هذا المقطع يهم المهتمين بالبحث العلمي تحديدا فيه قصة لطيفة حدثت مؤخرا مع زميل عزيز
هذا المقطع يهم المهتمين بالبحث العلمي تحديدا فيه قصة لطيفة حدثت مؤخرا مع زميل عزيز
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قد يستغرب البعض من عنوان هذا اللقاء: "حتى في البحث العلمي (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)"، ويقول في نفسه: "طبعاً، هذه قاعدة عامة في كل شيء". هذا صحيح، ولكن البعض عندما يمارس البحث العلمي، يتصرف وكأنه لا يؤمن بأن هذه القاعدة تنطبق على هذا المجال، فيمارس ممارسات تفتقر إلى التقوى والنزاهة.
بهذا الصدد، حصلت قصة لطيفة أحببت أن أشارككم إياها، فيها الكثير من العبر. بطلها أحد الزملاء الأعزاء، الدكتور أيمن، الذي تشرفت بالمشاركة في الإشراف على رسالته للماجستير قبل سنوات طويلة. اتصل بي وقال: "يا دكتور، حصل معي موقف وأحب أن أستشيرك فيه".
أرسل الدكتور أيمن ورقة علمية (بحثاً جديداً) لإحدى المجلات، وكان هو "المؤلف المراسِل" (Corresponding Author). وكما هو معروف، ترسل المجلة الورقة إلى محكمين (Reviewers) لإبداء ملاحظاتهم. المحكم الأول كانت ملاحظاته عادية، أما المحكم الثاني فقد طلب من الدكتور أيمن أن يضمن في بحثه 13 ورقة علمية أخرى كمرجع.
يقول الدكتور أيمن: "عندما نظرت في هذه الأوراق، وجدت أنه لا علاقة مباشرة لها ببحثي، فاستغربت. وبتتبع هذه الأوراق، وجدت اسماً لشخص واحد يتكرر فيها جميعاً". من المعروف أحياناً أن المحكم قد يقترح على المؤلف الإحالة إلى بحث له صلة بالموضوع (Citation)، لكن طلب تضمين 13 ورقة لا علاقة لها بالبحث هو سلوك مريب وغير مقبول أخلاقياً.
أعد الدكتور أيمن رسالة للمجلة واستشارني فيها، فاقترحت عليه تضمين عبارات توضح عدم مهنية هذا الطلب. استعرض الدكتور أيمن في رسالته الملاحظات التي جاءت من المحكم الثاني، والتي كانت بصيغة الإلزام: "يجب تضمين البحوث التالية"، مدعياً أنها ستحسن قائمة المراجع ومناقشة البحث.
كان بإمكان الدكتور أيمن أن يذعن لطلب المحكم ليضمن قبول ورقته بسهولة، لكنه اختار طريق النزاهة. أرسل رسالة للمجلة قال فيها: "أشكركم على مراجعة ورقتي، ولكنني لاحظت مشكلة أخلاقية جسيمة (Serious Ethical Concern) في ملاحظات المحكم الثاني؛ فقد طلب إضافة 13 مرجعاً لشخص معين لا علاقة مباشرة لها ببحثي".
وأكد في رسالته: "أعلم أن الاستجابة لهذه الطلبات ستزيد من فرص قبول ورقتي، إلا أنني مقتنع بضرورة المحافظة على الأمانة العلمية والنزاهة الأخلاقية، خاصة وأن لمجلتكم سمعة طيبة". وطلب من المجلة إرشاده لكيفية التعامل مع هذا الموقف.
أرسل الدكتور أيمن رسالته في المساء، وفي صباح اليوم التالي ردت المجلة بأنها ستحيل الأمر للمحرر (Editor). وفي مساء نفس اليوم، جاء الرد الجميل والمليء بالعبر. اعتذر المحرر عما حصل، ووصف طلبات المحكم بأنها "خروج عن المعايير الأخلاقية" (Departure from ethical standards).
وقال المحرر في رسالته: "أود أن أعبر عن امتناني الشخصي لك لتقديمك النزاهة العلمية وأخلاقيات النشر على المسار الذي كان يمكن أن يسهل قبول عملك. إن يقظتك وحرصك على سمعة مجلتنا والمجتمع العلمي أمر يستحق الثناء". وطلب منه تجاهل ملاحظات المحكم الثاني تماماً والتركيز فقط على ملاحظات المحكم الأول البناءة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل جاءت المفاجأة في خاتمة الرسالة؛ حيث عرضت المجلة -بالتنسيق مع الناشر- على الدكتور أيمن أن يكون "رئيس تحرير" (Editor-in-Chief) لإحدى المجلات التي تناسب خبرته، تكريماً لالتزامه الراسخ بأخلاقيات البحث العلمي وتعامله المهني العالي مع الحادثة.
هذا المثال الرائع يجسد الآية الكريمة: فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَأَشْهِدُوا۟ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنكُمْ وَأَقِيمُوا۟ ٱلشَّهَـٰدَةَ لِلَّهِ ۚ ذَٰلِكُمْ يُوعَظُ بِهِۦ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِٱللَّهِ وَٱلْيَوْمِ ٱلْـَٔاخِرِ ۚ وَمَن يَتَّقِ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّهُۥ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ ۚ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُۥٓ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ بَـٰلِغُ أَمْرِهِۦ ۚ قَدْ جَعَلَ ٱللَّهُ لِكُلِّ شَىْءٍ قَدْرًا
ونستنبط منه عدة دروس:
وصيتي الختامية: كونوا أقوياء في الحق، ولا تجاملوا في الباطل، واتقوا الله في كل شأن من شؤون حياتكم.
والسلام عليكم ورحمة الله.