مقدمة حول قضية هالة عاهد
السلام عليكم ورحمة الله. تابعنا في الأيام الماضية النقاش الدائر حول هالة عاهد. أنا شخصياً كنت ولا زلت مشغولاً فلم أتكلم عن الموضوع، لكن أرى أنه لا بد من وضع النقاط على الحروف بكلام مركز وهادئ.
بدأت القضية عندما نشرت "مؤسسة أهل" عن جلسات تنظمها لتعلم فيها هالة عاهد عن النسوية. في نموذج الانضمام للورشة، كان هناك عدة خيارات لاختيار الجنس: (ذكر، أنثى، أخرى، أفضل عدم الإفصاح)؛ وهذا جزء من "بكج" الجندرة الذي يكتسح العالم.
هذا الأمر جعل الناس ينبشون عن ماضي المؤسسة، فتبين أنها تضع ضمن شركائها مؤسسات مثل "منتدى الجنسانية" الذي يطالب بحقوق المثليات وينشر في محاربة ثقافة العفة وثقافة العذرية.
مواقف هالة عاهد بالأدلة
عند البحث في سجل هالة عاهد، تبين ما يلي بالأدلة والصوت والصورة:
- الدفاع عن الطاعنين في الدين: تبرعت بالمحاماة عن زليخة أبو ريشة، المعروفة بالطعن في الإسلام، واستطاعت إخراجها من قضية ازدراء الإسلام.
- معارضة الأحكام الشرعية: وقفت ضد الحكم الشرعي بالقصاص من شاب مكلف شرعاً (عمره 17 سنة) اغتصب طفلة عمرها أربع سنوات ثم قتلها. وفي نقاش عن عقوبة الإعدام على قناة "رؤيا"، وصفت العقوبة -مع أنها ثابتة في الشريعة- بأنها "حل قاسي وغير إنساني وهروب من حل المشكلة، ولا يمكن تدارك نتائجه والخلل الذي يترتب عليه".
- رفض النص القرآني: بعدما ذكر محامٍ في المقابلة قول الله تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}، أصرت هالة على رفض القصاص بالقتل مهما كانت المبررات، وعلى أنها تبحث عن وسيلة "أكثر إنسانية".
- المناداة بالاتفاقيات الدولية: تنادي بالامتثال لاتفاقيات مثل "سيداو"، وتطالب بالتخلص مما تبقى من الشريعة الإسلامية في قانون الأحوال الشخصية، لأن هذه البقايا تعارض "المساواة المطلقة" التي نصت عليها الاتفاقيات الدولية.
- الارتباط بمؤسسات مشبوهة: حصلت على جوائز من مؤسسة "فرونت لاين ديفندرز" الأيرلندية الضليعة في دعم الشذوذ في العالم الإسلامي. كما أوصت بقراءة كتب "الجندر" التي تنكر وجود فروقات حقيقية بين الذكر والأنثى.
سياق الحرب العالمية على الفطرة
عبر كثير من عامة الناس عن إنكارهم لهذه المواقف، وهنا هبت مؤسسات نسوية وجندرية في الأردن للدفاع عنها، وتبعهم بعض الشخصيات باعتبار أن لها مواقف أخرى في الدفاع عن حقوق المعلمين، وأنه يجب احترام حريتها في التعبير.
لكن دعونا نتذكر أن هذا كله يتم في سياق "الحرب العالمية على الفطرة". النظام الدولي والأمم المتحدة ينشرون السعار الجنسي لغايات مادية واستعبادية ولتقليل النسل، من خلال شعارات المساواة والاتفاقيات الدولية. هذه الاتفاقيات هي ذاتها التي تُفسر دولياً بما يجرم الزواج قبل سن الثامنة عشر ويحرض على الزنا قبله.
نحن نرى آثار ذلك في تفتت مؤسسة الأسرة في الأردن وتزايد معدلات الطلاق والعزوبة. كما نستحضر توصيات الـ (USAID) باستخدام "النسويات الإسلاميات" لنشر مفهوم الجندر، وهو ما تكلمنا عنه بالتفصيل في حلقات سابقة.
