1. نصائح لشباب الصحوة في تونس خاصة وفي العالم عامة. 2. ثناء على الدعوة التي بدأت من الصفر في تونس وازدهرت في فترة وجيزة محافظة على نقائها
1. نصائح لشباب الصحوة في تونس خاصة وفي العالم عامة. 2. ثناء على الدعوة التي بدأت من الصفر في تونس وازدهرت في فترة وجيزة محافظة على نقائها
إخوتي وأحبتي في الله بتونس، السلام عليكم ورحمة الله. هذه كلمة من أخ لكم لا يفضل عنكم بشيء، إنما هو الحرص على التواصل لما ألقاه الله عز وجل من المودة بيننا.
أقول أيها الأحبة: ما فعلتموه في تونس هو مفخرة نضرب بها المثل لمن يشككون في وجود بديل عن المسار الديمقراطي، وهذا الذي أنجزتموه إنما هو بتوفيق الله وحده. فتونس لم تكن بها دعوة ظاهرة في أيام "زين الهاربين" بن علي، وعاشت عقوداً من التجهيل وطمس الهوية، فإذا بها بعد الثورة -وقد بدأت من الصفر تماماً- وفي فترة وجيزة في حياة الشعوب (سنتين ونصف فقط)، تمتلئ ربوعها بمظاهر إسلامية، وخيم، وأنشطة، وملتقيات دعوية، وأعمال خيرية لعامة الناس تكسبون بها قلوبهم وتحببون إليهم شريعة ربهم.
لقد وصل عدد الإخوة العاملين في الدعوة عدداً كبيراً، وأصبحتم رقماً صعباً في المعادلة التونسية لا يمكن تجاوزه. وخرجت دعوتكم بإذن الله من عنق الزجاجة، فلا مجال لكبتها واستئصالها ومحو آثارها، بل هي بإذن الله تعالى نامية تستوي على سوقها، تعجب الزراع ويغيظ الله بها الكفار والمنافقين.
لعل الله سبحانه استجاب لدعوة عقبة بن نافع رحمه الله إذ دعا لـ القيروان قائلاً: "اللهم املأها علماً وفقهاً، وعمرها بالمطيعين والعابدين، واجعلها عزاً لدينك وذلاً لمن كفر بك، وأعز بها الإسلام، وامنعها من جبابرة الأرض".
نجاحكم هذا إخواني نموذج ناصع ومثال معاصر نضربه لمن يصرون على المشاركة السياسية في ظل النظم الوضعية. مصر كانت مؤهلة أكثر منكم لانتعاش الدعوة بعد الثورات بما فيها من آلاف العلماء والدعاة، لكن وقع من وقع في فخ الديمقراطية الزائفة، مما أدى إلى إيذاء المشروع الإسلامي فيها كثيراً وتراجع للدعوة، نسأل الله أن يلطف بالمسلمين في مصر ويجعل إفاقتهم من مصيبتهم عاجلة غير آجلة.
وعلى الرغم من وقوع دعاة ما يسمى بـ "الإسلام المعتدل" في تونس في الفخ نفسه، إلا أن الله قد عصمكم برحمته من مثل هذه المشاركة، وبقيتم بعيدين عن الصراع الدائر بينهم وبين العلمانيين؛ وهو صراع وإن كنتم قد تتأثرون بنتائجه، لكن الأهم أنكم بقيتم عند الله ثم عند شعبكم متمايزين عن باطل طرفيه، وبقيت قضيتكم نقية في عيون الناس.
ومن فضل الله عليكم يا أحبتنا في تونس، أنه تعالى أنزل عليكم صبراً أمام الضربات القاسية التي وجهت إليكم من أعداء الإسلام الصرحاء تارة، وممن استرضوا الكفار بسخط الله تارة أخرى. كان يمكن لهذه الضربات أن تجركم، ولكن من تثبيت الرحمن لكم أن أنزل عليكم صبراً عظيماً أمام فتن الدنيا؛ فنرى شباباً أعازب يقتحمون ميادين الفتن والشهوات التي يعج بها المجتمع التونسي، فيؤثرون فيها ولا يتأثرون، قد سيطرت الرسالة التي يحملونها على نفوسهم حتى أسكتت نزغات الشيطان. ومن فضل الله عليكم أن جعل منكم أسوداً يهبون لنصرة إخوانهم في الشام، ويرحم الله بهم مستضعفيها.
