مقدمة: متى يصبح ضغط الدم بحاجة إلى علاج؟
السلام عليكم ورحمة الله أيها الكرام. نحاول في هذا المقطع الإجابة عن سؤال: "على أي ضغط دم أصبح بحاجة لعلاج؟". هذا الموضوع حصل فيه تغيرات كثيرة في السنوات الأخيرة وخلاف بين المنظمات الصحية، وهو يؤثر على حياة ما لا يقل عن مليار ونصف المليار من البشر.
لماذا نقول ذلك؟ لأن الضغط المختلف عليه -أي إذا كان الضغط مثلاً 138 على 88- هل يعتبر صاحبه مريض ضغط وبحاجة لعلاج؟ هذا النطاق المختلف عليه هو ما بين (130-139) للضغط العلوي، و(80-89) للضغط السفلي، ويقدر بأنه موجود لدى ما لا يقل عن 20% من البشر.
قاعدة القياس الأعلى
في علاج الضغط، إذا كان أحد الضغطين مرتفعاً والآخر طبيعياً، فنحن نعتبر أن الشخص عنده ضغط مرتفع ونضعه في الخانة الأعلى دائماً. فمثلاً، إذا كان ضغط الشخص 138 على 78، فإن الضغط العلوي يؤهله للوضع في خانة الارتفاع، فنأخذ بالأعلى دائماً.
الموازنة بين المنفعة والضرر في العلاج
علينا دائماً أن نوازن بين مسألتين قبل البدء بالعلاج الدوائي:
- منع المضاعفات (Complications): مثل تلف الشبكية، تلف عضلة القلب، تصلب الشرايين، نقص التروية للقدمين، وفشل عضلة القلب.
- تجنب الأعراض الجانبية والتكاليف: الأدوية لها أعراض جانبية وتفاعلات دوائية، كما أننا لا نريد تحميل المريض تكاليف غير ضرورية أو تعريضه لعدم الراحة (Inconvenience) إذا كان في غنى عن العلاج.
للأسف، في عالمنا العربي والإسلامي، ليس لدينا إرشادات (Guidelines) خاصة بنا صممت بناءً على دراسات أجريت على شعوب المنطقة، لذا نحن مضطرون للاعتماد على الإرشادات الأمريكية والأوروبية والبريطانية.
تطور الإرشادات الصحية (2014 - 2017)
إرشادات عام 2014 (JNC 8)
حسب هذه الإرشادات، تم تصنيف ضغط الدم للبالغين كالتالي:
- الطبيعي (Normal): العلوي أقل من 120 والسفلي أقل من 80.
- ما قبل ارتفاع الضغط (Prehypertension): العلوي (120-139) أو السفلي (80-89). هؤلاء لا يحتاجون دواءً، بل توصيات بتحسين الغذاء والرياضة.
- المرحلة الأولى (Stage 1): العلوي (140-159) أو السفلي (90-99). هنا يبدأ الاحتياج للعلاج بعد التأكد من نمط الحياة.
- المرحلة الثانية (Stage 2): العلوي 160 فما فوق أو السفلي 100 فما فوق. لا خلاف على وجوب علاج هذه الفئة.
إرشادات عام 2017 (ACC/AHA)
أصدرت 11 منظمة أمريكية (منها جمعية القلب الأمريكية) معايير جديدة شكلت صدمة ومخالفة لما سبق:
- اعتبرت أن الضغط من (130-139) علوي أو (80-89) سفلي هو ارتفاع ضغط من المرحلة الأولى وليس "ما قبل الارتفاع".
- هذا يعني أن ملايين البشر الذين كانوا يصنفون كأصحاء أصبحوا "مرضى ضغط" حسب هذا التعريف الجديد.
الاختلاف العالمي حول معايير 2017
لم تتفق المنظمات الأوروبية ولا منظمة الصحة العالمية ولا الصين مع هذه الإرشادات الأمريكية المتشددة، وبقيت الغالبية العظمى من دول العالم تعتمد رقم 140 على 90 كبداية لارتفاع الضغط.
كيف يتم التعامل مع فئة (130-139 / 80-89)؟
حسب التوصيات الأمريكية، لا يعالج الجميع في هذه الفئة بالأدوية فوراً، بل يتم اتباع الآتي:
- مرضى الشرايين: إذا كان الشخص مصاباً بمرض ناتج عن تصلب الشرايين أو ذبحة صدرية، يبدأ العلاج فوراً.
- حساب المخاطر (10-Year ASCVD Risk): يتم حساب نسبة احتمال الإصابة بأمراض القلب خلال 10 سنوات (باستخدام تطبيقات خاصة تدخل فيها السن، الكوليسترول، التدخين، والسكري).
- إذا كانت النسبة 10% فما فوق: يعطى علاجاً دوائياً.
- إذا كانت النسبة أقل من 10%: يكتفى بتغيير نمط الحياة (رياضة، تقليل ملح، تنزيل وزن) مع المتابعة.
