إلى أي حد غيرت الأحداث أفكارنا وصبغت سلوكنا؟!
إلى أي حد غيرت الأحداث أفكارنا وصبغت سلوكنا؟!
د. إياد قنيبي: بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. إخواني وأخواتي، السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته، وأهلاً وسهلاً بكم في هذه الأمسية الطيبة.
الموضوع الذي اخترناه بعنوان "غزة وغزو النفوس" هو الموضوع الذي يشغل الساحة، ولكن لاحظنا مؤخراً أنه قلّ شغله للنفوس، وهذا ما نلاحظه في كثير من النوازل؛ إذ لا تلبث نفوسنا أن تفتر في متابعة موضوع ما. ولذلك، كنا قد طرحنا استبياناً على اليوتيوب والتليجرام لرصد مدى التغيير الحقيقي في السلوك بعد أحداث "طوفان الأقصى".
كان نص السؤال: "هل حصل تغيير جذري في سلوكك بعد طوفان الأقصى، بحيث امتنعت عن معاصٍ بحزم، أو أقبلت على عمل نافع بطهور نفس، أو طاعة كنت تاركاً لها؟" مع التأكيد أن السؤال ليس عن نية التغيير بل عما تغير بالفعل.
جاءت النتائج (من عينة زادت عن 70 ألف مشارك) كالتالي:
هدفنا اليوم هو تحليل هذه النتائج والوقوف عند خلل "طول النفس" وكيفية توظيف هذه الأحداث لمستقبلنا. ولهذا استضفنا الدكتور كريم حلمي، لما له من عمق في النظر إلى النفس وانفعالاتها وقدرة مميزة على التعبير.
د. كريم حلمي: الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين. بداية، لكي نقف جميعاً على أرضية صلبة، نحن نتكلم عن "تغيير السلوك". السلوك هو الطريقة التي يتفاعل بها الإنسان مع مجريات الحياة من حوله.
عندما نتحدث عن "التغيير الجذري"، فنحن نقصد تغيراً في النمط السلوكي العام، وليس مجرد تفاعل لحظي آني (مثل دعاء عابر أو تبرع لمرة واحدة ثم العودة لما كان عليه). الأحداث العظيمة تُحدث هزات شعورية ومعرفية، والإسلام يعظم العبوديات القلبية (الحب، البغض، الخوف، الرجاء) غاية التعظيم، لكن يبقى السلوك هو "مرآة الأفكار ومحنة المشاعر"؛ به يُمتحن صدق ما في القلب.
ينبغي أن يكون التغيير السلوكي نابعاً من إصلاح عقدي. هناك ظاهرة "الفلكلور الإسلامي"، حيث يفعل الإنسان العبادات عادةً دون عمق عقدي، مما يؤدي إلى هشاشة عند الأزمات. المؤمن يعتقد أن "الأمر من السماء لا من الأرض"، وأن سلوكنا له أثر في نزول البلاء أو رفعه، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ}.
د. كريم حلمي: لهذا الفريق الذي يمثل النسبة الأكبر، نوجه عدة نصائح:
د. كريم حلمي: هذه الحالة خطيرة جداً؛ فإذا لم تتحرك النفس أمام مشاهد تزلزل الجبال، فمتى تتحرك؟
د. إياد قنيبي: أؤكد هنا أن هؤلاء قد ينتظرون قارعة تنزل بهم حتى يتغيروا. الانشغال بالجدل والتحليل الذي يقسي القلب هو مهرب من المسؤولية الفردية أمام الله.
د. كريم حلمي: العزم بلا سلوك هو عزم يحتاج إلى مراجعة.
د. كريم حلمي: هذه الفئة التي قالت إن سلوكها تغير للأسوأ (2%)، هي حالة تحتاج إلى وقفة تحليلية دقيقة.
أولاً، يجب أن نفرق بين "الهم والغم" وبين "التغير للأسوأ". الحزن والهم لما يصيب المسلمين هو "عبودية" ورحمة جعلها الله في قلوب عباده، وليست تغيراً للأسوأ. التغير للأسوأ المقصود هنا هو: العجز، ترك الطاعات، الشك في حكمة الله، أو الانغماس في الغفلة هرباً من الواقع.
د. كريم حلمي: ينبغي للمسلم أن يصنع حالة من التوازن. لا ينبغي "الهروب بالكلية" وعدم متابعة ما يحدث لإخواننا، ولا ينبغي "الاستغراق المدمر" الذي يؤدي إلى شلل الإرادة والانهيار النفسي.
د. إياد قنيبي: فتح الله عليك دكتور كريم. هذه الأحداث في النهاية هي "حجة علينا". الله عز وجل يبتلي إخواننا في غزة بالقتل والتهجير، ويبتلينا معهم ليرى: {أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا}.
الإنسان يجب أن يتذكر دائماً أن كل ما يحصل هو ضمن أقدار الله، وهو سبحانه يستخرج من هذه المحن عبوديات الصبر والاحتساب والنصرة. التغيير الذي ننشده هو "تغيير لنفسك" أولاً لتنجو بين يدي الله، بغض النظر عن النتائج المادية للمعركة.
د. كريم حلمي: على الرغم مما في هذه الأحداث من ألم، إلا أن فيها "إحياءً للنفوس". هناك معاني إيمانية لم نكن لنستشعرها بهذا الصدق لولا هذا البلاء. من أعظم ما نقدمه لإخواننا في غزة هو ألا يذهب بلاؤهم سدى، بل يثمر فينا توبة نصوحاً وتغييراً حقيقياً في سلوك الأمة.
د. إياد قنيبي: جزاك الله خيراً دكتور كريم على هذا الطرح العميق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يخفف عن إخواننا في غزة، وأن ينصرهم على من عاداهم، وأن يجبر كسرهم، ويعيننا على نصرتهم بما نستطيع.
شكر الله لكم إخواني وأخواتي متابعتكم، ونستودعكم الله. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.