ازدواجية المعايير والترهيب الفكري
وسط هذه الحرب الممنهجة، نرى تعليقاً لحساب مجهول يدعو للتخلص من هالة عاهد، فتهب المؤسسات النسوية والسيداوية المدعومة من الخارج وتعلن النفير العام، وتطالب بتدخل الجهات الأمنية وقمع الأصوات التي تمثل "خطاب الكراهية".
يريدون استغلال أي تجاوز من حساب مجهول لإسكات الجميع، لتستمر هذه المؤسسات في تنفيذ أجندات الجندرة والتخلص من معالم الإسلام. لو حصل أي أذى جسدي حقيقي أو مفتعل، فستكون هذه الفرصة الذهبية لهذه المؤسسات لإسكات أي صوت يقف في طريق أجنداتها.
أوجه خطابي أولاً للغيورين الذين استنكروا هذه المواقف: جزاكم الله خيراً، إنكاركم للمنكر صمام أمان لمجتمعاتنا، ولا تدعوا هذه المواقف تؤثر على دفاعكم عن دينكم وأخلاقكم.
ثم أوجه خطابي للشخصيات التي دافعت عن هالة عاهد، مع أن فيهم من كان له موقف طيب أيام مناقشة "قانون الطفل" -الذي كانت هالة عاهد من كبار مسوقيه بالمناسبة- أو أمام إغلاق مراكز التحفيظ.
ومنهم أحد الكتاب المعروفين الذي قال: "الناشطة والحقوقية هالة عاهد لم تقف موقف المتفرج في كل القضايا العادلة، بل ناصرت الحق وساندته ووقفت إلى جانبه في الوقت الذي اختبأت فيه كثير من الرؤوس والشوارب.. إن لم تعرف من هي هالة عاهد لا تطلق حكمك عليها، معها وكل الدعم لها".
وحقيقة كان موقفاً مستغرباً من هذا الكاتب الذي كان له موقف طيب من إغلاق دور التحفيظ. ولنا أن نسأل الكاتب: ألا ترى تناقضاً في مواقفك عندما تناصر قضية دور تحفيظ القرآن، وفي الوقت ذاته تناصر هالة التي حامت عن زليخة المطالبة بإغلاق دور التحفيظ والكف عن تدريس الشريعة والفقه والسنة النبوية لأنها "تخرب العقول وتغسل الأدمغة" كما نصت زليخة؟
أي ظلم للمعلمين أكبر من أن يطالبوا بتدريس مفاهيم الجندرة المضادة لدينهم ليدمروا بها فطرة تلاميذهم؟ وهالة عاهد من المروجين للجندرة، ولها دورات تدريبية في الترويج لمفهوم "الأدوار الجندرية"؛ المصطلح الذي سكه "جون ماني" كما بينا بالتفصيل في حلقة "الجندر حقيقته وما وراءه".
نقاط جوهرية في تقييم الموقف
بقي يا كرام أن نذكر بست نقاط أساسية:
أولاً: المرجعية الشرعية للمواقف
المسلم يتخذ مواقفه بناءً على الدين الذي يدين به. عندما تقول "نؤيد" أو "نرفض"، فمواقفك هذه لا قيمة لها إلا إذا كان لها مستند شرعي بالأدلة، وإلا فماذا يعنينا أن ترفض أو توافق؟ أنت عبد لله، يعني تطيعه في اتخاذ مواقفك. والمسألة هنا ليست بالكثرة؛ فلو وقف كل الناس موقف تأييد لباطل، فموقفهم هذا لا يساوي قشرة بصلة.
ثانياً: معيار قبول الأعمال
عندما تقول "هل ناصرت قضايا عادلة؟" نسألك: هل مناصرتها هذه مقبولة عند الله؟ نبينا ﷺ سُئل عن المعيار لقبول الأعمال والتضحيات، وأعطى إجابة واضحة: "لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله". فتحصيل حاصل: الذي يبذل جهده وينافح ويناضل لتكون كلمة "سيداو" هي العليا، واتفاقية الأمم المتحدة هي العليا، وزليخة أبو ريشة هي العليا، فهو ليس في سبيل الله.
