الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
قال الله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا}. فالمعركة ستبقى، ولكنها -والله أعلم- سوف تنتقل إلى محور آخر، ألا وهو "محور الأفكار". وهذا الذي نخافه؛ أن انتصارات المسلمين -قبل أن نقطف ثمارها- قد ينغص علينا فيها اختلافهم فيما بينهم أو تلوث مذاهبهم، نسأل الله عز وجل أن يعصمهم من هذا.
إذن أيها الإخوة، المتوقع في المرحلة القادمة هي أن يحشد الكفر بقواه العالمية كل وسائله لنقل المعركة إلى ساحة الأفكار؛ لهذا فنحن في أمسّ الحاجة فعلاً إلى الهداية إلى الحق وإلى الطريق المستقيم، وأن يعرف الإنسان الحق من الباطل، والغث من السمين، والصواب من الخطأ.
هذه شكوى نشكوها دائماً: "يا أخي هناك أحزاب إسلامية كثيرة، هناك وجهات نظر مختلفة، هذا يقول شيئاً والآخر يقول عكسه، أين الحق؟ أين الهدى؟ أين ما يحب الله وأين ما يبغض الله؟". هذا السؤال المحير قد يزداد في الأيام القادمة، ولهذا اخترت في هذه الخطبة أن أتكلم عن وسائل يحصل بها المؤمن "الفرقان" الذي يفرق به؛ وهي عشر نقاط نلخصها سريعاً.
أول وسيلة لتحصيل هذا الفرقان الذي نعرف به الدخيل من الأصيل في الأيام القادمات هو التقوى؛ قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ}.
"يجعل لكم فرقاناً" أي ميزاناً تفرقون به بين الحق والباطل، وتميزون به الغث من السمين، وتعرفون به المبادئ الضالة من المبادئ التي هي على كتاب الله وسنة رسوله. في المقابل، من نواقض التقوى "الفسوق"، فالعصيان هو عكس التقوى، وتجد في القرآن الكريم في خمسة مواضع قوله سبحانه: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}. إذن يا أخي الكريم، ليكن في حسك أنك إن عصيت ربك وسلكت طريق الفسوق فإنك لن تُمنح هذا الفرقان.
ورد في عشرة مواضع قوله تعالى: {وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}. وهذا له دلالة في الواقع؛ فالإنسان الظالم قد ينسف ويحكم حكماً إلغائياً على بعض الأفراد أو الجماعات الإسلامية أو بعض المبادئ والمذاهب، وهذا من الظلم، والذي يمارس هذا الظلم يُحرم من معرفة الحق ويُحرم من الفرقان.
قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ}. فالكذاب محروم من الفرقان ومن هداية الله تعالى؛ لأن الكاذب يكذب على الناس بداية، لكن تؤول به الأمور نهاية إلى أن يكذب على نفسه، وأنى للكاذب على نفسه أن يهتدي إلى الحق من الباطل؟
كان من مقاتل الخوارج -مع أنهم كانوا أهل عبادة وحرص على الدين- أنهم كانوا متعسفين مصرين على رأيهم، لا يسمعون كلام أحد آخر، يعتدون بأنفسهم زيادة عن اللزوم. والله تعالى قال: {كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ}، فالمتكبر مطبوع على قلبه فلا يعرف الحق من الباطل.
قال الله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ}. فالذي يهدي بأمر الله لا بد أن يكون مهتدياً عنده الفرقان. لابد أن يكون عندك يقين جازم وإيمان راسخ بأن ما قال الله وقال رسوله ﷺ حق وصدق، ولابد أن يقع وإن ظهر من مجريات الأحداث خلاف هذا إلى حين. إن كان لديك هذا اليقين تؤتى الفرقان إن شاء الله.
البعض عندما يبحث عن الحق من الباطل يراعي أثناء بحثه رضا الناس، فيقول: "مهما وافقت بعضهم عاداني غيره". لكن المؤمن يقول: "إن وافقت جماعاتهم وأسخطت ربي عز وجل فلن يغنوا عني من الله شيئاً". عندما تبحث عن الحق جرد نيتك لله عز وجل واستمسك بالكتاب والسنة.
هل العبادة لها علاقة بالفرقان؟ نعم، هناك علاقة وطيدة كما يظهر من قوله تعالى مخاطباً نبيه ﷺ: {يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ * قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا}. لماذا؟ {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا}. فحتى يتحمل قلب النبي ﷺ هذا الوحي العظيم لابد من العبادة، ثم قال: {إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا}.
قال ابن عباس في معنى "أقوم قيلاً": أي أقرب أن تفقه معانيه. فالذي يريد أن يفهم معاني القرآن عندما يفسر كل إنسان النص بطريقته الخاصة، عليه بالعبادة وقيام الليل، فربنا سبحانه يجعلك أقرب إلى فهم النص. ويؤيد هذا الحديث القدسي: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به"، أي أن الله يريه الحق حقاً ويرزقه اتباعه، ويريه الباطل باطلاً ويرزقه اجتنابه.
الدعاء سلاح المؤمن، فالفرقان والهداية بيد الله أولاً وآخراً، وهو القائل: {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا}. وعن عائشة رضي الله عنها قالت كان رسول الله ﷺ إذا قام من الليل افتتح صلاته بقوله: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
الاجتهاد هو أن تبذل جهدك في تحصيل الحق، والنبي ﷺ قال: "إذا اجتهد الحاكم فأخطأ فله أجر، وإذا اجتهد فأصاب فله أجران". ولكن شرط نيل الأجر هو "الاجتهاد"، أي بذل الجهد في معرفة الحق. لا يكفي أن تقول أنا أقوم الليل وعندي تقوى، بل عليك أن تجتهد وتطلب الحق في مظانه.
إذا رأيت في سلوك بعض إخوانك انحرافاً عن منهج الرحمن، وأردت من الله أن يهديك، فناصح الآخرين؛ لقوله ﷺ: "والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه". فإذا أعنت أخاك على التزام الصواب، أعانك الله على معرفة الحق. وأيضاً يصدق هذا قول النبي ﷺ: "المؤمن مرآة أخيه".
لو لخصنا هذه النقاط العشر التي تعيننا على التسلح في الحرب الفكرية القادمة:
أريد من كل واحد منا أن يحاول إعطاء نفسه علامة من عشرة؛ هل أنا بالفعل مسلح بهذه "المطاعيم" العشرة حتى أبقى بصحتي في الحرب الفكرية أم لا؟ هل حققنا هذه النقاط العشر؟ نسأل الله أن يرزقنا الفرقان والهداية.