السلام عليكم ورحمة الله، إخواني الكرام. عندما نقول إن الزلزال نذير رباني يصيب الناس بذنوبهم، وهو تخويف لعلهم يعودون إلى ربهم، نرى من يقول: "هذا الكلام غير صحيح، الزلازل ظاهرة لها أسباب طبيعية ولا علاقة لها بالذنوب، وإلا ففي بلاد الكفار هناك أضعاف أضعاف المعاصي والذنوب التي في المناطق المتضررة في الزلزال، فلو كان الزلزال بالذنوب لأصاب هؤلاء بدل أن يصيب المساكين من إخواننا النازحين أو المناطق المحافظة نسبياً في تركيا".
انظروا يا إخواننا، أولاً: المسلم يفهم سنن الله تعالى بشكل متكامل على نور من كتابه العزيز، ولا يضرب السنن ولا الآيات بعضها ببعض. الذين يقولون إنما هي أسباب مادية وليست تذكرة من الله ولا علاقة لها بالذنوب، هؤلاء يظنون أن الحدث الواحد إما أن يكون لسبب مادي أو لسبب غيبي، ولا يدركون أن الله تعالى يبتلي عباده بالسراء والضراء بأسباب مادية، فكلٌّ من عند الله {أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ}.
فلا تعارض بين أن يكون للحدث الواحد سبب مادي وسبب غيبي؛ قال الله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ}. وهذه المصائب معلوم أن لها أسباباً مادية، ومع ذلك يوضح الله تعالى لنا أنها بذنوبنا. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما اختلج عرق ولا عين إلا بذنب، وما يدفع الله عنه أكثر".
وقد حصل زلزال في عهد من هم خير من أهلنا في سوريا وتركيا؛ ففي الأثر الصحيح تزلزلت الأرض على عهد عمر رضي الله عنه فقال: "يا أيها الناس، ما كانت هذه الزلزلة إلا عن شيء أحدثتموه، والذي نفسي بيده إن عادت لا أساكنكم فيها أبداً". يقول هذا الكلام للصحابة والتابعين وهم خير منا جميعاً؛ إن هذا الزلزال ناتج عن شيء من معاصٍ أحدثتموها.
والمسلم مع ذلك لا يجزم بأن الله قدر هذا الحدث أو ذاك من الأحداث الطارئة لهذه الحكمة أو تلك بالذات، فلا نقول مثلاً: "وقع زلزال نتيجة للمعصية الفلانية"، لا، وإنما المسلم يعلم أن ما يحصل معه هي تذكيرات تجعله يلجأ إلى الله تعالى بالشكر في السراء، وبالصبر والتوبة في الضراء. بالإضافة إلى أن كل الأحداث في هذا الكون وأسبابها المادية مقرونة بسبب غيبي، ألا وهو مشيئة الله تعالى وتدبيره.
ثانياً يا كرام: لماذا لا تصيب الكوارث أناساً كفاراً عندهم ما هو شر من كل ذنوب إخواننا المنكوبين؟ أجابنا الله تعالى فقال: {لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ * مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۚ وَبِئْسَ الْمِهَادُ}.
أما إخواننا الذين صبروا في هذا البلاء واحتسبوا أجرهم عند الله، فيكمل الله تعالى بعدها: {لَٰكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِّنْ عِندِ اللَّهِ ۗ وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ لِّلْأَبْرَارِ}. فالكافر قد يعجل الله له العقوبة وقد يؤخرها إلى يوم القيامة، قال الله تعالى: {وَأُمْلِي لَهُمْ ۚ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ}، وقال تعالى: {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ ۚ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ۚ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ}. الدنيا يا إخواني دار بلاء لا دار جزاء، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة.
ثالثاً وهي نقطة مهمة جداً: عندما تسمع أن المؤمن تصيبه المصائب بذنوبه، فلا تتعامل مع هذا الأمر بشكل سلبي على أنه عقوبة محضة من الله تعالى كأن الله ينتقم من عباده المسلمين، بل البلاء للمسلم فيه رحمة وتطهير ورفع درجات، وهذه حقيقة مؤنسة جميلة مصبرة ومطمئنة جداً.
