السلام عليكم. حالةٌ من النفور، التهرب، الملل، أصابت كثيراً منا مع المشاهد التي تفت الحجر يومياً من المجزرة المستمرة في غزة. بحيث قد تقول: "خلص، خلص، كفاية ألم! ماذا يمكنني أن أعمل؟ لا أريد أن أرى ولا أن أعرف ماذا يحصل". فتبتعد عن الأخبار، ثم تحس بالذنب، فتعود تتابع، ثم تبتعد وهكذا.
هذه الدوامة إخواني، هذه الدوامة والألم قد تُستغلُّ لتكميم فم كلِّ من يحاول إحياء قضيَّة إخواننا، بحيث يُصبح مجرَّد الحديث عمَّا يتعرَّضون له ممنوعًا أو سببًا للمساءلة. وقد تجد حينئذ حتى في عموم المسلمين من يؤيِّد هذا المنع على اعتبار أنها أصواتٌ تحطيميَّة مؤلمة بلا فائدة. والنتيجة أن يُترك إخواننا يُبادون بصمتٍ، كأنَّه يُقال لهم: "موتوا دون أن تُزعجونا"، فيجتمع عليهم مع مرارة الخذلان مرارة النسيان.
هنا نوجه رسالةً لمن يتناقلون المقاطع والأخبار المؤلمة وهم خارج غزة ودون ابتغاء مصلحة إخوانك وأمّتك بها، فبئست النية وبئست المتاجرة بالمعاناة. وإن كنت تريد بها نصرة إخوانك فلا توجه خطاباً واحداً للجميع، شعوبًا ومتحكِّمين، ساعين ومقصِّرين، مقهورين ومتآمرين.
لا توجِّه للجميع خطاباً: "أين أنتم يا مسلمون؟ أين أنتم يا أمة المليارين؟" فهذا لا يزيد كثيرًا من المخلصين المتألِّمين إلا تحطيماً وشللًا عن ممارسة الواجبات المطلوبة منهم، مما يزيدهم وأمَّتهم ضعفًا ولا ينفع إخواننا في غزَّة بشيء. بينما الخونة والمتآمرون لا ينفعهم نداء "وأين أنتم"، إذ على قلوبهم أقفالها، فهي كالحجارة أو أشد قسوة.
وإنما ينبغي أن يكون للنشر أهداف محددة:
مشاهد الألم وأخبار المعاناة تلهب المشاعر، فحوّلها لمساراتها الصحيحة ولا تدعها تحرق النفوس. ولا يتحصّل هذا إلا باستحضار رضا الله تعالى فيما ننشر وابتغاء التأثير النافع حقا. وإنما أن تعمل ما بوسعك والله يعلم المفسد من المصلح، عملاً دؤوبًا بناءً طويل النفس، قد لا يحسم المعركة الحاليَّة، لكن في النهاية لا بد منه لكسر قيود أمَّتنا.
ولا ننسى أمرًا مهماً إخواني، كما أنَّ هناك غصَّة وألَمًا شديدًا، فهناك بطولة وعزة وإيلام للمجرمين استمرَّ أكثر بكثير مما كان متوقعًا من المعطيات المادِّيَّة، على الرغم من الخذلان والتآمر واجتماع قوى الشر عليهم. إهمال هذا الجانب يؤذي النفوس ويشعر بالعجز. فلا ننسى: {إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
ختامًا، هذا الكلام نقوله لمن يتناقلون صور المعاناة من خارج غزة كما ذكرنا. أما أهلنا في غزة ممن ينادي: "أين أنتم يا مسلمون؟" فإننا نسأل الله تعالى أن يعيننا على نصرتكم نصرة يرفع عنا بها إثم الخذلان، وأن يفرِّج كربكم ويعظم أجركم. والله المستعان، والسلام عليكم.