لقد ارتفعت أصوات صحابيين عند نبينا ﷺ فأنزل الله تعالى تحذيراً بأن مجرد رفع الصوت بحضرته ﷺ يهدد بحبوط الأعمال، فما بالك بمن يرفع صوته فوق حكم الله سبحانه وتعالى ويطالب بإلغاء آثار الشريعة أو تعديل فهم نصوصها بما يتوافق مع اتفاقيات صاغها أناس كفروا بالله وبرسوله؟
ثالثاً: التكفير والإنكار
الإيمان والكفر أحكام شرعية، لا تخرج عن علم وبصيرة. لكن لا تلعبوا لعبة إسكات الناس عن إنكار مواقف هالة بحجة أن هناك من كفرها. صار كلما هدم أحد الإسلام وهاجم ثوابته فننكر عليه، يرفع في وجوهنا سلاح "التكفيروفوبيا" ليخرس الجميع وهو يرى الثوابت تهدم وأجندات الخارج تنفذ لسرقة أبنائنا.
نحن لا نحكم على الأشخاص، وإنما نحذر من المواقف. أنتم يا أذناب الخارج المتهمون المدانون، من أمثال الحركة النسوية التي تروج لكتب نوال السعداوي عدوة الله ورسوله، وسيمون دي بوفوار الشاذة المتحرشة ومنتجة فضلات الجندر الفكرية؛ ليس موضوعنا الحكم على شخص هالة، وإنما التحذير من مواقفها، وهذا أدنى مراتب الإيمان: "فمن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".
رابعاً: كذبة حرية التعبير
الذين يقولون "هي تعبر عن رأيها"؛ رأيها في ماذا؟ في رب العالمين وشريعته؟ من التشوه الفكري الشديد اعتبار كل رأي يستحق الاحترام. "حرية التعبير" هذه أكبر كذبة؛ فلا يوجد نظام في الدنيا إلا وله مقدسات يعاقب من ينتهكها. لو داس شخص علم بلده لعوقب بشدة، والأنظمة الليبرالية تقمعك إذا هاجمت مقدساتها (الجندرة، الشذوذ، التحول).
معقول الإسلام بالذات -دين الله الحق- لا يكون له مقدسات؟ هل دين الله هو الأحق أن يعظم أم الدستور الوضعي؟ لو وصفت هالة حكم الدستور بأنه "قاسي وغير إنساني" كما وصفت القصاص، هل كنتم ستدافعون عنها باسم حرية التعبير؟ فتنة الناس عن دينهم والانتقاص من الشريعة وتفضيل الاتفاقيات الوضعية عليها أسوأ من القتل، كما قال ربنا سبحانه: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ}.
خامساً: حقيقة خطاب الكراهية
الذين يقولون "هذا خطاب كراهية"؛ هل كراهية كلام رب البشر معلش؟ وكراهية كلام سيد البشر ﷺ معلش؟ {مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا}. المسلم بقدر ما يحب الله ورسوله، يكره الانتقاص والتعدي عليهما. قال نبينا ﷺ: "أوثق عرى الإيمان: الحب في الله والبغض في الله".
خطاب الكراهية الحقيقي هو الذي يزرع الكراهية في المجتمع وبين مكونات الأسرة الواحدة، من خلال تنفيذ أجندات المؤسسات الدولية التي أفسدت المرأة على زوجها والأبناء على آبائهم تحت شعار "حقوق المرأة والطفل" و"سيداو".
سادساً: التطبيع مع الجندرة
الدفاع عن هالة -مع العلم بأن قضيتها ثارت على إثر نشاط جندري (ذكر، أنثى، أخرى)- هو "تطبيع مع الجندرة". بعدما كان الناس يشمأزون من الجندرة وما يتبعها، صار الآن النغمة: "حتى وإن روجت للجندرة لكن لها مواقف جيدة". هكذا شيئاً فشيئاً يموت في القلب النفور من الحرب على الفطرة، وتتم هندسة الوعي المجتمعي بشكل مشوه.
أما نحن فنقول لها: اتقِ الله وتراجعي عن هذه المواقف، فالله تعالى لم يغلق باب التوبة، وهدايتك أحب إلينا. نسأل الله أن يصلح أحوالنا وينجي بلادنا وبلاد المسلمين.
والسلام عليكم ورحمة الله.