في الحديث الصحيح قال أبو بكر رضي الله عنه: "يا رسول الله، كيف الصلاح بعد هذه الآية: {لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ ۗ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا}؟ فكل سوء عملنا جزينا به؟" فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "غفر الله لك يا أبا بكر، ألست تمرض؟ ألست تنصب (تتعب)؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء (الشدة)؟" قال أبو بكر: بلى، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فهو ما تجزون به".
يعني هذه المصائب والآلام الدنيوية تكفر عنكم سيئاتكم لتلقوا ربكم عز وجل مطهرين من الذنوب، بخلاف الكفار. فلما نقول الكوارث تحصل بالذنوب فلا تستوحش، بل تذكر هذا المعنى من التطهير والرحمة. كما أنه لا يعني أننا أحسن منهم لأننا لم يصبنا الزلزال مثلهم، بل قد يكون ذلك من تفضيل الله لهم بحيث يطهرهم في هذه الدنيا، وهو ما سيتمناه أهل العافية في الدنيا عندما يرون إكرام الله لمن ابتلوا يوم القيامة.
رابعاً يا كرام: كثير من إخواننا الذين أصابهم الزلزال على خير فيما نحسبهم، لكن هناك بين صفوفهم من عنده معاصٍ كبيرة، فإذا نزل البلاء عمَّ هؤلاء وهؤلاء؛ قالت زينب رضي الله عنها: "يا رسول الله، أنَهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم، إذا كثر الخبث". طيب بعد ذلك؟ يوم القيامة يحاسب كل واحد بحسب عمله ونيته.
خامساً إخواني: لأجل ما سبق جميعاً، إياكم أن تفقدوا فرصة للاتعاظ بهذا التفكير الخاطئ والقسمة الثنائية الخاطئة: "إما سبب مادي أو تذكير رباني لنترك الذنوب"، لا، القسمة ليست ثنائية بهذا الشكل.
أخرج البخاري في "الأدب المفرد" عن سعيد بن المسيب قال: كنت مع سلمان وعاد مريضاً في كِندة (سلمان الفارسي رضي الله عنه)، فلما دخل عليه قال: "أبشر، فإن مرض المؤمن يجعله الله له كفارة ومستعتباً، وإن مرض الفاجر كالبعير عقله أهله ثم أرسلوه، فلا يدري لِمَ عُقل ولا لِمَ أُرسل".
ما معنى أن المرض يكون "مستعتباً" للمؤمن؟ أي أنه يكون سبباً في محاسبة نفسه ورجوعه عن الإساءة ويقظته من غفلته، بخلاف الفاجر فإن مرضه لا ينفعه وهو لا يزال مصراً على المعصية، ولذلك هو كالدابة التي أمسكها وربطها أهلها ثم فلتوها، فلا تدري لماذا أُمسكت ولا تدري لماذا أُرسلت. وكذلك الفاجر إذا مرض لا يدري لماذا مرض وما هي الحكمة من المرض، ولا يحتسب أجراً ولا يرجع إلى الله.
أما المؤمن فيعلم أن الله سبحانه حكيم في أفعاله كلها، وأنه يستخرج من عباده عبوديات بابتلاءات السراء والضراء، قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ}. فالمؤمن يفكر دائماً: ما العبودية التي يحبها الله مني في هذا الموقف؟
أما المنافق فهو في كثير من أحواله قد نسي الله سبحانه، فلا يفسر الأحداث على ضوء الإيمان بحكمة الله ولا يتفكر في هذه العبوديات؛ قال الله تعالى في زجر المنافقين: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}. فانظر إلى قوله تعالى: {وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ}، فأعيذك بالله أخي وأختي أن تكونوا من هؤلاء الذين يفوتون فرصة الاتعاظ.
ختاماً إخواني: واجبنا في هذه الأحداث أن نعين إخواننا بما نستطيع، ونعلم أننا لسنا أبعد عن الابتلاء منهم، فنتوب إلى ربنا سبحانه وتعالى.
والسلام عليكم ورحمة الله.