا ترى في كلامه أي ملمح لمحاولة إرضاء الناس على حساب الدين فيما نحسبه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بعد ذكر جماعة من الأشاعرة كالباقلاني والجويني ومن تبعهما:
"ثم إنه ما من هؤلاء إلا من له في الإسلام مساعٍ مشكورة وحسنات مبرورة، وله في الرد على كثير من أهل الإلحاد والبدع والانتصار لكثير من أهل السنة والدين ما لا يخفى على من عرف أحوالهم، وتكلم فيهم بعلم وصدق وعدل وإنصاف. لكن لما التبس عليهم هذا الأصل المأخوذ ابتداءً عن المعتزلة -وهم فضلاء عقلاء- احتاجوا إلى طرده والتزام لوازمه، فلزمهم بسبب ذلك من الأقوال ما أنكره المسلمون من أهل العلم والدين. وصار الناس بسبب ذلك منهم من يعظمهم لما لهم من المحاسن والفضائل، ومنهم من يذمهم لما وقع في كلامهم من البدع والباطل، وخيار الأمور أوسطها".
ويقول ابن تيمية أيضاً:
"ولا ريب أن من اجتهد في طلب الحق والدين من جهة الرسول ﷺ وأخطأ في بعض ذلك فالله يغفر له خطأه، تحقيقاً للدعاء الذي استجابه الله لنبيه وللمؤمنين حيث قالوا: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}". (انتهى من درء تعارض العقل والنقل).
فالله تعالى يغفر الخطأ ما دام المسلم طالباً للحق قاصداً اتباع النبي ﷺ.
نحن الآن يا إخواني في زمن يحارب فيه الإسلام حرباً شعواء، وتسخر آلاف الحسابات لتشويه الإسلام والتشكيك فيه ورد المسلمين عن دينهم، ويُصرف مال المسلمين والمليارات على ذلك، ويتم غسل عقول أبنائنا في المدارس وتشويه مناهجهم لطمس دينهم وفطرتهم.
في مثل هذا الزمان تشتد الحاجة لتكاتف المسلمين الطالبين لرضا الله تعالى. قد نختلف مع أناس ونخطئهم، ومع ذلك نحسب أن منهم من يطلب الحق ويعظم الله تعالى وكلامه وشريعته، بينما أمامنا عدو مشترك يتعمد محاربة الحق، ويتعمد نشر الباطل، ويتعمد أن يكفر بالله ويستهزئ بشريعته.
فالعقل والدين في مثل هذا المقام أن نتكاتف كمسلمين، مع حسن ظن بمن يخالفنا إن كان يظهر منه طلب الحق، ومع محبة له وإحسان إليه لإيمانه. قال شيخ الإسلام ابن تيمية عن الأشاعرة:
"فإنهم أقرب طوائف أهل الكلام إلى السنة والجماعة والحديث، وهم يُعدُّون من أهل السنة والجماعة عند النظر إلى مثل المعتزلة والرافضة وغيرهم، بل هم أهل السنة والجماعة في البلاد التي يكون أهل البدع فيها هم المعتزلة والرافضة ونحوهم".
انظروا إلى العقل والحكمة لدى هذا الرجل؛ فكيف عندما تكون مشكلتنا الكبرى ليست مع أهل البدع فحسب، بل هي الحرب المفتوحة الشاملة على الإسلام، بل وعلى الفطرة الإنسانية كلها؟
هذا موقفي ولن أغوص في هذا الملف أكثر، وإنما أدعو من يطعن في هؤلاء العلماء هذه الأيام إلى أن يقف وقفة صدق مع نفسه، ويفتش فيها عن سوء الظن بالمسلمين، وعن قلة الأمانة، وحظوظ النفس، والفجور في الخصومة. فتش في نفسك حتى لا تُحجب عن الحق، ولا تفكر فقط في الرد؛ أرجوك قف وقفة هادئة مع نفسك يا من تطعن في هؤلاء، وتذكر قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}.
علماً يا إخواني بأن ما قلته الآن من الدفاع عن العلماء الأجلة لا يمنع من أن أبين المعتقد الصحيح في بعض المسائل أياً كان رأيهم فيها. سأتكلم بإذن الله تعالى عن إجابة سؤال "أين الله؟"، والذي دعاني أصلاً لفتح كل هذا الموضوع هو صور من معرض عمان الدولي للكتاب أرسلها لي صاحبي اطلعت عليها صباح اليوم، دفعتني لفتح هذا الملف الذي كنت أؤجل فتحه.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا جميعاً لما يحب ويرضى، والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته.