مقدمة الحلقة ومنافسة النقاط
اشتركوا في القناة، أنا كنت وعدتكم أن نختصر الجلسات، لكننا أشرنا اليوم أننا لن نتابع في "رحلة اليقين" ولن ننشر شيئاً جديداً فيها إلا بعد العيد إن شاء الله. فلذلك اليوم أعددنا لكم ثمانية أسئلة، أحد الأسئلة عليه ثلاث علامات. وإذا لاحظتم، هناك منافسة كبيرة ما شاء الله، والأخوات في الصدارة بشكل ملفت للنظر جداً؛ المراكز الثلاثة الأولى للأخوات، وبعد ذلك يأتي الإخوة، فما زال مجال التنافس مفتوحاً.
توضيح بشأن احتساب النقاط
بالنسبة للنقاط، لاحظنا وجود اعتراض من بعض الإخوة والأخوات. حاولنا جاهدين أن نكون منصفين، وأعزو التقصير لنفسي. أتمنى من كل من لديه اعتراض مراجعة الفيديوهات التي فاز فيها والتواصل معنا لتوضيح آلية احتساب النقاط وإضافة الفرق إن وجد. نرجو مسامحتنا على التقصير، وإن شاء الله سيتم إضافة أي اختلاف خلال اليومين القادمين.
السؤال الأول: فهم خاطئ لآية في دعوة الرسل
السؤال: اذكر آية قد يستدل بها المستدل خطأً على عدم وجود أي بقية من دعوة الرسل عليهم الصلاة والسلام لدى المشركين في عهد النبي ﷺ.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} [الأحقاف: 4].
التعقيب والتوضيح
الإخوة الذين أجابوا بقوله تعالى: {قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ}، الآية تخبر أن الرسول ﷺ كباقي الرسل، لكنها لا تشير لمسألة بقايا دعوة الأنبياء السابقين. أما الجواب الصحيح فقد جاءت به الأخت "إباء الأقصى".
تكلمت قبل يومين عن منهج أحد المعروفين، وجاءني تعليق يقول إن حديث نهي النبي ﷺ عن الاستغفار لأمه يعارض شيئاً قطعياً، وهو أن المشركين قبل النبي ﷺ لم يكن عندهم علم بالوحي فهم معذورون. فأجبت أن المشركين قبل البعثة "أهل فترة" على حالين:
- من لم تبلغه الدعوة: فهؤلاء لا يؤاخذون بجهلهم.
- من بلغته بقية الدعوة: وهناك شواهد كثيرة مثل "زيد بن عمرو بن نفيل" الذي كان مؤمناً، و"عمرو بن لحي" الذي قال عنه النبي ﷺ إنه رآه يجر قصبه في النار.
الآية في سياقها: {قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ... ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِّن قَبْلِ هَٰذَا} أي الكتب التي تعترفون بها، هل أمرت بعبادة الأصنام؟ {أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ} قال ابن عاشور: "المعنى أو بقية بقيت عندكم تروونها عن أهل العلم السابقين غير مسطورة في الكتب". الله تحداهم أن يأتوا بدليل من الكتب السابقة أو علم مأثور يجيز عبادة الأصنام. فالآية تثبت وجود كتب وأثارة من علم، لكنها تنفي أن يكون فيها دليل على الشرك، ولا تنفي وجود أصل التوحيد.
السؤال الثاني: حرف "اللام" بمعنى "عن"
السؤال: اذكر "لاماً" في جزء اليوم جاءت بمعنى "عن".
الإجابة الصحيحة: قول الله عز وجل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11].
التوضيح اللغوي
في لغتنا الدارجة نقول "قلت له" بمعنى خاطبته، لكن في الفصحى قد تأتي "قلت له" بمعنى "قلت عنه". المعنى هنا: وقال الذين كفروا "عن" الذين آمنوا (أو عن هذا الإيمان) لو كان خيراً ما سبقونا إليه. هذا ليس تكلفاً في التفسير، بل هو من سعة اللغة العربية وشواهدها في الشعر الجاهلي والقرآن عديدة. قراءة المعلقات والشعر القديم تصحح اللسان وتجعل مثل هذه الاستعمالات مألوفة.
