ألقيت محاضرة عن المشاكل المتعلقة بالعلاج لبيان حجم المشكلة والحديث عن بحث شاركت فيه لرصد الظاهرة في بلادنا. الموضوع مهم وخطير والمحاضرة تعطي لمحة سريعة عنه. وإن يسَّر الله فسننشر مجموعة من المقاطع للتوعية حول أدوية و أمراض ومبادئ علاجية.
ألقيت محاضرة عن المشاكل المتعلقة بالعلاج لبيان حجم المشكلة والحديث عن بحث شاركت فيه لرصد الظاهرة في بلادنا. الموضوع مهم وخطير والمحاضرة تعطي لمحة سريعة عنه. وإن يسَّر الله فسننشر مجموعة من المقاطع للتوعية حول أدوية و أمراض ومبادئ علاجية.
بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله. أولاً، أرحب بالجميع وأشكر منظمي هذه الندوة والحضور الكريم. موضوعنا، كما قدم زميلي الدكتور شادي، هو "المشاكل المتعلقة بالعلاج: واقع وحلول" (Treatment-Related Problems: Facts and Solutions).
هناك بعض المصطلحات والاختصارات التي ستتكرر معنا، وأريد أن تكون واضحة من البداية:
لكي لا يكون كلامنا نظرياً، سنأخذ أمثلة عملية على ما نعنيه بالمشاكل المتعلقة بالعلاج:
لقد اخترنا في بحثنا مصطلح "مشاكل متعلقة بالعلاج" (Treatment-Related Problems) لأنه أشمل من "الدواء". فمثلاً، إذا كان المريض لا يلتزم بفحص الكبد الدوري أثناء تناول أدوية "الستاتين"، أو لا يلتزم بكمية الملح المسموح بها، فهذه مشاكل متعلقة بالعملية العلاجية ككل وليست محصورة في القرص الدوائي فقط.
ما الذي يخولني كصيدلاني سريري (Clinical Pharmacist) أن أقول إن الجرعة خطأ أو التشخيص غير دقيق؟ قد يقال إن المسألة نسبية، لكن الأصل هو السير وفق أصول علمية. نحن نعاني من مشكلة عدم تفعيل "الإرشادات العلاجية" (Guidelines) في كثير من القطاعات الطبية.
عندما نقول إن هناك مشكلة، يجب أن نستند إلى الطب المستند إلى الدليل (Evidence-Based Medicine). هذا المفهوم ليس جامداً أو روبوتياً، بل هو تداخل بين ثلاث دوائر:
لنأخذ مثالاً: مريض ذكر، عمره 52 سنة، يعاني من سكري النوع الثاني منذ 5 سنوات، ضغطه 132/85، وفحوصات الكوليسترول لديه طبيعية أو مرتفعة قليلاً. هل نعطيه "بيبي أسبرين" (75 ملغ) للوقاية؟
حسب تحديثات عام 2019، لم يعد الأسبرين يُعطى بشكل روتيني للجميع. هناك شروط دقيقة:
مثال آخر: شخص ضغطه 135/85 وعمره 44 سنة. حسب إرشادات جمعية القلب الأمريكية (AHA) لعام 2017، يُعتبر هذا ضغطاً مرتفعاً، لكن هل يبدأ العلاج الدوائي فوراً؟ الجواب: لا. إذا كانت نسبة المخاطر (ASCVD Risk) أقل من 10%، نبدأ بتغيير نمط الحياة (الرياضة، الغذاء، تقليل الملح) ولا نلجأ للأدوية مباشرة لتجنب الدخول في دوامة الأعراض الجانبية دون حاجة ماسة.
صديق لي وصف له الطبيب "روستوفاستاتين" بناءً على أرقام كوليسترول مرتفعة قليلاً. عند حساب المخاطر لعشر سنوات قادمة، تبين أنها 3.3% فقط. حسب الإرشادات الأوروبية، التوصية هنا هي "نصائح لنمط الحياة" فقط، ولا داعي للدواء في هذه المرحلة.
المشاكل المتعلقة بالعلاج ليست مجرد أخطاء بسيطة، بل هي قضية حياة أو موت:
أظهرت دراسة أجريت عام 2011 في المستشفيات وجود معدل مرتفع جداً يصل إلى 9 مشاكل متعلقة بالعلاج لكل مريض.
لماذا نجد هذا الحجم الكبير من المشاكل؟ هناك أسباب موضوعية وهيكلية في نظامنا الصحي:
قمنا بإجراء بحث ميداني (خارج المستشفيات) بمشاركة 167 طالباً من طلبة السنة الخامسة في كلية الصيدلة بجامعة العلوم التطبيقية. قام الطلاب بزيارات منزلية لمرضى يعانون من أمراض متعددة (Polypharmacy) لمراجعة أدويتهم.
أبرز النتائج:
للخروج من هذا الواقع، نحتاج إلى خطوات عملية تتجاوز مجرد التنظير:
أثبتت الدراسات أن وجود الصيدلاني السريري ضمن الفريق الطبي يقلل بشكل كبير من الـ TRPs والتكاليف العلاجية، بشرط أن يكون هناك نظام "تغذية راجعة" (Feedback) فعال بين الصيدلاني والطبيب.
يجب تفعيل أنظمة المراقبة قبل وأثناء العلاج. لا يعقل أن يبدأ مريض بتناول أدوية الضغط (مثل ACE inhibitors) دون فحص وظائف الكلى والبوتاسيوم كقاعدة بيانات أساسية (Baseline) للمقارنة لاحقاً.
لدينا فائض في عدد الصيادلة وبطالة في صفوفهم، وفي المقابل هناك نقص في المحتوى العلمي الرصين والمبسط.
الأطباء والمجتمع سيتقبلون دور الصيدلاني عندما يثبت نفسه علمياً وعملياً. عندما يرى الطبيب أن ملاحظة الصيدلاني أنقذت المريض من تداخل دوائي خطير أو وفرت كلفة غير ضرورية، سيصبح الصيدلاني شريكاً لا غنى عنه في العملية العلاجية.
في الختام، إنقاذ مريض واحد من مشكلة علاجية قد يودي بحياته هو تطبيق لقوله تعالى: "وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا". أشكركم على حسن استماعكم، وأعتذر عن الإطالة.