تواصل أحمد (أبو رويدة) مع والدته وأهدافه في سيناء
كان أحمد يتصل بي كل فترة، وأحياناً كان يغيب لمدة عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً، فأشعر بقلق شديد عليه. وعندما يتصل بي أقول له: "يا أحمد تأخرت عليّ، قلقتني عليك"، فيجيبني: "لا يا أمي، أنا بخير والحمد لله ومبسوطون".
كان يسألني: "هل رأيتِ الغاز؟ لقد فجروه ثانية"، فأقول له: "نعم يا أحمد"، فيقول لي: "ادعي لنا، جماعتنا نحن هم من نفجر؛ فليس من الممكن أن يذهب هذا الغاز لإسرائيل". كان يخبرني أنهم يدخلون لتنفيذ عمليات عندما نسمع عن تفجيرات داخل إسرائيل، ويقول: "ادعوا لنا، نحن المجاهدون وقصدنا إسرائيل، نحن ننتظر إسرائيل لأنها داخلة إلينا في كل الأحوال ونحن مستعدون لها".
آخر عملية قام بها، والتي عرفتُها، كانت ضرب "إيلات" بالصواريخ من سيناء؛ كانت هذه من أواخر عملياته ضد إسرائيل. كان كل غرضه وعمله هناك موجهاً ضد الاحتلال، من تفجير خطوط الغاز باستمرار منذ خروجه من المعتقل وسفره إلى هناك، وصولاً إلى قصف الصواريخ. كان يفرحني ويقول لي: "انظري ماذا فعلنا"، وهذا هو جلّ ما كانوا يركزون عليه.
معاناة الأسرة والتعذيب في أمن الدولة
قبل ذلك، قاموا باعتقال أخيه الصغير "أكرم" وزوج أخته، وعذبوهما واحتجزوهما لمدة شهر تقريباً في مدينة نصر، وأذاقوهما ألواناً من العذاب. صبرنا على ذلك، لكنهم بدؤوا يهددونني بأخذ كل أولادي والتخلص منهم، بل وهددوا بأخذ بناته الصغيرات. ظل أخوه وزوج أخته محتجزين لشهر حتى انتهوا من تعذيبهم ثم أطلقوا سراحهم.
بعد ذلك، استمروا في مطاردة أحمد والبحث عنه حتى تمكنوا من القبض عليه في طريق الهرم. قبض عليه ضابط في أمن الدولة يدعى "علي الشرقاوي"، وظل محتجزاً عندهم لثلاثة أشهر، رأى فيها من العذاب ما لا يمكن لوصفه أن يبلغه أو يتخيله العقل. تنقل خلالها لمدة شهر ونصف في "6 أكتوبر" (القلعة) وشهر ونصف في "لاظوغلي".
كانوا يعذبونه لدرجة أنه إذا نطق بكلمة "يا رب" أو "يا الله" أو ذكر اسم الله، كانوا يحرقون له فمه لمنعه من الذكر. عندما خرج من المعتقل وبدأنا نزوره، رأيت آثاراً غريبة على جسده، كنت أسأله عنها فيقول لي: "لا يا أمي"، ولم يرضَ أن يخبرني بحقيقة ما فعلوه به. لكنه كان قوياً نفسياً، ويحتسب كل ذلك في سبيل الله، ويقول لي دائماً: "لا يهمني يا أمي، أنا كنت مع الله مهما فعلوا بي".
ما بعد الثورة والانتقال إلى سيناء
بعد الثورة، بدأت أجري في كل مكان لأخرجه من المعتقل، وبالفعل خرج بفضل الله. جلس معنا أسبوعاً واحداً فقط، ثم قال لي: "يا أمي، الدولة ما زالت تلاحقنا"، خاصة بعد مضايقة أخيه، فقرر الذهاب إلى سيناء قائلاً: "سأجلس هناك".
مكث في سيناء حوالي سنة ونصف، لم أره خلالها، وكان يكلمني لدقائق معدودة كل أسبوع أو عشرة أيام ليطمئنني عليه وعلى حاله.
حقيقة أحداث الحدود وطلب استلام الجثمان
عندما وقع الاعتداء على الحدود في رمضان، اتصلت به وكنت قلقة جداً، سألته: "يا أحمد، هل لكم علاقة بهذا الموضوع؟"، فأجابني بوضوح: "لا يا أمي إطلاقاً، نحن بعيدون عن هذا الموضوع تماماً ولا علاقة لنا به، نحن في أمان واطمئنان". كانت هذه آخر مكالمة بيننا، وبعدها انقطعت أخباره تماماً.
بدأنا نسأل عنه ونبحث، حتى عرفنا أنه استشهد. جثمانه الآن موجود في العريش، ونحن نحاول جاهدين استلامه لندفنه هنا لكننا لا نستطيع. قاموا بأخذ عينات (DNA) من بناته الاثنين ومن زوجته، وما زلنا ننتظر أن يسمح لنا أحد بأخذه لدفنه.
نحن نطلب من الحكومة ومن كل مسؤول "إكرام الميت دفنه". ابني نحسبه شهيداً عند الله، وأنا لا أريد شيئاً من أحد سوى ابني لأعرف طريقه وأدفنه. أحمد لم يكن مجرماً أبداً، ولم يتعدَّ على أحد. لو كان مجرماً كما يدعون، لكان هو ورفاقه قد انتقموا من الضباط الذين عذبوهم بأبشع الوسائل، فالكهرباء كانت بالنسبة لما لاقوه أمراً بسيطاً. لقد خرجوا من المعتقلات والبلد بلا أمن، وكان بإمكانهم الوصول لمن عذبهم، لكنهم لم يفعلوا ذلك.
أناشد الإخوة السلفيين: لماذا لا تدافعون عنهم؟ لماذا تتركونهم يتهمون ظلماً؟
[انتهى]