السؤال الثالث: إسقاط آيات الوعيد على النفس
السؤال: ليس شرطاً أن ينطبق النص القرآني في الكافرين أو المنافقين بكامل جزئياته على أحدنا حتى يشعر أنه يخاطبه. اذكر آية من جزء اليوم استدل بها أحد الصحابة على مسلم متنعم رغم ما فيه من معاصٍ.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا} [الأحقاف: 20].
الفائدة التربوية
أجابت الأخت "دعاء رجب" من مصر. الفائدة هنا أن النص القرآني حتى لو نزل في الكفار، فإنه يخاطب المسلم بقدر ما فيه من تلك الصفات.
القصة أن "ابن عامر" كان متنعماً، فلما استأذن عليه "سعد بن أبي وقاص" رضي الله عنه، أمر برفع مرافق الحرير هيبة لسعد. فدخل سعد وقال له: "نعم الرجل أنت يا ابن عامر إن لم تكن ممن قال الله عز وجل فيهم: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}". مع أن الآية تبدأ بقوله: {وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ}، إلا أن سعداً زجره بها لمشابهته لهم في جزئية التنعم المفرط. وكذلك يستدل العلماء بآيات سقر على تارك الصلاة من المسلمين للترهيب، وإن كان لا يكذب بيوم الدين.
السؤال الرابع: الحجاب المستور عن فهم القرآن
السؤال: آية من جزء اليوم تأتي بمعنى قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا}.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّىٰ إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ} [محمد: 16].
التوضيح
أجاب الأخ "محمد الحيادرة" من سوريا. الآية تتحدث عن صنف من الناس يستمعون للنبي ﷺ لكنهم لا يفقهون شيئاً، ليس لأن الكلام غير واضح، بل لأن الله طبع على قلوبهم بسبب اتباعهم لأهوائهم. هذا "الحجاب المستور" هو عقوبة من الله على إعراضهم وتغافلهم المتعمد، حتى وصلوا لمرحلة عدم القدرة على فهم القرآن. وأنصح هنا بمراجعة حلقة بعنوان "فهم كلام الله نعمة" من سلسلة "بالقرآن نحيا".
السؤال الخامس: الإجابة عن "سؤال الشر"
السؤال: اذكر آية من جزء اليوم تجيب عن "سؤال الشر"، خاصة فيما يتعلق بتقلب الذين كفروا في البلاد إفساداً.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {ذَٰلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَٰكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ} [محمد: 4].
التوضيح
أجابت الأخت "إباء الأقصى". سؤال الشر (لماذا يوجد ظلم وفساد وقهر؟) تجيب عنه هذه الآية بوضوح؛ فالله قادر على قمع الكافرين بكلمة "كن"، ولكن جعل وجودهم ابتلاءً للمؤمنين. هناك عبادات قلبية وجوارحية عظيمة لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود هذا الصراع، مثل التوكل، التضحية، الصبر، والجهاد. وأنصح هنا بمحاضرة الدكتور "جيفري لانج" بعنوان (The Purpose of Life - الهدف من الحياة) وكتابه "حتى الملائكة تسأل"، فقد أبدع في شرح هذه النقطة.
السؤال السادس: طاعة الكارهين لما أنزل الله
السؤال: اذكر آيتين متصلتين من جزء اليوم بمعنى قوله تعالى: {وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ}.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَىٰ أَدْبَارِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى ۙ الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَىٰ لَهُمْ * ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نزلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ} [محمد: 25-26].
التوضيح
أجاب الأخ "أحمد قاسم" والأخت "إباء الأقصى". في سورة الأنعام، بين الله أن طاعة المشركين في التشكيك في أحكام الدين (كتحليل الميتة) هو شرك. وابن عاشور ذكر معنى نفيساً: أن تخطئة أحكام الإسلام تساوي الشرك.
