مفهوم القراءة بـ "النظارة"
السلام عليكم إخواني الكرام، مما أنصح به في التعامل مع القرآن الكريم أن تلبس "نظارة" تقرأه بها. كيف يعني؟
مثلاً، في حلقة بعنوان "وإنه لتنزيل رب العالمين"، تكلمتُ عن الشواهد الكثيرة في القرآن الدالة على أنه خطاب ربٍ لعبد، ولا يمكن أن يكون من كتابة إنسان يريد ادعاء المجد لنفسه؛ فالقرآن ينسب الفضل لله تعالى في مواقف يظهر أن الفضل فيها للنبي ﷺ، والقرآن يعاتب النبي في بعض المواقف وينذره إذا حاد عن سبيل ربه، وغير ذلك الكثير. إذا قرأت القرآن بهذه النظارة (نظارة علوية الخطاب الرباني)، ستلمس هذا المعنى كما لم تلمسه من قبل في آيات كثيرة.
كذلك الإخوة الذين حضروا معنا مسابقة "أنت مهم"، إذا لبست نظارة "أنت مهم" وبحثت في الشواهد القرآنية الدالة على حفاوة الله تعالى بالجنس البشري، وعنايته بالتشريع لك أيها الإنسان في تفاصيل حياتك، وما أعده لعباده الصالحين؛ ستجد للايات وقعاً آخر وتستخرج منها معانٍ ما كانت تخطر ببالك.
نظارة الصدمة: ملفات "إبستين" والواقع المرير
الآن، الصدمة التي أصابت العالم بعد نشر بعض ملفات "الشبكة الإبستينية" الخبيثة، وما فيها من نماذج السقوط المروع البشع الذي تورط فيه أكابر مجرميها؛ بعدما رأينا الحضيض الذي يمكن للناس أن يصلوا إليه إذا لم يعتصموا بحبل الله تعالى وشريعته، اقرأ القرآن بهذه النظارة: نظارة إدراك الفرق بين سماء الشريعة ومستنقع الإبستينية.
وأنا أحضكم يا كرام أن تبدأوا بذلك من الآن، قبل أن يفتر الإحساس بالصدمة وقبل رمضان، ابدأ بقراءة القرآن بهذه النظارة، ستجد للآيات وقعاً عظيماً لم تجده من قبل.
الامتنان بنعمة الهداية
لما تقرأ قول الله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}، وقوله تعالى: {بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}؛ تستشعر منّة الله علينا بهذا الدين العظيم الذي أنقذنا به من دركات الكفر.
ولما تقرأ قول الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}، ثم تنظر في واقع البشرية الآن بعدما ضعفنا نحن أتباع نبي الرحمة عن القيام بمهمتنا في إنقاذ الناس من ظلمات الكفر، وتقرأ قوله تعالى: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
حماية الفضيلة والستر
لما تقرأ الآيات التي تدعو للفضيلة وتحافظ عليها وتحمي كل أسبابها، كقول الله تعالى: {قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا}. انظر إلى غض البصر والمحافظة على عفة البصر؛ أين القرآن وأين أتباع الإبستينية؟
ولما تقرأ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. ولما ترى أن الله تعالى يخاطبنا فيقول: {يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْجَنَّةِ يَنزَعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا}؛ تدرك قيمة الستر والعفة والحياء.
مدافعة أهل الباطل وفساد الأرض
لما تقرأ قول الله تعالى: {قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ * وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ}، الآيات التي تأمر بمدافعة أهل الباطل حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله؛ يمكن كنت من قبل تتحرج من هذه الآيات، والآن ترى ماذا يحصل إذا ساد هؤلاء وكانت لهم الغلبة.
لما تقرأ قول الله تعالى: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ}؛ تفهم الآن شيئاً من فساد الأرض في غياب مدافعة أهل الباطل.
حقيقة "كهنة العلم" والتبعية الفكرية
لما تقرأ: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}؛ يمكن كنت تحس بالدونية كمسلم أمام العلماء والأثرياء الغربيين قبل أن تنكشف حقيقتهم لك، بينما الآن تدرك أنهم مهما بلغوا من المناصب والثراء والعلم الدنيوي فهم أحط من البهائم: {أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}.
لما كان بعض الدجالين يدافع عن أمثال "هوكينغ" وعرّابي الإلحاد من كهنة العلم الزائف ويقول لك: "يمكن هؤلاء استعرضوا أدلة وجود الله فلم يقتنعوا بها، وإلا فهم باحثون عن الحقيقة"، الآن تقرأ قول الله تعالى: {وَلَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ ۖ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ}؛ تفهم أكثر أنه لا يكفر بآيات الله إلا الفاسق الذي ليس عنده استعداد للهداية، لا يريد أن يعرف الحق، ولا يمكن أن يكفر بها شخص باحث عن الحقيقة بتجرد.
لما تقرأ: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّىٰ يُصْرَفُونَ}؛ انظر إلى أين يُصرفون، إلى أي درك سافل ينحطون، وإلى أي مستنقع ينحدرون بعدما تركوا حبل آيات الله تعالى.
سماء الشريعة وجاهلية القوانين الوضعية
لما تقرأ: {أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا ۚ كَذَٰلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
ولما تقرأ قول الله تعالى: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}؛ ثم ترى سماء الشريعة وطهرها وكمالها وحكمتها ورحمتها، هذه الشريعة العظيمة التي كان الأنجاس الإبستينيون وأذيالهم من العرب يشوهونها ويسخرون منها ويهاجمون أحكاماً فيها كالكلاب التي تنبح على السماء، وتدرك بعمق أن أي بديل عن الشريعة فهو جاهلية جهلاء؛ جاهلية مهما زُينت وسُنّت لها قوانين وبُررت بمبررات ديمقراطية وإنسانوية وغيرها فهي جاهلية.
لما تقرأ: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ}؛ تدرك جماليات الشريعة وحرمان البشرية منها.
الربا واستعباد الناس
لما تقرأ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ * فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}، ثم تنظر في واقع البشرية اليوم كيف أن الربا من أهم ركائز الرأسمالية وازدياد الأثرياء ثراءً والفقراء فقراً، ثم تسلط بعض الأغنياء واستعبادهم للناس، ومن أهم أسباب تسلط الصهيونية ونفوذها تعاملها بالربا.
بعض اللواتي أُسقطن في حبال شبكة "إبستين" كنّ يبحثن عن سداد أقساط الجامعة ونفقات المعيشة وما إلى ذلك؛ ستعلم لماذا نفّر الله عن الربا وحذر منه غاية التحذير.
حماية كيان الأسرة
عندما تقرأ الآيات التي تحافظ على كيان الأسرة: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ}؛ المرأة يجب أن تُحمى من رجالها، وهذه الذئاب اللعينة تريد أن تخرجها من حماية ورعاية الرجال تحت مسمى الحرية وعمل المرأة وتمكين المرأة و"المراه المستقلة القوية" لتفكك الأسرة وتصطاد أفرادها.
التحذير من اتباع أهل الكتاب وعبادة الشيطان
عندما تقرأ الآيات الكثيرة التي تتكلم عن بني إسرائيل، وتقرأ قوله تعالى: {أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي ۚ هَٰذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ}؛ ثم تنظر في هؤلاء الذين عبدوا الشيطان بالفعل.
وعندما تقرأ قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تُطِيعُوا فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ * وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ ۗ وَم