لا مصلحة تقدم على مصلحة التوحيد
حديثنا اليوم عن قاعدة هامة من قواعد هذا الدين العظيم، ألا وهي قاعدة "جلب المصالح ودرء المفاسد". وكنت قد أسلفت أن فقهاء التنازلات يسيئون تطبيق هذه القاعدة، وقبل أن أتكلم عن التطبيقات الواقعية السليمة لهذه القاعدة، أود أن أقدم بمقدمتين ضروريتين جداً في هذا الموضوع.
المقدمة الأولى: التوحيد هو أعظم المصالح على الإطلاق
المقدمة الأولى هي أن أعظم مصلحة على الإطلاق في هذا الوجود هي توحيد الله عز وجل، ومنها إفراد الحكم والتشريع له سبحانه وتعالى؛ فلا تُقدم على هذه المصلحة أي مصلحة أخرى عند التعارض. فلأجل توحيد الله خلقت السماوات والأرض، ولأجلها أرسل الرسل، ولأجلها أزهقت أرواح زكية من الرسل والصحابة ومن تبعهم بإحسان، ولأجلها خلق الله الجنة والنار، ولأجلها نصب الله الموازين يوم القيامة، ولأجلها الحسنات والسيئات، ولأجلها يفترق الناس إلى الهلاك السرمدي أو إلى النعيم السرمدي؛ من أجل كلمة "لا إله إلا الله".
فتوحيد الله هو أعظم المصالح على الإطلاق، لا يُضحى بهذا التوحيد في سبيل أي مصلحة مهما كانت هذه المصلحة. وفي المقابل، أعظم المفاسد كلها هو أي شيء يخدش هذا التوحيد؛ قال الله عز وجل: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ}. وفي المقابل قال الله تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ}، ففتنة الناس عن التوحيد أكبر من قتلهم وأعظم فساداً من قتلهم. وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ}. ولما سُئل عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه البخاري: "يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك".
ومما ينقض عرى التوحيد سوق العباد بتشريعات ومنهجيات وقوانين ليست من كتاب الله ولا من سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولذا قال المصطفى صلى الله عليه وسلم واصفاً أهل الكتاب وعلاقتهم برجال دينهم: "إنهم أحلوا لهم الحرام وحرموا عليهم الحلال فاتبعوهم، فذلك عبادتهم إياهم".
الثبات على التوحيد في المحن التاريخية
أيها الإخوة الكرام، لأجل هذه الكلمة العظيمة ومستحقاتها ومستلزماتها وتوابعها أزهقت أنفس زكية. أعطيكم مثالاً بسيطاً من مرحلة عصيبة من مراحل التاريخ؛ مرحلة "فتنة خلق القرآن". وطبعاً لن أخوض في معنى خلق القرآن وما يترتب على القول بخلق القرآن -هذا القول الباطل الفاسد الذي أزهقه الله بفضله سبحانه وتعالى- لكن أعطيكم مثالاً بسيطاً.
هذه الفتنة أثيرت أيام خلفاء كانوا يحكمون بما أنزل الله بالجملة، بل وكانت لهم فتوحات إسلامية في المشارق والمغارب، وكانوا يعظمون الله ويعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم، وما حملوا الناس ولا أجبروهم على القول بخلق القرآن إلا قربة وعبادة لله عز وجل، ظانين أن في هذا الحق المبين، وكانوا في ذلك مبطلين مخطئين ضالين.
ومع هذا، ومع أن هؤلاء الخلفاء كانوا يحكمون الشريعة بالجملة، انظروا إلى مواقف العلماء الذين أفنوا أرواحهم لا في سبيل توحيد الله فحسب، بل في سبيل عدم المساس بصفة من صفات الله، ألا وهي كلام الله عز وجل، وأن كلام الله ليس بمخلوق. في سبيل هذه القضية استرخصوا الغالي والنفيس واسترخصوا أرواحهم.
أبو نعيم الفضيل بن دكين -شيخ أحمد بن حنبل رحمة الله عليه وأحسن الله إليه، وكان أيضاً من مشيخة الإمام البخاري- امتُحن في القرآن، أراد منه الخليفة أن يقول القرآن مخلوق، فقال أبو نعيم: "أدركت الكوفة وبها أكثر من سبعمائة شيخ، الأعمش فمن دونه، يقولون القرآن كلام الله، وعنقي أهون علي من زر هذا" -يشير إلى زر في الثوب الذي يلبسه- كما في تهذيب الكمال وتاريخ بغداد وسير أعلام النبلاء للذهبي. فألقوه في السجن بسامراء، فلم يزل محبوساً حتى مات في السجن سنة 228 هجرية، فجُر بقيوده وأُلقي في حفرة، فلم يُكفن ولم يُغسل ولم يُصل عليه، ولكنه عند الله كريم؛ في سبيل عدم المساس بصفة من صفات الله عز وجل ألا وهي الكلام لله.