"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها"، "قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون". لذا أيها الأحبة، ولغبطتي إياكم على ما أنعم الله به عليكم، فاسمحوا لأخيكم أن يتذاكر معكم ما تستدام به هذه النعم؛ "ذلك بأن الله لم يكن مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم".
إخواني، أدركوا دوركم في هذه المرحلة التاريخية الحساسة. لقد رأى الناس المآل المفجع لطريق الديمقراطية، فأصبحوا يتساءلون: ما البديل؟ البديل الأصيل الذي ندعو له هو الثبات على دعوة النبي ﷺ؛ دعوة نقية شاملة متمايزة عن الباطل، دعوة ليكون الدين كله لله، دعوة ترفع فيها راية نصرة المستضعفين.
وقد كنتم في ذلك بفضل الله وحده قدوات ومضرب مثل، فأدركوا أنكم من حجج الله على خلقه في هذا الزمن، ومظهر من مظاهر رحمته ومعيته لمن توكل عليه، وملاذ لـ الحيارى الباحثين عن سبيل التمكين؛ الذين تاهوا بين من انتخبوهم للإسلام فما قاموا بحق الإسلام الذي انتخبوا لأجله، وبين علمانيين ينافسون الأولين على دنيا وليست مصلحة الشعب حاديهم.
فاستميلوا أهلكم من عامة الناس في تونس وغيرها إلى سبيلكم بنجاحكم، وأعيذكم بالله أن تفشلوا فتقتلوا الأمل وتكونوا سبباً في سوء ظن الناس بربهم وبالدعوة على سبيل نبيهم. أدركوا دوركم، واعلموا مكانتكم وأثر نجاحكم، وحجم الجرم إن أنتم -لا قدر الله- فشلتم.
كيف نتجنب الفشل؟ قال تعالى: {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}. فلنغلب يا أحبة جانب الرحمة فيما بيننا ومع المسلمين، ونلتمس الأعذار لبعضنا. ويا بؤس أن يبحث أحدنا عن حظ نفسه في هذه الأيام أو ينتصر لها على حساب مصلحة الأمة.
ولئن رأى منكم أناسكم وأهلوكم يا دعاة تونس دعوتنا قد يخالطها جفاء أحياناً، فلنتذكر أن معية الله لنا ونصره لدعوتنا لا يحصل بتحقيق التوحيد والنجاة من الشرك فحسب، بل لا بد من الاعتناء بالأدب وحسن الخلق.
في حديث بدء الوحي المتفق عليه، قالت أمنا خديجة رضي الله عنها للحبيب المصطفى ﷺ: "كلا أبشر، فوالله لا يخزيك الله أبداً؛ فوالله إنك لتصل الرحم، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق". وهذه كلها أخلاق كانت نتيجتها أن الله تعالى لن يخزي نبيه ﷺ، وهذا ما نحتاجه اليوم؛ ألا يخزينا الله ولا يخذلنا.
فلا ينبغي أن نقلل من أهمية الاعتناء بمدارسة الأخلاق مهما اشتدت ظروف المسلمين، إذ أن الخلل في الأخلاق سبب من أسباب الهزيمة كما هو الخلل في العقيدة والمنهج. لذا قال عبد الله بن المبارك: "كانوا يطلبون الأدب ثم العلم". فمدارسة أبواب الأدب إخواني ليست من النوافل، بل العمل بها واجب، ويحتاج علماً بها ومدارسة لها، حتى أشار بعض العلماء كابن مفلح في "الآداب الشرعية" والغزالي في "الإحياء" إلى وجوب تعلم الآداب الإسلامية.
