السلام عليكم إخواني الكرام، غداً الخميس هو يوم عاشوراء، وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "صيام يوم عاشوراء، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله"، يعني ذنوب السنة الماضية.
ويسن لمن صامه أن يصوم يوماً قبله أو بعده، لكن لا كراهة في إفراده بالصيام، فلا مشكلة لو صمته وحده. فلا تضيع على نفسك هذا الأجر العظيم لعادة كالتدخين أو لمناسبة؛ أجل مناسباتك واجتماعاتك إذا تعارضت مع الصيام، وأخبر الناس بأنك تؤجلها لأجل عاشوراء، فتكسب أجر تعظيمه في عيون الناس بالإضافة إلى أجر صيامه.
والأخوات اللاتي يمنعهن العذر من الصيام، اكسبن أجر صيامه بحض غيركن عليه، فمن دل على خير كان له مثل أجر فاعله.
لا تترك صيام عاشوراء قائلاً: "صمت عرفة، وعرفة يكفر سنتين، ولا زلت مشمولاً في فترة السنتين". أولاً: ما يدريك أن الله قبل منك؟ فقبول صيام هذه الأيام الفاضلة مشروط بتحقيق شروط القبول وانتفاء موانعه، قال تعالى: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْمُتَّقِينَ
ومن تقوى الله أن تعظم هذه الأيام وتحرص على أجرها. إن إحساسك بأنك ضمنت القبول ليس مؤشراً جيداً، بينما خوفك من عدم القبول هو من أهم علامات القبول. عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: وَٱلَّذِينَ يُؤْتُونَ مَآ ءَاتَوا۟ وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَىٰ رَبِّهِمْ رَٰجِعُونَ قالت: أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ فقال عليه الصلاة والسلام: "لا يا بنت الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون وهم يخافون ألا تقبل منهم، أولئك الذين يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون". وقال الحسن البصري: "المؤمن جمع إحساناً وشفقة، والمنافق جمع إساءة وأمناً".
نص عدد من العلماء على أن اقتراف الكبائر يمنع مغفرة الذنوب بيوم عاشوراء أو عرفة، ويشهد لهم أحاديث مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، كفارة لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر".
فإذا ضممت يوم عاشوراء إلى يوم عرفة، كان أحری أن يقل أثر الكبائر وأن تغفر ذنوبك. وقد تقول: "أنا لا أفعل كبائر"، لكن قد تكون هناك كبائر تعودت عليها وتبلد الإحساس تجاهها، كأكل مال حرام، أو الغيبة، أو قطع الرحم. ومن الكبائر التي يغفل عنها الكثير: كبائر القلوب، وعلى رأسها سوء الظن بأقدار الله، خاصة مع اشتداد الفتن، ظناً أن الدنيا دار جزاء لا دار بلاء.
من الكبائر التي ننساها: التقصير في نصرة المسلمين. قد تقول: "كيف أنصرهم؟"، أنت تجاهد شهواتك بالصيام، والله تعالى يقول: وَٱلَّذِينَ جَـٰهَدُوا۟ فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا فصيامك مدعاة لأن يهديك الله لسبل نصرة إخوانك، ويعينك على ترك كبائر الجوارح والقلوب.
صم عاشوراء تعظيماً ومحبة لله تعالى، وهذا بحد ذاته معنى عظيم. تذكر الحديث القدسي الذي يقول فيه رب العزة سبحانه: "ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه".
نصوم عاشوراء اقتداء بسنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِى يُحْبِبْكُمُ ٱللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
نصوم حتى لا نندم يوم القيامة؛ فبعيداً عن مغفرة السيئات، هناك تفاوت في الحسنات ومراتب الجنات. ربنا عز وجل سمى يوم القيامة "يوم التغابن"، حيث يدرك كل واحد أنه كان مغبوناً، حتى المؤمن المحسن يدرك أنه كان يمكنه الحصول على مرتبة أعلى لو استغل أنفاسه وعمره بشكل أفضل.
تكفيراً لذنوب قديمة عملناها ونسيناها، وظننا أن مجرد تركها كافٍ ولم نستغفر منها كما يجب. قال تعالى: يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ ٱللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُم بِمَا عَمِلُوٓا۟ ۚ أَحْصَىٰهُ ٱللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَىْءٍ شَهِيدٌ فبادر إلى التطهر منها بالصيام بدلاً من أن يطهرك الله منها بالهم والحزن والمصائب.
لتحصيل معية الله التي تعرفك بالحق وتثبتك عليه في زمن الفتن. الصوم سبب لزيادة التقوى: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ كُتِبَ عَلَيْكُمُ ٱلصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ والتقوى سبب للمعية: وَٱعْلَمُوٓا۟ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلْمُتَّقِينَ، وهي سبب للفرقان: يَـٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓا۟ إِن تَتَّقُوا۟ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّـَٔاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
نصوم عاشوراء ليمنعنا من الوقوع في الآثام المستقبلية، قال صلى الله عليه وسلم: "الصوم جُنة"، أي وقاية من الآثام في الدنيا ومن النار في الآخرة.
تعبيراً عن أننا أحق بموسى عليه السلام من اليهود. ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشوراء لأنه يوم ظهر فيه موسى على فرعون، فقال: "أنتم أحق بموسى منهم فصوموا". فنحن الأتباع الحقيقيون لكل الأنبياء لأننا أتباع الإسلام دين الأنبياء جميعاً.
نصوم عاشوراء تعظيماً لحق الله في زمن لا يرى فيه البعض قيمة للشعائر إلا بمنفعة مادية. نصومه تعبيراً عن مركزية رضا الله في حياتنا، وهذا من معاني الحديث القدسي: "كل عمل ابن ادم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به".
لهذه الأسباب كلها، صوموا عاشوراء وحثوا الناس عليه، ونسأل الله أن يتقبله منا ومنكم. سَابِقُوٓا۟ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوا۟ بِٱللَّهِ وَرُسُلِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ فَضْلُ ٱللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ ۚ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ
والسلام عليكم.