السيناريوهات المتوقعة لتعامل المجلس العسكري مع القوى الإسلامية
يظهر في الأفق -والله أعلم- احتمالان لتعامل المجلس العسكري، ومن خلفه القوى الغربية، مع الرئيس والأحزاب الإسلامية في المرحلة المقبلة:
الاحتمال الأول: رهن الصلاحيات بالتطويع السياسي
الاحتمال الأول، والذي نراه الأضعف منهما، أن ترهن هذه القوى الصلاحيات المعطاة للرئيس والأحزاب الإسلامية التي ستنخرط في العمل الديمقراطي في المرحلة المقبلة، باستعدادية هذه الأحزاب لتنفيذ دور تطويع البلاد للسياسات الدولية ومحاربة "الإسلام الأصولي" كما يسمونه؛ أي أنها تريد ضرب التيارات المنتسبة للعمل الإسلامي بعضها ببعض.
لكن قناعتنا بأن هذا ما يريده أعداؤنا منا لا يعني أن ننفذه، ولا يعني أن ينجر رافضو الديمقراطية إلى صراع مادي مع مؤيديها. بل على أصحاب المنهج النقي من رافضي الديمقراطية العمل على تفويت الفرصة على المتآمرين من قوى الغرب وعملائهم في الداخل والخارج.
عليهم أن يتجنبوا الصدام مع الأحزاب الإسلامية، وألا يعينوا المتآمرين والشيطان على هذه الأحزاب باستفزازها استفزازاً يجرها إلى المصيدة وإلى اتخاذ المبررات لضربهم. حتى لو وقع أذى على أصحاب المنهج النقي من الأحزاب الإسلامية، فقد كنا نقول أيام الأنظمة المجرمة المعادية للدين عداوة صريحة: إن على الدعاة تحمل الأذى وعدم القيام بأعمال تشوه صورة الدعوة وتؤدها في مهدها. فالصبر في هذا المقام على أخطاء واستفزازات الأحزاب الإسلامية أولى، وأدعى للأنقياء في هذه الأحزاب أن يثوبوا إلى رشدهم ويرفضوا تنفيذ مخططات أعدائهم.
إذن، فليس الصدام مع الأحزاب الإسلامية خياراً أبداً، ونؤكد في هذا كله على ضرورة الاستمرار في بيان المنهج السليم، وبيان ضلال وفساد مسلك الديمقراطية والتنازلات بياناً علمياً يراد به الخير للمخالف، وتغلب عليه لغة: "إني لكم ناصح أمين".
الاحتمال الثاني: الرئاسة الإسلامية كغطاء لسياسات العسكر
الاحتمال الثاني وهو الأظهر؛ أن المجلس العسكري أراد العودة بالبلاد إلى عصور القهر والتطويع للغرب وانتهاب الثروات ومحاربة الإسلام الأصولي المتنامي، لكنه رأى هذه المهمة صعبة في ظل رفض الشعب المصري للظلم بعد الثورة. فرأى أن أفضل وسيلة هي ترك المرشح الإسلامي يصل إلى الرئاسة بعد مد وجزر وتلاعب من العسكري وتشويه إعلامي، جعل الشعب يحس بأن المعركة الفاصلة التي تحدد الرابح من الخاسر هي: من سيكون الرئيس؟
والآن، وبعد أن وصل المرشح الإسلامي المنتخب من الشعب والممثل لإرادته بطريقة شرعية -حسب مصطلحاتهم- سيشيع شعور بالاطمئنان إلى مسير الأمور في البلاد طالما أن الرئيس المنتخب يجلس على كرسي الرئاسة. وهنا يبدأ العسكري في تنفيذ سياساته وخططه المبيتة مستغلاً حالة "الخدران" ونشوة الانتصار الزائف التي أصابت عموم الناس، ومستغلاً مع ذلك نزع صلاحيات الرئيس.
