لمن يهمه انتهاء معاناة سوريا!
مقدمة في فقه البلاء والاستخلاف
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، إخوة الكرام.
بعد كلمة "محاربة المشروع الإسلامي في سوريا"، اعتبر البعض أننا لم نراعِ في كلمتنا معاناة الشعب السوري، وتكلموا معنا وكأنهم أحرص منا على انتهاء المعاناة. ولعل هؤلاء الإخوة يفترضون أن تشكيل "الائتلاف" سينهي المعاناة، وأننا نسلم لهم بذلك ومع ذلك نرفضه للأسباب الواردة في الكلمة. فهل بالفعل يمكن لتشكيل الائتلاف بمظلة غربية أن يسرع في إنهاء المعاناة؟
بداية، نحن كمسلمين نؤمن بأننا خُلقنا في هذه الحياة ليبتلينا الله، ومن ثم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى. ونعلم أن الله عز وجل يستطيع أن ينهي المعاناة بخارقة من عنده، لكنه لم يفعل سبحانه ليبتلينا وينظر ماذا نحن فاعلون: {ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِن لِّيَبْلُوَ بَعْضَكُم بِبَعْضٍ}.
يبتلينا سبحانه ليرى من سينجح في الاختبار: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ}. فليس هدف المؤمن الخروج من البلاء بأي شكل كان، بل الخروج منه بنجاح؛ فإما حياة تسر الصديق، وإما ممات يغيظ الأعداء. هدف المؤمن أن يتصرف في البلاء بما يرضي الله عز وجل، وهذا الذي قام به الشعب السوري البطل حتى الآن، وهذا هو النجاح الذي نخشى أن يضيعه تشكيل الائتلاف بحرف مسار الثورة وإقناع الناس بمآلات تجعلهم كمن عمل بعمل أهل الجنة حتى ما بقي بينه وبينها إلا شبر، ثم عمل بعمل أهل النار فدخلها.
هل يسرع الائتلاف في إنهاء المعاناة؟
بعيداً عن النجاح أو الإخفاق في اختبار البلاء، هل تشكيل الائتلاف بمظلة غربية يسرع بالفعل في إنهاء المعاناة؟ سنجيب عن هذا السؤال من ثلاثة جوانب: القوى الغربية، النظام الأسدي، والشعب السوري.
أولاً: من ناحية القوى الغربية
القوى الغربية يقيناً لا يهمها إنهاء المعاناة، فالله عز وجل وصفهم بقوله: {وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ}؛ أي يحبون ما يشق عليكم ويستمتعون بضرركم. فإن ارتأت القوى الغربية لها مصلحة في تطويل المعاناة، فسيكون لها هذه المرة سبيل جديد إلى ذلك، وهو نقل المعركة بين المجاهدين وقوى الكفر لإحراج هذا الائتلاف وإضعافه هو نفسه، مع أنه صنيعة هذه الدول الغربية، وذلك لجعله معتمداً عليها حتى لا يخرج عن طوعها.
تشير توصيات مراكز التخطيط الاستراتيجي الغربية إلى هذه المنهجية في التعامل مع "الحركات المعتدلة"، وضرورة أن لا يشغل استخدامها لضرب التيارات الجهادية عن إضعافها أمام الناس لترويضها وكبح جماحها ومنع خروجها عن الخط المرسوم لها. فالقوى الغربية لا تتعامل مع الائتلاف وأمثاله كحلفاء ولا كأصدقاء، وإنما كأداة مرحلية لتنفيذ مهمة تخدم مصالحها. ولن تقدم له السلاح لخدمة الثورة، بل خشية من أن يؤول أمر الثورة ليد المجاهدين.
يقول جاستين فايس، الباحث في معهد بروكينغز:
"إن عدم التدخل عسكرياً في سوريا أدى إلى اتخاذ الصراع ضد النظام منحى راديكالياً (متطرفاً)، وهو ما يفسح المجال لدخول الجهاديين والقاعدة ولنشوب حرب أهلية ستكون لها تبعات على الأردن والعراق وعلى التوازنات في لبنان."
وقالت مارينا أوتوي، الباحثة في مركز كارنيغي الأمريكي:
"الولايات المتحدة تريد تنظيماً عسكرياً موحداً يمكن أن ترسل إليه المساعدات المالية والعسكرية ويقطع الطريق أمام الجهاديين."
إذن، فالقوى الغربية شكلت الائتلاف لا لتعجيل إسقاط الأسد، بل لتعجيل إجهاض المشروع الجهادي الإسلامي. وإلا فلو كان الغرب مهتماً بالتعجيل في إسقاط الأسد أو تغييره، لحسم المسألة بتدخل عسكري لا يتوقع أن يكلف الكثير مع هذا النظام المهترئ المترنح. بل كفى من العالم الغربي أن يوعز إلى دول الجوار بغض الطرف عن تدفق المجاهدين والدعم المادي، لكننا بدلاً من ذلك رأينا تضييقاً مفاجئاً لسد هذا الباب حتى لا يكون للمجاهدين والدعم الشعبي دور في رسم مستقبل سوريا.