فما بالكم بتحكيم شريعة الله التي من أجلها خلق العباد؟ إنما خلق الله الخلق بـ "كن"، فإذا كانت مخلوقة فكأن مخلوقاً خُلق بمخلوق. ثم قال: "والله لئن دخلت عليه -يعني على الخليفة الواثق الذي كان يحمل الناس على القول بهذا القول الفاسد- لأصدقنه، سأقول عقيدتي ولا أداهن فيها، ولأموتن في حديدي هذا حتى يأتي قوم يعلمون أنه قد مات في هذا الشأن قوم في حديدهم"؛ في شأن الحفاظ على قدسية صفات الله عز وجل.
ومن خاض في الحديث عن المصالح والمفاسد ولم يراعِ هذا الأصل العظيم -أن التوحيد أعظم المصالح والشرك أعظم المفاسد- فإنه قد يستحسن ويستصلح أموراً يقدمها على المصلحة العظمى (مصلحة حفظ التوحيد ومستلزماته)، وقد ينقض عرى التوحيد عروة عروة بدعوى دفع مفاسد هي أقل بكثير من مفسدة المساس بالتوحيد ومستلزماته من تعظيم لشريعة الله عز وجل وجعل الفصل في النفوس والأموال والأعراض مرداً لها حصراً لا لغيرها.
المقدمة الثانية: المصلحة ما قرره الشرع لا ما رآه العقل
أما المقدمة الثانية فهي: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}. فالمصلحة هي ما قرر الشرع أنها مصلحة، والمفسدة هي ما قرر الشرع أنها مفسدة، حتى لو بان لعقولنا القاصرة خلاف ذلك. قال سبحانه وتعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ} -ترون أنه مفسدة- {وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}، هكذا على الإطلاق: "وأنتم لا تعلمون".
وقال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ ۚ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ}. قال ابن كثير كلاماً جميلاً جداً في شرحه لهذه الآية، قال: "أي اعلموا أن بين أظهركم رسول الله صلى الله عليه وسلم -والآن بيننا سنته- فعظموه ووقروه وتأدبوا معه وانقادوا لأمره؛ فإنه أعلم بمصالحكم وأشفق عليكم منكم، وآراؤه فيكم أتم من آرائكم لأنفسكم"، كما قال تبارك وتعالى: {النَّبِيُّ أَوْلَىٰ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ}. قال ابن كثير: "ثم بيّن تعالى أن رأيهم سخيف بالنسبة إلى مراعاة مصالحهم"؛ آراؤنا البشرية في تقدير المصلحة والمفسدة آراء سخيفة إذا بُترت عن نور الوحي. فقال تعالى: {لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ} أي لو أطاعكم رسول الله عليه الصلاة والسلام في جميع ما تختارونه لأدى ذلك إلى عنتكم وحرجكم، كما قال سبحانه وتعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ}.
إذن نحن لا نعلم أين المصلحة؛ المصلحة هي ما قرر الله سبحانه وتعالى في كتابه أنها مصلحة، وقرر رسوله عليه الصلاة والسلام. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثاً فظنوا به الذي هو أهناه وأهداه وأتقاه صلى الله عليه وسلم" (رواه ابن ماجة وصححه الألباني). ما يخرج من مشكاة النبوة إلا ما هو أكمل وأجمل وأحلى، وإلا ما فيه تمام المصلحة.
وروى النسائي أيضاً في الحديث الصحيح أن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهاكم عن أمر كان ينفعكم" -معاملات دنيوية كان يظهر فيها أن لكم فيها مصلحة- "وطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم خير لكم مما ينفعكم". نعم، قد تكون لك مصالح في معاملات دنيوية معينة، لكن قمة المصلحة في أن تترك هذه المصلحة الظاهرة لطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.
وأخيراً، عمر رضي الله عنه قال: "يا أيها الناس اتهموا الرأي" -يعني اتهموا عقولكم، لا تثقوا بعقولكم في تقدير المصالح والمفاسد- "اتهموا الرأي، فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمره لرددت"؛ يعني ثم تبين لي بعد ذلك أن الحكمة والمصلحة التامة في التزام أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان وحياً من عند الله عز وجل.
إذا علمنا هاتين المقدمتين أيها الإخوة ورسخت في قلوبنا، سهل علينا أن نفهم أن الشريعة أتت بجلب المصالح ودرء المفاسد.