استغلال اللاجئين.. وهل نحن أحسن منهم؟
ازدواجية المعايير واستغلال الضعفاء
السلام عليكم. فتحت أوروبا ذراعيها للاجئين الأوكرانيين، فانصب اهتمام المسلمين على الازدواجية في التعامل والتصريحات التي تحتقر المسلمين في مقابل الأوكران الأوروبيين. لكن للقصة تكملة يا إخواني؛ فحتى اللاجئون الأوكران ليسوا مكرمين، بل تتعرض نساؤهم وأطفالهم في كثير من الحالات للاستغلال القذر لحاجتهن وظروفهن الصعبة.
في ألمانيا، تتلقى الشرطة الألمانية إخباريات عن تحرش بالشباب الأوكرانيات، وتحذر النساء الأوكرانيات من الركوب مع من يتظاهرون بأنهم متطوعون. وفي بولندا، شخص أربعيني يتظاهر بالرحمة للاجئة أوكرانية ثم يغتصبها فور دخولها بيته.
أما في البرازيل، فتتناقل وسائل الإعلام تسريباً لتصريحات عضو برلمان برازيلي في مكالمة له مع صديقه، يقول له عن الأوكرانيات إنهن "جميلات وفقيرات ويسهل استغلالهن"، بينما يتظاهر هذا البرلماني للناس أنه يسعى لإغاثة الأوكرانيين بدوافع إنسانية! وصحيفة "فرانس 24" تعنون: "يتزايد القلق بشأن المتاجرين الذين يستهدفون اللاجئين الأوكرانيين الضعفة"، ثم إذا قرأت المقال وجدت أن هؤلاء الضعفة هم النساء والأطفال تحديداً.
ليست المشكلة فقط في الخارجين على القانون، فقد أجرت قناة الجزيرة مقابلة مع متحدثة من منظمة العفو الدولية عن شبكات الاتجار بالبشر التي تستهدف الأوكرانيين اللاجئين، وقالت المتحدثة إن الدول الأوروبية تقصر في اتخاذ التدابير اللازمة لحماية اللاجئين.
لماذا ننقد المنظومة الغربية؟
هنا يا إخواننا يقفز لنا كالعادة من يقول: "طيب لماذا تتكلم عن الغرب؟ نحن أيضاً عندنا حالات من استغلال المحتاجين واللاجئين".
يا إخواننا، كثير من الناس عنده خلط بين أمور عدة. لماذا نتكلم بشكل عام عن بشاعة المنظومة الغربية وفشلها الذريع في تحقيق الحق والعدل والسعادة للإنسان؟ هل لنقول إن البديل الذي يجب دعمه وترويجه للبشرية هو الأنظمة التي تحكم المسلمين اليوم؟ أو لنقول إن واقع المسلمين هو النموذج المطلوب الذي يجب تعميمه على البشرية؟ لا طبعاً، لا وألف لا.
بل لنقول للمسلمين وللبشرية من ورائهم: هل ترون هذا النظام العالمي الذي يهاجم الإسلام وتشريعاته ويعيرنا ببعض آياته؟ ويقول لنا: "أنتم المسلمين عندكم جهاد"، ويقول: "قرآنكم فيه ما ملكت أيمانكم، هذه معتقدات بالية لا تناسب الإنسانية، نحن في عصر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، هيئة الأمم المتحدة، المواطنة التي جعلت الجميع بنفس الحقوق بغض النظر عن الدين"، إلى آخره من هذه الأسطوانات المشروخة.
فلما نتكلم عن فضائح النظام الدولي وتعاسة البشرية التي تعيش في ظله، فالهدف هو أن نقول للمسلمين أنفسهم: عودوا إلى دينكم وافتخروا به، واعرفوا حاجتكم وحاجة البشرية إليه. ليس الهدف هو المقارنة بين وضعنا الحالي ووضعهم هم، فوضعنا لا يمثل الإسلام.
الإسلام في مواجهة الجاهلية الحديثة
المقارنة الحقيقية هي بين الإسلام كدين محفوظ من جهة، والجاهلية الحديثة من جهة أخرى؛ الجاهلية الفاشلة على مستوى التنظير وعلى مستوى التطبيق. يعني ليست المسألة كما يقول البعض أن قوانينهم صحيحة وجميلة ولكن المشكلة فقط في التطبيق، أبداً!
