السلام عليكم ورحمة الله. تعرفون يا إخواننا، أحياناً وأنا أسمع الإمام يدعو والناس تؤمن معه بحرارة، يخطر ببالي أن البعض سيقول: ها نحن ندعو ونبكي، وملايين المسلمين يدعون، فأين استجابة الدعاء؟ معقول أن الله لا يستجيب لكل هذه الأدعية؟
إن أسوأ ما يمكن أن يفعله الإنسان هو أن يجمع بين التقصير والإساءة، ثم يضيف إليهما سوء الظن بالله تعالى. كثيرٌ ممن يتساءلون "أين استجابة الدعاء؟" هم في الواقع مرتكبون لموانع الاستجابة.
من أكبر موانع الاستجابة هو ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ومنكر المرحلة الآن هو عدم نصرة إخواننا في فلسطين، وتركهم لعدوهم اللعين يفعل بهم الأفاعيل. قد تقول لي: "لا، نحن منكرون لهذا المنكر، والكل يقول حسبي الله ونعم الوكيل فيمن يمنعنا من نصرة إخواننا"، وهذا صحيح، لكن كثيراً منا يجمع المتناقضات.
قبل هذه الأحداث -وربما الآن أيضاً- كان البعض ينافق ويداهن ويصفق للظالمين، وربما يساعدهم على ظلمهم مقابل متاع من الدنيا، ويقول: "ماذا أفعل؟". أما من حوله من أصحاب وجيران ومعارف، فلا ينكرون عليه ولا يقولون له "اتقِ الله".
قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "والذي نفسي بيده لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه ثم تدعونه فلا يستجاب لكم". النبي عليه الصلاة والسلام يقسم هنا لنأخذ الموضوع بجدية أكبر.
المتسلطون في بلاد المسلمين يقومون بكل المنكرات؛ من محاربة للشريعة، وموالاة لأعداء الله، واستعباد للناس باسم الوطن والوطنية، وتمزيق لجسد الأمة. هذه المنكرات هي التي هيأت المجال للكفرة أن يستفردوا بإخواننا في فلسطين، وقلّ من كان ينكر عليهم ذلك، بل كثير منا يجبن أو يداهن، ويربي أبناءه على الجبن والمداهنة.
بل إن كثيراً منا شريك في الجريمة؛ المعلم والمعلمة الذين يربون الجيل على ولاءات لغير الله ورسوله والمؤمنين، ويكرسون فيهم حدود "سايكس بيكو"، هؤلاء ليسوا فقط لم ينكروا المنكر، بل هم شركاء في الجريمة التي أدت إلى استفراد الكفار بأهلنا في غزة.
كذلك الذين يتعاملون بالربا، ويودعون في حسابات ربوية، ويشترون الشقق بالربا -وما أكثرهم وهم يعلمون أن الله أعلن الحرب على المتعامل بالربا- قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. واللاتي يتهاونّ بالحجاب ويعلقن قلوب شباب المسلمين بالشهوات، ومع ذلك تخرج بعضهن في مظاهرات نصرة غزة وهي متبرجة عاصية لله ورسوله؛ هؤلاء جميعاً واقعون في التحذير النبوي، والمصيبة أنهم يتساءلون: "لماذا لا يستجيب الله دعاءنا؟".
الدعاء له معنى حين يكون جزءاً من توبة حقيقية، وحين يترافق مع استنفاد الأسباب كما علمنا نبينا صلى الله عليه وسلم في معركة بدر؛ فقد أعدّ العدة عبر سنوات، هيأ النفوس والعقول والقلوب، وجهز عسكرياً وخطط، ثم دعا: "اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آتِ ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض".
حين ترتكب الموانع ولا تأخذ بالأسباب، وتظن أن الدعاء يعوض هذا كله، فأنت تريد القفز على سنن الله في النصر. تصور لو أن أهل غزة انتصروا وحدهم دون أن تصلح الأمة من حالها، وحرروا القدس وفلسطين وحدهم؛ لظن المسلمون أنهم على خير، ولما حاولوا تغيير واقعهم المرير. من حكم الله في تأخير النصر صناعة الوعي والتغيير في الأمة وإعادة الناس إلى الله تعالى.
كثير منا يدعو طالباً "خوارق"، كأن ينزل الله ملائكة أو يرسل على الصهاينة ريحاً تدمرهم، لكن الله تعالى أفهمنا أن هذه ليست السنة التي نُعول عليها لوقف عدوان الظالمين. علينا أن نعمل على تذويب الحواجز والأخذ بأسباب التحرر، ووحدة الأمة بنفس طويل، وبلا ملل في التربية والتزكية والتقرب من الله، والجرأة في وجه الظالمين، وتحري الرزق الحلال، وإتقان العمل؛ وحينئذٍ {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}.
لا يحسن بالمسلم أبداً أن يقصر في أسباب النصر التي ترفع عنا الذل، وفي الوقت ذاته يدعو الله أن ينقذنا بخارقة. تصور أن النار نشبت في طرف بيتك وأنت جالس مكانك، لا تحمل الماء لتطفئها ولا تخرج أهلك، ومع ذلك تدعو: "اللهم أطفئها بخارقة من عندك"، وتظن أنك بدعائك قد أديت ما عليك! الدعاء حينئذ يتحول إلى "تخدير".
هل يعني هذا ألا ندعو لإخواننا؟ بلى، ادعُ لهم، واقنت بالدعاء لهم وعلى أعدائهم، لكن وأنت تدعو كن مستحيياً من ربك عز وجل لأنك قصرت في الأخذ بالأسباب، وتذكر أنك قد تكون واقعاً في موانع الاستجابة. اجعل دعاءك جزءاً من توبة حقيقية، وقل: "يا رب، أعلم أني لا أستحق أن تستجيب لي، لكني أعاهدك من الآن أن آخذ بأسباب الاستجابة وأتخلص من موانعها".
ختاماً، إذا كنت محسناً تتجنب الموانع وتستنفد الطاقة وتأخذ بالأسباب بصبر، فإياك أن تظن أن الله لا يستجيب دعاءك. استجابة الدعاء لها أشكال، وليس شرطاً أن يحصل ما تريده بالضبط. قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها". قالوا: إذاً نكثر، قال: "الله أكثر".
أنت أحوج إلى هذا الدعاء من إخوانك في غزة؛ فأنت المستفيد الأول. إذا قدر الله عليك بلاءً كبلائهم، فلعل الله يثبتك ببركة دعائك لهم. الحرب الآن مفتوحة على الإسلام وأهله، ودعاؤك من أسباب تثبيتك وتثبيتهم، وهو ينفعهم بأن يربط الله على قلوبهم، ويسدد رميهم، ويعظم أجرهم. وما نراه من ثباتهم الأسطوري هو في الحقيقة من أعظم الكرامات ومن صور استجابة الله لدعاء الصالحين.
الخلاصة: ادعوا لإخوانكم، واجعلوا دعاءكم جزءاً من توبة حقيقية، وأخذٍ بالأسباب، وسعيٍ بكل وسيلة لنصرتهم بالنفس والنفيس. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يعيننا على أنفسنا وذنوبنا، وعلى مقارعة الظالمين، لنستحق شرف نصرة إخواننا.
اللهم استعملنا ولا تستبدل بنا. والسلام عليكم ورحمة الله.