حلقة ممتازة للأخ الحبيب حسام عبد العزيز، يجمع فيها بين بساطة العبارة وقوة الحجة. ننصحكم بمتابعتها بشدة ونشرها. حمَّلناها على الصفحة مباشرة بعد إذن منه.
حلقة ممتازة للأخ الحبيب حسام عبد العزيز، يجمع فيها بين بساطة العبارة وقوة الحجة. ننصحكم بمتابعتها بشدة ونشرها. حمَّلناها على الصفحة مباشرة بعد إذن منه.
السلام عليكم. في مغالطة مشهورة اسمها "رجل القش" أو (Straw Man)، وفكرة هذه المغالطة هي أن تضع حجة على لسان خصمك ثم تقوم بنسف هذه الحجة التي لم يقلها أصلاً، لتبدو وكأنك "جامد" وقصفت جبهته.
إذا أردنا أن نكذب على الناس ونُظهر الأئمة الأربعة والفقهاء والمحدثين على مدار قرون كجهلة وذكوريين، ماذا نفعل؟ نؤولهم كلاماً ضعيفاً لم يقولوه، ونرد على هذا الكلام الضعيف، فيفقد الناس الثقة في الشافعي ومالك وأحمد وأبو حنيفة، ويثقون في نيللي كريم وسعد الهلالي وإبراهيم عيسى.
إبراهيم عيسى، وربما الذين ساعدوه في كتابة المسلسل، ارتكبوا مغالطة "رجل القش" هذه في حوارات المسلسل مع الشيوخ حول مسألة سقوط الحضانة عن الأم المطلقة إذا تزوجت. المسلسل يصور "فاتن" وهي تناظر اثنين من الشيوخ وتنتصر عليهما، بينما الشيوخ -يا عيني- كالببغاوات يرددون كلاماً لا يفهمونه. الأزهري يرفع الراية البيضاء ويقول لها: "أنا قلت لك الكلام اللي أعرفه، أو للحقيقة الكلام اللي أنا حافظه أو اللي ينفع أقوله"، أما الشيخ السلفي فيهرطق ويزعق لها كما هو معتاد في الدراما المصرية.
لذلك قلت: لنعمل الحوار بشكل ثاني، ونريكم كيف يمكن للشيخ أن يفضح جهلها. هل قال ربنا إن الست المطلقة لما تتزوج تسقط حضانة عيالها؟ لا، ربنا لم يقل هذا في كتابه بلفظه، لكن هذه شريعة ربنا؛ لأن الشرع ليس القرآن فقط، الشرع هو القرآن والسنة.
حتى "فاتن" (أو إبراهيم عيسى كاتب المسلسل) عندما يُسأل المسلم عما يقصده بتطبيق الشريعة، فلا يجد إجابة إلا كلمة "الحدود". هل قال ربنا بنفسه إنه لا توجد ولاية للمرأة على عيالها ولما تتزوج تسقط حضانتها؟ لا، ربنا لم يقل ذلك باللفظ، لكنه أوحى إلى رسوله ﷺ الحكم الشرعي في موضوع الحضانة.
ربنا أوحى إلى رسوله أحكاماً شرعية؛ هناك أحكام لفظها من عند ربنا وهذه تجدها في القرآن، وهناك أحكام أخرى لفظها من عند الرسول لكن معانيها من عند ربنا وهذه تجدها في أحاديث النبي ﷺ. ربنا أمرنا في القرآن بطاعته عز وجل، وكما أمرنا بطاعته أمرنا بطاعة رسوله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ}، وقال عز وجل: {مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ}.
تخيلي يا ست فاتن، لو صاحب شركة شغّلك في شركته، وأول ما تعينتِ قال لك: "تسمعي كلامي وتسمعي كلام مدير الشركة الذي عينته"، هل ينفع أن يأتي موظف ويريك قراراً لمدير الشركة فتمتنعي عن تنفيذه وتسألي: "هل صاحب الشركة قال كذا بنفسه؟".
ربنا في الآية الكريمة قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}. ربنا كرر كلمة "أطيعوا" مع الرسول، مما يعني أن طاعة الرسول ﷺ واجبة كطاعة الله سبحانه وتعالى. وعندما احتكمت امرأة للنبي ﷺ في موضوع الحضانة، قال لها حكمه: "أنتِ أحق به ما لم تَنْكِحِي"، أي ابنك في حضانتك إلا لو تزوجتِ. إذن، هذا حكم الرسول الذي هو من شرع الله.
عندما تقولين "أنا أسأل عن كلام ربنا وليس عن الفقه"، فالفقه هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، ومصدره كتاب الله وسنة رسوله. قال تعالى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ}.
أما عن قولك إن "الرحيم لن يحرم أماً من عيالها"، فلماذا رأيتِ أن سقوط الحضانة ينافي الرحمة؟ الحضانة حكم مترتب على الطلاق، والمنطق يقول إن الحضانة لا يمكن أن تكون مع الاثنين في وقت واحد بعد الانفصال. الشرع أعطاكِ أنتِ الحضانة أولاً، ولم يعترض رجل ويقول "ربنا رحيم ولن يحرم أباً من عياله". ولما تتزوجين، جعل الشرع الحضانة لأمكِ (الجدة) وليس لأب الطفل، وبرضه لم يعترض الرجال. فلماذا عندما يصل الدور للأب بعد زواجك ووفاة أمك وجدتك، تقولين "استحالة ربنا الرحيم يحرمني من عيالي"؟
ثم إن سقوط الحضانة لا يعني الحرمان من الرؤية والزيارة، فهذا حق مكفول للطرفين في الشرع. المسلسل يصور الأمر وكأنه "فقه ذكوري"، لكن لو كان ذكورياً، لماذا جعل الفقهاء الحضانة تنتقل لأم الأم وليس للأب مباشرة؟
ما يميزك كمسلمة هو إيمانك بأن كل ما يقدره الله أو يأمر به هو العدل والرحمة، حتى لو لم تدرك عقولنا ذلك. العدل والرحمة كانا في إرسال العبد الصالح ليقتل غلاماً ليحمي أبويه من طغيانه وكفره. العدل والرحمة في آية جلد الزاني والزانية والنهي عن الرأفة بهما في دين الله.
