السلام عليكم. أمتنا تمر بمرحلة خطيرة؛ سقطت بقايا القانون الدولي المهترئ، واللغة الوحيدة المسموعة هي لغة القوة التي جردت منها شعوبنا المسلمة. أمريكا حشدت قوتها في المنطقة، وإسرائيل تضرب مصالح ببلاد المسلمين لتورطها في الحرب، وإيران تضرب تلك البلاد أيضاً على اعتبار وجود قواعد.
هناك تصريحات واضحة لساسة أمريكان وإسرائيليين بوصف الحرب أنها دينية، والتهجم على الإسلام والنبي عليه الصلاة والسلام، وبالحديث المكشوف عن الأطماع التوسعية. وليس لنا إلا رحمة الله أن تنجينا؛ سواء من مكر الماكرين واستباحة بلاد المسلمين، أو من السقوط أمام الفتن وفقدان الدين. ونحن مستبشرون بأن الله تعالى يقدر الخير لعباده، وكما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "حق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه". فكل الذين بلغوا ذروة الطغيان والذين علوا علواً كبيراً سيضعهم الله حتماً، ونسأل الله معها فرجاً ونصراً لهذه الأمة.
والسؤال الأهم إخواني: كيف نثبت في المرحلة القادمة ونحصل معية الله؟ فهو سبحانه يعرض عباده للبلايا ليلجأوا إليه: فَأَخَذْنَـٰهُم بِٱلْبَأْسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ
لكن الواقع أن تعامل كثير منا نحن المسلمين مع الأحداث ليس كما يرضي الله. فأحب أن أستعرض معكم بعض ما قد يحرمنا من معيته سبحانه، وفي المقابل ما يرضيه عنا ويجعلنا في كنفه تعالى وحمايته.
مما يحرمنا معية الله حالة التنازع والتقاذف فيما بيننا؛ قال الله تعالى: وَلَا تَنَـٰزَعُوا۟ فَتَفْشَلُوا۟ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ
يقع الاختلاف على الموقف من الحرب القائمة، فترى السباب والمزايدات وتصفية الحسابات والبذاءة والتخوين إلا من رحم ربي. وفعلياً، نحن كشعوب مسلمة دورنا دور المشاهد غير المؤثر في الأحداث؛ ليس لدينا كشعوب قوة ميدانية نختصم أين نوجهها (مع إيران أم ضدها)، فلم نحصل من هذا الاختلاف إلا التنازع والمزيد من الضعف والفشل وفقدان معية الله.
قد يقول قائل: "ما نحن فاشلون أصلاً!"، فهل هذا مبرر لأن تزيد أمتك ضعفاً وفشلاً؟ هل المنطق هو "خربانة خربانة"؟ ولازم يخليك تسد الفجوات وتعمل على ترميم البناء. كفينا لفينا إخواني، ويا من ترون أنكم على الحق ارفقوا بالناس، فالمواقف الخاطئة التي ترونها نتيجه لعقود من التجهيل.
في حرب غزة كان هناك على الأقل حالة من الوحدة الشعورية بين المسلمين وإن فرقتهم الحدود، ومن أخطر ما يحصل حالياً الفرقة حتى على مستوى الشعور. وحتى لو توقفت أنت عن تغذيه التنازع المشحون فلن يتوقف كثيرون غيرك وسيبقى هذا التنازع، لكن في المحصلة: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ ۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهْتَدَيْتُمْ ۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ
نحن الآن في العشر الأواخر، وقد روى البخاري أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج يخبر بليله القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين (أي اختصما وتنازعا)، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني خرجت لأخبركم بليلة القدر، وإنه تلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، التمسوها في السبع والتسع والخمس". فالتنازع بين المسلمين سبب في رفع البركة والحرمان من أوجه من الخير.
