هذه اللفتة موجودة في كتابنا الجديد "قبل أن يُضرب السور"، والذي سيصدر قريباً بإذن الله
هذه اللفتة موجودة في كتابنا الجديد "قبل أن يُضرب السور"، والذي سيصدر قريباً بإذن الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إخواني الكرام، أحب التنبيه على مشكلة تحجب كثيراً منا عن رؤية الحق، بحيث قد يبقى أحدنا يعيش سنوات والحق أمامه لكنه لا يبصره ولا يتبعه، ويبقى يتخبط في ضلالات صدقها. عندما تفهم ما أقوله، ستستطيع أيضاً الإجابة عن التساؤل الذي قد يكون خطر ببالك: لماذا يعاقب الله أناساً يحسبون أنهم يحسنون صنعاً؟
كما قال الله تعالى في المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}، وغيرها من الآيات الدالة على أن المرء قد يسيء وهو يحسب أنه محسن، كقوله تعالى: {وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ * وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ}، وكقوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}.
وهنا سؤال يُشكل على كثيرين: مادام الشخص قد يظن نفسه مهتدياً، ويظن عمله حسناً، ولا يشعر أنه مفسد، ولا يعلم أنه سفيه؛ فلماذا يذمه الله ويعاقبه؟ ما ذنبه؟
نقول وبالله التوفيق: بداية التردي والضلال هي في "اتباع الهوى"، بحيث أن الإنسان لا يتجرد لطلب الحق ومعرفة الحق، فاقتناعه بدين أو منهج مشروط بأن يكون هذا الدين أو المنهج محققاً لأهوائه وما يرى أن فيه مصالحه الدنيوية.
بمعنى أن الحق قد يكون في دائرة لا يرى صاحبنا أنها توافق هواه وتحقق مصالحه، وحينئذ فالبحث عن الحق في هذه الدائرة ليس مطروحاً للنقاش أصلاً، بل الحق "يجب" أن يكون في الدائرة التي توافق هواه. والذي يفعل هذا فإنه يعكس المسألة؛ إذ ليست عنده اتباعاً للدليل أينما قاده، بل هو يحدد النتيجة التي يجب الوصول إليها ثم يطوع الأدلة لتوافق هذه النتيجة المحددة مسبقاً.
رأينا نموذجاً صارخاً من هذا في حديثنا عن خرافة "التطور الصدفي" التي يتبعها كثير من الأكاديميين والباحثين الغربيين. تصور بروفيسوراً في علم الأحياء التطوري، كانت رسالة الدكتوراه التي اكتسب بها لقبه في "كيف تطورت حاسة الشم لدى الإنسان"، ويتجول في دول العالم ليعرض نتائج أبحاثه في المؤتمرات، ويحاضر في الجامعة، ويأخذ راتباً عالياً، ويتنقل في سيارته الفارهة، ويسكن في فيلا فارهة لا زال يسدد أقساطها، يعيش فيها مع زوجته أو عشيقته.
تصور إذا قلت لهذا الشخص: إن كل حياتك هذه قائمة على خرافة لا علاقة لها بالعلم الحقيقي، كل شهاداتك، أبحاثك، درجاتك العلمية، أبهتك، سفراتك، مكانتك؛ كلها قائمة على وهم تواصى به أسلافك حتى تفشت كذبة كبيرة أشربتموها في قلوبكم سميتموها "نظرية التطور".
كيف ستكون ردة فعله؟ في الأعم الأغلب لن يقبل بطرح الأمر للنقاش أصلاً، ولن يقبل أن يفكر فيه، بل سيعمل (Block) سداً وحجباً على مجرد التفكير في إمكانية صحة كلامك. لن يطرح الأمر على الطاولة للتفحص؛ لأن صحة كلامك تعني في نظره انهيار حياته وفقدان كل امتيازاته وشهواته. التسليم بصحة كلامك يعني بالنسبة له أن يُنبذ من المجتمع العلمي ويُطرد منه، وتتراءى له صورته مشرداً (Homeless) يستجدي الناس قليلاً من المال.
لهذا، فكلامك "يجب" ألا يكون صحيحاً، والحق "يجب" أن يكون في غير ما تقول؛ لأن تبعات هذا الحق لا يمكن تحملها بالنسبة له، خاصة وأنه ليس من أهل التوكل على الله والاستعداد للتضحية في سبيل الله والدار الآخرة.
قد ترى الواحد من هؤلاء مهذباً في النقاش، يتقبل الرأي الآخر ويعترف ببعض خطئه إذا بدا له، مما يجعلك تظن أنه طالب حق في العموم، وأنه يتحلى بهذه الصفات في كل مقام، فتستغرب أن يكون مثل هذا الشخص من أهل العقوبة في الآخرة إذا مات على ما هو عليه.
