العامل الرابع: بذل الجهد الإضافي
العامل الرابع والأخير هو بذل الجهد الإضافي. رأينا في الحلقة الأولى -إخواني- من "سيكولوجيا الانحراف" أن الشخص الذي يخوض ألمًا وعناءً شديدين في سبيل الحصول على شيء ما، فإنه يعطي هذا الشيء أهمية أكبر بكثير ممن حصل عليه بجهد قليل.
في حالة الحركات الإسلامية، فقد كان واضحًا تمامًا أنه يُراد لها بذل جهد كبير في الانتخابات البرلمانية، وصرف الأوقات والأموال والجهود في حشد الأصوات وتنظيم الحملات. ثم بذل الجهد الكبير لتحصيل منصب الرئاسة؛ إذ جاء ذلك بعد استثناء بعض المرشحين، ثم الزج بمرشحين جدد ظاهري الفساد، ولم يكن تحصيل المنصب من الجولة الأولى، ولم يكن بفارق كبير.
استنزاف الجهود في المسارات السياسية
وكذلك الأمر بالنسبة للدستور وفرض العسكر لشخصيات في تأسيسيته، وفي كل محطة من هذه المحطات تثور فزاعة "العلمانيين والفلول"، ويُسلط سيف المحكمة الدستورية لتقطيع الحبال وإلجاء الناس إلى حبل نجاة جديد موهوم.
كل هذا حتى تعطي الحركات الإسلامية قيمة كبيرة للإنجازات الهزيلة التي وصلتها بشق الأنفس. فمنصب الرئاسة منزوع الصلاحيات، ليس الرئيس فيه سوى خادم للنظام الوضعي المصادم للشريعة، ومُلبس لهذا النظام "لحية" تضفي الشرعية عليه، ثم تحمّل إرث فساده الثقيل.
قيمة الإنجازات في نفوس الحركات
لقد صار يُنظر لهذه المناصب على أنها يجب الدفاع عنها والاستماتة في سبيلها، وقُدمت التنازلات الفاحشة من أجلها؛ لأنها وصلتها بعد بذل جهود كبيرة رفعت من قيمتها في نفوسها، مع أن هذه الإنجازات بحد ذاتها انقلبت هزائم وعبئًا ثقيلًا ذات تبعات مدمرة للدعوة.
وحتى لا تصحو الأحزاب من ثمالة التنازلات، ولا تقرع باب الفرج الحقيقي، كان لا بد من تلهيتها كل فترة بإنجازات تعثر عليها في ثنايا دهليز الفشل؛ فمرة يُسمح لها بتغيير قيادات الجيش، ومرة توهم بلعب دور تاريخي في حرب غزة.
تضخم الإنجازات بين الطرفين
ثم تُضخم هذه الإنجازات من الطرفين:
- الإعلام العميل ودوائر السياسة الصهيوصليبية: تتظاهر بالارتجاف والهلع من هذه الإنجازات، تظاهر الأب بالخوف من السيف البلاستيكي الذي أشهره طفله في وجهه، مع أن الأب هو من جاء له بهذه اللعبة! ولو كانت دوائر السياسة خائفة من النتائج بالفعل لحركت الجيوش دون روية كما فعلت في مالي.
- الحركات الإسلامية والإعلام المتعاطف معها: فإنها تضخم هذه الإنجازات وتبحث عنها بالمجهر في زوايا الدهليز؛ لأنها لا تريد أن تصحو على حقيقة الفشل المرة، ولا أن تقتنع بخطأ مسلكها وضرورة الاستدراك وقرع باب الفرج الحقيقي الذي لا تريد الآن هذه الأحزاب تحمل تبعاته.