ثانياً: من ناحية نظام الأسد
يتوقع للأسد أن يتذرع بهذا الدعم الغربي للائتلاف الوطني ليبرر به إجرامه وقمعه للمسلمين الخارجين عليه، على اعتبار أنهم "عملاء لأمريكا وفرنسا" في زعمه. ويتوقع أن يشتد التلبيس على الذين يرون في هذا النظام "نظام مقاومة وممانعة" يقف في وجه القوى الإمبريالية كما يقولون؛ لذا فتشكيل الائتلاف بالمظلة الغربية يقوي شوكة بشار الأسد من هذه الناحية.
ثالثاً: من ناحية الشعب السوري
الجهاد في سوريا حتى اللحظة نقي ناصع واضح الأهداف، وهذا النقاء يرفع معنويات المقاتلين ويرفع معنويات الشعب السوري، ولذا رأينا من هذا الشعب الصمود والصبر والبطولات منقطعة النظير.
إذا بدأ الدعم الغربي المشروط، فلا نتوقع حينئذ معنويات مماثلة لدى المقاتلين وهم يرون القوى الغربية تحاول استخدامهم ضد الأسد لتحقيق أجنداتها؛ فالمسألة لن تكون حينئذ صراع حق وباطل كما كانت طوال الأشهر الماضية، بل صراع باطل وباطل بالوكالة، تحقق فيه القوى الغربية أجنداتها بينما يبحث المسلمون في ثناياه وهوامشه وفلتاته العارضة عن فتات الكرامة.
فهل نتوقع صموداً وتضحية من شعب ومقاتلين يرون الساسة الغربيين جالسين ينتظرون انتهاء المعركة ليقطفوا الثمار، كالتي نتوقعها عندما يكون قتالهم وصبرهم {حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}؟
ثم إذا وقع المحذور بصدام الائتلاف مع الفصائل المجاهدة كما هو مخطط، واقترن به التشويه الإعلامي الذي يحول المعتدي إلى ضحية والمعتدى عليه إلى جانٍ، فأي أثر سلبي سيكون لذلك على معنويات كل مسلم في سوريا بل في العالم؟ وكم سيتردد المخلصون في دعم هذا الجهاد بالنفس أو بالمال وقد تحول الجهاد في نظرهم إلى فتنة بين المسلمين؟ وكم سينجح المجتمع الدولي في إيهام الناس أنه حيثما وجد الجهاد وجدت المشاكل وانعدام الاستقرار والمعاناة التي لا تنتهي، ليقنع الناس بالدبلوماسية والتنازلات بديلة عن المشروع الجهادي؟
تشويش النية والمقصد
والأهم مما سبق جميعاً إخواني، هو الدور السلبي لتشكيل الائتلاف في تشويش نية الشعب ومقصده من القتال؛ فهو في سبيل الله، ثم اقترن بولادة الائتلاف العزف على نغمة "لتكون كلمة الشعب هي العليا"، وإدخال الناس في دهاليز الديمقراطية وحكم الأغلبية وعدم فرض الدولة الإسلامية، وهذه الفلسفات التي كان الناس في غنى عنها، والتي لا يمكن أن يأخذ من مات في سبيلها حكم من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا.
من أجل ما سبق جميعاً، فإننا لا نقر للمخالفين بأن تشكيل الائتلاف بمظلة غربية سيسرع في إنهاء حكم بشار، وحتى لو أنهاه سريعاً بالفعل -وهذا محتمل- فإن ذلك لا يعني انتهاء المعاناة؛ إذ يخطط المجتمع الدولي لإزالة الشوكة التي اسمها بشار وإبقاء جذور يمكنها أن تنبت ألف بشار إضراراً بالمشروع الإسلامي في سوريا الذي تجذرت فيه الحالة الجهادية.
مآلات خطيرة وتحذير أخير
فإذا نجح المجتمع الدولي في استخدام "قفاز الائتلاف" لأداء هذه المهمة القذرة، فستستمر المعاناة وسيستمر سفك الدماء، لكن بدلاً من أن تسفك في سبيل الله، فيُخشى أن تسفك في حرب بين فصائل كان يمكن أن تتحد على بناء مجد الأمة. وسيكون المستفيد الأوحد من ذلك كلاب الغرب التي ولغت في ماء الثورة فنجسته، والخاسر الأكبر هو الشعب السوري الذي لن تنتهي معاناته ولا تُوج تضحياته بمجد الأمة.
فليدرك أهلنا في سوريا أنهم خاضوا غمار معركة لن تسفر عن نتيجة هزيلة كالتي رأيناها في دول الربيع العربي من فتات حرية أو قليل تنفيس، بل هما خياران لا يبدو في الأفق لهما ثالث:
- إما النصر والصبر والتمكين ولو بعد حين.
- وإما استعجال الفرج بوسائل تلوث الثورة وتفسد المآل، ثم هي لا توقف المعاناة.
ونقول للائمين: نعم بالفعل، كفى دماءً وكفى عذاباً وآلاماً دون التمكين المنشود، لذلك تعلموا الدرس نرجوكم، حرام عليكم اتقوا الله في الشعوب! فقد حرف منطقكم ألف ثورة من قبل وضيع الدماء الزكية، وما عاد على الأمة إلا بتعميق يأسها وتمرير أجندات عدوها وفرحته بخيبتكم، وسخط الله على من حادوا عن شرعه وعن طريق نبيه صلى الله عليه وسلم بفلسفات ظنوها عقلاً وحكمة ودهاءً.
فتعلموا واتعظوا، والعاقل من اتعظ بغيره.
والسلام عليكم ورحمة الله.