وغاب عنك أن هذه الصفات إنما يتحلى بها ما لم تهدد منظومته الحياتية أو مصالحه الشخصية بالانهيار الكامل. مثل هذا يكون مستعبداً لهواه، لا يريد الحق مادام خارج الدائرة التي توافق هواه. وترى هؤلاء إذا هدأت عن أحدهم قبضة الهوى وتفكر في نفسه قليلاً، بدت له لُمَع الحق وظهر له طريق الحق منادياً على فطرته، لكنه لا يلبث أن يُصمَّ أذنيه ويُعمي عينيه.
هذا الختم على السمع والقلب والتغشية على البصر نتاج لإعراضه عن الحق، فلم تكن ظلماً من الله سبحانه، لكن لأن هذا الإنسان عبد هواه وفضله على معرفة الحق، وكلما تعامى الإنسان زاده الله عمىً وابتعد عن التخلص من العبودية للهوى. قال الله تعالى: {وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ}. فليحذر كل منا أن يتعامى عن حق ذاق طعمه، وإلا فإن المهمة تصعب بعد ذلك.
إذن يا كرام، بداية المصيبة هي اتباع الهوى: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ}. لاحظ اقتران اتباع الهوى بتزيين العمل السيئ.
وهذا ما يحصل مع الكافر، ومع المنافق، ومع ضُلال المسلمين؛ فأحدهم يرى عمله السيئ حسناً، ويرى أنه مهتدٍ ولا يشعر أنه مفسد، بل قالوا: {إنما نحن مصلحون}، ولا يعلم أنه سفيه بل يرى نفسه رشيداً حكيماً. وقد يكون يحاول تحقيق هذه المعاني بالفعل (حسن العمل، الهداية، الإصلاح، الرشد) لكن بالمعنى الذي يريده هو لهذه المفردات، وشريطة أن تكون في الدائرة التي توافق هواه وتحقق مصالحه، ومحاولة تحقيقها خارج هذه الدائرة ليست مطروحة للنقاش أصلاً.
وعلى ذلك فَقِس كثيراً من الناس:
وعلى ضوء ذلك فافهم أيضاً لماذا يضل كثير من أصحاب العلم في المناظرات والخصومات؛ إذ لا يكون لأحدهم همّ إلا إثبات صحة قوله، حيث أن صحة قول خصمه يترتب عليها في نظره سقوط هيبته، وذهاب رياسته، وانفضاض كثير من الأتباع عنه، وفقدان ميزاته، وعلو خصمه على حسابه. إذ أن مصلحة الدعوة والدين هي عنده في بقاء هيبته وظهور غلبته على خصمه من كل وجه وفي كل خلاف، وخدش شيء من هذا هو خدش لمصلحة الدعوة والدين -زعموا-.
لاحظوا في هذه الأمثلة كلها أن الشخص فكر في تبعات الإقرار بالحق فوجدها ثقيلة، فعمل (Block) على التفكير في الحق وأدلته، ولم يتابع تأملها ولا توسم ملامح الهداية فيها. فكر في التبعات والنتائج قبل التفكير في الأدلة.
وإذا فهمت هذا كله، علمت لماذا يأمر الإسلام أهله بعصيان الهوى ومجاهدة النفس، ولماذا يأمرهم بالتخفف من الدنيا وبالزهد فيها، ويحذرهم من الانغماس فيها والاستكثار من شهواتها؛ فإن ذلك كله مظنة التعمية عن الهدى والعبودية للهوى وصعوبة التجرد للحق؛ لأن النفس التي ألفت الملذات يصعب عليها التخلي عنها لأجل الحق.
وإذا فهمت ما قلناه، علمت لماذا كان الأنبياء يقول أحدهم لقومه: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ}. فلا تستغرب بعد هذا كله من قول الله تعالى في المنافقين: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ}، وقوله تعالى: {أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا}.
هؤلاء كلهم ظنوا أنهم محسنون، لكن بعدما قرروا أن الإحسان يجب أن يكون في الدائرة التي تناسب أهواءهم. طبعاً ينضم إلى ما سبق أسباب أخرى تجعل الإنسان يسيء وهو يحسب أنه يحسن صنعاً، كأن يكون معرضاً عن محاولة معرفة الحق أصلاً. وفي كل حال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ}.
ملخص الرسالة يا كرام: إياك واتباع الهوى، تجرد للحق وابذل جهدك في معرفته، وحتى إن خالفته في أفعالك فاعترف بأنك مخالف للحق وبأنك مذنب، لكن لا تحاول أن تطوع الحق لهواك.
والسلام عليكم ورحمة الله.