السلام عليكم ورحمة الله أيها الكرام.
حدثني أحد أنسبائي عن قصة مؤثرة لامرأة كان لديها أبناء في نفس البلد وابن مغترب، وكبر سنها وأصبحت تحت جل الخدمة. كان الابن المغترب باراً يرسل المال لأمه، أما الأولاد الذين كانوا في نفس البلد فقد بدأوا يتضجرون من خدمة والدتهم ويتأففون ويتعاملون معها بمعاملة غير لائقة.
قرر الابن المغترب أن يأتي إلى البلد حتى يعقل إخوانه ويجبر خاطر والدته، فأخذ إجازة لمدة أسبوعين. وقدر الله أن تتوفى أمه في هذه الإجازة، لكن قبل وفاتها التفتت إليه وقالت: "روح الله يرضى عليك يا فلان، ولا يرضى عنكم يا فلان وفلان وفلان.. منهم لله لا يرضى عنهم".
حسب قول الأم، هؤلاء هم الأولاد الذين خدموها (بجفاء)، بينما هذا الذي كان في الغربة رضيت عنه أمهم قبل وفاتها. ليس موضوعنا الآن تحليل هذه القسوة، ولكن محل الشاهد هو أنه علينا إذا تقدم السن بآبائنا وأمهاتنا أن نقوم بخدمتهم ورعايتهم والاهتمام بهم "بنفس" وطيب خاطر.
يجب أن نستحضر أن هذه فرصة عظيمة لجني الحسنات. كنت أقول للناس هذه الأيام: "اعصروا حسنات من والديكم"، فمن كان أبوه وأمه أحياء فليغتنم هذه الفرصة.
إن الله سبحانه وتعالى عندما يقدر المرض والضعف على الوالدين في كبرهما، فإن ذلك لحكمة؛ حتى يحط عنهما السيئات، وحتى يعطيك أنت فرصة عظيمة لجني الحسنات واكتساب البركة في حياتك.
أذكر أنني كنت مرة في اجتماع، فقالت إحدى الحاضرات: "إذا تقدم بي السن وأصبت بالألزهايمر أو بالباركنسون، لماذا أكون عالة على الآخرين وأتأذى نفسياً؟ آخذ (إبرة الرحمة) وأخلص من هذه الحياة". فقلت لها: "هذا المفهوم يناسب أناساً لا يؤمنون بالله واليوم الآخر".
أما الذي يؤمن أن هناك رباً وأن هناك آخرة وجنة وناراً، فهو يعلم أن هذا الضعف والمرض في آخر الحياة هو فرصة للإنسان المسن أن تُحط عنه خطاياه وأن يرضى عنه ربه عز وجل إذا رضي بقضاء الله، وهي فرصة عظيمة لهؤلاء الذين تقولين إن المسن يكون "عالة" عليهم؛ لكي يكسبوا الحسنات ويتقربوا من الله ويكتسبوا البركة. الإيمان يغير منظورك للحياة بشكل كامل.
استحضر هذا وأنت تخدم والديك، استحضر قول الله عز وجل: {وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا}. انظر كيف قرن سبحانه عبادة الله وعدم الشرك به بالإحسان إلى الوالدين لبيان عظم هذه المسألة.
{إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ}؛ كلمة "عندك" تشعر بأنهما في كفالتك، وأنهما لاجئان إليك ومحتاجان إليك. {أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا}، وكما قال ابن عاشور -والله أعلم بمراده-: أحياناً يكون للولد والدان كبيران، ولكنه يحب أحدهما أكثر من الآخر، فربما تحسن إليه الأم ويسيء إليه الأب، في هذه الحالة قد يحسن للأم فقط. لكن الآية تؤكد: حتى لو كان الأب وحده، أو كانت الأم هي التي تسيء إليك، يجب أن تعاملها معاملة محترمة.
ولماذا قال {أَوْ كِلَاهُمَا}؟ لأن الإنسان قد يتأفف داخلياً ويقول: "والداي مريضان ويشغلان كل وقتي". فلا تتعذر بأن والديك معاً يحتاجان لرعاية، بل {فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ}، وهي أبسط كلمة تضجر، {وَلَا تَنْهَرْهُمَا} حتى لو نهراك أو أساءا إليك، {وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا}، أي تفنن في الكلام الطيب معهما.
{وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ}؛ انظر إلى التعبير، مطلوب منك أن تتذلل لوالديك. قال ابن عاشور رحمه الله: "ثم ارتقى في الوصاية بالوالدين إلى أمر الولد بالتواضع لهما تواضعاً يبلغ حد الذل، لإزالة وحشة نفوسهما إن صارا في حاجة إلى معونة الولد".
الوالدان يحبان دائماً أن يكونا هما النافعين لولدهما، فإذا وصلا لمرحلة يحتاجان فيها لرعاية الأبناء، قد تعز عليهما أنفسهما. والقصد من هذا التذلل هو الشكر على إنعامهما السابق. افعل ذلك رحمة بهما، وليس مداهنة أو تصنعاً، {وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا}. لا تكتفِ بالمعاملة الكريمة في وجههما، بل ادعُ لهما في غيبهما.
للسيد قطب رحمه الله في كتابه "في ظلال القرآن" عبارات جميلة تبين الحالة النفسية للناس، وكيف يندفع الإنسان باتجاه الحياة فلا يلتفت للوالدين. يقول رحمه الله:
"بهذه العبارات الندية والصور الموحية يستجيش القرآن الكريم وجدان البر والرحمة في قلوب الأبناء. ذلك أن الحياة وهي مندفعة في طريقها بالأحياء، توجه اهتمامهم القوي إلى الأمام؛ إلى الذرية، إلى الناشئة الجديدة، إلى الجيل المقبل. وقلما توجه اهتمامهم إلى الوراء؛ إلى الأبوة، إلى الحياة المولية، إلى الجيل الذاهب. ومن ثم تحتاج البنوة إلى استجاشة وجدانها بقوة لتنعطف إلى الخلف وتلتفت إلى الآباء والأمهات".
إخواننا، هذه فرصة عظيمة لك حتى تكسب الحسنات وتظهر أنك شكور، فمن لا يشكر الناس لا يشكر الله. برهما قبل أن تندم، واخدمهما واعتنِ بهما "بنفس"، وأشعرهما بأنك تتشرف وتسعد بخدمتهما.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا جميعاً على بر آبائنا في حياتهم وبعد مماتهم. والسلام عليكم.