إذا أردنا أن يوفقنا الله للموقف الصواب من هذه الحرب، وأن يكون معنا سبحانه في الأيام الصعبة المتوقعة، فنحتاج أن نبتعد عن صخب مواقع التواصل وضغط الانتصار للنفس وآرائها وأهوائها، ونلجأ إليه سبحانه بصدق. قال تعالى: يُثَبِّتُ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱلْقَوْلِ ٱلثَّابِتِ فِى ٱلْحَيَوٰةِ ٱلدُّنْيَا وَفِى ٱلْـَٔاخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ ٱللَّهُ ٱلظَّـٰلِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُ
وقال نبينا صلى الله عليه وسلم: "بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم". بادروا بالأعمال يعني: الحقوا اجمعوا أعمالاً صالحة تكون رصيداً لكم عند الله حتى يثبتكم به قبل أن تأتي الفتن التي يختلط فيها الحق بالباطل، فيصعب على أحدنا الفصل والتمييز بينها. وتتمة الحديث: "يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً، يبيع دينه بعرض من الدنيا". فالفتن ستخلع أناساً من دينهم والعياذ بالله.
وقال صلى الله عليه وسلم: "تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة". ما نعيشه في كثير من بلاد المسلمين هو رخاء بالنسبة للشدة المتوقعة. ومن علامات التوفيق أن يتمسك المسلم بدينه ويعمل على الإصلاح في زمن الفتن؛ قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "العبادة في الهرج كهجرة إلي". العبادة في الهرج (وقت الفتن وتخبط الناس) تشمل العبادة الشعائرية والعبادة الدعوية الإصلاحية؛ فالتمسك بها يدل على يقين ووضوح رؤية حين يغفل الناس.
بينما من علامات قلة التوفيق أن ينشغل كثير من المسلمين بتفاصيل الأخبار على حساب هذه العبادات، والأسوأ منه أن ننشغل بالجدل. قال الأوزاعي: "إذا أراد الله بقوم شراً ألزمهم الجدل ومنعهم العمل". وقال تعالى: إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوْا۟ مِنكُمْ يَوْمَ ٱلْتَقَى ٱلْجَمْعَانِ إِنَّمَا ٱسْتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيْطَـٰنُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا۟ كسبوا معاصي في أيامهم فكانت سبباً في أن يتمكن الشيطان من إفشالهم في لحظات المواجهة الفاصلة. فاجمع يا أخي من الآن رصيداً يثبتك الله به، فالمسألة أخطر بكثير من اصطفافات عاطفية نتشاحن ونقتتل عليها.
المواقف الصائبة تحتاج إخلاصاً وتجرداً منا للحق، وهذا ما لا يكون حاضراً في بعض الأحيان، خاصة مع معارك مواقع التواصل والتكاثر بالاعجابات والمشاركات والتعليقات والانتصار للنفس. فإذا لم يكن الدافع الأوحد للمواقف هو الإخلاص ونصرة الدين بحق، فلا يتوقع لها أن تكون موفقة من الله. لذلك نحتاج أن نراجع نياتنا ونكثر من الدعاء الذي علمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم: "اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
نصيحة لنفسي ولكل متكلم: لا يكن دافعك للحديث في الموضوع إلا التماس رضا الله تعالى وادخار الأعمال عنده سبحانه للحظات الصعبة. قد يستفزك السفهاء ويقولون: "لماذا لا تتكلم؟ هل أنت جبان؟ هل أنت مع الجهة الفلانية؟ لماذا تسكت عن الجهة العلانية؟". لا تدع أحداً يستفزك أن تتكلم إذا لم يكن لديك موقف ناضج أو لم يكن بإمكانك إعلان موقف متوازن؛ أعرض عن الجاهلين ولا تتكلم لمجرد دفع التهمة عن نفسك فتضل الناس بكلامك غير المحسوب وتحمل أوزارهم كاملة يوم القيامة لأجل الجهال. دور الدعاة والموجهين الصادقين أن يوجهوا الناس لا أن يتاثروا بما يقولونه فيهم.
