مقدمة القصيدة: لفتات من رحم المعاناة
السلام عليكم ورحمة الله، إخوتي الكرام. هذه قصيدة نظمتها في الأسر بعنوان "في كل يوم لنا عيد"، وقد ألفتها في عيد الأضحى الماضي، ولكن قبل أن أذكرها لكم أود أن أضعكم في أجوائها بأربع لفتات سريعة:
اللفتة الأولى: أن والدتي -حفظها الله- كانت كلما اقترب عيد تأتي فتقول: "إن شاء الله هذا العيد بتعيد عنا"، فأقول لها: "يا والدتي، لا يبدو أن ذلك سيكون، ولكن على كلٍ نحن لنا أعيادنا على طريقتنا الخاصة في هذا السجن".
اللفتة الثانية: أنني مهتم قديماً وحديثاً بمسألة درء الشبهات عن الإسلام.
اللفتة الثالثة: أن الإنسان قد يقرأ بعض الآيات خارج المعاناة والبلاء فلا يتأثر بها كثيراً، لكنه في رحم المعاناه يقرأها فتنزل منه دمعة ناتجة عن محبة الله، تعظيم الله، الرجاء في الله، والتعلق بالله عز وجل وخوفه سبحانه. إن تقبلها الله فهي تظل في ظله يوم لا ظل إلا ظله، بينما في المقابل نعلم أنه لو أن لكل نفس ظلمت ما في الأرض جميعاً ومثله معه لا تُتقبل منها يوم القيامة؛ إذاً فالدمع في ميزان الله أثقل من الأرض وما فيها.
اللفتة الرابعة: أنني رأيت في أجواء الأسر أناساً عانوا كثيراً وابتُلوا في سبيل الله عز وجل، لكن بمجرد أن خرجوا من سجنهم وبلائهم نسوا هذه الهموم كلها وانزاحت عنهم على باب السجن، وبقي لهم الأجر إن شاء الله، وخرجوا إلى الحياة بنفس طيبة هنيئة راضية. وهكذا الحياة كلها؛ تُنسى الذكريات الجميلة والذكريات الصعبة لحظة وضعك في القبر، ويبقى الأجر أو الوزر.
ضمن هذه الأجواء نظمت هذه القصيدة:
قصيدة: في كل يوم لنا عيد
خلف القضبان لنا عيدٌ .. أجمل من كل الأعيادِ
في صحبة ناسٍ أحسبهم .. إخوان صلاحٍ ورشادِ
لرفاق الدين تذللٌ .. وعلى الأعداء كآسادِ
يجمعنا حب كتاب الله .. ونصر الأمة بجهادِ
يا أمي لا تأسي إني .. أمضي أعيادي في الأسرِ
إذ ماذا يفعل بي خصمي .. وأنا بستاني في صدري؟
فالسجن منارة تعليمٍ .. ولروحي طهرٌ من وزري
إن ينفوا اسمع دعوتنا .. مَن سوف ألاقي من بشرِ
أو فتكٌ فبداية عيشي .. في جوف الأطيار الخضرِ
مأواها خير قناديلٍ .. موردها أنهارٌ تجري
وسيحيا من بعد مواتٍ .. ما في أوراقي من حبري
يا أمي لا تأسي إني .. أمضي أعيادي في الأسرِ
أنا أسعى أن أحيا عيداً .. في كل أوانٍ من عمري
فطموحي أعلى من لحظاتٍ .. في الأسفار أقضيها
أو قطعة حلوى آكلها .. أو لبسة عيدٍ أقتنيها
عيدي في علمٍ أكسبه .. يسمو بالروح وينقيها
عيدي بدموعٍ أذرفها .. شوقاً لله أواريها
فالدمع ترجح في الميزان .. بكل الأرض وما فيها
عيدي بحديثٍ أقرأه .. عن خير الناس وهاديها
فأحس بها أنفاس حبيبي .. في الأضلاع تدفيها
عيدي إن لاقت كلماتي .. أفئدةً فيها ما فيها
من شكٍ أو زيغٍ أو شبهٍ .. فأكون بذاك مداويها
وتصير قلوباً سالمةً .. تشتاق لرؤية باريها
عيدي ببذورٍ ألقيها .. فلعل إلهي يسقيها
فأرى من ترك صلاة الفجر .. يصلي في الصف الأولِ
وفتاةً بعد تبرجها .. قد لاذت بحجاب الكُمَّلِ
أو من قد عقَّ له أماً .. يلزم قدميها يتذللِ
عيدي أن أسهم لأطفالي .. بصنعة أبهى مستقبلِ
عزٌ، إيمانٌ، وثباتٌ .. يدفع من كيد أعاديها
هذه أعيادي يا أمي .. والسجن معينٌ لي فيها
قد عشت ثلاثة أعيادٍ .. لم أحضن فيها أولادي
لكن حسبي إشراقة روحي .. والتصديق بميعادِ
فعدوٌ يرقب سخط الله .. وإني أرقب ميلادي
ما أحلى العيش لأجل الله .. ما أحلى العيش لأجل الله
نمضي ونناضل باسم الله .. نصبح ونبيت بكنف الله
لسنا ننكسر لغير الله .. وكفى شرفاً أن نحن قضينا
العمر بنصرة دين الله
حتى إن مرت تجربةٌ .. وثبتنا فيها بفضل الله
ذهب الظمأ وابتل العرق .. وثبت الأجر بإذن الله
ذهب الظمأ وابتل العرق .. وثبت الأجر بإذن الله
والسلام عليكم ورحمة الله.