تعليق على وفاة الأخوين البختي والقلي وردود الفعل عليها. تعليق على "فتاوى" نهضوية بحرمة الإضراب حتى الموت! نصيحة لشباب الدعوة السلفية في تونس. نصيحة لعقلاء حزب النهضة.
تعليق على وفاة الأخوين البختي والقلي وردود الفعل عليها. تعليق على "فتاوى" نهضوية بحرمة الإضراب حتى الموت! نصيحة لشباب الدعوة السلفية في تونس. نصيحة لعقلاء حزب النهضة.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. روى الإمام مسلم أن أبا سفيان أتى على سلمان وصهيب وبلال في نفر -ويظهر أن ذلك كان في الهدنة التي بعد الحديبية- فقال هؤلاء الصحابة: "والله ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله ما أخذها"، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: "أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدهم؟".
فأتى أبو بكر للنبي ﷺ فأخبره، فقال له النبي ﷺ: "يا أبا بكر، لعلك أغضبتهم؟ لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك". فأتاهم أبو بكر فقال: "يا إخوتاه، أغضبتكم؟" قالوا: "لا، يغفر الله لك يا أخي".
إخواني، نبينا ﷺ ينبهنا إلى أن شأن الكافر أذل وأقل من أن تغضب من أجله مسلماً؛ يعني أن المشرك لا يستحق أن تعاتب من أجله إخوان العقيدة والدين. هؤلاء الصحابة قالوا كلمتهم حباً لله وغيرة على دينه، فالله يغضب لغضبهم ويرضى لرضاهم.
نقول هذا لمن لا يعتب على المسلمين من أجل الكافرين فحسب، بل يقتلهم ويحبسهم ويشوه سمعتهم، ويتركهم يموتون في إضرابهم من أجل عدو كافر، ليس مهادناً كما كان أبو سفيان، بل محارب يستهزئ بالله وبدينه ورسوله، وينتهك الأعراض ويسفك الدماء في بلاد المسلمين.
من أجل من يا حكومة تونس تفعلين ذلك بشباب تونس؟ شباب غضبوا لربهم ولنبيهم ولم يقتلوا أحداً. هل من أجل تهديد أمريكا بقطع المساعدات -أو بالأصح الرشاوى- عن الدول التي تعرضت فيها السفارات لهجمات عقب الفيلم المسيء؟ أتريد الحكومة التي تدعي الإسلامية في تونس أن تقدم شباب الصحوة قرابين لأمريكا لترضى عنها وتغدق عليها العطايا؟
فلتبشر حينئذٍ بما صح عن النبي ﷺ في "الأدب المفرد" أنه قال: "من أكل بمسلم أكلة، فإن الله يطعمه مثلها من جهنم".
شباب يغارون على دينهم وعلى نبيهم، وثاروا من قبل على الظلم، مثل محمد البختي رحمه الله؛ هذا وأمثاله حقهم أن يرفعوا على الرؤوس وتقبل أيديهم، لا أن يسجنوا ويتركوا يموتون جوعاً في إضرابهم. لكن يبدو أن البعض مصابون بـ "حول عقدي"، إذ لا يهمهم أن يموت أحد عشر شاباً من شباب الدعوة السلفية، المهم أن يسلم أسيادهم الأمريكان ويرضوا عنهم.
الغنوشي عندما سألته مقدمة الأخبار عن التأخر في رد الفعل على أحداث السفارة الأمريكية، قال: "الحكومة لم تقف مكتوفة الأيدي، بل قتلت عدداً من هؤلاء" -يقصد الشباب السلفيين والمحتجين- "وجرحت عشرات، وهناك أكثر من مئة معتقلون وسيعرضون على المحاكم". يفتخر بإنجاز أتباعه في قتل وجرح واعتقال المسلمين إرضاءً لأمريكا التي تستهزئ بديننا وبنبينا ﷺ.
وزير الخارجية "النهضوي" يقول بعد أحداث السفارة: "الحمد لله لم يكن هناك قتلى"، فاعترض المذيع بأن أربعة من المحتجين قتلوا، فأجاب: "ظننتك تسأل عن الأمريكيين!".
هذه حالة من التردي لم يصل إليها كثير من أمراء الطوائف في الأندلس؛ فالمعتمد بن عباد -على سوئه وذله للنصارى وإعطائه الجزية لهم- عندما طلب منه "ألفونسو السادس" أن يسمح لزوجته أن تلد في مسجد قرطبة، ثارت بقية النخوة الإسلامية في نفسه واستعان بيوسف بن تاشفين، وقال لمن خوفه بأن ابن تاشفين سيذهب بملكك: "رعي الإبل ولا رعي الخنازير".
ثارت حميته عندما طلب منه طلب فيه انتهاك لحرمة المسجد، وهؤلاء لا يرعون الخنازير بل يبطشون بالمسلمين من أجل الخنازير الذين يستهزئون بالله وبدينه وبرسوله. ثم يصرح قساة القلوب مسؤولو هذه الحكومة مدعو الإسلامية -والله ما لهم من إسلامية المنهج نصيب- بأن وفاة هؤلاء الشباب لن تغير شيئاً في مجريات الأمور، ولن تكون وسيلة ضغط على القضاء، وأن السلفيين لا يفرضون علينا أجندتهم بهذا الإضراب.
