السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. هذه رسالة لإخواننا النازحين في غزة، مناسبتها أني رأيت بعض الإخوة ينشر على حسابه توديعاً لبيته الذي فيه ذكرياته، ويقول: "الآن سننتقل إلى حياة النازحين والله المستعان". فأود أن أصبر إخواني بذكر آيات من كتاب الله تعالى.
وأنا أستحي أن أخاطبكم ونحن لا ننصركم النصرة التي تنبغي من المسلم لأخيه؛ لضعف قوتنا وقلة حيلتنا والله المستعان، لكن بعض إخواننا في غزة يطالبنا بالاستمرار في نشر هذه الكلمات لنصبرهم، فمن أجلكم ننشرها.
نقول لكم يا أحبة: تعالوا نتذاكر آيات عظيمات من سورة آل عمران، قال الله تعالى: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا}. قد يقول البعض: "هذه لا تنطبق علي"، أصبر قليلاً؛ لولا الحاضنة الشعبية، ولولا ثباتكم وصبركم وتأييدكم لإخوانكم المقاتلين، هل كانوا ليصبروا أكثر من ثمانية أشهر في هذه البقعة الصغيرة (غزة) أمام قوى الإجرام والكفر التي اجتمعت من أنحاء العالم عليكم؟ ما كانوا ليصبروا.
وبالتالي، فأنتم لهم شركاء في الأجر بإذن الله تعالى، طالما نصحتم إخوانكم المقاتلين بأن يكون جهادهم لتكون كلمة الله هي العليا، وأن لا يكون فيها أي تخليط، وأن يكون قتالهم نصرة للمستضعفين؛ فإنكم حينئذٍ بإذن الله شركاء لهم في الأجر.
ففي الحديث الذي رواه البخاري، قال نبينا ﷺ: "إنَّ بالمدينَةِ لَأَقْوامًا ما سِرْتُمْ مَسِيرًا، ولا قَطَعْتُمْ وادِيًا، إلَّا شَرِكُوكُمْ في الأجْرِ"، قالوا: يا رسول الله، وهم بالمدينة؟ قال: "وهُم بالمدينَةِ، حَبَسَهُمُ العُذْرُ". فيا أيها النازحون، من حبسه منكم العذر عن مشاركة إخوانه ولكنه ينصح لله ورسوله ويدعو الناس للثبات والتأييد، فأنتم شركاء لهم في الأجر بإذن الله.
تابعوا معنا الآيات: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ...}، ماذا سيدخلهم الله؟ هل هي شقة في غزة بمساحة مئة أو ثلاثمئة متر؟ هل هو فيلا أو قصر؟ لا، بل: {وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ}؛ أنهار من لبن، ومن خمر لذة للشاربين، ومن ماء، ومن عسل مصفى. {ثَوَابًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}.
يقول تعالى بعدها: {لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}. ثم يذكركم بمصيركم الجميل إن شاء الله مرة أخرى: {لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلاً مِّنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلأَبْرَارِ}.
واللهِ إن ما عند الله خير من الدنيا وما فيها، وخير من غزة، وخير من أجمل قصور العالم وأجمل بلدان العالم.
قد يقول قائل: "لكننا تبهدلنا وقلّت قيمتنا في هذا النزوح"، حاشاكم! وحاشا لنعالكم التي تمشون بها أن تكون إهانة. واللهِ أقسم -وأنا أعلم على ماذا أقسم- إن هذا الذي في أرجلكم أشرف وأكرم من كل من يتآمر عليكم، ومن كل من يخونكم، ومن كل من يحرص على إذلالكم حتى تكونوا عبرة لكل من أراد أن يرفع رأسه.
أنتم لستم مهانين، العبرة بنظر الله إليكم ونظر المؤمنين إليكم. تذكروا هذه الآيات وتصبروا بها، تذوقوا حلاوتها: {فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي...}.
ثم يختم الله عز وجل السورة بقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اصْبِرُواْ وَصَابِرُواْ وَرَابِطُواْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}.
أسأل الله سبحانه وتعالى أن يفرج كربكم قريباً، وأن ينصركم على عدونا وعدوكم، وأن يجمعنا بكم في الجنة تحت ظل عز للإسلام والمسلمين، وفي الآخرة إخواناً على سرر متقابلين، وأن يعيننا على نصرتكم نصرةً يرفع الله عنا بها الإثم وينفعكم بها.
يا إخواني الأحبة، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.