الإرشادات الأوروبية والبريطانية (2018 - 2021)
في عام 2018، نشرت الجمعية الأوروبية لأمراض القلب (ESC) إرشاداتها في "European Heart Journal"، وبقيت متمسكة برقم 140 على 90 كحد فاصل لبدء العلاج الدوائي، بغض النظر عن وجود سكري أو نسبة مخاطر تصلب الشرايين، مخالفة بذلك التوجه الأمريكي لعام 2017.
مراعاة الأصول العرقية والجغرافية
تضمنت الورقة الأوروبية جدولاً لافتاً يشير إلى ضرورة تعديل حساب المخاطر بناءً على أصل المريض:
- سكان جنوب آسيا (مثل الهند): يُضرب رقم المخاطر في (1.4) لأنهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب.
- سكان غرب آسيا (منطقتنا العربية): يُضرب الرقم في (1.2) لزيادة الدقة في التنبؤ بالمخاطر.
- سكان شرق آسيا (مثل إندونيسيا): يُضرب الرقم في (0.7) لأنهم أقل عرضة نسبياً.
كذلك في عامي 2019 و2020، أصدرت منظمة "نايس" (NICE) البريطانية والجمعية الدولية لارتفاع ضغط الدم (ISH) إرشاداتها التي أكدت فيها على معيار 140 على 90، مما يعزز الاتفاق العالمي الواسع ضد التشدد الأمريكي في الأرقام.
أهمية مكان وطريقة قياس الضغط
نقطة جوهرية يجب الانتباه لها: كل الأرقام المذكورة سابقاً (مثل 140/90) تشير إلى القياس داخل العيادة أو المركز الصحي (Office Blood Pressure Monitoring).
القياس المنزلي مقابل قياس العيادة
هناك فروقات معتبرة بين القياسين، ويجب اللجوء للقياس المنزلي أو جهاز القياس المتنقل (Ambulatory) لمدة 24 ساعة لحسم الحالات المحيرة:
- ظاهرة "الرداء الأبيض" (White Coat Hypertension): يرتفع ضغط المريض في العيادة فقط بسبب القلق، بينما يكون طبيعياً في البيت. هذا المريض لا يحتاج علاجاً دوائياً.
- الضغط "المقنع" (Masked Hypertension): يكون الضغط طبيعياً في العيادة لكنه مرتفع جداً في حياة المريض اليومية والمنزل. هذا المريض يحتاج علاجاً رغم قراءات العيادة السليمة.
قاعدة عامة: الضغط المقاس في البيت يكون عادةً أقل بـ 5 درجات عن قياس العيادة. فإذا كان ضغطك في البيت 135 على 85، فهذا يعادل 140 على 90 في العيادة، وهنا تعتبر مريض ضغط وتحتاج علاجاً.
التحديثات الأخيرة (2021) وتوسيع دائرة العلاج
في أبريل 2021، أصدرت جمعية القلب الأمريكية (AHA) تحديثاً جديداً يميل لإعطاء العلاج الدوائي لفئة (130-139 / 80-89) حتى لو كانت نسبة المخاطر لديهم أقل من 10%، وذلك في حالات معينة:
- التاريخ العائلي: إذا توفي أحد الوالدين بجلطة أو ذبحة في سن مبكرة (مثل سن 45).
- تاريخ الحمل: النساء اللواتي عانين من ارتفاع ضغط الدم أثناء الحمل.
- النظر للمدى البعيد: يرى أصحاب هذا التوجه أن الانتظار حتى ترتفع نسبة المخاطر خلال 10 سنوات هو نظر قاصر، لأن الضغط في هذا المدى يؤدي لتلف تراكمي على مدار 20 أو 30 عاماً، وإعطاء الدواء مبكراً يمنع تفاقم الحالة (Progression).
الخلاصة والنتائج العملية
لتلخيص هذه المسألة المعقدة ووضع النقاط على الحروف:
- الاتفاق العالمي: عامة المنظمات الصحية العالمية (الأوروبية، البريطانية، الصينية، ومنظمة الصحة العالمية) متفقة على أن الشخص يعتبر مريض ضغط ويحتاج علاجاً إذا كان ضغطه 140 على 90 فما فوق (في العيادة).
- الفئة الخلافية (130-139 / 80-89): المنظمات التي توصي بالعلاج الدوائي لهذه الفئة محدودة (أمريكية غالباً). القرار هنا يعتمد على وجود أمراض أخرى (سكري، فشل كلوي) أو تاريخ عائلي قوي أو نسبة مخاطر عالية.
- القياس المنزلي هو الحكم: لا ينبغي البدء بالعلاج من أول أو ثاني قياس في العيادة. اطلب من المريض إجراء فحص بيتي صحيح ومنتظم، فإذا تكرر ظهور قراءة 135/85 في المنزل، فهذا يعني حاجة فعلية للعلاج.
نسأل الله العافية للجميع، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.