التحذير من البغي والظلم وعاقبتهما
يا من تدافعون عن الحملة العسكرية وتطلقون أوصافاً تعميمية جائرة تشملون بها كل من انتسب للعمل الجهادي في سيناء؛ تذكروا قول ربكم عز وجل: {وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.
سيدي وسيدكم محمد صلى الله عليه وسلم قال في الحديث الذي صححه الألباني: "ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجلَ اللهُ تعالى لصاحبِه العقوبةَ في الدنيا مع ما يدخرُه له في الآخرةِ من البغيِ وقطيعةِ الرحم". والبغي هو الظلم.
أيها الإخوان المسلمون، وأيها المنتسبون إلى السلفية؛ الله أمركم أن تتبينوا قبل أن تصيبوا قوماً بجهالة، فإن خالفتم أمر الله ورسوله {فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}. والله إنا لنخشى عليكم أن يأتي الدور عليكم في الدنيا، ثم تلقون الله وهو عليكم ساخط، وإنا والله لا نحب لكم نهاية كهذه.
أين الدعوة إلى حرمة الدماء؟
أين دعوتكم؟ أين تعليمكم الناس حرمة المسلم؛ دمه وماله وعرضه؟ كثير من الناس أحسن الظن فيكم واختاركم ظناً فيكم إقامة العدل ومنع عودة الفلول وظلمهم، فكفاكم تخييباً لظنون الناس فيكم.
العجيب أن البعض يهون من شأن قتل بعض المجاهدين، يقول: "حتى على فرض أن ذلك حصل فهذا خطأ، وسننصح الرئيس بأن يتحرى"، هكذا بدم بارد! كالذي نعهده من الساسة الأمريكان عندما يقتلون مجموعة من المدنيين فيقولون: "سوف نحقق في الأمر".
تعالوا نتذكر ماذا يعني قتل المسلم؛ قتل المسلم هو أكبر الجرائم بعد الشرك بالله، قال الله تعالى: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ}.
عظمة حرمة دم المسلم في السنة النبوية
سيقول لي البعض: "كيف تتكلم عن حرمة دم المسلم وأنتم قتلتم في العراق وأنتم فعلتم كذا؟"؛ فليعلم هذا الجاهل أني لست منتمياً إلى أي حزب أو تيار، ولا أدافع عن أخطاء أي جهة كانت، فلا يحاسبني على أفعالي غيري أو ما يتوهمه أنه من أفعالهم. دعونا الآن من التعصب والتشنج ومحاولة الرد لمجرد الرد.
أتعلمون ما معنى قتل المسلم؟ في الحديث الذي صححه الألباني قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لزوالُ الدنيا أهونُ على اللهِ من قتلِ رجلٍ مسلمٍ". وفي الحديث الذي رواه البخاري قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أبغضُ الناسِ إلى اللهِ ثلاثة"، وذكر منهم: "ومُطَّلِبُ دمِ امرئٍ بغيرِ حقٍّ لِيُهريقَ دمَه".
فقتل المسلم بحد ذاته جريمة كبرى، فكيف بقتل المسلم المجاهد؟ وكيف عندما يكون هذا القتل فيه إقرار لعيون الأمريكان والصهاينة وتأمين لحدود الكيان الصهيوني؟ وكيف عندما يصحبه تدليس وافتراء على المجاهدين وتشويه لسمعتهم بأنهم مجرمون إرهابيون خوارج؟
وكيف عندما يكون هذا القتل بعيد الثورة التي قام بها عوام الناس رفضاً للظلم واختاروا فيها من رأوهم إسلاميين فخابت فيهم الظنون ولم تُرعَ الأمانة؟ وكيف عندما يكون القتل والاعتقال وانتهاك حرمات البيوت هذه المرة تحت ظل "ولي الأمر" الذي يعطي الشرعية في كل ما يفعله الجيش في ظن البعض، بخلاف ما كان عليه أيام حسني مبارك؟
دعوة للتوبة والبراءة من المظالم
فتوبوا إلى الله منها يا من تورطتم فيها وتفاخرتم بأنكم تقودون حملتها، وتوبوا إلى الله يا من تدافعون عنها. أيها المسلمون وأيها الحزبيون ويا من تنتسبون إلى السلفية؛ لا تدافعوا عن هذه الحملة وإلا كنتم شركاء فيها، كنتم شركاء في هذه الجرائم.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا عُمِلَتِ الخطيئةُ في الأرضِ كان من شهدها فكرِهَها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيَها كان كمن شهدها" (رواه أبو داود وصححه أحمد شاكر).