قال تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. فعسى أن تكرهي إسقاط الحضانة ويكون فيه الخير لك ولطفلك، والله يعلم وأنتِ لا تعلمين.
حكاية أن تقولي للإله "أنت لكي تكون عادلاً ورحيماً يجب أن تفعل كذا"، هذه قلة أدب مع الله، وهي تشبه منطق الشيطان حين قال {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ}. المسلم ليس له خيرة من أمره إذا قضى الله ورسوله أمراً: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}.
طالما أنكِ يا ست فاتن تعرفين الأحكام التي تتماشى مع العدل والرحمة من وجهة نظرك، فلماذا تبحثين عن حكم شرعي في كتاب ربنا؟ أنتِ لستِ بحاجة للقرآن أصلاً؛ ضعي كتاباً واكتبي فيه ما ترينه عدلاً ورحمة، وبالتأكيد ما ترينه سيكون هو "كلام الله" الذي يريده! وبذلك، ألف مبروك، أنتِ ممن قال الله فيهم: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَىٰ سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَىٰ بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ}.
يذكرني هذا بممثلة قالت: "الله أحلى من أن يحرق"، فهم الذين يقررون ماذا يفعل الله. المسلسل، رغم محاولته إثارة التعاطف، صور البطلة -دون قصد- كشخصية "نصابة"؛ تذهب للشيخ السلفي وتقول له: "منك نتعلم ونتنور يا شيخنا"، وبعد أن يجيبها تقول: "أنا أريد كلام ربنا، لا أريد كلام الفقهاء ولا شرحهم". لماذا هذا التلاعب؟ إذا كنتِ ترين أن الشرع هو القرآن فقط ولا تريدين أخذ الدين من الفقهاء، فلماذا تذهبين لسؤالهم أصلاً؟ هل تعجزين عن قراءة المصحف؟
المسلسل يشجع على الجهل؛ يقدم رسالة مضمونها أن "الأم" حتى لو كانت جاهلة فهي دائماً على حق وتفهم في الدين أكثر ممن درسوا لسنوات. إبراهيم عيسى يقول إن هذه الأمور "لا تحتاج دراسة"، ثم يأخذ "الاسكريبت" ليعطيه لسعد الهلالي ليراجعه! يا جماعة حيرتمونا، هل الدين لا يحتاج لوسطاء والناس تأخذ من المصحف مباشرة، أم يجب عرض الكلام على "متخصص" ليراجعه؟
الحكاية واضحة، هذا "نص تنويري" مفتخر عالي الجودة، وهو نفس منطق "القايد السبسي" في تونس لما طالب بمساواة المرأة بشقيقها في الميراث رغم وجود آية قرآنية صريحة. القصة كلها "نصب"؛ إذا كان الحكم في السنة سيقولون "نريد القرآن"، وإذا كان في القرآن سيقولون "عفا عليه الزمن" والتمسك به هو "تراث جامد وبالٍ".
انظروا ماذا يقولون عن المتمسكين بقوله تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ۖ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ}، يصفون ذلك بأنه "تمترس وتحصن وتجمد وتشبث بالتراث العتيق". لقد أصبحنا نحن "الأشرار" لأننا نرفض الاجتهاد مع وجود النص القرآني! عرفتم الآن أن القرآن نفسه لو لم يكن على مزاجهم سيطالبون بالاجتهاد "خارج نصوصه".
بالمناسبة، لو فتحتم حلقات برنامج إبراهيم عيسى على يوتيوب، ستجدون جملة تحت أي فيديو: "قناة الحرة ممولة بالكامل أو جزئياً من الحكومة الأمريكية".
كان يمكنني الكلام عن المسلسل كوجهة نظر لمؤلفه، لكن بما أن الممثلة أعلنت تأييدها لأفكار المسلسل، سأضرب لها مثالاً من حياتها: هي صرحت بأن بناتها يعشن مع والدهن "بالتفاهم والتراضي" لأن مصلحتهن هناك. إذن، أنتِ تركتِ أطفالك لطليقك لأنكِ رأيتِ مصلحتهن في ذلك، فلماذا تغضبين عندما يرى الله أن مصلحة البنات في العيش مع والدهن عند زواج الأم؟
يا نيللي، السنة مبينة للقرآن، وأنتِ شخصياً لم تستطيعي الاستغناء عن السنة وأقوال الفقهاء حين أكلتِ "الكبدة". ربنا قال في القرآن: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ}، والكبد مليئة بالدم، ومع ذلك لم تقولي إنها حرام لأنكِ أخذتِ بقول رسول الله ﷺ: "أُحِلَّت لَكم ميتتانِ ودمانِ... وأمَّا الدَّمانِ فالكبدُ والطِّحالُ".
الدين ليس لعبة نغيرها على مزاجنا حسب تصورنا العاطفي للعدل والرحمة. رفضنا لهذا العبث ليس موقفاً "ذكورياً"، بل هو نفس الموقف الذي سنتخذه لو طالب رجل بإعفاء نفسه من الصلاة لأن المرأة تُعفى منها وقت الحيض، أو لو طالب أب بإلغاء المهور باسم المساواة. الدين ثوابت، وليس أهواءً تُفصل حسب الدراما.
السلام عليكم.