الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
الصفحة الشخصية على الفيس بوك https://www.facebook.com/EyadQunaibi
الحساب على التويتر @Dr_EyadQun
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إخواني، يتساءل البعض: لماذا تحصل للمسلمين هذه الابتلاءات؟ لماذا يحصل في سوريا والعراق وغيرهما ما يحصل؟ أين السعادة التي يحققها الإسلام لمتبعيه؟
هناك حقائق -يا إخواني- نتهرب من مواجهتها لأننا نستثقلها، لكن التهرب لا ينفعك، بل يوقعك في حيرة واضطراب كما حصل لأصحاب هذا السؤال. لابد من مواجهة الحقيقة والتسليم لها وتقبلها، وستحصل لك الطمأنينة بعدئذٍ بإذن الله.
الحقيقة التي نتهرب منها هي أن هذه الدنيا دار بلاء وليست دار جزاء، وأن عقد الإسلام الذي وقعناه لم يعدنا بأن لا نبتلى، بل على العكس تماماً.
لقد تكرس في نفسياتنا أن الإسلام والتدين يعني تلبية رغباتك الدنيوية؛ لأن منظومتنا التربوية في البيت، وفي المدرسة، وفي خطبة الجمعة، تتسم عموماً بقلة الصدق وقلة الجدية في التعامل مع أمر الدين، وبالاهتمام بإنجاز "السلوك" أكثر من غرس "القيم"، وبالاستعجال في قطف الثمار والتهرب من العمل للآخرة.
كل هذا نتيجة لضعف اليقين. هكذا هم يفكرون، وهكذا يلقنونك أن تفكر: "صلِّ حتى تنجح في دراستك"، "تصدق حتى تدفع الشر عن مالك"، "ابتعد عن المحرمات حتى يوفقك الله في حياتك". هناك عبارات نراها قليلة التأثير مثل "حتى يرضى الله عنك" أو "حتى تدخل الجنة"، لذلك ندعمها بمحفزات دنيوية، أو نجعل ثمرتها دنيوية؛ كأن نقول "يرضى الله عنك فيوفقك في عملك أو دراستك"، مع أن هذه المحفزات الدنيوية ليست جزءاً لازماً من عقدنا مع الله تعالى.
هل يعني هذا أن ما تعلمناه عن ديننا كان خطأً؟ نعم، كان خطأً في طريقة العرض. انظروا إلى بيعة العقبة الثانية، كيف بايع الصحابة رسول الله ﷺ؟ بايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر، وعلى النفقة في العسر واليسر، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وعلى أن يقولوا في الله لا تأخذهم فيه لومة لائم، وعلى أن ينصروا النبي ﷺ إذا قدم يثرب ويمنعوه مما يمنعون منه أنفسهم وأزواجهم وأبناءهم.
وما هو المقابل؟ قال لهم: "ولكم الجنة". فأخذ منهم كل شيء مقابل الجنة. أدرك الصحابة معنى هذه الصفقة، فقال أسعد بن زرارة -رضي الله عنه- بعد أن ذكر رسول الله شروطه هذه: "رويداً يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة، وقتل خياركم، وتعضكم السيوف؛ فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله".
فأصر الصحابة وبايعوا. كان رسول الله ﷺ إذا حفز الصحابة لشيء قال: "من يفعل كذا وكذا وله الجنة". نحن نتهرب من هذه الصورة الجادة، هذه الصورة التي لا يصبر لها إلا أهل اليقين.
حتى كثير من الدعاة في تردد مواقفهم ما يدل على التهرب من هذه الحقيقة: الدنيا دار بلاء والجزاء يوم القيامة. وهي حقيقة يحفل القرآن بآياتها، قال تعالى: {وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}؛ يوم القيامة لا في الدنيا. وقال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}.
حين قلت "رضيت بالله رباً وبالإسلام ديناً"، ألم تكن تعلم أن الله تعالى قال: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ}؟ ألم تكن تعلم أن الله قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}؟ ألم تعلم بأنه قال: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّىٰ نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}؟
ألم تكن تقرأ قوله تعالى: {أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ}؟ ألم تكن تقرأ في القرآن قصة أصحاب الأخدود الذين حُرقوا في سبيل الله، ومع ذلك قال الله في مصيرهم: {ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}؟ ألم تكن تعلم بحال النبي ﷺ وأصحابه في المرحلة المكية؟ هل فاجأك الإسلام بغير ما تم الاتفاق عليه حتى تتشكك وتستاء؟
ستقول لي: "يعني الإسلام لا أثر له في سعادة الحياة الدنيا؟". أقول لك: بلى، الجماعة المؤمنة موعودة بالتمكين في الأرض والتبديل من بعد خوفها أمناً، أما الأفراد فكم منهم مات معذباً في عهد النبي ﷺ قبل أن يرى ذلك التمكين، وله في الآخرة الجزاء الأوفى.
ومع هذا، كان هؤلاء أيضاً في نعيم دنيوي، وهو نعيم الأرواح والقلوب. انظر إلى الآيات التي تبشر المؤمن بحياة طيبة: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً}، وانظر قوله تعالى: {لَهُمُ الْبُشْرَىٰ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}.
هذا النعيم هو الذي قلب سحرة فرعون في لحظة واحدة من دجالين إلى صِدّيقين لا يعبؤون بتهديد فرعون، بل يقولون له: {لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ ۗ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ}.
بل ونرى الآن في بلاد المسلمين المنكوبة أمثلة عجيبة من الصبر والاحتساب والرضا من إخواننا وأخواتنا الذين يبتلون بلايا شديدة. "الطينيون" المشككون سيهزؤون بنا ويقولون: "انظروا إلى هؤلاء يصبرون أنفسهم بمثل هذا الكلام"، ولا غرابة، فهم لم يذوقوا هذا النعيم فكيف يفهمون؟ قال تعالى: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ}.
فلهم ظاهر من مأكل وملبس وزينة وتفاخر، ويوم القيامة سيعلمون أنها لم تكن حياة أصلاً، وأن ما تصبرنا به هو الحياة الحقيقية، حيث يقول الإنسان حينها: {يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي}.
والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والسلام عليكم ورحمة الله.