السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، لفت أحد المتابعين نظري إلى أن قناتنا على اليوتيوب وصل عدد متابعيها إلى 2 مليون، وسألني: ألا تريد أن توجه رسالة للمتابعين بهذه المناسبة؟
بلى، أريد أن أوجه رسالة. قد تتوقعون أن الرسالة هي إعلان الاحتفال بهذه المناسبة وشكركم على ثقتكم، ووعدكم بأن نقدم لكم الممتع والمفيد؛ لا يا إخواني، ليس فقط لأن ظروف المسلمين لا تناسب ذلك، ولكن أيضاً لأن هناك رسائل أهم من هذا بكثير.
أول رسالة هي أن كثرة المتابعين لا تعني أن صاحب القناة على حق، ولا أنه أفضل من غيره ممن ليس عندهم هذا العدد، ولا أن آراءه صحيحة، ولا أنه مهم عند الله. كثرة المتابعين هي أمانة، وأمانة ثقيلة، هي ابتلاء؛ إما أن يُستغل في الخير أو في الشر، إما أن يكون في ميزان حسناتك أو في ميزان سيئاتك. طبيعة ما تقدمه ونيتك فيما تقدمه هو الذي يحدد إن كانت كثرة المتابعين نعمة أو مصيبة.
كم من مشهور أصبح محكوماً في تصرفاته، لا يتخذ أي موقف إلا بإذن! مؤخراً، أحدهم عنده أكثر من عشرين مليون متابع، عزّى في الشيخ أبي إسحاق الحويني -حفظه الله- ثم ما لبث أن حذف تعزيته وقال: "لا نقر من خالف المنهج ونحن مع ولاة أمرنا"، ونعوذ بالله من سوء المنقلب وسوء الخاتمة.
بل إن الشهرة وكثرة المتابعين أصبحت سبباً لكثرة الأخطاء والضلال عن الصواب في كثير من الأحيان. لماذا؟ لأن المشهور إنسان، والمتابع بكثرة يجد نفسه مضطراً إلى أن يعلق على كل حدث وكل خبر، يستفزه المتابعون استفزازاً أن يفعل ذلك، وإذا لم يعلن موقفاً فيعتبر عدم إعلانه بحد ذاته موقفاً: "آه، إذاً أنت لا تحترم فلاناً؟ إذاً أنت لا ترى الحدث الفلاني مهماً؟". مع أن عامة المشاهير ليس عندهم العلم الكافي الذي يؤهلهم لاتخاذ موقف مناسب.
الأحداث كثيرة يا إخواني، وكثيراً ما تحتاج في التعليق عليها علماً شرعياً عميقاً وحكمة ومعرفة بالتاريخ ومعرفة عميقة بالواقع. أنا عن نفسي أعلم أني لا أمتلك من هذا كله ما يؤهلني لاتخاذ موقف من كل حدث، بل وأحياناً يكون عندك موقف لكن الأحسن أن تسكت وألا تعلن موقفك من بعض الأحداث؛ لأن كلامك سيساء استخدامه أو توظيفه، أو يضل الناس من حيث لا تقصد.
كم رأيتم يا ترى من مشهور ينشر شيئاً ثم يتراجع؟ أو يذم شخصاً ثم يعتذر ويقول: "والله قد تبين أني كنت مخطئاً وأنا آسف يا فلان"؟ موجود يا إخواني ولكن قليل. الشهرة فتنة، وكثرة المتابعين كثيراً ما تكون سبباً في الضلال إذا ضعفت التقوى. الشهرة تُستقبل بالترحاب حيثما ذهبت، يُشار إليك بالبنان، الناس يريدون التصوير معك، يدعوك الأثرياء والوجهاء، والطبيب يرفض أن يأخذ منك "كشفية"، وتأتيك هدايا.. هذا كله يبدأ يتسرب إلى نيتك وتستحضره بوعي أو بلا وعي قبل أن تكتب أو تنشر أي شيء.
هناك ترغيب (تريد المحافظة على هذه المكانة) وترهيب (تخاف من أن ينقلب الناس عليك). كم من مشهور تحوّل إلى "عبد" عند المتابعين بسبب ذلك! ينشر ما يرضيهم ويجعل ثناءهم نصب عينيه قبل أن يحضّر أو يكتب أي شيء، فلا تتوقع أن تخرج كلماته مباركة ينصر فيها الحق ويقمع فيها الباطل ولا يخاف في الله لومة لائم.
ثاني رسالة يا إخواني هي أن عالم منصات التواصل أفسد تفكير ونوايا كثير من الناس، وأصبح الإنجاز يُقاس بالأرقام. تنظر للمنشور: كم "لايك" وكم "شير" عليه؟ إذا كانت كثيرة فهذا دليل أنه كلام مهم ويستحق القراءة والمشاركة، تدخل على المنشور بهذه النفسية.
وفي المقابل، قد يكون هناك أناس أبرار أطهار أتقياء عقلاء لا يُلتفت إلى كلامهم لأن متابعيهم قلة، مع أن الإسلام حطم فكرة الحكم بناءً على المظاهر. روى البخاري عن سهل بن سعد رضي الله عنه أنه قال: مر رجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله لرجل جالس عنده: "ما رأيك في هذا؟" فقال: "هذا رجل من أشراف الناس، هذا والله حريٌ إن خطب أن يُنكح، وإن شفع أن يُشفع"، فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ثم مر رجل آخر، فقال له رسول الله: "ما رأيك في هذا؟" فقال: "يا رسول الله، هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حري إن خطب ألا ينكح، وإن شفع ألا يشفع، وإن قال ألا يسمع لقوله". فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا".