فالجاهلية الحديثة المتمثلة بالقانون الدولي ومؤسساته وإفرازاته لم تخضع لحكم الله تعالى، وإن كان هؤلاء الـ 51% منتفعين رأسماليين مزورين للحقائق، زناةً، شاربي خمور، فلا يوجد فيه مرجعية للوحي ولا إحقاق للحق ولا إبطال للباطل، المرجعية هي الأغلبية مهما كانت عوجاء.
الجاهلية الحديثة فاشلة ابتداءً لأنها لا تضمن التزام الناس بمحاسن الأخلاق، لأنها لا تربيهم على مخافة الله تعالى وما ينتج عنها من انضباط ذاتي داخلي، ولا قامت على قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ}. بل قامت الجاهلية الحديثة على رقابة القانون الأعوج الذي يصاغ من بشر تحكمهم المصالح والأهواء، ويتفلت الناس من قبضة هذا القانون، لذلك فالجاهلية الحديثة كالقديمة مصيرها الحتمي هو الفشل.
قارن ذلك بالإسلام العظيم الذي يربط أفعال الناس بالأجر والثواب والآخرة، وتظهر فيه نماذج عظيمة قديماً وحديثاً من أناس {يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ}.
الرد على "جلد الذات" والمغالطات
يا ليت يفهم هذا الكلام أولئك الذين كلما تكلمنا عن فشل جاهلية النظام الدولي قالوا لنا: "طيب ما إحنا برضه كمسلمين عندنا فساد واستغلال"، ويظن أنه بهذا قد أتى بالضربة القاضية وأفحمك! كلامك هذا تقوله لي ولغيري من المصلحين لما نكون مشاركين في الفساد والاستغلال، أو لما نكون راضين عن واقعنا كمسلمين. بل إنك تجد في واقع المسلمين -بفضل الله- من يعطون من مالهم للمحتاجين من مهجرين وغيرهم.
ثم يخرج لك آخر يقول: "أنتم تتكلمون عن الغرب، افتحوا بلادكم لهم كما فتح الغرب بلاده". افتحوا بلادكم؟ من تخاطب؟ أنت تخاطبني وتخاطب غيري من الدعاة والمصلحين؟ هل نحن من يقف على الحدود ليمنع اللاجئين؟ هل أنا أو غيري من الدعاة ممن يتكلم في هذا الموضوع نرضى بأي تفرقة في التعامل بين المسلمين بناءً على جنسياتهم؟ بل هل يرضى أي منا بالحدود المصطنعة بين المسلمين أصلاً؟ أم أننا ننادي بأمة واحدة وننصر قضايا أمتنا ونتحمل الأذى في سبيل ذلك؟ فماذا جنينا لنجلد بجريرة أعمال غيرنا؟
لذلك أعود فأقول إخواني: التركيز على نماذج الفشل في ظل النظام الدولي الهدف منه محاربة عقدة الانبهار بالغرب، وبيان حقيقة هؤلاء الذين يهاجمون ديننا ويغيرون مناهج أبنائنا ويمولون قنوات تشكك شبابنا في دينهم، وبيان حاجتنا وحاجة البشرية جمعاء لدين الله تعالى الذي ندعو إليه. وليس هدفنا الثناء على واقع المسلمين، وإن كنا -على ما فينا من ضعف وبعد عن ديننا- تظهر فينا نماذج خير كثيرة هي بقايا ما فينا من تمسك بديننا.
ولي عندكم يا كرام طلب: كلما رأيتم من يقول "نحن أيضاً عندنا مثل ما عندهم" ويشغل هذه الأسطوانة، سواء في التعليقات على منصة أخيكم أو في أي مكان آخر، يا ليت تساعدون بوضع هذا المقطع، تحتفظون به عندكم وتضعونه لمن يعلق بمثل هذه التعليقات لإيقاظه من غفلته. ولا تنتظروا من أخيكم أن يتابع كل التعليقات ويرد على كل أخطاء التفكير، فهذا يشغل عما هو أولى وأنفع.
بارك الله فيكم وتقبل منا ومنكم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.