فإذا حارب العسكري "الإسلام الأصولي" -كما يسمونه- أو حارب الدعوة القوية المتنامية، فسيكون من الصعب الاعتراض عليه؛ لأن جوابه حينئذ جاهز: "نحن لا نحارب الإسلام بل التطرف، وإلا فالرئيس نفسه إسلامي ونحن سمحنا بوصوله". وعندما يستمر العسكري في سياسة انتهاب ثروات البلاد، وتضييق الخناق على غزة، وضخ الغاز إلى الكيان الصهيوني، وجعل اقتصاد مصر تابعاً لاقتصاد أمريكا؛ فإن هذه السياسات كلها ستنفذ تحت عباءة رئاسة إسلامية.
ولن نتوقع من الرئيس منزوع الصلاحيات حينئذ أكثر من إطلاق تصريحات رنانة في الشجب والاستنكار، ولعله أيضاً يخرج مع الشعب في مسيرات تطالب بوقف تجاوزات العسكر!
تبعات القبول بالمنظومة الفاسدة
لهذا فقد قلنا ولا زلنا نقول وسنقول: إن قبول الإسلاميين بمنصب الرئاسة في هذه المنظومة الفاسدة -بالإضافة إلى المزالق العقدية الخطيرة- فإن من أسوأ تبعاته إضفاء الشرعية على هذا النظام الفاسد الذي لا يريد خيراً بالبلاد والعباد، وإنما يريد توطيد أركانه واتخاذ الإسلاميين "ورقة توت" يستر بها عورته.
وقد أعد لهذه المكيدة جيداً بخطوات عديدة، منها:
- استنفاد طاقات الشعب والإسلاميين في مسرحيات البرلمانات والانتخابات.
- تقطيع حبال النجاة الوهمية واحداً تلو الآخر (بإلغاء ترشح بعض المرشحين، وحل البرلمان، وإلغاء تأسيسية الدستور) ليحس الشعب أن وصول المرشح الإسلامي لمنصب الرئاسة هو حبل النجاة الأخير، فلا يثور الشعب على العسكري مهما أفسد في الأرض بعد ذلك لئلا يضيع هذا "الإنجاز".
- تعويد الإسلاميين على السكوت عن الظلم للمحافظة على المكتسبات الموهومة، كما رأينا في أحداث محمد محمود والعباسية؛ حيث كان المجلس العسكري يقوم بهذه المذابح ويدعو الأحزاب للاجتماع، فلا تتصرف الأحزاب بأكثر من الشجب والاستنكار.
هذه المفسدة العظيمة -مفسدة ستر الوجه الكالح للباطل بقناع إسلامي- أعظم من كل مصلحة مزعومة يمكن تحقيقها. ونخشى أن تكون صلاة الرئيس الفجر في المسجد، وحفظه للقرآن، وتخليه عن راتبه؛ أن يصبح ذلك كله زينة إضافية لهذا القناع. وهذا ضريبة القبول بالعمل ضمن منظومة الباطل بدلاً من التمايز عنها. والشعوب الإسلامية التي تنساق وراء عاطفتها وتبحث عن أي نصر موهوم، تتغافل عن هذا كله وتتصور أن العسكري رضخ ببساطة لإرادتها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
خاتمة: ضرورة التوبة من خذلان الشريعة
هذا هو السيناريو الأكثر احتمالاً لدينا في المدى المنظور والله أعلم. لكن أعيد التأكيد على أن مكر أعداء الإسلام لا ينبغي أن يكون هاجسنا الأكبر، بل ما نخافه هو فقدان معية الله.
هناك خطيئة نسيناها ولا بد من دفع ثمنها، وهي خطيئة "خذلان الشريعة" ومسلسل التنازلات. أرى هذه الخطيئة نُسيت في غمرة الاحتفال بفوز الرئيس الجديد، لكن أعيد وأكرر: لم نحدث نحن الإسلاميين توبة من هذه الخطيئة، بل لا زال أكثرنا يسير خلف سراب الديمقراطية والانتخابات التي ما زادتنا إلا تضييعاً للشريعة ونسياناً لها.
فهل نراجع حساباتنا وننظر في تفريطنا خلال العام والنصف الماضية؟ ونعلم أن خذلان الشريعة عار لا يمسحه إلا نصرتها، وأن خذلان الشريعة لن ينقلب نصراً أبداً.