اعتدنا أنه عندما يقع حدث يوصف إعلامياً وسياسياً بالتطرف وينسب لمسلم، فإن الماكينات الرسمية تستنفر وتستغل الحدث وتوظف الصدمة؛ فترفع الشعارات الكبرى، ويستدعى الخطر الداهم لفرض حزمة تغييرات قانونية وتعليمية وإعلامية شمولية.
تضيق هذه التغييرات على الأصوات المخالفة، وتزيد من سلخ الأمة عن هويتها الإسلامية، وتمرر سياسات لم يكن من السهل تمريرها في الظروف العادية، لتعيد تشكيل الوعي والواقع. كل هذا تحت شعار: "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"، فنحن الآن في معركة مع التطرف، وأي اعتراض هو خيانة وتعاطف مع التطرف. ومن الأمثلة الكثيرة على ذلك: توظيف أمريكا لأحداث سبتمبر عام 2001م.
في المقابل، مرت بالمجتمعات المسلمة زلازل سياسية وأخلاقية كبرى كانت كفيلة باسترداد هويتها المغيبة واجتثاث التبعية الغربيه، لكنها لم توظف. ومنها في السنوات الأخيرة:
كل هذا كشف زيف دعاوى حقوق الإنسان والمساواة والقانون الدولي، وأثبت أن العالم غابة لا تعترف إلا بالقوة الحازمة. وهذه الأحداث ليست تصرفات فردية حصلت في لحظات -كما حصل للمدرس الفرنسي المستهزئ بالنبي ﷺ على يد مسلم- بل أحداث تمثل النظام الدولي بأركانه، وامتدت لعقود طويلة، وفيها ملايين القصص من القهر والإجرام.
والسؤال هنا: لماذا لم تقم المجتمعات المسلمة كشعوب وأفراد بتوظيف هذه الصدمات لإحداث مراجعة جذرية للمسلمات الفكرية المفروضة عليها؟ ولماذا لم تسعَ لاجتثاث مخلفات الثقافة الغربية وإحلال مفاهيم الاحتكام للشريعة والاعتزاز بالمرجعية الإسلامية؟
لماذا لم توظفها في استعادة الثقة بالمفاهيم القرانية والآيات المتعلقة بالتدافع مع قوى الباطل وفرض سلطان الإسلام، والتي يستحي منها كثير من أبناء المسلمين؟ لماذا يبقى الوضع القائم كأن شيئاً لم يحدث؟
فكر في نفسك؛ أنت على مستوى وعيك بدينك، جرأتك على طرح الخطاب الشرعي في مكان دراستك أو عملك، مظهر وحجاب بناتك، اعتزازك بدينك عندما تُثار القضايا التي تتحفّل حولها الأمم المتحدة وأذنابها من "دكاكين الحقوق" كالقوامة وتعدد الزوجات؛ هل حدث في أي من هذا تغيير يوازي حجم تلك الزلازل؟
لاحظ أن هذا كله ضمن المستطاع لدى الشعوب، فلا أحد يملك منعك من إحداث هذه التغييرات في فكرك ووعيك وشعورك وما تملكه من واقعك. إن الأمم لا تتشكل فقط بما يقع لها من أحداث، بل أيضاً بطريقة قراءتها لها، وبما تملكه من الجرأة لاستخلاص نتائجها والبناء عليها.
فاملِكوا الجرأة لتوظيف الصدمات، واسترداد أصولكم المسلوبة، ونفي الخبث بقوة واعتزاز، وبلا تردد أو مواربة.
والسلام.