الاهتداء إلى الحق في رمضان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
هذه الكلمة عن استقبال شهر رمضان المبارك.
رمضان: فرصة للتغيير لا للهروب من الواقع
إخواني وأخواتي، قد أظلنا ضيف كريم؛ شهر رمضان الذي من صامه إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه.
هنا نقطة مهمة؛ كثيراً ما يقول الناس عبارات مثل: "الواحد قسى قلبه من السياسة والخلافات وأخبار المسلمين والمجازر، نريد شيئاً عن رمضان يرقق القلوب". لكن يا إخواني، نحن لا نريد الهروب من الواقع، بل نريد أن نستغل رمضان لنغير من الواقع ونبرئ ذمتنا أمام الله عز وجل.
الأمة في مرحلة فارقة والحاجة إلى الفرقان
الأمة الآن تمر بمرحلة حرجة؛ انتفضت أمتنا على الظلم وأسقطت عروشاً كانت قد عانت منها عقوداً حتى خافتها قوى الكفر والنفاق، لكن هذه القوى ما لبثت أن احتوت هذه الانتفاضة بالترغيب تارة وبالترهيب تارة أخرى.
والآن، انتصارات الأمة مهددة بالاختطاف، وهذه الفترة الحرجة يبدو أنها ستحدد معالم العقود القادمة. المسلمون فيها محتارون: ماذا يفعلون؟ وكيف يؤدون واجبهم وينصرون دينهم؟ والمناهج المطروحة في ذلك متباينة؛ فما يراه أحدهم نصرة للدين، يراه الآخر هدماً للدين.
فكيف نحصل على هذه البصيرة؟ وكيف نحصل على هذا الفرقان؟
قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا}. إذن فالمطلوب هو أن نتقي الله.
التقوى: المقصد الأسمى من الصيام
كيف نحصل هذه التقوى في رمضان؟
قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
إذن هذا هو المقصود الأهم والأجل بالصيام: أن نحصل التقوى. وبالتقوى نحصل الفرقان، وبالفرقان نعرف الحق من الباطل، فنستطيع أن نخدم دين الله عز وجل بالطريقة التي يحبها ربنا ويرضى. لذا، فأجل مقصود في رمضان هو أن نتزود بالتقوى: {وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ}.
التحرر من الحيرة بنور الوحي
إخواني وأخواتي، لقد مرت على أوضاع الأمة الجديدة فترة والمسلمون تائهون محتارون. نريد أن نخرج من رمضان وقد انتهت حالة الحيرة والتيه هذه. نريد أن نقبل على قراءة القرآن في رمضان بقلوب متجردة من أي مسلمات مسبقة، وحينئذ سيفتح الله علينا ويهدينا إلى الطريق الذي يحب منا سلوكه، وسيرسم القرآن لنا الخط المستقيم الذي نستطيع أن نقيس إليه المبادئ والمناهج والأفكار.
نريد أن نقبل على رمضان وعلى الفروض والنوافل فيه وفي قلوبنا ما رواه النبي ﷺ عن ربه عز وجل أنه قال: «من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها».
"كنت سمعه الذي يسمع به" أي أن العبد يسمع بالله، ويبصر بالله؛ وحينئذ فنور من الله يهديه للحق فيما يسمع ويرى. فالذي يسمع بالله ويبصر بالله لا يدخل قلبه الباطل من خلال سمعه وبصره، بل يدخل قلبه ما يرضي الله.
خطوات عملية لتحصيل التقوى
أن تكون ممن يستجيبون لنداء الله: {كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ}، هذا له حلاوة. وإذا وفقنا الله تعالى إلى نذر حياتنا للدفاع عن دينه ومناصرة قضايا عباده من المسلمين وتحبيب الله إلى خلقه، فهذا كله له حلاوة لا تعدلها حلاوة.
دعونا نستقبل رمضان بهذا الرجاء: أن ينور الله بصائرنا، ويهدي قلوبنا، ويرزقنا الفرقان لنعرف الحق ونخدم دين الله وندعو إليه عز وجل كما يحب ويرضى. وكي نحصل التقوى التي تؤهلنا لهذه الغايات، نريد في هذا الشهر:
- أن تزداد حساسيتنا في محاسبتنا لأنفسنا على ذنوبنا مهما صغرت.
- الابتعاد عن المشاحنات، والانتصار للنفس، والجدال، والتنقص من إخواننا المسلمين.
- الحرص على الإخلاص والتواضع للحق.
- المحافظة على صلاة الجماعة في المسجد وصلة الأرحام.
- المبادرة إلى التصالح مع أي مسلم هجرناه، سواء كنت ظالماً أو مظلوماً.
- الاحتياط في رد الحقوق إلى أهلها.
- التزود من قراءة القرآن وصلاة التراويح وذكر الله عز وجل.
{وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ}. اللهم استعملنا في طاعتك، واجعلنا من أنصارك، وانفعنا بما سمعنا.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.