كفرة تونس المسمون بالعلمانيين الذين يسبون الله جهاراً، هؤلاء ليس لهم عقوبة لدى حكومة تونس "الإسلامية"، بل لا بد معهم من الاعتدال والوسطية وإظهار الوجه السمح للإسلام! أما من يغار على دين الله فقتلهم مفخرة، وليتموتوا جوعاً فليس لهم حقوق. هذا هو منهج الخوارج بعينه: يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان.
تبلغ المهزلة قمتها عندما يخرج علينا وزير العدل ليفتينا أن هذا الإضراب من قبيل إلقاء النفس إلى التهلكة، ويخرج علينا الغنوشي ليقول: "من مات في إضراب جوع فهو آثم". سبحان الله! الآن أصبحت تهمكم أحكام الشريعة؟
إخواننا بشير القلي ومحمد البختي نرجو لهم الرحمة والمغفرة. روى الإمام مسلم ومالك وأحمد أن الطفيل بن عمرو هاجر إلى المدينة ومعه رجل من قومه، فلم يتحمل جو المدينة والحمى التي كانت فيها، فمرض الرجل فجزع وأخذ مشاقص له (أداة حادة) فقطع بها براجمه (أي مفاصله)، فنزفت يداه حتى مات؛ أي أن هذا الرجل قتل نفسه.
ثم رآه رفيقه الطفيل بن عمرو في منامه، رآه وهيئته حسنة ورآه مغطياً يديه، فقال له: "ما صنع بك ربك؟" فقال: "غفر لي بهجرتي إلى نبيه ﷺ". فقال الطفيل: "ما لي أراك مغطياً يديك؟" فقال الرجل: "قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت". فقص الطفيل هذه الرؤية على النبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم وليديه فاغفر، اللهم وليديه فاغفر".
مع أن الرجل قتل نفسه، وقتل النفس من أكبر الكبائر، لكن الرحمن عز وجل أكرم هذا الرجل وغفر له بعامل عظيم وهو الهجرة إلى النبي ﷺ. وإخواننا القلي والبختي يرجى لهم الرحمة والمغفرة عند ربهما سبحانه؛ لأنهما غارا على دين الله وغضبا لله وسجنا في سبيل الله.
لربكم ونبيكم وغيرتكم على دينكم في ظل حزب يدعي الإسلامية، وبعد ثورة يفترض أنها خلعت الظلم والطاغوتية والكفر من بلادكم، ثم إذا بكم تسجنون الأيام الطوال دون أدنى احترام لإنسانيتكم ولا لحاجة عوائلكم إليكم. ندرك القهر الذي تحسون به، وقد سجنا من قبل مثلكم وشعرنا بالقهر كما تشعرون، لكن تونس تنتظركم يا إخواني وأنتم بإذن الله قادتها إلى فجر جديد، فادخروا أنفسكم الطيبة ولا تؤذوها بالإضراب، فهي والله غالية والأمة بحاجة إليها.
ثم أنصح إخوتي وأحبتي أبناء الدعوة السلفية في تونس بالالتفاف حول مشايخهم والثقة بهم، فلديكم مشايخ وعلماء نحسبهم مخلصين تُغبطون عليهم، كالشيخ الخطيب الإدريسي والشيخ أبي عياض وغيرهم كثير، فثقوا بهم وأتمروا بأمرهم.
نعلم أنكم تتعرضون لاستفزاز لا يطاق، ونعلم أنه يراد لتونس أن تصبح جزائر أخرى يذبح فيها الدعاة، وقد رأينا منكم صبراً وحكمة عظيمين. والله فإن سعى بعض مشايخكم إلى التهدئة والحوار في سبيل تخفيف معاناة إخوانكم في الأسر فهم في ذلك مجتهدون، والمسألة قابلة للاجتهاد، ومن يمتنع عن الحوار مع الظلمة دون نكير على إخوانه مجتهدون أيضاً.
والمتآمرون عليكم من جاهلي تونس العلمانيين والقوى الغربية من ورائهم يريدون لكم أن تنقسموا وتتفرقوا وتتنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، فاصبروا إن العاقبة للمتقين.
ختاماً نقول لعقلاء حزب النهضة -إن بقي فيه بعد ذلك عقلاء-: مهما كانت نظرتكم لشباب الدعوة السلفية في تونس، ومهما كان لهم من أخطاء تتوهمونها أو هي واقعة فعلاً، فهم في النهاية مسلمون. فانظروا هل تريدون لأنفسكم أن تلقوا الله عز وجل يوم القيامة فيسألكم: "قتلتم وسجنتم عبادي الذين غضبوا من أجلي إرضاءً لمن استهزأ بي"؟ فماذا أعددتم لهذا الموقف من جواب؟
اللهم فرج كرب المسلمين في تونس، وارحم من قُتل من إخواننا، وفك أسر أسراهم من السجون، وأبرم لتونس أمر رشد يُعز فيه أهل طاعتك ويُذل فيه أهل معصيتك.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.