أنصح نفسي وإياكم أيها الأحبة أن نصب جهدنا على بيان الحق الذي نحمله للناس أكثر من نقد مواقف أعدائنا وخصومنا. كيف نعلم أننا نجحنا في هذه المهمة أم لا؟
مثلاً: إذا ما دخل زائر جديد من عامة الناس إلى صفحة من صفحاتنا الدعوية على الإنترنت، هل سيجد دعوة تخاطب فطرته وتشبع غريزته للتدين من رقائق وتفسير وسيرة الحبيب عليه الصلاة والسلام وإفهام لدوره تجاه دينه وأمته؟ أم أن منابرنا الدعوية قد تمتلئ ببيان مخازي خصوم الشريعة ونقد مواقفهم؟
لا أقلل من شأن إعلان البراءة من الباطل وأهله، لكن التساؤل هنا إخواني عن "التركيز". أنا شخصياً أظنني أحياناً بحاجة إلى من يذكرني أن أعتني ببيان الحق الذي أدعو إليه أكثر من الباطل الذي أنفر عنه.
أذكر مقالاً نُشر أثناء الانتخابات النيابية التونسية يقول فيه صاحبه: إن الدعاية التي شنها العلمانيون في تونس أعطت أثراً عكسياً بأن جعلت الناس يتعاطفون مع حزب النهضة الذي بدا بفعل هذه الدعاية مظلوماً، وفي الوقت ذاته منشغلاً عن المهاترات مع من يظلمه. ليعلم أهلنا ممن نريد دعوتهم أن مستوانا أرفع من الخلافات الشخصية، لكن حتى هذا النقاش المنهجي ينبغي أن لا يشغلنا عن بيان المنهج الذي نحمله للناس ونزعم أنه الحق؛ فإن بيناه سهل عليهم معرفة الحق فيما دونه، وبضدها تتبين الأشياء.
إخوتي، أنصح نفسي وإياكم بالصبر على مدارسة العلم كما صبرنا على الفتن وصبرنا على الظلم. فلنصبر على مدارسة العلم؛ فكثيراً ما نجد أنفسنا ننجرف خلف تطورات الأحداث وردود الفعل عليها ومواقف الأشخاص منها، وهذا أيضاً له أهميته، لكن يا إخوتي لا يغني أبداً عن بناء ثقافة منهجية بنفس طويل ومصابرة على تلقي العلم.
وإلا تباينت آراؤنا ومواقفنا وضاع الحق مع قلة البضاعة العلمية، مما يؤدي إلى الفرقة والتنازع؛ ولذا قال العلماء: "لو سكت من لا يعلم لرفع الخلاف". كثير من خلافاتنا قد يكون منشؤها التعصب العاطفي لجماعة أو داعية، حتى ندافع عن رأيه ونوالي عليه وننتصر له دون أن نتفهم أدلة الطرف الآخر.
نقص البضاعة العلمية يمكن أن يهدد الدعوة في تونس كما يهدد أي ساحة أخرى، لذا فلا بد من ورد يومي من العلم، وأن لا نصل إلى مرحلة أننا نبحث عن شيء مثير يسلينا فنطلع على مقاطع فيديو أو مقالات وننشرها ونظن أننا بذلك خدمنا الدعوة، بينما نحن في الحقيقة نتلهى عن طلب العلم والصبر عليه.
إن اللذة التي تحصلها بالبناء الثقافي المنهجي طويل النفس، والامتلاء الذي تحس به في قلبك في نهاية سلسلة نافعة أو محاضرة نافعة في العلوم الشرعية (من تفسير أو حديث أو أصول أو فقه واقع أو دحض شبهات)؛ هذه اللذة والامتلاء أعظم من لذة التنقل بين المقاطع المثيرة القصيرة والفقرات المتنوعة.
أيها الكرام، أنصحكم باستغلال الزخم البشري الذي اكتسبته دعوتكم بأن يُفرغ لكل فن من يعتني به. فالدعوة كما هي بحاجة إلى العلوم الشرعية، فهي كذلك بحاجة إلى أن يتخصص إخوة في علوم الإدارة، والإعلام، والسياسة، وفنون التأثير والمحاورة وغيرها.
معركتنا مع الباطل طويلة إخواني، فليس التصدي لهذه العلوم تلهياً ولا مضيعة وقت عن المواجهة كما قد يتصور البعض، بل تحصيلاً لما لا بد منه لنضوج دعوتنا واكتمالها.
هذه نصائح سريعة لنفسي أولاً، ثم لإخوة أحببتهم في الله على تباعد المسافات بيننا. أسأل الله تعالى أن ينفعنا جميعاً بما يعلمنا، والسلام عليكم ورحمة الله.