إخواني وأخواتي، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وأهلاً ومرحباً بكم في الجلسة التاسعة من جلسات مسابقة "تبيانا لكل شيء". وكما عودناكم، سيكون معنا اليوم إن شاء الله مجموعة من الأسئلة. قد تكون الجلسة مختصرة اليوم؛ لأن عندي محاضرة بعدها بصراحة، لكن إن شاء الله يكون فيها فائدة.
نبدأ بذكر أسماء الإخوة والأخوات المتصدرين في الأيام الماضية:
ما شاء الله، محمد عبد الله جمع نقاطاً كثيرة أمس، وكان أيضاً من النشيطين في الموسم الماضي. على بركة الله نبدأ.
يقول السؤال: الداعي إلى الله يستفظع التراجع عن دعوته وإقرار الجاهليات على ما هي عليه؛ لأنه بذلك كأنه يثبت على نفسه تهمة أمام الناس أن ما كان يدعو إليه ما كان إلا تقويلاً لله عز وجل ما لم يقل، فالذي يتجرأ أن يفعل ذلك مع الله فكيف يستأمنه الناس؟ اذكر آية تدل على هذا المعنى.
الجواب: الجواب هو قول الله تعالى حكاية عن شعيب عليه السلام: {قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُم بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا}.
عندما نقف مع هذه الآية، نجد أن قوم شعيب عليه السلام هددوه ومن آمن معه: إما أن ترجعوا إلى ديننا أو نخرجكم من قريتنا. لفت ابن عاشور لفتة جميلة ومقنعة في معنى هذا الكلام؛ أي إن عدنا في ملتكم فهذا يعني أن دعواي الرسالة واتباع المؤمنين لي كان كله افتراءً.
ويدل على هذا المعنى استخدام "قد" الممحضة للفعل الماضي وتقديمها على "إن" الشرطية؛ فالمعنى -والله أعلم- أننا إن عدنا في ملتكم فهذا يثبت أن ادعاء النبوة سابقاً كان افتراءً. وهذا معناه أن السير في طريق الدعوة لا رجعة عنه، فمن تراجع بتكذيب ما كان يقوله سيسقط من عين الناس؛ إذ من يفتري على الله لا يُؤمن على الناس. قد يضعف الإنسان أو يجبن، لكن أن يبدل دعوته 180 درجة ويقر بالباطل، فهذا إقرار بأنه كان يفتري على الله فيما سلف.
يصل الغرور والجهل ببعض الطغاة إلى الظن بأن الناس الذين تحت حكمهم هم ملك لهم؛ أجسادهم وأوقاتهم وأموالهم، بل وحتى قلوبهم. أذكر آية من جزء اليوم تشير إلى هذا المعنى.
الجواب: الجواب هو قوله تعالى في سورة الأعراف حكاية عن فرعون: {قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ ۖ إِنَّ هَٰذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا ۖ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}.
قال أبو بكر الجزائري رحمه الله: "قبل أن آذن لكم" أي في الإيمان بموسى، وهي عبارة فيها رائحة الهزيمة والحماقة؛ فهل الإيمان يحتاج إلى إذن؟ الإيمان إذعان باطني لا علاقة له بالإذن إلا من الله تعالى. فانظروا كيف يصل الغرور بالطغاة إلى توهم السلطان حتى على أعمال القلوب.
الداعي إلى الله رحيم بالناس يحب لهم الهداية، لكنه يشتد قلبه على المعاندين بقدر ما يبذل من جهد في إيصال دعوته؛ لأنه يعلم يقيناً أن عذرهم قد انقطع. أذكر خمس كلمات من آية فيها هذا المعنى.
الجواب: الجواب في قوله تعالى عن شعيب عليه السلام: {فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ}.
كأنه يثبت قلبه ألا يحزن عليهم؛ لأنهم لا يستحقون الحزن بعد أن أقام عليهم الحجة. الداعي يجب أن يكون رحيماً، لكن بقدر مخالطة المنكرين وإقامة الحجة عليهم ورؤية عنادهم، يقسو القلب عليهم.
وهذا يذكرني بكلمة سابقة لي بعنوان "الصين ليست أولى منها"، حيث قلت إننا كمسلمين نقدر النفس البشرية، وكل إنسان هو مشروع مؤمن محل للدعوة ما دام حياً. لكن هذا لا يعني الرأفة بمن مات من المكابرين المعاندين المحاربين للدين؛ فهؤلاء تقسو قلوبنا عليهم لأن عذرهم قد انقطع، بخلاف البسطاء في الأماكن النائية الذين لم يصلهم الإسلام إلا مشوهاً، فهؤلاء نشفق عليهم ونحرص على هدايتهم.
آية تشير إلى أن فهم كلام الله وتدبره نعمة محروم منها من لا خير فيه.
الجواب: الجواب هو قوله تعالى: {وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأَسْمَعَهُمْ ۖ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّوا وَّهُم مُّعْرِضُونَ}.
قال السعدي رحمه الله: "وهذا دليل على أن الله تعالى لا يمنع الإيمان والخير إلا لمن لا خير فيه". وهذا يؤكد أن القلب ليس بيدك تماماً، بل {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ}. فعلى الإنسان أن يحذر من رفض الحق أو تبرير المعصية؛ لأن ذلك قد يوصله لمرحلة لا يعود يفهم فيها آيات الله ولا يهتدي للحق. هم يفهمون الألفاظ لغوياً، لكنهم حرموا من "السماع النافع" الهادي.
هناك حديث يشهد لهذا المعنى (أن من علم الله فيه خيراً أسمعه)، وهو كلام وجهه النبي ﷺ لصحابي أسلم بعد فترة ولم يسارع للإسلام، فمن هو؟
الجواب: الحديث موجه لحكيم بن حزام رضي الله عنه، حيث قال لرسول الله ﷺ: "أرأيت أموراً كنت أتحنث بها في الجاهلية من صدقة أو عتاقة أو صلة رحم، أفيها أجر؟" فقال رسول الله ﷺ: "أسلمت على ما أسلفت من خير".