أيها الحزبيون، عندما تصرون على الدفاع عن الأخطاء -خاصة إراقة الدماء- أو تقللون من شأنها، فإنكم تدقون آخر مسمار في نعش محاولات التفاهم والتقارب مع التوجهات الأخرى، وتصعبون مهمتنا نحن من ننشد جمع شمل المسلمين.
ليتكم تتعلمون من بعض قادة الجهاد العالمي الذين -حتى وإن كان لنا تحفظات على بعض ما بدر منهم- لكن على الأقل كان لهم مراجعات وتصويبات وتبرأوا من كل دم أريق بغير حق وتناصحوا، ونشرت رسائلهم في تحري عدم إراقة هذه الدماء، إلى أن وصل كثير منهم إلى النضج والحكمة.
أيها الحزبيون ويا من تنتسبون إلى السلفية، كفاكم تخييباً لظنوننا وظنون من يريدون الإصلاح بين المنتمين إلى العمل الإسلامي.
استدراج القوى الغربية للأحزاب الإسلامية
قبل شهرين من الآن، وبتاريخ 27-6 تحديداً، نشرتُ كلمة أشرتُ فيها إلى احتمال أن ترهن القوى الغربية الصلاحيات المعطاة للرئيس والأحزاب الإسلامية، ثم قلت عن هذا الاحتمال أنه ضعيف، وأن عموم منتسبي الأحزاب يرفضون أداء هذا الدور.
وكنت أظن أن مشايخ السلفية سينتفضون ويزمجرون غضباً إن رأوا تسخير الرئاسة الجديدة لضرب المجاهدين، وإذا بكم أيها الحزبيون -الذين أحسنتُ بكم الظن- تبررون أو تتغافلون عن سفك الدماء المعصومة، وترضون سريعاً بالانضمام للحرب العالمية على المجاهدين! ثم إذا بعامة مشايخ السلفية يلتزمون الصمت، والبعض يعلن أنه يسير وراء الجيش لمحاربة "التكفير" في سيناء في زعمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ولعل استدراج الرئيس والأحزاب الإسلامية الديمقراطية إلى ضرب التيارات الجهادية لم يكن الخيار الأول بالفعل لدى مراكز المكر الغربية، لكنها رأت في هذه الأحزاب ومن مشايخ السلفية ما أطمعها فيهم، فقدمت هذا الخيار واستعجلت تنفيذه.
عبرة من التاريخ ونداء أخير
عندما أُحرق المسجد الأقصى عام 1969، قالت "جولدا مئير" رئيسة وزراء الكيان الصهيوني: "لم أنم ليلتها وأنا أتخيل العرب سيدخلون إسرائيل أفواجاً من كل صوب، لكن عندما طلع الصباح ولم يحدث شيء، وفقط اكتفوا بعبارات: ندين، نشجب، نستنكر؛ أدركتُ أن باستطاعتنا فعل ما نشاء، فهذه أمة نائمة".
وليست أمتنا نائمة هذه المرة، بل فيها حياة بفضل الله، وهذا أوان افتراق الناس إلى فسطاطين. فاتقوا الله أيها الحزبيون وقدموا دينكم على حزبيتكم، واتخذوا يا مشايخ السلفية في مصر موقفاً يبرئكم من لعنة كتمان البينات والهدى، وإلا فلا أرى إلا أن الدور سيأتيكم، ثم تمضون غير محمودين في الدنيا ولا في الآخرة، وليس هذا ما نتمناه لكم.
والله إني لكم ناصح أمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.