يعني لو ملأنا الكرة الأرضية من أمثال الرجل الأول (مليارات البشر) لا يساوون الرجل الثاني الأكرم عند الله. "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" وليس أكثركم متابعين.
يمكن لواحد مشهور أن ينشر تغريدة أو مقطعاً يصبح حديث الساعة ويتناقله الملايين، بينما أنت في صباح ذلك اليوم قصصت أظافر رجل والِدك المسن وجلست معه تؤنسه، ولا يعلم عنك في ذلك إلا الله تعالى، وما أخذت على قص الأظافر هذا لا "لايك" ولا "شير" ولا متابع، ويكون فعلك هذا عند الله تعالى أعظم أجراً من ذلك المشهور في منشوره.
أخواتنا النساء، الواحدة فيهن تشعر أنها لم تنجز لأنها تقوم بأعمال رتيبة، ويأتيها الشيطان يقول لها: "ما بال فلانة عندها متابعون أكثر منك؟ انظري لمنشور فلانة كيف حصد عشرة آلاف مشاركة وخمسين ألف إعجاب؟ هل هي أذكى منك أم أجمل أم مثقفة أكثر؟". يمكن أن تكوني في ذلك اليوم قد اعتنيتِ بابنك أو علمتِه ما يحافظ على نفسيته أو يحصن فكره أو يزيد حبه لدينه ولربه ولرسوله صلى الله عليه وسلم، وما أحد وضع لكِ على عملك هذا "لايك" ولا "شير" ولا "سبسكرايب"، وتكونين أكرم عند الله من تلك التي يتابعها ملايين لكنها قد تكون فارغة روحياً وأبناؤها عندهم عاهات نفسية من الإهمال.
هذا كله لا يعني احتقار التأثير في الناس وتوجيههم بالعلم النافع، لكنه يعني مراقبة نوايانا وتصحيح مفهوم الإنجاز وعدم الاغترار بالمظاهر. "ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر"، والتكاثر باللايكات والشيرات والمتابعين هو من هذا التكاثر الملهي الذي لن ينفعنا حين نزور المقابر.
ثالث رسالة يا إخواني، مجموع متابعي المشاهير على منصات التواصل في العالم الإسلامي هم بمئات الملايين، ومع ذلك فكثير منها بهرجة زائفة؛ إذا جدّ الجد وحمي الوطيس، فكثرة المتابعين لا تعني أنك كمشهور إذا قلت قولاً فستتحرك الجماهير وتنتفض الشعوب وتزمجر في وجه الظلم.
ونحن نرى هذا جلياً واضحاً في أحداث غزة، التي يجب أن تجعلنا نستحي من أنفسنا نحن يا من يتابعنا الملايين، وعلى أن الناس يحتاجون قدوة أكثر من حاجتهم لمتبوعين بالملايين. أمتنا تحتاج إلى تربية على الاستعداد للتضحية في سبيل الله، وهذه التضحية وقول الحق كثيراً ما تكون سبباً في غلق قنواتك، ومسح قائمة متابعيك، ومحاصرة كلمتك، وتقليل شهرتك؛ لذلك فمرة أخرى: الأمور لا تقاس بالشهرة ولا بكثرة المتابعين.
رابعاً يا إخواني، لا أنسى في هذا المقام أن أحيي إخوة لنا وأخوات ضحوا بملايين المشاهدات إيثاراً لرضا الله تعالى فيما نحسبهم.
خامساً يا إخواني، أصحاب ملايين المتابعين كثيراً ما يكون وراءهم أشخاص غير مشهورين؛ دعموهم، وصوّبوهم، ونصحوهم، وأشاروا عليهم. لم يظهروا للناس، لكن لعلَّهم عند الله أعظم منزلةً وأقرب من هذا المشهور.
وأنا عن نفسي لي إخوة يعينونني وينصحونني ويشيرون علي ويترجمون ما نكتب، وأهل وزوجة مساندون، جزاهم الله عني خيراً، وأسأل الله أن يعظم أجرهم ويجزيهم عني وعن المسلمين خير الجزاء.
ختاماً يا كرام، هل يعني هذا كله أني لست سعيداً بحضراتكم كمتابعين؟ بلى، وأنا أحبكم في الله وأعتبركم عائلتي الكبيرة. كل من ينتفع بما نقول ويدعو للعبد الفقير بالخير بظهر الغيب، فأنا أتشرف وأعتز بكونه من هذه العائلة الكبيرة، وأسأل الله أن يتقبل منا ومنكم.
لكن هذه المعاني التي ذكرناها لا بد أن تبقى حاضرة في أذهاننا، ونسأل الله أن يكون ما ننشره حجة لنا يوم القيامة لا حجة علينا. وما كان من صواب فيما ننشر فالفضل فيه لله تعالى وحده وله الحمد سبحانه وله الثناء الحسن، وما كان من خطأ فمن نفسي والشيطان وأستغفر الله.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.