السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرسل لي أحد الإخوة سؤالًا يقول فيه: نحن نعلم أن الله تعالى قال في حق اليهود: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ}. وفي الوقت ذاته رأينا كيف قامت فرقة منهم بتحرير أربعة من أسراهم، فمع يقيني بصدق كلام الله تعالى، كيف نوفق بين الآية وعملية التحرير هذه التي يظهر فيها شيء من الشجاعة أو البسالة من جنود يهود؟
استعنت بأحد الإخوة فأجابني جوابًا أعجبني، فأحببت مشاركتكم إياه بشيء من التبسيط؛ لأنه نموذج على حسن التعامل مع آيات القرآن وربطها بالواقع. نجيب عن هذا الاستشكال يا إخوة بعدة وجوه:
الآيات تتكلم عن حالة معينة حيث تآمر المنافقون في المدينة مع يهود، فبيّن الله تعالى أنهم كاذبون فيما تواعدوا عليه من نصرة بعضهم بعضًا، وبشر النبي ﷺ وأصحابه أنهم لن يجرؤوا على ذلك. فالنفي في الآية ليس نفيًا لكل أحوال اليهود أو المنافقين في كل الأزمان؛ لأنه سبحانه قال: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ} في سياق تلك المواجهة.
تفهم الآيات بمجموعها؛ قال الله تعالى: {ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِّنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ}. فهذا يفيد أن يهود على حالتهم من الذلّة إلا إذا وجدوا من يسندهم ويعينهم ويكون ظهيرًا لهم. فبدون هذا الغطاء لا يتحركون ولا يقاتلون إلا من وراء جدر ومن خلف حصون، أما إذا وجدوا من يكون معهم ويساندهم فستجد منهم تجرؤًا، فكيف وقد ساندهم قوى الكفر والنفاق في العالم؟ لذلك فالآيات في السور تصف أحوالًا مختلفة لسلوكهم، وكل حال له وضعه وطبيعته.
قوله تعالى: {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ}، يحتمل أن تكون كلمة "جميعًا" حالًا من المخاطب (أي حال اجتماعكم وقوتكم)، وليس من اليهود أو المنافقين، بمعنى أنهم لا يجرؤون على مواجهتكم وأنتم مجتمعون إلا من وراء حصون.
هذه الآية حكم على "جماعة" اليهود والمنافقين وليس على أفرادهم، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن تنطبق على فرد فرد فيهم. مثلاً: روى الإمام مسلم عن سلمة بن الأكوع رضي الله عنه أنه قال -ضمن حديث طويل-: فلما قدمنا خيبر خرج ملكهم "مرحب" يخطر بسيفه ويقول: قد علمت خيبر أني مرحب .. شاكي السلاح بطل مجرب إذا الحروب أقبلت تلهب
وخرج له علي رضي الله عنه بعدما خرج عامر (عم سلمة). فهذا فارس من يهود يخرج يبارز المسلمين، ولم يستشكل الصحابة ذلك ولم يقولوا: يا رسول الله كيف خرج مرحب وغيره من فرسان اليهود مع أن الله يقول {لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ}؟ فهناك أحوال وهناك فرسان من اليهود عندهم شجاعة، لكن الغالب على جماعتهم الجبن والخور.
بالنظر إلى العملية الأخيرة، نجد أنها لم تأتِ إلا بعد ثمانية شهور من الحصار والتجويع ورمي أطنان المتفجرات، ثم دخلوا بعد أحزمة من النار قتلوا بها مئات المسلمين من غير المحاربين، مسنودين بقوات أجنبية أخرى، ومستخدمين شاحنات الإغاثة مستخفين فيها، وهاربين عبر الرصيف العائم.
فأي شجاعة وأي بسالة هذه؟ الله يخيبهم هم وكل الخونة والمجرمين الذين يدعمونهم ويساعدونهم في التضييق على المسلمين وتجويعهم وقتلهم.
ختامًا أيها الأحبة، ليس دورنا أن نقف عند التساؤل والإجابات العلمية وتحليل الآيات فحسب، وإنما أن نسعى لنصرة إخواننا ورفع إثم الخذلان عن أنفسنا، وأن تحفر هذه الأحداث أثرًا عميقًا في عقيدتنا وفكرنا وولائنا وبرائنا، وأخذنا بأسباب القوة لينصرنا الله على هذه الشرذمة المجرمة ومن والاها.
نسأل الله أن يوفقنا لعملٍ صالحٍ متقبل ونصرةٍ للدين يرضى بها عنا يوم نلقاه. والسلام عليكم ورحمة الله.