وفي سورة محمد، نجد أن الذين قالوا للكارهين لما أنزل الله "سنطيعكم في بعض الأمر" انتهى بهم المطاف إلى الارتداد. هذه رسالة لمن يوالون القوى الكارهة للشريعة ويوافقونهم في اتفاقيات تعارض ثوابت الدين؛ فالمسألة تبدأ بطاعة في "بعض الأمر" وتنتهي بالردة، لأن هذا الخلق السيئ يُعدي ويستدرج الإنسان بعيداً عن الحق.
السؤال السابع: لطف الله بالصحابة في التكاليف
السؤال: اذكر آية تدل على أنه لولا لطف الله بالصحابة في التكاليف الشرعية لبدر منهم ما يفسد دينهم.
الإجابة الصحيحة: قوله تعالى: {إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا وَيُخْرِجْ أَضْغَانَكُمْ} [محمد: 37].
التوضيح
أجاب الأخ "حمزة رفاد" من تكساس. الآية تبين أن الله لم يكلف الصحابة بإخراج كل أموالهم رحمة بهم، لأنه لو "أحفاهم" (أي استقصى طلب المال كله) لبخلوا، ولخرجت أضغانهم.
والأضغان هنا -كما يوضح ابن عاشور- ليست ضغينة على الله أو رسوله، بل هي ضغينة بعضهم على بعض؛ فإذا بخل البعض واستجاب البعض وافتقروا، قد تقع الضغينة في القلوب تجاه من بخل وبقي غنياً. فمن رحمة الله أنه لم يكلفهم بما يشق عليهم حماية لقلوبهم ووحدتهم. الصحابة بشر، وهم خير البشر، لكنهم ليسوا ملائكة معصومين، والقرآن يربينا على إنصافهم وفهم بشريتهم التي زكاها الله.
السؤال الثامن: إعجاز النظم في قتال الأنبياء
السؤال: آية ذكرت فعلاً ماضياً لأهل الكتاب بصيغة المضارع (للتجدد والشناعة)، وفي وسطها كلمتان تقطعان أطماعهم في فعل ذلك مع النبي ﷺ وتطمئن قلبه. ما هاتان الكلمتان؟
الإجابة الصحيحة: الكلمتان هما: {مِن قَبْلُ}. في قوله تعالى: {قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 91].
التوضيح
أجابت الأخت "حنان". الآية استخدمت صيغة المضارع {تَقْتُلُونَ} لتدل على أن المخاطبين في زمن النبي ﷺ مشاركون في الجريمة برضاهم عن فعل أسلافهم. ولكن جاءت كلمة {مِن قَبْلُ} لتكسر هذا السياق المضارع وتقطع الطريق عليهم؛ أي أن هذا القتل كان في الماضي ولن يتكرر معكم يا محمد ﷺ، فالله عاصمك منهم. وهذا من بدائع النظم التي توقف عندها العلماء مثل الدكتور "محمد عبد الله دراز" في كتابه "النبأ العظيم" والشيخ الشعراوي.
خاتمة ومقترح: مشروع المغالطات المنطقية في القرآن
أختم بمقترح لاستخراج "المغالطات المنطقية" من القرآن ومقارنتها بالجاهلية الحديثة. القرآن يعطينا بصائر لكشف الحيل النفسية، مثل:
- مغالطة طلب المعجزات غير ذات الصلة: {ائْتُوا بِآبَائِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، ما علاقة إحياء الآباء بصحة الآيات البينات؟
- مغالطة التركيز على حامل الرسالة: {لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا الْقُرْآنُ عَلَىٰ رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ}، يناقشون ثراء النبي ﷺ ولا يناقشون الرسالة نفسها.
- مغالطة الاستعلاء: {لَوْ كَانَ خَيْرًا مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ}.
هذا العلم (المغالطات المنطقية) إذا ربطناه بالقرآن سيفتح لنا آفاقاً عظيمة في فهم واقعنا. نلتقي غداً إن شاء الله، والسلام عليكم ورحمة الله.