كذلك مما يحرمنا معية الله تضييع عقيدة الولاء للمؤمنين والبراء من أعدائهم. هذه الحرب القائمة ليس أي من الطرفين فيها ناصراً للإسلام وأهله؛ لا نظام إيران ولا أمريكا وإسرائيل ولا من لف لفيفهما، ونحن نبرأ إلى الله من المشروعين. هذا الضعف الذي نعانيه نحن المسلمون، الأطراف المتنازعة حالياً هم سبب فيه.
ولذلك نوجه رسالة لأهلنا في البلدان التي أصبحت ساحة لهذا الصراع فيصيبها من غباره ودماره: اعلموا أننا لا نرضى أن يصاب أي منكم بأذى أو مكروه، كما لم نرضه لإخواننا في أفغانستان والعراق وغيرهما حين انطلقت المدمرات من بلاد المسلمين لتذيقهم الويلات والدمار. فاحذروا أن يصدر منكم يا إخواني ما يشعر إخوانكم في الشعوب المسلمة الأخرى أنكم ترون لأنفسكم ميزة عليهم، أو أنكم تسترخصون دماء غيركم. ونحسب أن فيكم مؤمنين منتمين لأمتهم لا يرضيهم ذلك، فالظن بكم أن تظهروا الحرص على دماء إخوانكم ورفض الاعتداء عليها كما تحرصون على سلامة أنفسكم، امتثالاً لقول نبينا صلى الله عليه وسلم: "المسلمون تتكافأ دماؤهم".
واسألوا أنفسكم: من الذي من مصلحته أن يورطكم في هذه الحرب ويشعركم بأنها موجهة ضدكم أصالة، ليظهر بعدها مظهر المنقذ لكم ويطالبكم بدفع فاتورة حمايتكم التي ستكسر الظهور وتبقي البلاد مرهونة له للأجيال القادمة؟ وفي المقابل، كيل المديح لإيران والتهوين من شأن ضلالها العقدي وإجرامها السياسي وتفضيلها على الشعوب السنية كما يفعل البعض، هذا كله يزيف وعي الأمة ويعارض عقيدة الولاء والبراء ويطبع مع الانحرافات العقدية الخطيرة. ولا زالت يد النظام الإيراني تقطر من دماء المسلمين في العراق وسوريا واليمن ولبنان وإيران نفسها كما في الأحواز بدوافع عقدية عدائية. قال تعالى: وَلِتَصْغَىٰٓ إِلَيْهِ أَفْـِٔدَةُ ٱلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِٱلْـَٔاخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا۟ مَا هُم مُّقْتَرِفُونَ فوضوح سبيل المجرمين المعادين للأمة بكل أشكالهم مطلب شرعي لا يجوز التلبيس على الناس فيه. أما تمني أن تكسر هذه الحرب تغول أمريكا وإسرائيل في المنطقة، فهذا التمني لا خطأ فيه ولا نستنكره.
مما يحرمنا معية الله نسبة الحفظ إلى المخلوقين؛ فكم من أناس ظنوا أنهم آمنون بدبلوماسية بشر أو سياسته، والمتدثر بغير حفظ الله عريان. فإذا سئلت في هذه الظروف: "هل أنت خائف؟" فقل: "لا ما دمت مع الله". وصف الله المشركين بأنهم إذا مسهم الضر في المواقف العصيبة كعلو أمواج البحر وخوف الغرق فإنهم لا يدعون إلا الله، فالعجب ممن ينتسب إلى الإسلام ولم يصل هذه المرتبة!
ختاماً يا كرام، نسأل الله تعالى أن ينجينا من الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يعيننا نحن المسلمين ليكون لنا مشروعنا في إعلاء كلمة الله، وألا نبقى جزءاً من مشاريع الآخرين. والسلام عليكم ورحمة الله.