في كثير من الأحيان، عندما تتحدث مع بعض الآباء عن وجوب حجاب ابنتهم المكلفة، تجد الرد الجاهز: "أنا أريدها أن تتحجب عن قناعة، لا أريدها أن تنافق لي؛ تلبسه أمامي وتخلعه من ورائي". هذا الكلام، وإن بدا في ظاهره حنوناً وحريصاً، إلا أنه يكشف عن مشكلة تربوية ومنهجية كبيرة.
أولاً، يجب أن ندرك أن البنت قبل سن البلوغ لو تربت على معاني الحياء، وأن لجسدها حرمة وكرامة، وأن الله تعالى يحب الستر، لكانت هي نفسها من تطلب الحجاب عندما تقترب من سن التكليف. فإذا بلغت البنت وهي ترى الحجاب عبئاً غريباً أو قيداً، فالمشكلة الحقيقية قد بدأت قبل ذلك بسنوات في أسلوب التنشئة.
ثانياً، يخطئ البعض حين يتعامل مع الحجاب وكأنه "اقتراح عائلي" خاضع للنقاش: "يا ابنتي، ما رأيك؟ هل أنتِ مقتنعة؟". الحقيقة أن الحجاب هو شرع الله، وشرع الله حاكم علينا جميعاً؛ على الأب، والأم، والبنت، وعلى البيت كله.
يقول الله تعالى: وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ ٱلْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ
فالمؤمن عندما يحكم الله في أمرٍ ما، لا يقول "دعني أقتنع أولاً" أو "سأختار هل أطيع أم لا"، بل يقول: "سمعنا وأطعنا". نحن كآباء وأمهات، نشرح، ونحبب، ونربي، ونحتوي، ولكننا لا نعرض أمر الله وكأنه خيار مفتوح متروك للهوى.
أنت كأب، عندما سجلت ابنتك في المدرسة، لم تقل لها: "لن أجبركِ، أريدكِ أن تذهبي عن قناعة". وعندما أخذتها للتطعيمات الطبية، لم تستشرها. وعندما مرضت، لم تقل لها: "خذي الدواء عن قناعة". لماذا؟ لأنك موقن تماماً أن هذا لمصلحتها الدنيوية.
فلماذا عندما تصل المسألة إلى أمرٍ من الكبائر ونارٍ في الآخرة، لا يظهر في عينيك ذلك الخوف والحرص عليها؟ بل إن الأبوين قد يقعان معها في الإثم عندما يتركانها تخرج بدونه، بل ويشتريان لها ملابس لا ترضي الله، ويذهبان ويجيئان بها وهي متبرجة.
المسألة ليست مجرد حجاب، بل هي أعمق من ذلك؛ إنها تتعلق بـ "مفهوم التسليم لله". عندما ترى البنت في عينيك التسليم والتعظيم لأمر الله وأنت تقول لها: "تحجبي يا حبيبتي"، فإن هذا التعظيم ينتقل إليها تلقائياً، خاصة إذا كنت أنت في حياتك مسلماً لله. أما إذا كلمتها بضعف وتردد، فستصبح هي أيضاً ضعيفة ومترددة مثلك.
بفضل الله تعالى، عندي أربع بنات، لم أحتج أنا ولا أمهم أن نقول لواحدة منهن "تحجبي" بصيغة الأمر الجاف أو التخيير الضعيف. الصيغة الصحيحة ليست: "يا ابنتي فكري إذا كنتِ تريدين الحجاب"، بل هي: "ما شاء الله كبرتِ وقربتِ أن تصبحي مكلفة، وسنجهز معاً اللباس الذي يرضي الله عنكِ".
هذا يقال بحب، وبحرص، وبحزم في آن واحد. ولو قالت "لست حابة"، يقال لها: "يا ابنتي، المؤمن لا يقول عن شرع الله (لست حاباً)، بل نقول: يا رب أعني، وحبب إليّ الإيمان وزينه في قلبي".
أما بخصوص قول البعض "قد تخلعه من ورائي"، فإن قيامها بالخطأ بعيداً عنك مع شعورها بأنها مخطئة، يجعلها أقرب للهداية والرجوع، من أن تخرج معك وهي متبرجة وأنت ساكت وراضٍ.
الحجاب لا يبدأ بقطعة قماش توضع على الرأس، بل يبدأ بتربية قلبٍ تعلم كيف يقول لله: "سمعنا وأطعنا".